النص المفهرس
صفحات 161-180
إبراء ٤٢ - ٤٣ لاقی عیناً لا یصح، محمول، كما قال ابن عابدين، على أن المراد الإبراء المقيد بالعين . ثم قال : ومعنى بطلان الإبراء عن الاعيان أنها لا تصير ملكاً للمدعى عليه، وليس المراد أنه يبقى على دعواه، بل تسقط في الحكم. وبعبارة أخرى لابن عابدين: معناه أن للمبرئ أخذ العين ما دامت قائمة، فلو هلكت سقط (أي ضمانها ) لأنها بالإبراء صارت وديعة عنده، أي أمانة .(١) وقد استثنى الحنفية من عدم تصحيح الإبراء عن العين نفسها ما لو كانت العين مضمونة، كالدار المغصوبة، فإن الإبراء عنها صحيح سواء أكانت هالكة أم قائمة ، لأن الهالكة كالدين، والقائمة يراد البراءة عن ضمانها لوهلكت ، فتصير بعد الإبراء كالوديعة، والإبراء عن العين التي هى أمانة يصح قضاء لا ديانة . الإبراء عن الحقوق : ٤٢ - الحقوق إما أن تكون حقاً خالصاً لله عز وجل، أو حقاً خالصاً للعبد، أو أن يجتمع فيها حق الله وحق العبد مع غلبة أحدهما . وهي إما مالية كالكفالة ، أو غير مالية، كحد القذف. والإبراء إما أن يكون موضوعه حقاً بعينه ، أو جميع الحقوق، بحسب الصيغة، كما لوقال : لا حق لي قبل فلان، ونحو ذلك، مما يقتضى العرف استيعابه جميع الحقوق، على الراجح المصرح به عند (١) حاشية ابن عابدين ٣٣٨/٤، وتنبيه الاعلام ( من مجموعة رسائل ابن عابدين ٨٨/٢) وإعلام الأعلام له أيضا ٩٧/٢، ٩٨ الحنفية والمالكية من اعتبار العرف وعدم التفرقة بين الألفاظ المختلفة في الدلالة بحسب الوضع اللغوي ، كما قيل من أن (عند) و(مع) للامانات، و(على) للدیون، على ما سبق. وقد توسع المالكية في المراد بالحقوق المالية حتى جعلوها تشمل ((الديون والقرض والقراض والودائع والرهون والميراث، وكذلك الحق المترتب على الإتلاف كالغرم للمال)» وهو اطلاق اصطلاحي ليس خاصاً بهم، فقد صرح الحنفية بأنه لوقال : لا حق لي قبل فلان، يدخل العين والدين والكفالة والجناية (١) فالإبراء عن الحقوق الخالصة للعبد، كالكفالة والحوالة، صحيح بالاتفاق بين الفقهاء. أما الحقوق الخالصة لله عز وجل، كحد الزنى فلا يصح الإبراء عنها . والحكم كذلك في حدّ القذف بعد طلبه ، وحدّ السرقة بعد الرفع للحاكم. وأما الحقوق التي غلب فيها حق العبد، كالتعزير في قذف لا حدّ فيه، فيصح الإبراء عنه. وفي ذلك تفصيل وخلاف موطنه الأبواب التي يفصل فيها ذلك الحق. الإبراء عن حق الدعوى : ٤٣ - الإبراء عن الدعوى إما أن يرد عاماً أو خاصاً، وكذلك إما أن يحصل أصالة أو تبعاً، وبيانه فيما يلي : (١) السياسة الشرعية لابن تيمية ١٢٠/٦٩، وفتح القدير لابن الهمام ١٦٢/٤ ط بولاق، والدسوقي على الشرح الكبير ٤١١/٣، وإعلام الأعلام لابن عابدين ٩٨/٢، وحاشية ابن عابدين ١٨٦/٣ - ١٦١ - إبراء ٤٤ يكون الإبراء عن الدعوى عاماً مطلقاً إذا اسقط حقه في المخاصمة من حيث هي تجاه شخص ما ، فهذا لا يجوز، لأنه يتناول الموجود وما لم يوجد بعد ، والإبراء عما لم يوجد سبب وجوبه باطل اتفاقا .(١) ومن العام نسبياً الإبراء عن جميع الدعاوي التي بينه وبين شخص إلى تاريخ الإبراء، فهذا الإبراء صحيح، ولا تسمع بعد ذلك دعواه بحق قبل الإبراء.(٢) والخاص ما كان عن دعوى شيء بعينه، وهو الصحيح اتفاقا، ولا تسمع الدعوى بعده عن تلك العين.(٣) وحقق الشرنبلالي أنه لا فرق في الإبراء عن دعوى العين في صورة التعميم بين الإخبار والإنشاء، خلافا لمن أبطل، انشاء الإبراء عن جميع الدعاوى، وقصر الصحة على الإخبار أو الإبراء عن دعوى مخصوصة. (٤) (١) الوجيز ٢٦١/٢ وفيه ((لا معنى للإبراء في الدعوى))، وتبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٧٢، وحاشية ابن عابدين ٥٦٦/٢، ٤٧٤/٤، وشرح الروض ١٤٠/٢ (لو قال أبرأتك من الدعوى لم يبرأ وله العود اليها)»، والمغني ٨٨/٩ ط الرياض ((لا يسقط الحق إلا في الدعوى المقامة وله أن يستأنف الدعوى)» (٢) المجلة العدلية المادة ١٥٦٥ (٣) الدسوقي ٤١١/٣، إعلام الأعلام ١٠٥ (٤) تنقيح الأحكام للشرنبلالي مما لخصه عنه ابن عابدين في اعلام الاعلام ١٠١/٢ و١٠٩ من مجموعة رسائله. هذا عن الدعوى أصالة. أما الإبراء عنها تبعاً فهو مآل الإبراء عن العين إذ ينصرف إلى الإبراء عن ضمانها أو عن دعواها ، لأن الإبراء عن العين نفسها باطل، وهي لا توصف بالبراءة على ما سبق. أنواع الإبراء : ٤٤ - الإبراء على نوعين : عام وخاص . والعموم والخصوص هنا بالنسبة لأصل الصيغة كما سبق بيانه. أما العام فهوما يبرأ به عن كل عين ودين وحق، وألفاظه كثيرة. وللعرف فيها مدخل، على ما سبق. وقد صرح الحنفية بتفصيل لفكرة العموم والخصوص لم نقف على مثله صريحاً عند غيرهم ، إذ قال الحنفية : يستوي في العموم أن يكون على سبيل الإخبار، كما لوقال : هوبريء من حقي وأن يكون على سبيل الانشاء، كقوله : أبرأتك من حقي ، على كثه الشرنبلالي الحنفي.(١) أما الإبراء الخاص، فله عدة صور فيها عموم وخصوص تبعا لموضوع الإبراء : أ - إبراء خاص بدين خاص ، کأبرأته من دين كذا، أوبدين عام كأبرأته مما لي عليه. فيبرأ عن (١) تنقيح الأحكام للشرنبلالي على ما نقله ابن عابدين في مجموعة رسائله ١٠٧/٢، وحاشية ابن عابدين ٤٧٠/٤ - ١٦٢ - ١ ابراء ٤٥ الدين الخاص في الصورة الأولى. وعن كل دين في الصورة الثانية ، دون التعين . ب - إبراء خاص بعين خاصة ، كأبرأته عن هذه الدار، أو بكل عين، أو خاص بالأمانات دون المضمونات.(١) (ثم هذا الإبراء عن العين إما عنها نفسها وإما عن دعواها وهوما على سبيل الإنشاء أو الإخبار، وأثر هذا سبق بيانه في موضوع الإبراء). والإبراء يتبع العموم والخصوص سواء كان في أصل الصيغة أو في الموضوع، فلا تسمع دعوى المدعي المبرى فيما تناول الإبراء. فالإبراء العام يدخل فيه البراءة عن كل حق، ولو غير مالي كالكفالة بالنفس والقصاص وحد القذف. كما يدخل ما هوبدل عما هو مال کالثمن، والأجرة، أو عما ليس بمال، کالمھر وأرش الجناية، وما هو مضمون كالمغصوب ، أو أمانة كالوديعة والعارية، على ما حققه الشرنبلالي.(٢) شمول الإبراء من حيث الزمن والمقدار: ٤٥ - الإبراء لا یشمل ما بعد تاريخه من ديون أو حقوق، وإنما يقتصر على ما قبله ، فلا تسمع دعوى المبرئ ، بعد إبرائه العام، بشيء سابق لتاريخه، وذلك للاتفاق على اشتراط وجود سبب الاستحقاق لصحة الإبراء على ما سبق. (١) الاعلام من رسائل ابن عابدين ١٠٧/٢، والفتاوي الهندية ٥٠٤/٤، وتبويب الأشباه والنظائر ص ٣٧٢ (٢) حاشية ابن عابدين ٤٧٠/٤ ومجموعة رسائله ١٠٧/٢ على أنه إذا كان الإبراء خاصّاً بشيء معين فلا تسمع الدعوى به أصلا، وهذا إذا ادعاه لنفسه ، أما لو ادعاه لغيره بوكالة أو وصاية فإن دعواه تسمع، بخلاف ما لو أقر بعين لغيره، فكما لا يملك أن يدعيها لنفسه لا يملك أن يدعيها لغيره بوكالة أو وصاية. ولا يشمل الإبراء ضمان الاستحقاق ، لعدم تناوله ذلك الضمان الحادث بعد الاستحقاق وبعد الحكم بالرجوع به، وكل ذلك لاحق بعد الإبراء. وقد عبر عن هذا الشمول وحدوده قاضيخان في فتاواه بقوله: ((البراءة السابقة لا تعمل في الدين اللاحق»(١) ومما صرح به المالكية هنا أنه لا تقبل دعوى المبرئ أن الإبراء إنما كان مما وقعت فيه الخصومة فقط، وكذا إذا قال : ليس قصدي عموم الإبراء بل تعلقه بشيء خاص، وهو كذا، فلا يقبل منه . وخالف في ذلك الحنابلة، ففي ادعاء استثناء بعض الدين بقلبه يقبل، ولخصمه تحليفه. ولابد من الإثبات بالبينة أن الحق المدعى به حصل بعد الإبراء لتقبل دعواه به، كما لا تقبل دعواه الجهل بقدر المبرأ منه إلا ببينة، وكذلك دعوى النسيان. أما الشافعية فقد فصلوا في الجهل بين ما إذا باشر سبب الدین بنفسه، أو روجع إليه عند السبب (١) المجلة العدلية المادة ١٥٦٥ و١٦٤٩، والدسوقي ٤١١/٣، والفتاوي الخانية ١٤٠/٣، وشرح الروض ٣٠٩/٢، ٢١٠ - ١٦٣ - إبراء ٤٦ - ٤٧ فإنه لا يقبل، وإلا فيقبل، وفي دعوى النسيان يصدق بیمینه .(١) سريانه من حيث الأشخاص : ٤٦ - للإبراء - عدا شموله الزمني - سريان لغير المبرأ أحياناً. ومن أمثلته ما لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثمن، فقد ذهب ابو حنيفة إلى أن الشفيع يستفيد من ذلك الإبراء، فيسقط عنه مقدار ما حظّه البائع عن المشتري. ونحوه مذهب مالك، وهو أن الباقي بعد الإبراء إن كان يصلح ثمنا (بأن كان · الإبراء عن الأقل ) استفاد الشفيع من الإبراء، بخلاف ما لو كان الإبراء عن الأكثر، فإنه يأخذ بالثمن المسمى كله قبل الحظ. وذهب المالكية والشافعية إلى أن الإبراء يصح ولا يستفيد منه سوى المشتري، أما الشفيع فيأخذ بالثمن كله أو يترك (٢). ومن ذلك الكفالة، فإن إبراء الأصيل يسري إلى الكفيل، بخلاف ما لو أبرأ الكفيل فإنه يبرأ وحده، لأن إبراءه إسقاط للوثيقة، وهي لا تقتضي سقوط أصل الدين، وهذا إن أبرأه من الضمان، أما إن (١) الدسوقي ٤١١/٣، والفروع ١٩٨/٤، وشرح الروض وحواشي الرملى ٢١٧/٢ (٢) فتح القدير والعناية ٢٧١/٥، والدسوقي ٤٩٥/٣ ، وشرحٍ الروض ٣٧٠/٢، وشرح منتهى الإرادات ٤٤٦/٢، والمغني ٢٥٩/٥ ط مكتبة القاهرة. أبرأه من الدين فينبغي على ما قال الرملي الشافعي براءة الاصيل ، لأن الدين واحد ، وإنما تعددت مَحَالّه. وكذلك ان تكرر الكفلاء وتتابعوا ، فإن إبراء غير الأصيل من الملتزمين يستفيد منه مَنْ بعده، لأنهم فرعه، لا مَنْ قَبْله، لأن الأصيل لا يبرأ ببراءة فرعه . وفي الغصب إن أبرأ غاصب الغاصب برئ الأول أيضا ، أما إن أبرأ الغاصبَ الأولَ فَقَّط فلا (١) يبرأ الثاني (١) التعليق والتقييد والإضافة في الإبراء : ٤٧ - من المقرّر أن التعليق هو ربط وجود الشيء بوجود غيره، فهو مانع للانعقاد ما لم يحصل الشرط. أما التقیید فلا صلة له بالانعقاد ، بل هو لتعديل آثار العقد الأصلية ويسمى الاقتران بالشرط. وأما الإضافة فهي لتأخير بدء الحكم إلى زمن مستقبل.(٢) وقد جاءت بعض الصور المتشابهة مع اختلاف حكمها بسبب اعتبارها تعليقاً أو تقييداً للتجوز في (١) حاشية ابن عابدين ٢٧٦/٤، وشرح الروض ٢٤٦/٢، ٢٤٧، ٢٤٩، وتنبيه ذوي الأفهام لابن عابدين ٩٤/٢، والقليوبي ٣٠/٤ (٢) المجلة العدلية المادة ٨٢، والعناية شرح الهداية للبابرتي ٤٤/٧ ط بولاق بها مش فتح القدير. - ١٦٤ - إبراء ٤٨ - ٤٩ تسميتها على الحالين تعليقا على الشرط نظراً لوجود الشرط فيهما .(١) أ _ التعليق على شرط : ٤٨ - تعليق الإبراء إن كان على شرط كائن بالفعل فهو في حکم المنجز، وإن كان على الموت، فهو كالإضافة لما بعد الموت وسيأتي حكمها . وإن كان على شرط ملائم كقوله: إن كان لي عليك دين، أو إن مت ، فأنت برىء، فهذا جائز اتفاقا . وقد احتج لجوازه بأن أبا اليسر الصحابي قال لغريمه : إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حلّ، ولم يُنكّر ذلك عليه. قال ابن مفلح: وهذا متجه ، واختاره شيخنا (يعني ابن تيمية).(٢) واما التعليق على شرط من غير ما سَبَقَ فللفقهاء في حكم الإبراء المعلق عليه آراء : أحدها : عدم الجواز ولو كان الشرط متعارفا عليه. وهذا مذهب الحنفية والشافعية، والرواية المنصوصة عن أحمد، لما في الإبراء من معنى التمليك، والتعليق مشروع في الإسقاطات المحضة لا في التمليكات، فإنها لا تقبل التعليق. الثاني : جواز التعليق إذا كان الشرط متعارفا عليه، وعدم الجواز في عكسه، وهو رأي لبعض الحنفية . (١) من ذلك قول ابن نجيم: «لا يصح تعليقه بصريح الشرط ، لمعنى التمليك فيه، ويصح تعليقه بمعنى الشرط ، لمعنى الاسقاط فيه))، انظر تبويب الأشباه ص ٣٨٤، وهناك عبارات أشد التباسا من هذه. (٢) الفروع لابن مفلح ١٩٤/٤، والالتزامات للحطاب (فتاوى عليش ٣٣٥/١، ٣٣٦) الثالث : جواز التعليق مطلقاً ، وهو مذهب المالكية ورواية عن أحمد، وذلك لما في الإبراء من معنى الإسقاط.(١) ب - التقييد بالشرط : ٤٩ - أورد البابرتي من الحنفية ضابطا للتمييزبين ما فيه تقييد بالشرط عما فيه تعليق عليه ، من جهة اللفظ والمعنى، أما اللفظ فهو أن التقييد بالشرط لا تظهر فيه صورة الشرط (على غيرما ينبئ عنه اسمه ) فلا تأتي فيه أداة الشرط ، ومثاله أن يقول : أبرأتك على أن تفعل كذا ... أما التعليق على الشرط فتستعمل فيه أداة شرط كقوله : إن فعلت كذا فانت بريء. وأما من حيث المعنى ففي التقييد بالشرط الحكم ثابت في الحال على عرضية الزوال إن لم يوجد الشرط ، وفي التعليق : الحكم غير ثابت في الحال، وهو بعرض أن يثبت عند وجود الشرط . وقد فرق بينهما الكاساني بما هو أوجز قائلا : التعليق هو تعليق العقد، والتقييد هو تعليق الفسخ بالشرط .(٢) (١) تكملة فتح القدير والعناية شرح الهداية ٤٤/٧، ٤٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم وحاشية الحموى ٢٥٥/١ و٢٢٤/٢ ط استانبول، وحاشية ابن عابدين ٢٧٦/٤ و٥٢٠، والبدائع ٤٥/٦ و٥٠، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٤٠/٢، والدسوقي ٩٩/٤، والوجيز ١٨٥/١، والأشباه والنظائر للسيوطي ١٨٩، والقليوي) ٣١٠/٣ و٣٦٨/٤، وإعانة الطالبين ١٥٢/٣، والمغني لابن قدامة ١٦/٥ الطبعة الثالثة مطبعة المنار، والكافي ١٢٧/٢ ط المكتب الاسلامي. (٢) العناية شرح الهداية ٤٤/٧ بهامش فتح القدير، والبدائع ٤٤/٦ - ١٦٥ - إبراء ٥٠ - ٥٢ وقد ذهب إلى صحة تقييد الإبراء بالشرط في الجملة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة تبعا لتفصيل كل مذهب بالنسبة للحكم على الشرط بالصحة، على ما هو مفصل في الكلام عن (الشرط). (١) ج - الإضافة: ٥٠ - صرح الحنفية بأن إضافة الإبراء (إلى غير الموت)، ولو إلى وقت معلوم، تبطله. ولم نعثر على تصريح لغيرهم بقبول الإبراء للإضافة ، مع إفادة عبارات الفقهاء ان الأصل في الإبراء هو التنجيز. على أنه يستفاد منع إضافة الإبراء من تصريحهم بأن الإبراء للإسقاط الذي فيه معنى التمليك، والتمليك لا يحتمل الاضافة للوقت.(٢) ولا نعلم خلافا في تصحيح إضافة الإبراء إلى ما بعد الموت فقط، لأنه وصية بالإبراء. (٣) الإبراء بشرط أداء البعض : ٥١ - تأتي هذه المسألة على وجوه : إما أن تحصل مطلقة عن الشرط ، كأن يعترف له (١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٤٠/٢، والبحر الرائق ٣١٠/٧، وكشاف القناع ٤٧٨/٢ ط الشرفية، والالتزامات للحطاب ٣٣٥/١، ٣٣٦ فتاوى عليش، والدسوقي ٣٠٧/٢، والقليوبي ٢٩٢/٢ (٢) البحر الرائق ٣٢٢/٧، والبدائع ١١٨/٦، وحاشية ابن عابدين ٣٤٣/٤ الطبعة الثانية بولاق. (٣) الفروع ١٩٥/٤، والقليوبي ١٦٢/٣، وشرح الروض ٤١/٣ بدين في ذمته، فيقول الدائن : قد أبرأتك من نصفه أو جزء معين منه، فأعطنى الباقي ، فالإبراء صحيح اتفاقا لأنه منجز غير مغلق ولا مقيّد بشرط ، والمبرىء متطوع بإسقاط بعض حقه بطيب من نفسه فذلك جائز. واستدل بالأحاديث في الوضع عن جابر)،(١) وعن الذي أصيب في حديقته.(٢) وعن ابن أبي حدرد حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب : ضع الشطر من دينك .(٣) وإما أن يكون فيها الإبراء عن البعض معلّقاً على أداء الباقي، وقد سبق حكم تعليق الإبراء. وإما أن يكون فيها الإبراء مقيّداً بشرط أداء الباقي، مثل أن يقول من له على آخر ألف : أبرأتك عن خمسمائة، بشرط أن تعطيني ما بقي. ٥٢ - وللفقهاء في هذه الصورة الأخيرة آراء: أحدها : الصحة مطلقا ، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ، لأنه استيفاء البعض وإبراء عن الباقي . واشترط الشافعية الجمع بين لفظي الإبراء والصلح، ليكون من أنواع الصلح، ومع ذلك لا يحتاج لقبول نظراً للفظ الإبراء، لكن الحنفية قالوا : إن لم يقيّد أداء البعض المعجل بيوم مقین، برئ (١) حديث الوضع عن جابر تقدم تخريجه . (ف ١٣) (٢) تقدم تخريجه أيضا . (ف ٢١). (٣) حديث كعب حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم له ((ضع الشطر من دينك)) رواه البخاري في موضعين من صحيحه ٥٥١/١، ٥٦١ ط السلفية ورواه مسلم ١١٩٢/٣ ط عيسى الحلبي. - ١٦٦ - إبراء ٥٣ - ٥٤ ....... اعطاه الباقي أو لم يعطِ، وإن قيّد أداء البعض، المعجّل بيوم، قائلاً له: إن لم تنقُّدني فيه فالمال على حاله ، ثم لم ينقده، لم يبرأ، فإن لم يذكر العبارة الأخیرة وا کتفی بتحدید الیوم، ففيه خلاف : فعند أبي حنيفة ومحمد حكمه كما لو قالها ، وعند أبي يوسف: حكمه كالأول المطلق عن التحديد. وذهب الحنابلة إلى عدم صحة الإبراء المقيد بشرط أداء البعض، لأنه إبراء عن بعض الحق لأنه ما أبرأه عن بعض حقه إلا ليوفيه بقيته، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض . هذا كله إن كان الشرط أداء الباقي، أما إن ابرأه عن البعض بشرط تعجيل الباقي فقد صرح الشافعية بأنه غير صحيح لأنه يشبه ربا الجاهلية، فإن عجل ذلك البعض بغير شرط، فأخذه منه وأبرأ. مما بقي، فإنه يصح.(١) الإبراء بعوض : ٥٣ - تعرض الشافعية لمسألة بذل العوض على الإبراء فذهبوا إلى جواز ذلك، كأن يعطيه ثوبا مثلا (١) العناية شرح الهداية ٤٥/٧، وتكملة فتح القدير ٤١/٧، والبدائع ٤٤/٦، ٤٥ (وقد جعلوا المسألة على خمس صور بحسب البدء بالإبراء فيكون تقييدا، أو البدء بالأداء فيكون تعليقاً وبحسب تحديد وقت الاداء)، والفتاوي الخانية ١٤١/٣، والدسوقي ٣١٠/٣، والقليوبي وعميرة ٣٠٨/٢ و٣٦٨/٤، وشرح الروض ٢١٥/٢، والوجيز ١٧٧/١، والمغني لابن قدامة ٣٦٣/٤ ط مكتبة القاهرة. في مقابلة الإبراء مما عليه من الدين، فيملك الدائن العوض المبذول له بالإبراء، ويبرأ المدين. وقالوا : أما لو أعطاه بعض الدين على أن يبرئه من الباقي، فليس من التعويض في شيء، بل ما قبضه بعضُ حقه، والباقي في ذمته لكنهم صوّروا وقوع ذلك بالمواطأة منها قبل العقد، ثم دفع ذلك قبل البراءة أو بعدها، فلو قال : ابرأتك على أن تعطيني كذا، فقد قيل في ذلك بالبطلان.(١) أما الحنفية فانهم يخرجون مسألة الإبراء على عوض، على أنها صلح بمال.(٢) ولم نعثر على رأي بقية المذاهب في ذلك، ولعل ما جاء في مسألة الإبراء عن بعض الدین بأداء بعضه يؤخذ منه حكمها إذا كان العوض من جنس الدین، فإن لم یکن کذلك فهي من التقييد بالشرط ، وقد سبق بيانه. الرجوع عن الإبراء : ٥٤ - قد يرجع المبرئ عن الابراء بعد صدور الإيجاب فقط، أو بعده وبعد القبول وعدم الرد على ما سبق بيانه. ففي أثر هذا العدول رأيان للفقهاء: ذهب الحنفية والحنابلة - وهو قول للشافعية - إلى أنه لا يستفيد من رجوعه شيئا، لأن ما كان له سقط بالإبراء، والساقط لا يعود، ولا بقاء للدين بعده، فأشبه ما لو وهبه شيئاً فتلف. (١) الجمل على شرح المنهج ٣٨١/٣ ط احياء التراث. (٢) حاشية ابن عابدين ٤٥٦/٤ ط بولاق. - ١٦٧ - ٠٠ إبراء ٥٥ - ٥٦ وذهب المالكية والشافعية على القول الآخر إلى أنه يفيد فيه الرجوع، وذلك تغليبا لمعنى التمليك في الإبراء واشتراط القبول له، حيث إن للموجب في عقود التمليك أن يرجع عن إيجابه ما لم يتصل به (١) القبول ... لكن النووي اختار عدم الرجوع ولو قيل إنه تمليك. ومما يتصل بالرجوع ما صرح به الحنفية من أن الإبراء لا تجري فيه الإقالة ، بناء على أن الإبراء إسقاط ، فيسقط به الحق من الذمة، ومتى سقط لا يعود، طبقا للقاعدة المعروفة (الساقط لا يعود). (٢) بطلان الإبراء وفساده : ٥٥ - الإبراء إما أن يبطل اصالة لتخلف ر کن من أركانه، أو شرط من شروط تلك الأركان، وإما أن يفسد لاقترانه بشرط مفسد على الخلاف في ذلك . وبيانه في (البطلان والفساد). وإما أن يكون البطلان لتضمَّنٍ وهوان يكون الإبراء ضمن عقد فيرتبط مصيره به، فاذا بطل ذلك العقد بطل الإبراء. وقد ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يبطل الإبراء إذا بطل العقد الذي تضمنه، وهذا إذا كان الإبراء (١) تكملة ابن عابدين ٤٦١/٢ الطبعة الثانية مطبعة عيسى الحلبي، والاشباه للسيوطي ١٨٩، والدسوقي على الشرح الكبير ٩٩/٤، وكشاف القناع ٤٧٧/٢، والجمل على شرح المنهج ٥٩٩/٤ وقال: سواء قلنا إنه تمليك أو اسقاط. (٢) حاشية ابن عابدين ١٤٦/٤، ١٥١ والمجلة العدلية المادة ٥١ خاصاً بذلك العقد، وبني عليه الإبراء - أو، بتعبير الشافعية: ارتبط به ، سواء أُکان عقد بيع أم صلح ، لما عرف في القاعدة المشهورة: إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه، أو: إذا بطل المتضمّن (بكسر الميم) بطل المتضمَّن (بالفتح). أما إذا کان الإبراء عاماً عن کل حق ودعوى فلا يبطل، وكذلك إذا كان الإبراء خاصا لكنه لم يبن على العقد الفاسد، بأن قال المبرىء: ابرأته عن تلك الدعوى إبراء غير داخل تحت الصلح، فانه لا يبطل الإبراء ببطلان الصلح، على ما حققه ابن (١) عابدین. أثر الإبراء : ٥٦ - يترتب على الابراء المستوفي أركانه وما يتصل بها من شروط أن تبرأ ذمة المدين المبرأ عما أبرىء منه بحسب الصيغة عموماً أو خصوصاً . وبذلك يسقط عنه ولا يبقى للدائن حق المطالبة ، فلا تسمع دعواه فيما تناوله الإبراء، وذلك إلی حین وقوعه، دون ما يحدث بعده، فلا تقبل دعواه محقّ مستنداً إلى نسيان أو جهل(٢) ولا يقتصر تصوير الأثر المترتب على الإبراء بسقوط الدين او الحق وعدم المطالبة ، بل قد يرافق (١) المجلة العدلية المادة ١٥٦٦، وتبويب الأشباه والنظائر ٣٧٢، والفتاوي الكبرى لابن حجر ٥٧/٣ (٢) تبويب الأشباه لابن نجيم ٣٨٩، ومرشد الحيران، المادة ٣٤، والمجلة العدلية المادة ١٥٦٢ - ١٥٦٤، والدسوقي ٤١١/٣، وتنبيه ذوى الأفهام من مجموعة رسائل ابن عابدين ٩٠/٣ - ١٦٨ - إبراء ٥٧ - ٥٨ ذلك أثر خاص مناسب لموضوع الإبراء. يتضح من الأمثلة التالية، لمذهب أو آخر، ففي الرهن مثلا ينفك بالإبراء، ويستردّه الراهن كما لو أدى ما عليه، أما إبراء المرتهن للجاني فلا أثر له ، لعدم صحة الإبراء، ومع هذا لا يسقط به حقه من الوثيقة في الأصح عند الشافعية . (١) هذا وإن للإبراء من الأثر ما لقبض الحق المبرأ منه، فمثلا لو أحيل البائع بالثمن على مدين للمشتري ثم أبرأ البائع المحال عليه من الدين قبل الفسخ فإن ذلك كقبضه له في الأحكام من حيث إعادة المقبوض بسبب الفسخ ، فهنا للمشتري مطالبة البائع بمثل المحال به الذي أبرىء منه. (٢) ٥٧ - وقد استثنى الحنفية من الأثر التبعي للإبراء، وهو عدم سماع الدعوى بعده، المسائل التالية : ١ - ادعاء ضمان الدَّرَك في البيع السابق للإبراء، لأنه وإن كان البيع متقدما على الإبراء ومشمولا بأثره، فإن ضمان الدرك متأخر عنه ، وهذا من قبيل الاستحسان. ٢ - ظهور شيء من الحقوق للقاصر، لم يكن يعلم به ، وذلك بعد أن بلغ فأبرأ وصيه إبراء عاماً بأن (١) القليوبي ٢٨٠/٢ و٢٧٨، وشرح الروض ١٧٦/٢ (٢) شرح الروض ٢٣٣/٢ أقر أنه قبض تركة والده ولم يبق له حق منها إلا استوفاه، فإن ادعى في يد الوصي شيئا من تركة أبيه وبَرْهَنَ يقبل. ٣ - ادعاء الوصي على رجل دينا للميت بعد إقراره باستيفاء جميع ما له على الناس . ٤ - ادعاء الوارث على رجل دينا للمورث بعد إقراره على النحو السابق. ووجه استثناء هذه الصور ان موضوع الإبراء فيها قد ا کتنفه خفاء یعذر به المبرىء في دعواه مع صدور الإبراء العام عنه، كما أن الصورتين الأخيرتين هما من إبراء الاستيفاء أي الاقرار بالبراءة. (١) ٥٨ - هذا ، وإن سقوط المبرأ منه - كأثر للإبراء - إنما هو بالنسبة للقضاء، أي في الدنيا، أما الأثر الاخروي، أي في الديانة، فقد اختلف رأي الحنفية في سقوطه، فقيل : تسقط به الدعوى قضاء لا ديانة، وقيل تسقط ديانة أيضا ، فقد صرح ابن عابدين انّه في الصلح على بعض الدين إنما يبرأ عن باقيه في الحكم لا في الديانة ، فلوظفر به أخذه. وأنه في الإبراء العام مع جهل المبرأ منه يبرأ من الكل قضاء، أما في الآخرة فلا يبرأ إلا بقدر ما يظن أن له عليه .(٢) (١) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٦٧، وتنبيه ذوي الافهام لابن عابدين ٩١/٢ (٢) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٨٠، وحاشية ابن عابدين ٢١٨/٤، وتنبيه الاعلام لابن عابدين ٨٨/٢ - ١٦٩ - إبراء ٥٩ - ٦٠ وللمالكية قولان في الأثر الاخروي للإبراء مع الانكار. أولهما : وهو ما صرح به ابن تيمية أيضا في استحلال الغاصب : أنه يبرأ ، فلا يؤاخذ بحقّ جَحَدَه وأبرأه صاحبه منه. ويتصل بهذا الاتجاه ما ذهب إليه الشافعية في الإبراء من المجهول (الذي لم يصححوه) من أنه يبرأ به في الآخرة، لأن المبرىء راض بذلك . والقول الآخر : للمالكية : لا تسقط عنه مطالبة (١) الله في الآخرة بحق خصمه. سماع الدعوى بعد الإبراء العام : ٥٩ - سبقت الإشارة إلى أن الأثر التبعي للإبراء هو منع ذلك، ولكن ذكر الحنفية التفصيل التالي الذي لم نعثر لغيرهم على مثله : إن كان الإبراء العام عن الدین فلا تسمع الدعوى بعده إلا عن دین حادث بعد الإبراء . أما إن كان عن عين فلا تسمع الدعوى بعده إذا كان المدعى عليه منكراً كون العين للمدعي لأنه لم يتمسك بالإبراء بل بالانكار، فيكون الإبراء من المدعي موافقة على ذلك الانكار. فإن كان المدعى عليه مقراً بأن العين للمدعي، وقد تمسّك بالإبراء الصادر عنه، فإن العين إذا كانت قائمة تسمع الدعوى بها بعد الإبراء عنها . (أما ان كانت هالكة فهو إبراء (١) الدسوقي على الشرح الكبير ٤١١/٣ نقلا عن شرح القرطبي لصحيح مسلم، واعانة الطالبين ١٥٢/٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٣٧٦/٣ ط الرياض. عن ضمانها، وذلك كالدين، فلا تسمع الدعوى به بعد الإبراء.)(١) أثر الإقرار بعد الإبراء : ٦٠ - ذهب الحنفية والمالكية - على الظاهر من كلام الحطاب - إلى أنه إذا أبرأ المدعي المدعى عليه المنكر من الدين إبراء عاما، ثم أقر المبرأ بالدين للمدعي لم يعتبر الإقرار، لأن الدين قد سقط بالإبراء، والساقط لا يعود. وهناك اتجاه ثان لبعض المالكية، وهو الذي أفتى به الناصر اللقاني وأخوه الشمس اللقاني أنه يعمل به لأنه بمنزله إقرار جدید. واستثنى ابن نجيم من ذلك ما لو أقر لزوجته بمهرها بعد هبتها إياه له، على ما هو المختار عند الفقيه أبي الليث ، فيجعل زيادة إن قبلت، والأشبه خلافه لعدم قصد الزيادة. ويختلف أثر الإقرار أيضا عند الحنفية في مسألة الإبراء من الدين عن مسألة الإبراء من العين ففيها لو أقر المبرأ للمبرىء بالعين بعد الإبراء سلمها إليه ولا يمنع الإبراء من سماع الدعوى للمبرىء تصحيحاً للإقرار، لتجدد الملك في العين.(٢) (١) اعلام الاعلام، لابن عابدين ١٠٠/٢ نقلا عن الأشباه والفتاوى البزازية. (٢) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٥٩ و٣٦٣، واعلام الاعلام ١٠١/٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤١١/٣، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٥٦/٢ - ١٧٠ - إبراد - أبرص - إبريسم إبْراد التعريف : ١ - من معاني الإبراد في اللغة : الدخول في البرد ، والدخول في آخر النهار. (١) وعند الفقهاء هو: تأخير الظهر إلى وقت البرد. (٢) وقد يطلق الإبراد ويراد منه إمهال الذبيحة حتى تبرد قبل سلخها . ويبدأ الإبراد بالظهر بانكسار حدّة الحر، ويحصول فيء (ظل) يمشي فيه المصلي . وفي مقداره خلاف بين الفقهاء يذكر في أوقات (٣) الصلاة . الحكم الإجمالي : ٢ - الابراد رخصة ، وهو مستحب في صلاة الظهر في شدة الحر صيفاً في البلاد الحارة لمريد الجماعة في المسجد باتفاق، (٤) لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ((أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم.)) (٥) فإذا تخلف أحد القيود السابقة ففي (١) المصباح المنير، وتاج العروس ( برد) (٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ٩٨، والعدوي على الكفاية ١٩٤/١، والجمل على المنهج ٢٧٧/١، والمجموع ٦٠/٣، وشرح الروض ١٢١/١، والمغني مع الشرح الكبير ٤٠٤/١ (٣) المراجع السابقة . (٤) المراجع السابقة . (٥) حديث: ((أبردوا بالصلاة ... )) روي بعدة روايات ، منها" ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا اشتد استحباب الإبراد خلاف وتفصيل. (١) مواطن البحث : ٣ - الإبراد بالظهر، وبأذانه ، وبالجمعة ، يذكر في الصلاة ( أوقاتها ) . وإبراد الذبيحة قبل السلخ يذكر في الذبائح .(٢) أَبْرَصّ انظر : بَرَص إِيرِيسَم انظر : لباس الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) وفي رواية للبخاري عن أبي سعيد: ((أبردوا بالظهر ... )) (جامع الأصول ٢٣٥/٥ - ٢٣٧ ط الملاح) (١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ٩٨، والعدوي على الكفاية ١٩٤/١ . والجمل على المنهج ٢٧٧/١، والمجموع ٦٠/٣، وشرح الروض ١٢١/١، والمغني مع الشرح ٤٠٤/١ (٢) الدسوقي على الدردير ١٠٨/٢، والمغني مع الشرح ٥٤/١١ - ١٧١ - إيضاع ١ - ٣ إبضَاع التعريف : ١ - الإمضاع مصدر أبضع ، ومنه البضاعة . والبضاعة من معانيها القطعة من المال، أو هي طائفة من المال تبعث للتجارة. وأبضعه البضاعة أعطاه إياها . ويعرّف الفقهاء الإبضاعَ بأنه بعث المال مع من يتجرُ به تبرُّعاً، والربح كله لربّ المال. (١) هذا والأصل أن يكون الإبضاع تبرعاً من العامل. واعتبره المالكية إيضاعاً ولو كان بأجر. ويطلق الفقهاء لفظ البضاعة على المال المبعوث للاتجار به، والإبضاع على العقد ذاته ، وقد يطلقون البضاعة ويريدون بها العقد . الألفاظ ذات الصلة : ٢ - القراض: ويسمى عند أهل العراق المضاربة، وهو دفع الرجل ماله إلى آخر ليتجر فيه، (١) تحفة المحتاج بشرح المنهاج ٨٩/٦ ط دار صادر، وحاشية الرشيدي والشبراملسي على نهاية المحتاج ٢٢٤/٥ ط مصطفى الحلبي، وبدائع الصنائع ٨٧/٦ ط الجمالية، وحاشية النظم المستعذب في غريب ألفاظ المهذب ٣٨٥/١ ط عيسى الحلبي، ورد المختار ٧٤٢/٤، ومنتهى الإرادات ٤٦٠/١ ط دار العروبة، والمقنع ١٧١/٢ ط السلفية، وكشاف اصطلاحات الفنون ١٣٦/١ ط كلكتّة، والمهذّب ٣٨٥/١، والخرشي ٤٢٤/٤، ٤٢٥ المطبعة الشرفية . على أن يكون للعامل جزء شائع من الربح. (١) فالقراض شركة في الربح بين رب المال والعامل، بينما الإبضاع لا يحمل صورة المشاركة ، بل صورة التبرّع من العامل في التجارة لربّ المال دون مقابل . القرض : وهو لغة القطع. وعرّفه الفقهاء بأنه دفع المال إرفاقاً لمن ينتفع به و يردّ بدله. وهو نوع من السّلَف، فيصحّ بلفظ قرض وَسَلَف. (٢) الوكالة : وهي في اللغة التفويض . وعرفها الفقهاء بأنها إقامة الإنسان غيره مقام نفسه فيما يقبل الإنابة . والوكالة عامة في كل ما تصح النيابة فيه، لكن الإبضاع قاصر على ما يدفعه رب المال للعامل ليتجر فيه ، فهو وكيل في هذا فقط . صفة الإبضاع ( حكمه التكليفي ) : ٣ - الإبضاع عقد جائز لأنه يتمّ على وجه لا غَررَ فيه. وإذا كانت المضاربة، مع ما فيها من شبهة غرر، جائزة، (٣) فمن باب أولى أن يقع الإبضاع جائزا، سواء أكان عقده مستقلا أم تابعا لعقد المضاربة، كأن دفع العامل المال بضاعة لعامل آخر، فهو عقد صحيح ، لأن الإبضاع سبيل لإنماء المال بلا أجر، وهذا مما يرتضيه رب المال . (١) الخرشي ٢٠٢/٦، ورد المحتار ٥٠٤/٤ ط بولاق، وبحث المضاربة ف ٢، وأسهل المدارك ٣٤٩/٢ ط عيسى الحلبي، وتحفة الفقهاء ٢٢/٣ (٢) كشاف اصطلاحات الفنون . (٣) جهة الغرر في كون الإجارة وقعت على عمل مجهول ، بأجر مجهول، لكن هذا الغرر مغتفر بما ورد من أدلة جواز المضاربة بالسنة والإجماع. - ١٧٢ - إيضاع ٤ - ٥ حكمة تشريعه : ٤ - الإبضاع من عادة التجار، (١) والحاجة قد تدعو إليه ، لأن ربّ المال قد لا يحسن البيع والشراء، أو لا يمكنه الخروج إلى السوق، وقد یکون له مال ولا يحسن التجارة فيه، وقد يحسن ولا يتفرغ وقد لا تليق به التجارة ، لكونه امرأة، أو ممن يتعيّربها ، (٢) فيوكل غيره. وما الإبضاع إلا توكيل بلا جعل، فهو حينئذ سبيل للمعروف وتآلف القلوب وتوثيق الروابط ، خصوصاً بين التجار. وكما أنّ عقد الإبضاع سبيل لإنماء مال ربّ المال، فقد يكون سبيلا لإنماء مال العامل المتبرّع، وذلك إذا دخل العامل مع رب المال بالنصف مثلا ، كأن يقدّم رب المال ألفاً والعامل ألفاً، ويكون الربح مناصفة بينهما ، فالمشاركة هنا تزيد في رأس المال، وبالتالي تزيد الأرباح ، وفي ذلك ما فيه من مصلحة العامل. فيكون العامل هنا استخدم مال ربّ المال، وهو النصف، وردّ له أرباحه متبرِّعاً بعمله، واستفاد هو من مشاركة مال رب المال في زيادة رأس ماله، ومن ثم یز ید ريحه . صيغة الإبضاع : ٥ - أجمع الفقهاء على اعتبار الصيغة، وهي الإيجاب والقبول، ركناً في كل عقد . وتفصيل الكلام في ذلك يُرجَعُ إليه عند الكلام على العقد . وأما ما يتصل بالإبضاع فإن الصيغة اللفظيةً قد تكون (١) بدائع الصنائع ٨٧/٦، والمغني ومعه الشرح الكبير ١٣١/٥ ط الأولى ، المنار. (٢) المغني والشرح الكبير ٢٠٣/٥ صريحة بلفظ الإبضاع ، أو البضاعة ، وقد تكون غير صريحة، كأن يقول : خذ هذا المال مضاربة ، على أن يكون الربح كله لي. وهذه الصورة محلُّ خلاف بين الفقهاء)، (١) فذهب الحنابلة إلى أن هذا العقد لا يصح، واعتبروا ذلك من باب التناقض ، لأن قوله ((مضاربة)) يقتضي الشركة في الربح، وقوله ((الرِّبْحُ كله لي)) يقتضي عدمها ، فتناقض قوله ، ففسدت المضاربة ، ولأنه اشترط اختصاص أحدهما بالربح ، وهذا شرط يناقض العقد ففسد، ولأن اللفظ الصريح في بابه لا یکون كناية في غيره، فالمضاربة لا تنقلب إيضاعا ولا قرضا. وعلى هذا اعتبروا هذا العقد مضاربة فاسدة. (٢) وذهب الحنفية إلى أن هذا إبضاع صحيح ، لوجود معنی الإبضاع هنا ، فانصرف إليه ، كما لو قال : اتَّجر به والربح کله لي، وذلك لأن العبرة مي العقود لمعانيها . والمالكية أجازوا اشتراط ربح القراض كله لرب المال أو للعامل في مشهور مذهب مالك ، أو لغيرهما في المدوّنة، لأنه من باب التبرع، لكنهم لا يقولون كما قال الحنفية إن العقد بهذه الصورة إيضاع ، (١) حاشية الرشيدي والشبراملسي على نهاية المحتاج ٢٢٤/٥، وتحفة المحتاج ٨٩/٦ (٢) مطالب أولي النهى ٥١٨/٣ ط المكتب الإسلامي، والإنصاف ٤٢٨/٥ ط حامد الفقي، والمقنع ١٧٢/٢، والمغني والشرح الكبير ١٣٦/٥، والموسوعة الفقهية، بحث المضاربة ف ٤، وحاشية الرشيدي على نهاية المحتاج ٢٢٤/٥، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٨٩/٦، والمهذب ٣٨٥/١ - ١٧٣ - إيضاع ٦ - ٩ بل يقولون إن إطلاق القراض عليه مجاز. (١) ومن هنا يتبين أن المالكية رأيهم كرأي الحنفية وإن كانوا يخالفون في التسمية . وعلى هذا فإن من اعتبر مثل هذا العقد صحيحاً فلا يرى أن العامل يستحق شيئا بل هو متبرع بالعمل. وأما من اعتبره فاسداً فيوجب له أجر المثل . وبعض الشافعية اعتبر حال العامل ، فإن كان يجهل حكم الإبضاع وأنه لا يوجب له أجرا ولا جزءاً من الربح فإنهم يرون أن له أجر المثل. وينسب هذا الرأي إلى ابن عباس. وجهل مثل هذا الحكم مما یعذر به بعض الناس . (٢) ما يترتب على الإبضاع بلفظ المضاربة : ٦ - يذكر الحنابلة أن ربّ المال إذا قال للعامل : خذ هذا المال مضاربة ولي ربحه كله، لم يصحّ مضاربة. ولا أجرة له على الصحيح لأن العامل رضي بالعمل بغير عوض فأشبه ما لو أعانه في شيء، (٣) وتو کل له بغير جعل . الإبضاع بألفاظ أخرى : ٧ - يتحقق الإبضاع بعبارات تدل عليه ، ولو لم يصرِّح بلفظ الإبضاع. منها قول رب المال: خذ هذا المال واتّجِرْ فیه، أو تصرف فيه، أو خذه والربح كله (١) بدائع الصنائع ٨٦/٦، والمغني والشرح الكبير ١١٢/٥، ١٣٧، وأسهل المدارك ٣٥٤/٢، وبلغة السالك ٢٤٩/٢ (٢) المهذب ٣٨٥/١، ونهاية المحتاج وحواشيه ٢٢٤/٥ ، والخرشي ٤٢٥/٤، والشرح الصغير ٢٤٩/٢ ، وابن قاسم على التحفة ٨٩/٦، ومطالب أولى النهى ٥١٨/٣ ، والإنصاف ٤٢٨/٥ ، والمغني ١٣٦/٥. (٣) شرح المنتهى ٣٢٨/٢، والمغني لابن قدامة ٦٥/٥ ط الثالثة. لي. فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن العقد يكون ابضاعا ، لأن اللفظ في هذه الأحوال يحتمل القراض والقرْض والإبضاع، وقد قرن به حكم الإبضاع ، وهو أن الربح كله لرب المال، فينصرف إلى الإبضاع. (١) وهو ما يفهم من قواعد الحنفية والمالكية . كما يتحقق في صورة ما إذا دفع اليه ألفاً وقال : أضف إليه ألفاً من عندك، واتّجرْ فیه، والربح بيننا نصفان، فإنه يكون إيضاعا على ما سبق (ف ٤) اجتماع الإبضاع والمضاربة : ٨ - إذا دفع نصف المال بضاعة ونصفه مضاربة فقبض المضارب على ذلك فهو جائز، والمال على ما سَمّيا من المضاربة والإبضاع، والخسارة على رب المال، ونصف الربح لرب المال، ونصفه الآخر على ما شرطا ، لأن الشيوع لا يمنع من العمل في المال مضاربة وبضاعة، وجازت المضاربة والبضاعة . وإنما كانت الخسارة على رب المال لأنه لا ضمان على المبضع والمضارب في البضاعة والمضاربة ، وحصة البضاعة من الربح لرب المال خاصة لأن المبضع لا يستحق الربح . (٢) شروط الصحة : ٩ - شروط صحة الإبضاع لا تخرج في الجملة عما اشترط في صحة المضاربة ما عدا الشروط المتعلقة (١) المهذب ٣٨٥/١، ونهاية المحتاج وحواشيه ٢٢٤/٥، والمغني مع الشرح الكبير ١١٢/٥، ١٣١، والمقنع ١٧٢/٢ (٢) بدائع الصنائع ٨٣/٦ - ١٧٤ - ابضاع - ١٠ - ١٢ .... بالربح، ولكن يشترط في العامل أن يكون من أهل التبرع .(١) وللتفصيل يرجع إلى مصطلح ( مضاربة ). من يَمْلِك إبضاع المال : ١٠ - الذي يملك إيضاع المال : أ - المالك : للمالك أن يدفع المال للعامل بضاعة، وهذه هي الصورة الأصلية للإبضاع . ب - المضارب : للمضارب ( العامل ) أن يدفع المال بضاعة لآخر، لأن المقصود من عقد المضاربة الربح ، والإبضاع طريق إلى ذلك، ولأنه يملك الاستئجار، فالإبضاع أولى، لأن الاستئجار استعمال في المال بعوض ، والإبضاع استعمال فيه بغير عوض ، فكان أولى . والإبضاع يملكه المضارب لأنه من توابع عقد المضاربة، فلا يحتاج إلى إذن عند البعض على ما سيأتي. وجوازه للمضارب أولى من جواز التوكيل بالبيع والشراء والرهن والارتهان والإجارة والإيداع وغير ذلك . ج - الشريك : للشريك أن يبضع من مال الشركة، على ما صرح به الحنفية والمالكية والحنابلة في الصحيح عندهم ، والشافعية بشرط إذن الشريك . (١) كنز الدقائق ٢٨٧/٧، ٢٨٨ (٢) بدائع الصنائع ٨٧/٦، ومواهب الجليل ٣٦٢/٥ نشر مكتبة النجاح في ليبيا، والبحر الرائق ٢٦٤/٧، ٢٦٧، ٢٧٦، ورد المختار ٤/ ٧٤٢، ٧٤٩ الاعتبار الشرعي للمُبضَّع وتصرفاته : ١١ - المبضّع أمين فيما يقبضه من رب المال، لأن عقد الإبضاع عقد أمانة ، فلا ضمان عليه إلا بالاهمال أو التعدي. وهو وكيل رب المال في ماله، ينوب عنه في تصرفاته التجارية من بيع وشراء مما فيه إنماء للمال، على ما جرى به عرف التجار، دون حاجةٍ إلى إذن خاص. لكن لو أبضعه لآخر ليعمل فيه على سبيل الإبضاع، فهذا الصنيع يحتاج إلى إذن رب المال قياساً على المضاربة . وكذلك يحتاج إلى الإذن من رب المال ما كان خارجاً من الاعمال عن عادة التجار، كالإقراض، والتبرعات والصدقات والهبات من رأس المال المخصص لأغراض الإنماء والتجارة . شراء المُبَضَع المال لنفسه : ١٢ - إذا دفع رب المال المال للعامل بضاعة ، فليس له ان يتّجر فيه لنفسه، شأنه شأن المقارض (المضارب)، فإن المال إنما دفع للعامل في المضاربة والإبضاع على طلب الفضل فيه، فليس للمضارب ولا للمُبْضَع أن يجعلا ذلك لأنفسهما دون رب المال . (١) وقد نصَّ المالكية على أن المبضَع (العامل) إذا ابتاع لنفسه أن صاحب المال مخيّر بين أن يأخذ مما ابتاع لنفسه، أو يضمّنه رأس المال، لأنه إنما دفع المال على النيابة عنه وابتياع ما أمره به، فكان أحقّ بما ابتاعه . وهذا إذا ظفر بالأمر قبل بيع ما ابتاعه ، (١) مواهب الجلیل ٢٥٥/٥ - ١٧٥ - إيضاع ١٣ - ١٤ فإن فات ما ابتاعه فإن ريحه لرب المال، وخسارته على المبْضَع معه. ومثله مذهب الشافعية في تعدّي المبضع. (١) ويؤخذ من مذهب الحنابلة أنه إن ظهر ربح فهو لرب المال، وإن ظهرت خسارة فهي على العامل لتعدِّه . وقواعد الحنفية لا تأبى ذلك. تلف المال أو خسارته : ١٣ - عقد الإبضاع من عقود الأمانة كما تقدم، فلا ضمان على من في يده المال إن تلف، أو خسر من غير تفريط ولا تعذٍ، فَيُسْمَعُ قوله فيما يدّعيه من هلاك أو خسارة . بل قالوا إنه لا یضمن حتى ولو قال ربُّ المال: وعليك ضمانه، لأن العقد يقتضي كونه أمانة . والمروي عن صاحبي أبي حنيفة، في شأن الأجير المشترك، أنه لا يقبل قوله في الهلاك إلا إذا كان هناك قرينة تدل على صدقه، كالحريق الغالب، واللصّ الكاسر، والعدوّ المكابر، وقالا إن ذلك هو الاستحسان، لتغيّر أحوال الناس، وأفتى بذلك عمر وعليّ في شأن الصنّاع . ومن المعلوم أن العين في يد الصنّاع أمانة، وكذلك هي في يد المبضّع، فلا يبعد قياسه عليه .(٢) اختلاف العامل ورب المال : ١٤ - إذا اختلف رب المال والعامل فادّعى العامل انه اخذ المال مضاربة، وادَّعى المالك أنه بضاعة، قال الحنفية والمالكية والشافعية : القول قول المالك مع يمينه، لأنه مُنكِر. ونصّ المالكية على أن (١) المرجع نفسه ٢٥٥/٥، والأم ٢٣٧/٣ ط بولاق. والمغني ٥٩/٥ ط الرياض، ورد المحتار ٤٠٥/٤ والبدائع ٣٤٧١/٧ ، والفتاوى الهندية ٥٧٧/٣ (٢) مواهب الجليل ٣٧١/٥، والمقنع ١٧٢/٢، ١٧٥، وحاشية ابن عابدين ٤٠/٥، والقليوبي ٨١/٣ ط عيسى الحلبي ، والمهذّب ٤٠٨/١ عليه للعامل اجرة مثله، إلا أن تكون أكثر من نصف ربح القِراض، فلا يعطى أكثر مما ادعى. وبيّنوا أنّ فائدة كون القول قوله عدم غرامة الجزء الذي ادعاه العامل . وبيان ذلك أن رب المال تضمنت دعواه أن العامل تبرّع له بالعمل، وهو ينكر ذلك ويدّعي أنه بأجرة مثله، لأنه ليس متبرعاً .(١) وإن نّكَل رب المال كان القول قول العامل مع يمينه إذا كان مما يستعمل مثله في القراض . ونقل عن بعض القرويِّين: إن كان غُرْفُهم أنّ للإبضاع أجراً فالأشبه أن يكون القول قول العامل . (٢) وعند الحنابلة احتمالان : أحدهما أن يكون القول قول العامل ، لأن عمله له، فیکون القول قوله فيه . والثاني : أن يتحالفا ، ويكونُ للعامل أقل الأمرين من نصيبه من الربح أو أجرة مثله، لأنه لا يدّعي أكثر من نصيبه من الربح ، فلا يستحقّ الزيادة عليه. وإن كان الأقلّ أجر مثله فلم يثبت کونه قراضاً ، فیکون له أجر مثله، والباقي لربّ المال، لأن نماء ماله تبع له . (٣) واعتبر بعضهم هذا من تعارض البينتين، فقال : (١) المدونة ١٢٧/١١ ط السعادة، ومواهب الجليل ٣٧٠/٥، ورد المحتار ٧٥٣/٤، والهداية ١٥٧/٣ ط مصطفى الحلبي. (٢) الخرشي ٤٤٠/٤، ومواهب الجليل ٣٧٠/٥ (٣) المغني والشرح الكبير ١٩٥/٥، ومطالب أولي النهى ٥٤٢/٣، وكشاف القناع ٠٣٣٨/٣ - ١٧٦ - إبضاع ١٥ - ١٧ إن أقام كلّ واحد منهما بينةً بدعواه تعارضا ، وقُسِمٌ بينهما نصفين. والصحيح عندهم أنه ليس من تعارض البينتين، فيحلف كل منهما على إنكار ما ادعاه خَضمه، ويكون للعامل أجرُ عسله . (١) ولا يتأتّ عكس هذه الصورة، بأن يدّعِى العاملُ الإبضاع وربُّ المالِ القراض، لاستحالة ذلك عادة ، إلاّ أن يقصد منّته على ربّه . ١٥ - وإذا ادّعىُ العامل القِراض، وربُّ المال الإبضاع بأجرة معلومة ــ وهو ما سماه المالكية إيضاعاً، وجَعَلَهُ غيرهم من قبيل الإجارة - فالقول قول العامل مع يمينه، ويأخذ الجزء، لأن الاختلاف هنا في الجزء المشروط للمضارب من الربح ، والمصدَّق عند الاختلاف في هذا الجزء المضارب . ولهذا إذا كانت الأجرةُ مثل الجزء الذي ادّعاه في القراض فلا يمين، لأنها قد اتّفقا في المعنى ، ولا يضر اختلافهما في اللفظ . ولضبط هذه المسألة عند المالكية خمسة شروط : الأول : أن تكون المنازعة بعد العمل الموجب للزوم القراض . الثاني : أن يكون مثله يعمل في قراض ، وأن يكون مثل المال يُدفع قراضا . الثالث : أن يكون الجزء المدّعى اشتراطه من ربح القراض أزيد من الأجرة المدعى الاتفاق عليها . الرابع : أن يشبه أن يقارض بما ادعاه من نصف (١) مطالب أولي النهى ٥٤١/٣ الربح مثلا، كأن تقوم قرائن على أن مثله لا يعمل إلّ بمثل هذا الجزء من الربح . الخامس : ألاّ يطابق العرف دعوى ربّ المال. ١٦ - وإذا ادعى العامل الإبضاع بأجر، وربّ المال القراض بجزء معلوم من الربح ، فقد نص المالكية على أنه إذا قال العامل : المال بيدي بضاعة بأجر، وقال رب المال : هو بيدك قراض بجزء معلوم ، فإن القول قول العامل . وتجري هنا الشروط المذكورة في المسألة السابقة . (١) ١٧ - وإذا ادعى العامل القراض وربّ المال الإبضاع، وطلب كل منهما الربح له وحده، فعند الحنابلة يحلف كل منهما على إنكار ما ادعاه خصمه ، لأن كلا منهما منكر ما ادّعاه خصمه عليه ، والقول قول المنكر، وللعامل أجر عمله فقط ، والباقي لرب المال ، لأن نماء ماله تابع له . (٢) وعند الحنفية ، ومقتضى كلام المالكية على ما ذكروه في القراض - أن القول قول رب المال بيمينه، والبينة بينة العامل، لأنه يدّعي عليه التمليك، والمالك ينكره.(٣) (١) الخرشي ٤٤٠/٤، والتاج والإكليل ٣٧٠/٥، والشرح الكبير ٥٣٦/٣ (٢) مطالب أولي النهى ٥٤٢/٣، والمغني والشرح الكبير ١٩٦/٥ (٣) رد المحتار ٧٥٣/٤، والهداية ١٥٧/٣ - ١٧٧ - ٠م إبضاع ١٨ ، إبط انتهاء عقد الإبضاع : ١٨ - ينتهي عقد الإبضاع بما ينتهي به عقد المضاربة في الجملة .(١) ويمكن إجمال أسباب الانتهاء بالآتى : أ - انقضاء العقد الأصلي أو المتبوع، فإذا كان الإبضاع لمدة محدَّدة فينتهي بانتهاء المدة ، وإن كان تابعاً لعقد آخر كالمضاربة فإنه ينتهي بانتهائها . ب - الفسخ : سواء كان بعزل رب المال للعامل أو عزل العامل نفسه، لأنه عقد غير لازم من الجانبين . ج - الانفساخ : سواء كان بالموت ، أو زوال الأهلية ، أو هلاك المحلّ . إبط التعريف : ١ - الإبط باطن المنكب . والجمع آباط.(٢) ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ الإبط عن (١) البدائع ١٠٩/٦، ورد المحتار ٥١١/٤، والخرشي ٤٣٩/٤، والشرح الكبير ٥٣٥/٣، وتحفة الفقهاء ٣١/٣ ط جامعة دمشق، ومغني المحتاج ٣١٩/٢، والمغني والشرح الكبير ١٨٣/٥، ومطالب أولي النهى ٥٣٤/٣ (٢) القاموس ( ابط ) معناه اللغوي .(١) الحكم الإجمالي : ٢ - يختلف الحكم عند الفقهاء بحسب ما يتعلق بالإبط من أمور، فبالنسبة لشعر الإبط تسنّ إزالته عند جمهور الفقهاء .(٢) مواطن البحث : ٣ - تذكر أحكام الإبط عند الفقهاء بحسب ما يتعلق به ، کل في موضعه . فإزالة شعره تذكر في الطهارة عند الكلام عن الغسل عند الحنفية ، وسنن الفطرة عند الشافعية والحنابلة والمالكية .(٣) وظهور بياض الإبط في الدعاء في مبحث صلاة الاستسقاء. (٤) وظهور بياض الإبط في إقامة الحدود في كتاب الحدود . (٥) وجعل الرداء تحت الإبط الأيمن ، وإلقاؤه على الكتف الأيسر في مبحث الإحرام من الحج. (٦) (١) فتح القدير ٣٨/١، والمجموع ٣١٧/١، ط المكتبة العالمية بالفجالة، والجمل ١٦٣/١ ط الميمنية ، والمغني لابن قدامة ٧٢/١ ط المنار، وجواهر الإكليل ٩٦/١ ط الحلبي. (٢) نفس المصادر السابقة . (٣) نفس المصادر السابقة . (٤) كشاف القناع ٦١/١ ط أنصار السنة . (٥) كشاف القناع ٦٦/٦ (٦) الفتاوى الهندية ٢٢٢/١، ٢٢٥، ٢٤٣ ط بولاق، وكشاف القناع ٣١٦/٢ - ١٧٨ - إبطال ١ - ٣ إبطال ١ - الإبطال لغة: إفساد الشيء وإزالته ، حقا كان ذلك الشيء أو باطلا (١) قال الله تعالى (ليُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الباطِلَ)(٢) وشرعا : الحكم على الشيء بالبطلان ، سواء وجد صحيحا ثم طرأ عليه سبب البطلان، أو وجد وجوداً حِسيًا لا شرعيًّاً. فالأول كما لو انعقدت الصلاة صحيحة ثم طرأ عليها ما يبطلها ، والثاني كما لو عقد على إحدى المحرّمات عليه على التأبيد، كما يستفاد من عبارات الفقهاء. ويأتي على ألسنة الفقهاء بمعنى الفسخ:(٣) والإفساد،(٤) والإزالة،(٥) والنقض، (٦) والإسقاط)، (٧) لكنه يختلف عن هذه الألفاظ من بعض الوجوه، و یظهر ذلك عند مقارنته بها . والأصل في الإبطال أن يكون من الشارع، كما يحدث الإبطال ممن قام بالفعل أو التصرف، وقد يقع من الحاكم في الأمور التي سلطه عليها الشارع.(٨) (١) تاج العروس ، مفردات الراغب الأصفهاني (بطل) (٢) سورة الأنفال /٨ (٣) القليوبي ١٧٦/٣ ط الحلبي (٤) القليوبي وعميرة ١٧٦/٣،١٩١/٢ (٥) القليوبي وعميرة ٣٣/٣، ١٧٦، ومطالب أولي النهى ٢٣١/٣ ط المكتب الإسلامي (٦) المحلي على المنهاج ٤٤/٤ (٧) الاختيار ١٥/٢ ط الحلبي (٨) القليوبي ١٩٨/٢ الألفاظ ذات الصلة : أ - الإبطال والفسخ : ٢ - يعبر الفقهاء أحيانا في المسألة الواحدة تارة بالإبطال، وتارة بالفسخ ، غير أن الإبطال يحدث اثناء قيام التصرف وبعده، وكما يحصل في العقود والتصرفات يحدث في العبادة . أما الفسخ فإنه يكون غالباً في العقود والتصرفات، ويقل في العبادات ومنه فسخ الحج إلى العمرة، وفسخ نية الفرض إلى النفل، ويكون في العقود قبل تمامها ، لأنه فك ارتباط العقد(١) أو التصرف. ب - الإبطال والإفساد : ٣ - يأتي التفريق بين الإبطال والإفساد تفريعاً على التفرقة بين الباطل والفاسد . ويتفق الفقهاء على أن الباطل والفاسد بمعنى واحد في العبادات ، إن استثنينا الحج عند الشافعية والحنابلة .(٢) (١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١٣٥ ط الحلبي، والحموي عليها ١٩٦/٢ ط دار الطباعة العامرة، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٧، ٢٩١، وقواعد ابن رجب ٢٦٩ ط الخانجي، والفروق ٢٦٩/٣ ط دار إحياء الكتب العربية، والقليوبي ٢٧٥/٢، والمهذب ٣٠٠/١، ٣٠٩، ط مصطفى الحلبي، والفواكه العديدة في المسائل المفيدة ٢٧٢/١ ط المكتب الإسلامي (٢) إتحاف الأبصار والبصائر ٢٥٩ ط الوطنية بالإسكندرية، وتيسير التحرير ٢٣٦/٢ ط مصطفى الحلبي، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٣٥، والحموي عليها ١٩٤/٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٦، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص ١١٠، ١١١ ط السنة المحمدية - ١٧٩ - إبطال ٤ - ٦ وغير العبادة كذلك غالبا عند المالكية والشافعية والحنابلة .(١) أما الحنفية فإنهم يفرقون في أغلب العقود بين الفاسد والباطل، فالباطل ما لا يكون مشروعا لا بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما يكون مشروعا بأصله دون وصفه.(٢) ولتفصيل ذلك (ر: بطلان، فساد.) جـ - الإبطال والإسقاط : ٤ - الإسقاط فيه رفع لحق ثابت.(٣) وفي الإبطال منع القيام الحق أو الالتزام . وقد يأتي كل من الإبطال والإسقاط بمعنى واحد أحيانا في كلام الفقهاء، كقولهم: الوقف لا يبطل بالإبطال، وقولهم أسقطت الخيار أو أبطلته . (٤) الحكم الإجمالي : ٥ - جمهور الفقهاء على أنه لا يصح إبطال العبادة بعد الفراغ منها (٥) وفي رأي للمالكية أن نية إبطال العبادة بعد الفراغ منها صحيحة تبطلها . ويحرم إبطال الفرض بعد التلبس به دون عذر (١) تيسير التحرير ٢٣٦/٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٦ (٢) ابن عابدين ٩٩/٤°، ١٠٠ ط الأولى (٣) ابن عابدين ٢/٣ (٤) الاختيار ١٥/٢، إتحاف الأبصار والبصائر ص ٣٢٠ (٥) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٠، والحموي عليها ٧٨/١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٨، والفروق ٢٧/٢، ٢٨، والصلاة لابن القيم ص ٥٨، وابن عابدين ٢٩٩/٣، والإنصاف للمرداوي ٣٣٨/١٠ ط أنصار السنة شرعي، وكذلك النفل عند الحنفية والمالكية . ويجب إعادته، لقول الله سبحانه (وَلا تُبْطِلُوا أَغْمالِكُمْ )(١) ويكره عند الشافعية والحنابلة إيطال النافلة بعد الشروع فيها، عدا الحجّ والعمرة . أما فيهما فيحرم الإبطال عند الشافعية، وهو رواية عن أحمد. والرواية الثانية أنهما كسائر التطوعات .(٢) ومثل الحج والعمرة عند الشافعية الجهاد في سبيل الله.(٣) أما التصرفات اللازمة فلا يرد عليها الإبطال بعد نفاذها إلا برضا العاقدين، كما في الإقالة. وفي العقود غير اللازمة من الجانبين لكل من العاقدين إبطالها متى شاء. وفي العقود اللازمة من خانب دون آخر، يصح الإبطال ممن العقد غير لازم في حقه. والمراد هنا الإيطال بمعنى الفسخ. مواطن البحث : ٦ - أحكام الإبطال قبل الانعقاد تذكر في ((بطلان)) وبعده تذكر في ((فسخ)). ولما كان الإبطال يعتري العبادات والتصرفات فإنه يصعب سرد مواطنه تفصيلا، لذلك يرجع في كل عبادة إلى سبب إبطالها، وفي العقود والتصرفات إلى موضعه من كل عقد أو تصرف، كما يفصل الأصولیون ذلك في کتبهم. (١) ابن عابدين ٤٦٢/١، والخطاب ٩٠/٢ ط النجاح، والمجموع ٣٩٣/٦ ط المنيرية، والمغني مع الشرح ٥٥١/٣ ط الأولى ط المنار، وكشاف القناع ٣٠٩/١ ط أنصار السنة. والآية من سورة محمد/ ٣٣ (٢) المجموع ٣٩٣/٦، والمغني مع الشرح ٥٥١/٣ (٣) شرح الروض ١٧٨/٤ ط الميمنية - ١٨٠ -