النص المفهرس

صفحات 61-80

وإحالة التفصيل إلى ذلك الملحق الذي سيكون له ترتيب موضوعي يتحقق به لمّ
أجزاء مباحثه تسهيلاً للإفادة منه كما سبقت الاشارة، مع احتواء الملحق على
فهرس ألفبائي للدلالة على مواطن الكلام عن مصطلحاته فيه وفي الموسوعة .
وكذلك الأمر بالنسبة للعلوم المتأرجحة بين الفقه والأصول كالقواعد
الكلية، والأشباه والنظائر، والفروق، سيكون موطنها ذلك الملحق وبترتيب
يناسبها . وهذه الجوانب ، بالرغم من أنها تراث فقهي، هي أقرب إلى أن تكون
من الوسائل الميسرة لفهم الفقه وتكوين أهلية التخريج والاستنباط، ويتأخر
اعتبارها عن الفقه الخالص المقصود للقضاء والافتاء، ولهذا صرح بعضهم
بضرورة التريث في الفتوى بما في كتبها قبل تبين انسجامه مع ما في الكتب
الفقهية الأصيلة.
ج - المسائل المستحدثة :
٥٨ - وهي الوقائع التي جدت وليس لها حكم ظاهر مفصل في المراجع
الفقهية القديمة التي دونت خلال القرون الثلاثة عشر للهجرة. وقد اختير أن
تكتب في ملحق مستقل عن أصل الموسوعة ، لوقوع معظم مراجع هذه المسائل
خارج الإطار الزمني للموسوعة ، وهي في الغالب ثمرة اجتهاد شخصي جديد وإن
كان مطابقاً لأصول الاستنباط، كما انها قائمة على المناقشات والترجيح
والاختيار، فكان لابد من فصلها عن صميم الموسوعة لتتميز عن تراث الفقه الذي
تضمنته والذي يعتبر أساساً لاستخراج الحلول للمشكلات العصرية في ضوء
مبادئه بطريق المشابهة والتخريج والاستنباط الجديد .
ويطلق فيه للكتاب الاستمداد من شتى المصادر القديمة والحديثة ، ومن
الدوريات (المجلات بأنواعها ) والرسائل الجامعية المتخصصة، وما يصدر عن
المجامع والمؤتمرات الاسلامية. فضلا عما جاء عن موضوعه في كتب الفتاوى
الفقهية المتأخرة.
- ٦١ -

وفي هذا المجال سيكون للمختصين في شتى العلوم دور أساسي لتقديم التصور
الصحيح للوقائع المبحوث فيها ، سواء أكانت نظرية (اقتصادية أو اجتماعية .. )
أم تجريبية (طبية أو علمية .. ) لأن لذلك أثره في اعطاء الحكم الشرعي
الصحيح فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وصحة الحكم تتوقف على صحة
التصور، فكثير من الاختلاف ينشأ من عدم تحديد التصور، أو الخطأ فيه ، أو
الاستناد إلى أعراف تغيرت أو وسائل مدنية تطورت ... وبانتهاء هذا الدور تأتي
مهمة استنباط الحكم الشرعي التي تناط بكل من له أهلية معروفة مبينة في
مواطنها عند الكلام عن الاجتهاد والافتاء.
وسيكون هذا الملحق عرضة للتعديل والتنقيح، على العكس من التراث
الفقهي المنقول والمستنبط من الكتاب والسنة مباشرة أو في عصور الاجتهاد
حسب أصول الفقه الموثوق بها على مدى العصور، أما ما يتضمنه الملحق فإنه
يحتاج إلى فترة زمنية يخضع فيها للنقد والتمحيص قبل ضمه إلى صميم الموسوعة ،
وربما كان من الوسائل الضرورية لإغناء هذا الجانب واتقانه عقد مؤتمرات
للفقهاء المعاصرين للوقوف على ما لهم من آراء شرعية في المشكلات والقضايا
العصرية، وقد يقتضى انجاز ذلك في الوقت المناسب تكوين مجمع فقهي ذي
دورات منتظمة.
د - غريب لغة الفقه :
٥٩ - فضلا عن أثر ذلك في الإفادة من المراجع الفقهية القديمة التي استمدت
منها معلومات الموسوعة ، فإنه تستكمل في هذا الملحق معاني الألفاظ اللغوية التي
يكثر تداول الفقهاء لها ، فيوضح مرادهم منها لا سيما حيث ينحصر اختيارهم في
أحد معاني اللفظ ، أو يكون مشتركاً فِيصطلحون على صرف لفظه إلى أحد
الوجوه. ومعرفة هذه المقاصد لا توفى حقّها إلا بتناول لغة الفقه عموماً بصورة
جامعة لما تفرق وتكرر في المؤلفات التي وضعت لأهل كل مذهب لتحقيق هذا
- ٦٢ -

الغرض فكانت معاجم لغوية متخصّصة، كالمُغْرب للمطرّزي وطلبة الطلبة
للنسفى (للحنفية) وكالزاهر للأزهري والمصباح للفيومي، وغيرهما ( للشافعية )
وكالمطلع للبعلي (للحنابلة ) وتنبيه الطالب لفهم ابن الحاجب للأموي التونسي
(للمالكية ) وغيرها ، وهي مطبوعة متداولة إلا الأخير.
وسيكون في عداد ما يتضمنه الملحق أيضاً الألفاظ التي يستعملها الفقهاء
كتعابير اصطلاحية وصيغ متداولة ، ليس للأحكام الفقهية نفسها ، بل للدلالة
على مرتبة الحكم من حيث الاعتبار والرجحان، كالمفتى به والمختار والصحيح ..
فهذا وأمثاله وإن كان لفظه الظاهر واضحا ، فإنه بما وضع له من دلالات خاصة
يعتبر من غريب لغة الفقه المحتاج للبيان .
خطة كتابة الموسوعة :
٦٠ - لابد لأي موسوعة من خطة تترسمها في تحقيق أهدافها والحفاظ على أهم
خصائصها وهي الوحدة والتناسق. وبيان الخطة المستهدى بها في الكتابة أمر في
غاية الأهمية ، لأنه ينير السبيل للاستفادة الصحيحة من الموسوعة ، كما يعين على
التعرف إلى طابعها العام.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك خططاً أخرى ثانوية ندع الحديث عنها لأنها لا
تعدو أن تكون من قبيل النهج المسلوك في إعداد الموسوعة، وهي وسائل تتعدد
وتتطور. كما نترك الحديث عن الخطة الشكلية للإخراج الموسوعي لأنها مشهودة
بالنظر، وجارية على السنن المعهود في تحقيق النصوص وأصول الإخراج.
ونورد هنا إيضاحا للخطة الملتزمة في كتابة هذه الموسوعة - فضلاً عما سبق
بيانه قريباً - تبعاً لعناصرها التالية :
ترتيب الموسوعة ، تصنيف المصطلحات ، عرض الاتجاهات ، الاسلوب
والمراجع ، الأدلة والتخريج.
- ٦٣ -

ترتيب الموسوعة الألفبائي :
٦١ - إن اختيار تقديم المعلومات في الموسوعة من خلال مصطلحات (ألفاظ
عنوانية متعارف على ارتباطها بمدلولات علمية خاصة ) ثم ترتيبها ألفبائياً (على
حروف الهجاء ) يحقق أهم خصائص الموسوعة ، وهو سهولة الترتيب واستقراره،
بحيث يزول الاضطراب الناشىء عن اختلاف أنظار المؤلفين القدامى في تحديد
الموقع المناسب للمسائل الفقهية التي تتجاذبها أبواب شتى، بل امتد الاختلاف
إلى ترتيب الأبواب نفسها ما بين مذهب وآخر وفي المذهب الواحد . والتزام
الترتيب الألفبائي يزيل الاضطراب وييسر البحث لغير المختصّ.
و ینظر إلى المصطلحات عند ترتیبهاالىحالتها الراهنة ولو کان بعضها - بحسب
الاشتقاق - قد دخلت حروف زائدة على لفظه الأصلي المجرد ، لأن اعتبارها
كذلك أيسر للكشف عنها ، ولأن كل لفظ من تلك الألفاظ صار لقباً ملازماً
للمسألة المدلول عليها به، وقد لوحظ ما في الطرق المختلفة لترتيب بعض
الحروف، فروعيّ تغليب جانب النطق في اعتبارها ، لأنه الأصل الذي تستند
إليه الكتابة في العربية ، كما روعي في الألفاظ المركبة ترتيب الأجزاء الأولى ثم
الالتفات لترتيب ما بعدها أيضا ( كما في لفظ ((صلاة)) وما أضيف إليه). وهو
ما يدعى: ((النظام الكلمي لا الحرفي))،وقدم اللفظ ((الخالي أولا)) حين تزيد
حروف أحد اللفظين عن الآخر بعد التماثل .
تصنيف المصطلحات الفقهية :
ولزيادة إيضاح المقصود بالمصطلحات نشير إلى أنها تلك الألفاظ العنوانية
التي استعملها الفقهاء لمعنى خاص زائد عن المعنى اللغوي الأصلي ، أو قصروها
على أحد المعاني المرادة من اللفظ المشترك ، أو اعتبروها لقباً للمسألة . ومنها جميع
العناوين التبويبية الملازمة لموضوع كلي أو جزئي له أحكام شرعية.
وليس من هذا القبيل ما خلا عن أحد هذه الصفات، فتردد على ألسنة
- ٦٤ -

الفقهاء على سبيل التعبيرات التي تتعاقب لبيان المعاني، فإذا حلّ أحدها محل
الآخر لم يختلّ القصد العلمي الخاص من اختيار اللفظ .
والمصطلحات لها ترتیب واحد ینتظمها مهما كانت صفتها ومقدار بيانها ،
فوحدة الترتيب هي المحققة للسهولة واليسر، إلا أن ذلك لم يمنع من تصنيف
المصطلحات فيما بينها - لناحية تنظيمية - تبعاً لمقدار بيانها وارتكاز بعضها على
بعض، فهي ثلاثة أنواع : مصطلحات أصلية، ومصطلحات إحالة،
ومصطلحات دلالة وإليك إيضاحها :
أ - المصطلحات الأصلية :
٦٣ - وهي التي يستوفى بيانها بالتفصيل بمجرد أن تذكر ( ويستعان لتفصيل
أحكامها بذكرها ضمن عناوين عديدة مرتبة موضوعياً ) وذلك لكون اللفظ هو
المظنة الوحيدة - أو الغالبة - لاستخراج بيانات الموضوع حيث لا يندرج تحت
غيره كجزء تابع لا يحسن إفراده عنه. والأصل في اعتبار المصطلح أصليا ان
یکون جديراً بالاستقلال واستجماع بياناته في موطن واحد ليس له منازع ، ولا
علاقة لذلك بالكمية بل العبرة بأن لا يكون له موطن أليق باندراجه ضمنه
وتفصيله فيه .
أما إيثار لفظ من ألفاظ الموضوع المتعددة لتربط به البيانات المفصلة فرده أن
يكون مصدراً مفرداً (كالحج، والبيع، والشركة) سواء أكان للدلالة على
تصرف أم واقعة عبادية أو تعاملية، وقد يكون المصطلح من أسماء الأشياء
والذوات، ولا يعدل عن المصدر أو المفرد إلى غيره من وصف أو جمع إلا إذا كان
ذلك هو الغالب في استعمالات الفقهاء، أو كان له دلالة خاصة مرادة لا تحصل
بالمصدر أو المفرد ( كالشهيد، والأيمان).
والالتزام بتفصيل ما يتصل بالمصطلح الأصلي لا يمنع من إحالة التفصيل
لبعض بياناته إلى مصطلح أصلي آخر فيما يتكرر اعتباره فيهما ، كشروط التعاقد
- ٦٥ -

مثلا وأهلية التكليف. وكذلك إذا كان لعدد من المصطلحات الأصلية مصطلح
يشملها كلها كمصطلح عقد، أو معاوضة، ونحوها .
وكتابة المصطلحات الأصلية يسبقها التخطيط التفصيلي للمصطلح بالصورة
التي يؤمن معها من التكرار المحض والتداخل إلا بالقدر الذي لا يحرم المستفيد
من الإلمام الضروري بما يتصل بالموضوع، كما يضمن معه عدم الاخلال بمسائل
الفقه الأساسية التي تتبع ذلك المصطلح .. وعناصر هذه المخططات تتحول بعد
الانجاز إلى عناوين تأخذ موطنها في فهرس المجلد .
ب - المصطلحات الفرعية ( الإحالات ) :
٦٤ - وهي المصطلحات التي أجمل بيانها في صورة (عجالات) تتضمن :
((التعريف)) بالمصطلح لغة وشرعا وتمييزه عن الألفاظ ذات الصلة به، ثم بيان
((الحكم الإجمالي)) له، وقد يتضمن الاشارة إلى القاعدة العامة التي يتبعها دون
التوسع في الادلة أو المراجع، وأخيرا الإرشاد إلى ((مواطن البحث)) التفصيلي
له، بحسب المعهود من الفقهاء في المراجع الأصلية ( وهو الغالب حين يكون
المصطلح الواجب الإحالة إليه لم تتم مراحل انجازه، أولا يجزم باشتماله على
البيان الموعود به لاحتمال أن يقتضي التنسيق خلافه) على أن ذلك الموطن
المعهود للفقهاء لابد أن يؤخذ بالاعتبار في مصطلحات الموسوعة . ويشار أيضا إلى
موطن بحثه في الموسوعة كلما أمكن ذلك .
واستخدام طريقة ( الإحالات ) لم يكن منه بدّ لتحقيق أمرين :
(١) تحاشي التكرار للبيانات الواحدة عن المصطلح ، مرة مستقلا ومرة
مندرجاً ضمن أصله مع أشباهه ونظائره .. فاختير التعجيل في أحد الموطنين
ببيانات إجمالية: إما أن يكتفى بها وإما أن تمهد للتفصيل الوارد في الموطن الآخر
(الأولى بذلك).
(٢) مراعاة حاجة غير المختص في اسعافه بمطلبه سواء اتجه إليه من جهة
- ٦٦ -
٠

الأصل أو الفرع بدلا من إهدار بعض الاحتمالات التي قد تتكافأ فيعذر في
انصراف ذهنه إلى أحدها .
ج - مصطلحات الدلالة :
٦٥ - وهي المصطلحات التي جيء بها لمجرد الإرشاد إلى الموطن الذي اختير
لبحث الموضوع، فهي بدائل عن أحد الألفاظ الأصلية أو المحالة ، من قبيل
المرادفات (كالقراض مع المضاربة، والكراء مع الإجارة) أو بقية المشتقات
التي جعل أحدها مرتكزاً للموضوع .
فهذه المصطلحات يقتصر فيها على بيان مكان بحثها بين مصطلحات الموسوعة
مثل (قراض ، انظر: مضاربة) دون الحاجة إلى أي بيان آخر سيكون من
التكرار الحرفي. ولا معدى عن الاهتمام بمثل هذه الألفاظ بعد أن استعملها
الفقهاء وتداولوها بين مصطلحاتهم الثابتة لا على انها تعبير متقلّب (ولا مشاحّة
في الاصطلاح ).
وبعد ، فإن مصطلحات الدلالة هذه، ومصطلحات الإحالة أيضاً - لما هي
عليه من الإجمال - هما من نافلة البحث في هذه الموسوعة، فإن المصطلحات
الأصلية هي قوامها ، وهي التي يحصل من تكاملها - بالضرورة - استيفاء جميع
موضوعات الفقه (مفصلةً ملتزماً فيها بجميع عناصر الخطة ) وهي المستهدی إليها
بمصطلحات الدلالة ذات الغرض التكميلي والممهَّد لها بالبيانات الإجمالية في.
(الاحالات ) التي يقتصر هدفها على سد الحاجة المشار إليها .
عرض الاتجاهات الفقهية :
٦٦ - إن الطريقة التي اختيرت لبيان المسائل وأحكامها هي طريقة
(الاتجاهات الفقهية ) وهي تختلف عن فصل المذاهب وتكرار المسألة .
ففي الطريقة المختارة تحصر الآراء المتعددة في المسألة ، متبوعة بما يندرج تحت
- ٦٧ -

كل اتجاه من مذهب أو أكثر، وإذا كان في المذهب الواحد أكثر من رأي فإنه
يتكرر ذكره بحسب تلك الروايات مع الاتجاهات المناسبة لها .
ويقدم الاتجاه الذي ذهب إليه أكثر الفقهاء (الجمهور) إلا حيث تقضي
منطقية البيان بمخالفة ذلك لتقديم البسيط على ما فيه تركيب أو تفصيل ،
وكالبدء بما يتوقف عليه فهم ما بعده .
والباعث على سلوك هذه الطريقة - المعروفة صعوبتها على الكتّاب-
كفاية المستفيد من الموسوعة مهمة استخلاص مواطن الوفاق والخلاف بدقة ،
واعطاء التصور التام لمناحي الاجتهادات الفقهية وهو مما يتيسر معه الاستمداد
منها في الدراسات والتشريعات بعد أن غلب عليها البحث غير المقتصر على
مذهب واحد بخصوصه، ولا يخفى ما في هذه الطريقة من تحاشي التكرار في
ذكر كل مذهب على حدة وتكرار المسألة وأدلتها تبعاً لذلك.
كما أن هذه الطريقة ليست بدعاً من الأمر فهي ما عليه معظم المؤلفين
القدامى في كتب اختلاف الفقهاء والشروح المعنية بالاشارة للمذاهب ، وعليها
أيضا جميع الدراسات الفقهية الحديثة. ولم تكن ثمة حاجة للتأكيد عليها لولا أن
بعض الكتابات استروحت إلى طرق أخرى كإفراد المذاهب تماما، أو البدء
بمواطن الاتفاق إجمالا ثم العودة لإفرادها عند التفصيل والاختلاف.
ويلتزم بعد حصر الاتجاهات في المسألة بإتباع كل اتجاه بما وافقه من فقه
المذاهب الأربعة التي يتيسر توفير الفقهاء المشتغلين بفقهها مجتمعا ، للتقارب
الشديد بين أصولها وتداول مراجعها ، كما يشار إلى ما يتيسر الوقوف علیه من
مذاهب السلف (الصحابة ومن بعدهم ) مما تضمنته كتب الفقه المعروفة .
ويحصل بذلك الاجتزاء عما لم يتيسر أو لم يطلع عليه من مذاهب لكونها ممثلة في
أحد الاتجاهات .
- ٦٨ -

الأسلوب والمراجع :
٦٧ - التزم في الموسوعة أن يكون أسلوبها واضحاً، وهذا غالباً ما يتطلب
التصرف في العبارات المقتبسة من المراجع الفقهية لإزالة غموضها أو تعقيدها ،
واختيار القصد بين الاسهاب الممل والايجاز المخل. وسلوك طريقة الاتجاهات
أعانت على ذلك لأنها لا تتحقق إلا باختيار العبارة المثلى مما يقف عليه الكاتب
في المراجع المذهبية المختلفة.
وبالرغم من إتاحة التصرف في العبارات المنقولة بما لا يحيل معناها ، فقد
التزم ألا ينسب رأي لمذهب إلا بالاستناد إلى كتبه الأصلية المعتمدة، وقد
يستعان في تصوير الاتجاهات بالكتب المعنية بالفقه المقارن من مذهب واحد مع
العزو إلى بقية الكتب المتنوعة .
٦٨ - والمراجع المعتمد عليها هي القديمة التي تداولها أصحاب المذاهب
وخدموها بالشروح والحواشي وتعقبوها بالانكار والتقييد أو الاقرار والتسليم،
والتي تعتبر تراثاً فقهياً يتميز في أسلوبه وتأليفه عما بعده من دراسات حديثة .
والحد الفاصل بينهما نهاية القرن الثالث عشر الهجري، وقد اختير عدد من المراجع
الأساسية يتحقق بها التمثيل الجيد لفقه كل مذهب، لجمعها بين ما هو من
كتابات المذهب الأولى والمتأخرة، وما يهتم بالأدلة النقلية والتوجيهات المعقولة ،
فضلاً عما هو معتمد للفتوى به .
( وهذه المراجع - الموصى بالاستمداد منها فضلا عن غيرها - يجرى العمل
لوضع فهارس تحليلية لها، لتسهيل الافادة منها في كتابة الموسوعة).(١)
(١) من الفهارس الفقهية التي يجرى طبعها ، وستصدر قريباً:
١ - فهرس جمع الجوامع وشرحه ، في أصول الفقه .
٢- فهرس مُسلم الثبوت وشرحه ، في أصول الفقه .
٣- فهرس شرح المنهاج وحواشيه في الفقه الشافعي.
٤ - فهرس حاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي .
٥ - فهرس جواهر الاكليل شرح مختصر خليل في الفقه المالكي .
- ٦٩ -

ويرجع إلى غير كتب الفقه من كتب الشريعة عند الحاجة ، ولا سيما بالنسبة
لفقه السلف إلى كتب التفسير وأحكام القرآن، وكتب شروح السنة وأحاديث
الأحكام.
هذا ، وإن الاستمداد من المراجع الفقهية لا يقتصر على المطبوع منها بل
يشمل المخطوطات التي يتم الحصول على صور (ميكروفيلم) لها من خزائنها في
العالم، كما استحضرت أجهزة فنية لقراءتها وإرسال صور عنها كمراجع اضافية
للابحاث التي يكلف بها المستكتبون من الخارج .. والنية متجهة لاخراج بعض
ذلك التراث الفقهي، بدءاً بكتاب ((الذخيرة)) للامام القرافي المالكي.
الأدلة وتخريجها :
٦٩ - تتميز هذه الموسوعة باقتران الأحكام الواردة فيها بأدلتها من المنقول
والمعقول، فتذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وبقية مصادر
الأحكام ولو كانت مختلفا فيها. وذلك بالقدر الذي يعرف به وجه استنباط
الحكم. وتورد تلك الأدلة المختلفة عقب الأحكام تفادياً من تكرار تصوير المسألة
والحكم فيما إذا جيء بالأدلة المختلفة مستقلة.
ويراعى في الأدلة التي تورد أن تكون مستنداً للاتجاه الواحد وماينتظمه من
المذاهب المتفقة في الحكم، ولا يتعرض لمناقشات الأدلة إلا إذا كان الدليل هو
المستند لأكثر من اتجاه بضرب من الخلاف في فهمه أو تأويله، فيقتصر على
ما يؤدي هذا الغرض.
و يلتزم بتخريج الأحاديث وبيان درجتها والإ تيان بالرواية على وجهها
الثابت في أصول السنة إِذا كان لفظ الحديث المنقول من المراجع الفقهية مغايرا
للرواية الوحيدة أو المشهورة أو مروياً بالمعنى . وقد يكون غير ثابت فيعزز بالحديث
الثابت البديل إن تيسر. على أن ظهور ضعف الحديث المستدل به لمسألة لا
يقتضى استبعادها لأنه قد يكون للحكم دليل آخر في المراجع الفقهية نظراً
للاقتصار في الموسوعة على الأدلة المستمدة من مشهور كتب الفقه.
- ٧٠ -

خاتمة :
٧٠ - إن مشروع الموسوعة الفقهية ذو طبيعة خاصة يختلف فيها عن غيره من
مشاريع الخدمات العلمية أو العملية . ذلك لأن عناصر إنجازه ليست في مقدور
فرد أوجهة أو دولة ، بل لابد أن يشترك فيه أصحاب الاختصاص في العالم
الاسلامي فيتعاونوا على المستوى المطلوب من حيث الانتاج كمية وكيفية وزمناً .
وفي مثل هذه الأمور یکون التحكم في عنصر الوقت غير مقدور عليه ولا بد
لنجاح هذا المشروع وأمثاله من الأناة والصبر وسعة الأفق، مادامت الأسس التي
يجرى عليها صحيحة ، ومن شأنها اعطاء النتائج المرجوة. ليخرج الانتاج بالصورة
المنشودة التي لا يهدر فيها الاتقان استعجالا للزمن.
كما أن مثل هذا المشروع لا يتناسب الزمن فيه مع مظاهر الانتاج ، لكثرة ما
يبذل في تكوين أسسه واعداداته الأولية لا سيما مع الالتزام في مشروع الموسوعة
بالاخراج الكامل المرتب .
وهو - أخيرا - ضرورة إسلامية لا مناص من النهوض بها، ولا يسع الأمة
ترك أمثال هذه المشاريع إذا تأخرت أو تعسرت ، بل لابد من التكاتف لتمهيد
السبل لنجاحها ، وتوفير الاستقرار والامكانيات الكافية لها ، والله المستعان ، وهو
ولي التوفيق.
٠٠٠
- ٧١ -

المُوَسُوعَةَ الْفِقْهِيَّةَ

أثمة ١ - ٢
..
...
أثْنَة
التعريف :
١ - الأئمة لغة : من يُقتدى بهم من رئيس أو
غيره. (١) مفرده: إمام. ولا يبعد المعنى الاصطلاحي
عن المعنى اللغوي ، بإطلاقه الشامل للمقتدى بهم
عموما في مجال الخير والشر، طوعاً أو كرهاً. (٢)
الإطلاقات المختلفة هذا المصطلح :
٢ - يطلق على الأنبياء عليهم السلام أنهم (« أئمة))
من حيث يجب على الخلق اتّباعهم ، قال الله تعالى
عقب ذكر بعض الأنبياء: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ
بِأَمْرِنَا)(٣) كما يطلق على الخلفاء (( أئمة))، لأنهم رُتِبُوا
في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم، وقبول قولهم
وأحكامهم. وتوصف إمامتهم بالإمامة الكبرى ، كما
(١) الصحاح ، ولسان العرب (أمم )
(٢) شرح التفتازاني على العقائد النسفية ص ١٨١ المطبعة العامرة،
وتفسير الرازي ٤٣/٤ ط الأولى، وجواهر الإ کلیل ٢٢١/٢
(٣) سورة الأنبياء /٧٣
يطلق أيضا على الذين يصلّون بالناس - وتقيّد هذه
الإمامة بأنها الإمامة الصغرى - لأن من دخل في
صلاتهم لزمه الائتمام بهم، قال عليه الصلاة
والسلام: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع
فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تختلفوا على
إمامکم)»(١)
وهناك إطلاقات اصطلاحية أخرى لمصطلح
((أئمة)) عند العلماء تختلف من علم لآخر، فهو يطلق
عند الفقهاء على مجتهدي الشرع أصحاب المذاهب
المتبوعة،(٢) وإذا قيل ((الأئمة الأربعة)» انصرف ذلك
إلى أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي، وأحمد .
ويطلق عند الأصوليين على من لهم سبق في تدو ین
(١) تفسير الرازي ١٧/٢١ ط عبد الرحمن محمد، وحديث :
((إنما جعل الإمام ليؤتم به ... )) روى بعدة روايات
مقاربة لأحمد وغيره . انظر (الفتح الكبير ٤٣٨/١ ط دار
الكتب العربية). وأصله في الشيخين باختلاف من
حديث أبي هريرة وغيره. وكرره الرافعي بلفظ :
((لا تختلفوا على إمامكم)) وكأنه ذكره بالمعنى.
(تلخيص الحبير ٣٨/٢، ٤٠ ط الفنية المتحدة)
(٢) الخطاب ٣٠/١ ط الأولى.
- ٧٥ -

أئمة ٣ - ٦
الأصول بطرائقه الثلاث : طريقة المتكلمين ،
كالجويني والغزالي. وطريقة الحنفية، كالكرخي
والبزدوي، والطريقة الجامعة بينهما، كابن
الساعاتي والسبكي، وأمثالهم. ويطلق عند
المفسرين على أمثال مجاهد، والحسن البصري ،
وسعيد بن جبير. ويطلق في علم القراءات على
القراء العشرة الذين تواترت قراءاتهم وهم : نافع،
وابن كثير، وأبوعمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة،
والكسائي، وأبوجعفر، ويعقوب، وخلف . (١)
ويطلق مصطلح ((أئمة)) عند المحدثين على أهل
الجرح والتعديل كعليّ بن المديني ويحيى بن معين
وأمثالهما .
وإذا قيل عندهم ((الأئمة الستة)) انصرف ذلك
إلى الأئمة : البخاري، ومسلم، وأبي داود ،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه . وعدّ بعضهم
مالكاً بدلا من ابن ماجه، وبعضهم أبدله
بالدارمي(٢) ويطلق عند المتكلمين على أمثال
الأشعري والماتريدي ممن لهم مذاهب وأتباع في
العقيدة .
الحكم الإجمالي :
٣ - اجتهادات أحد أئمة المذاهب الفقهية المعتبرة
(التي نقلت نقلا صحيحاً منضبطا تم به تقیید
مطلقها ، وتخصيص عامها ، وذكر شروط فروعها )
يخير في الأخذ بأحد تلك الاجتهادات لمن ليست لديه
(١) النشر في القراءات العشر لابن الجزري ٨/١، ٩، ٥٤ ط
التجارية .
(٢) جامع الأصول ١٨٠/١ وما بعدها ، والرسالة المستطرفة لبيان
مشهور كتب السنة المشرفة ص ١٣ ط دار الفكر، وتيسير
التحرير ١٠٢/٣
أهلية الاجتهاد. وليس من الضروري التزام مذهب
معين. على أن من كانت لديه ملكة الترجيح
والتخريج فإنه يستعين بالاجتهادات الفقهية كلها
بعد التثبت من صحة نقلها - ولو نقلت مجملة - وله
الأخذ بها عملا وإفتاء في ضوء قواعد الاستنباط
والترجيح .(١)
وتلفيق عبادة واحدة أو تصرف واحد من
اجتهادات أثمة متعددين في صحته خلاف.(٢)
وتفصيل ذلك كله موطنه الملحق الأصولي،
ومصطلحات: اجتهاد، إفتاء، قضاء، تقليد ،
تلفيق .
٤ - وفي الإمامة بنوعيها : الإمامة العظمى
(الخلافة) في قطر واحد، والصغرى ( إمامة
الصلاة) في وقت واحد ومكان واحد ، يمتنع تعدد
الأئمة في الجملة، حتى لا تتفرق كلمة المسلمين.
وتفصيل ذلك يرجع إليه في : إمامة الصلاة، والإمامة
الكبرى .
٥ - وفي أصول الفقه وأصول علم الحديث يقبل من
الأئمة ما أرسله أحدهم من أحاديث . والمرسل عند
المحدثين ما قال فيه التابعي : «قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم.))(٣)
٦ - والأكثرون على قبول مراسيل الأثمة من
التابعين إذا كان الراوي ثقة . ولهذا قالوا: ((من أسند
(١) فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى ٤٠٦/٢ ط بولاق،
وإرشاد الفحول ص ٢٧٢ ط مصطفى الحلبي.
(٢) ابن عابدين ٥١/١ ط الاولى، والميزان ١٦/١ ط مصطفى
الحلبي.
(٣) فواتح الرحموت ١٧٤/٢، وتيسير التحرير ١٠٢/٣ ط مصطفى
الحلبي.
- ٧٦ -

آباء ١ - ٤
فقد حمّل، ومن أرسل فقد تحمّل)». ومثّل لهم
صاحب مسلم الثبوت بالحسن البصري وسعيد بن
المسيب وإبراهيم النخعي (١)
ابَاء
التعريف :
١ - الآباء جمع أب. والأب الوالد(٢) و((الأصول))
أعم من الآباء، لشمول الأصول للأمهات والأجداد
والجدات.
ويجوز في اللغة استعمال ((الآباء)) شاملاً
للأجداد، لما لهم على الشخص من الولادة .
وقد يدخل الأعمام، لأن العم يسمى أباً مجازاً.
ومنه قول الله تعالى حاكيا عن أولاد يعقوب عليه
السلام: (قَالُوا نَعْيُدٍ إِلَهَكَ وَإِلَةَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيَل وَإِسْحَقَ) . فإن إسماعيل عم يعقوب عليها
السلام.
٢ - ويستعمل ((الآباء)» في كلام الفقهاء بمعنى
الوالدين الذكور، كما في الاستعمال اللغوي.
الحكم الإجمالي :
٣ - يختلف الفقهاء إذا استعملت هذه العبارة في صيغة
وصية أو نحوها - في تناولها للأجداد ، لاختلافهم في
أن اللفظ هل يصح أن يراد به حقيقته ومجازه في آن
واحد، فإن إطلاق ((الآباء)) على الأجداد مجاز.
(١) فواتح الرحموت ١٧٤/٢، ١٧٥
(٢) لسان العرب، مادة (أبو).
(٣) سورة البقرة/١٣٣
وطريقة الحنفية أنه ((لا يصح أن يراد من
اللفظ معناه الحقيقي والمجازي في آن واحد، لرجحان
المتبوع على التابع)) كما في التنقيح. قال سعد الدين
التفتازاني: ((فلو آمن المسلمون الكفار على الآباء
والأمهات فإنه لا يتناول الأجداد والجدات.)) (١)
وجاء في الفتاوى الهندية في باب الوصية نقلاً
عن المحيط ((إذا أوصى لآباء فلان وفلان، ولهم آباء
وأمهات، دخلوا في الوصية، ولو لم يكن لهم آباء
وأمهات، وإنما لهم أجداد وجدات، فإنهم لا يدخلون
في الوصية.)) (٢)
وفي الهندية أيضا «قال محمد رحمه الله : فإن كان
لسانهم الذي یتکلمون به أن الجد والد، يدخل في
الأمان.)) (٣)
وأما عند الشافعية والجمهور، فيصح إطلاق
اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه في آن واحد(٤) ولعل
هذا مبنى ما قال الرملي من الشافعية : من قال :
أوصيت لآباء فلان، يدخل الأجداد من الطرفين. (٥)
يعني من قبل الأب والأم .
مواطن البحث :
٤ - هذا وقد ذكر بعض الفقهاء هذه المسألة
في مباحث الوصية ومباحث الأمان .
(١) التلويح على التوضيح ٨٨/١، ٨٩ ط محمد صبيح.
(٢) الفتاوى الهندية ١١٨/٦ ط بولاق .
(٣) الفتاوى الهندية في أبواب الأمان ١٩٩/٢
(٤) جمع الجوامع بحاشية البناني ٢٩٦/١ - ٢٩٨ ط
مصطفى الحلبي، وإرشاد الفحول ص ٢٠ ط مصطفى
الحلبي؛ ومسلم الثبوت وشرحه المطبوع مع المستصفى
٢٠٢/١ ط بولاق .
(٥) نهاية المحتاج ٨٢/٦ ط مصطفى الحلبي.
- ٧٧ -

آبار١ - ٣
ويرجع إليها أيضا في مباحث ((المشترك)» من
أصول الفقه. ولمعرفة سائر أحكام الآباء (ر: أب)
ابَار
المبحث الأول
تعريف الآباروبيان أحكامها العامة
١ - الآبار جمع بئر، مأخوذ من ((بأر)) أي حفر.
ويجمع أيضا جمع قلة على أبور وآبر . وجمع الكثرة منه
بئار.(١)
وينقل ابن عابدين في حاشيته عن «النتف)»:
البثرهي التي لها مواد من أسفلها ، أي لها مياه تمدها
وتنبع من أسفلها. وقال: ولا يخفى أنه على هذا
التعريف يخرج الصهريج والجب والآبار التي تملأ
من المطر، أو من الأنهار، والتي يطلق عليها اسم
الركية (على وزن عطية) كما هو العرف، إذ الركية
هي البئر، كما في القاموس. لكن في العرف هي بثر
يجتمع ماؤها من المطر، (٢) فهي بمعنى الصهريج.
وفي حاشية البجيرمي على شرح الخطيب أن
((البئر)) قد تطلق على المكان الذي ينزل فيه البول
والغائط، وهي الحاصل الذي تحت بيت الراحة.
ويسمى الآن بالخزان. ويقال عن هذه البئر: بئر
الحش، والحش هوبيت الخلاء. (٣)
٢ - والأصل في ماء الآبار الطهورية (أي كونه
طاهراً في نفسه مطهراً لغيره)، فيصح التطهير به
اتفاقا، إلا إذا تنجس الماء أو تغير أحد أوصافه على
(١) ملخصا من تاج العروس ( ب أر)
(٢) حاشية ابن عابدين ١٤٤/١ ط بولاق .
(٣) حاشية البجيرمي ((تحفة الحبيب)) ٨٥/٣ ط مصطفى الحلبي.
تفصيل في التغير يعرف في أحكام المياه. غير أن هناك
آباراً تكلم الفقهاء عن كراهة التطهير بمائها لأنها في
أرض مغضوب عليها. وهناك من الآبار ما نص
الفقهاء على اختصاصها بالفضل، ورتبوا على ذلك
بعض الأحكام.
المبحث الثاني
حفر الآبار لإحياء الموات وتعلق حق الناس بمائها
أولا - حفر البئر لإحياء الموات :
٣ - حفر البئر وخروج الماء منها طريق من طرق
الإحياء. وقد أجمع الفقهاء على أنه إذا تم تفجير الماء
والانتفاع به في الإنبات، مع نية التملك، يتم به
الإحياء. وذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة) إلى أن تفجير الماء يتم به الإحياء في
الجملة، غير أن المالكية يشترطون إعلان النية إذا
كانت البئربثر ماشية. والشافعية في الصحيح
يشترطون الغرس إذا كانت البئر لبستان، كما
يشترطون نية التملك. واشترط بعضهم طيها (أي بناء
جدرانها) إذا كانت في أرض رخوة أما الحنفية
فيرون أن الإحياء لا يتم بتفجير الماء وحده، وإنما
بالحفر وسقي الأرض .(١)
ولا خلاف في أن للبئر في الأرض الموات حريما ،
لحاجة الحفر والانتفاع، حتى لو أراد أحد أن يحفر
(١) الشرح الصغير بحاشية بلغة السالك ٢٩٦/٢ سنة ١٣٧٢ هـ،
والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٦٩/٤ ط دار الفكر العربي،
ومغني المحتاج ٣٦٦/٢ ط مصطفى الحلبي سنة ١٣٧٧ هـ،
والإقناع بحاشية البجيرمي ١٩٩/٣ ط مصطفى الجلبي، والمغني
١٥٧/٦ ط المنار سنة ١٣٤٧ هـ، وتبيين الحقائق ٣٦/٦ ط سنة
١٣١٥ هـ، وحاشية ابن عابدين ٣٠٣/٥، وتكملة فتح القدير
١٣٩/٨ ط بولاق.
- ٧٨ -

آبار ٤- ٥
بئراً في حريمه له أن يمنعه، لأن النبي صلى الله عليه
وسلم جعل للبئر حريما. (١) واختلفوا في المقدار الذي
يعتبر حريما ، فحدده الحنفية والحنابلة بالأذرع حسب
نوع البئر. ويستند المذهبان في ذلك إلى ما ورد من
أخبار. أما المالكية والشافعية فقدروه بما لا يضيِّق
على الوارد ، ولا على مناخ إبلها ، ولا مرابض مواشيها
عند الورود ، ولا يضر بماء البئر. (٢) وتفصيل ذلك في
مصطلح ((إحياء الموات)).
ثانيا - تعلق حق الناس بماء الآبار:
٤ - الأصل في هذه المسألة ما رواه الخلال عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه قال :
((الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ
-
(١) البدائع ١٩١/٦ ط الخانجي. وحديث: ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم جعل للبثرحريما » روي بعدة روايات باختلاف،
فقد رواه (الدارمي ٢٧٣/٢ ط دار الكتب العلمية، وابن
ماجه ٨٣١/٢ ط عيسى الحلبي) ومداره على إسماعيل ابن
مسلم المكي. قال أبو زرعة : ضعيف، وقال أحمد وغيره:
منكر الحديث. (ميزان الاعتدال ٢٤٨/١-٢٤٩ ط عيسى
الحلبي) وفيه منصور بن صُقَير في رواية لابن ماجه ،وفيه لين.
(فيض القدير ٣٨٢/٣، وتهذيب التهذيب ٣٠٩/١٠ ط حيدر
آباد). وفي تعليقات قاسم بن قطلوبغا رواية: ((حريم العين
خمسمائة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعا، وحريم بثر
الناضح ستون ذراعا)» قال الحافظ: لم أجده هكذا ، قال
العلامة قاسم: قلت : رواه هكذا الإمام محمد بن الحسن.
" (منية الألمعي ص ٦٤ ط السعادة)
(٢) البدائع ١٩٥/٦، وتبيين الحقائق ٣٧،٣٦/٦، والفتاوي
الهندية ٣٨٧/٥، ٣٨٨ط بولاق، والشرح الصغير ٢٩٤/٢ ط
مصطفى الحلبي، والوجيز ٢٤٢/١ ط ١٣١٧ هـ، ومغني المحتاج
٣٦٣/٢، والمهذب ٤٢٤/١ ط عيسى الحلبي، والغرر البهية
٣٥٥/٣-٣٥٧، وكشاف القناع ١٦١/٤، ١٦٣، والمغني
١٥٧/٦
والنار.)) (١) كما روى أنه صلى الله عليه وسلم
((نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه.)) (٢) والاستثناء
يدل على أن المراد بالماء في الحديث الأول غير المحرز.
وعلى هذا فمياه الآبار العامة مباحة ، ولا ملك
فيها لأحد، إلا بالاغتراف . وأما مياه الآبار الخاصة
فإنها خرجت عن الإباحة العامة . ولما كانت حاجة
الإنسان إلى الماء لشربه وشرب حيوانه
مما يسميه الفقهاء بحق الشفة (٣) ماسّةً
ومتكررة، كما أن أصل الماء قبل جريانه في الملك
الخاص مباح، وأن مياه الآبار في الأعمّ الأغلب
متصلة بالمجرى العام ، أو جد ذلك شبهة الإباحة في
ماء الآبار الخاصة ، لكنها إباحة قاصرة على حق
الشفة دون حق الشّرب . (٤)
٠
٥ - واتجاهات الفقهاء مختلفة بالنسبة لملكية ماء آبار
(١) حديث: ((الناس شركاء ... )) رواه أحمد وأبو داود مرسلا
بلفظ: ((المسلمون شركاء في ثلاثة: في الكلا والماء والنار»
(فيض القدير ٢٧١/٦ -٢٧٢) ورواه ابن ماجه من حديث
ابن عباس، وفيه عبد الله بن خراش ، متروك، وقد صححه
ابن السكن، ورواه غيره. انظر (تلخيص الحبير ٦٥/٣ ط
الفنية )
(٢) حديث: ((نهى عن بيع الماء ... )) رواه أبو عبيد عن المشيخة
في (الأموال / ٣٠٢ تحقيق محمد حامد الفقي) وفي سنده من
تكلم فيه ، انظر (ميزان الاعتدال ٣٣١/١ و٢٦٧/٤، ٤٩٨ ط
عيسى الحلبي) ورواه الترمذي عن إياس بن عبدٍ المزني قال :
((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الماء)) قال: وهو
حديث حسن صحيح. (تحفة الأحوذي ٤٩٠/٤ - ٤٩٢ ط
السلفية بالمدينة) ورواه مسلم عن جابر بن عبد الله قال :
(( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء)»
(صحيح مسلم ١١٩٧/٣ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي)
(٣) حق الشفة: حق الشرب للآدمي والبهائم دون سقي الزرع.
(٤) الشّرب : النصيب من الماء اللازم للسقي والإثبات .
- ٧٩ -

آبار٦
الدور والأراضي المملوكة، وتعلق حق الناس بها .
فقيل بأن للناس حقا فيها . وهو قول عند الحنفية إذا
لم يوجد ماء قريب في غير ملك أحد ، حتى لو لم يفِضْ
عن حاجته عند أبي حنيفة . وقيد أكثر المشايخ ذلك
بما إذا كان يفيض عن حاجته. (١) وهو مذهب
الحنابلة، لأن البثرما وضع للإحراز، ولأن في بقاء
حق الشفة ضرورة ، ولأن البئر تتبع الأرض دون
الماء، ولخبر ((الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلا*
والنار)). (٢) وهذا هو الظاهر في مذهب الشافعية إذا
كان حفر البئر بقصد الانتفاع بالماء ، أو حفر بقصد
التملك ، وهو غير المشهور عند المالكية في غير آبار الدور
والحوائط المسوَّرة . وقيد ذلك ابن رشد بما إذا كانت
البئر في أرض لا يضرها الدخول فيها . (٣)
الاتجاه الثاني : أنه لا يتعلق به حق أحد ،
وملكيته خالصة لصاحبه . وهو قول عند الحنفية ،
ورواية عن أحمد ، ومذهب المالكية بالنسبة لآبار
الدور والحوائط المسورة، والقول المشهور عندهم
بالنسبة لغيرها من الآبار الخاصة في الأراضي
المملوكة، والأصح عند الشافعية إذا كان يملك
المنبع، أو كان حفرها بقصد التملك . فلصاحب البئر
على هذا أن يمنع الغير من حق الشفة أيضا ، وأن يبيع
الماء، لأنه في حكم المحرز. ويقيد المنع بغير من
خيف عليه الهلاك ، لأنها حالة ضرورة . (٤) وفي
(١) الفتاوي الهندية ٣٩١/٥، وتبيين الحقائق ٤٠/٦
(٢) حديث: ((الناس شركاء ... )) سبق تخريجه .
(٣) تبيين الحقائق ٤٠/٦، وحاشية الدسوقي ٧٢/٤ ط الحلبي،
والوجيز للغزالي ٢٤٤/١، ومغني المحتاج ٣٧٤/٢، ٣٧٥،
والمغني المطبوع مع الشرح الكبير ١٧٦/٦ -١٨٢، وكشاف
القناع ٢٢٥/٣ و١٦٠/٤
(٤) المراجع السابقة .
معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك ، كالقار
والنفط . (١)
المبحث الثالث
حد الكثرة في ماء البثر وأثر اختلاطه بطاهر
وانغماس آدمي فيه طاهر أو به نجاسة
٦ - اتفق فقهاء المذاهب على أن الماء الكثير لا
ينجسه شيء ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه .
ويختلفون في حد الكثرة ، فيقدرها الحنفية بما يوازي
عشر أذرع في عشر دون اعتبار للعمق ما دام القاع لا
يظهر بالاغتراف . والذراع سبع قبضات ، لأنها لو
كانت عشرا في عشر فإن الماء لا يتنجس بشيء ما لم
يتغير لونه أو طعمه أو ريحه ، اعتباراً بالماء
الجاري . والقياس أن لا تطهر، لكن ترك القياس
للآثار، ومسائل الآبار مبنية على الآثار. (٢) والمفتى
به القول بالعشر ولو حكماً ليعم ماله طول بلا عرض
في الأصح. وقيل المعتبر في القدر الكثير رأي المبتلى
به ، بناء على عدم صحة ثبوت تقدير شرعا . (٣)
ويرى المالكية أن الكثير ما زاد قدره عن آنية
الغسل، وكذا ما زاد عن قدرآنية الوضوء، على
الراجح. (٤) ويتفق الشافعية ، والحنابلة في ظاهر
(١) المغني ٦١/٤ ط مكتبة القاهرة.
(٢) مجمع الأنهر ٣٣/١ ط العثمانية، وحاشية ابن عابدين
١٢٨/١، ١٤٧ ط بولاق .
(٣) خاشية ابن عابدين ١٣٤/١ ط ثالثة بولاق .
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٥/١ ط الحلبي، وشرح
الخرشي ٧٦/١ ط الشرفية، وبلغة السالك ١٧/١ ط سنة
١٣٧٢ هـ.
- ٨٠ -