النص المفهرس

صفحات 21-40

كتاب الله أو سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن الآراء المعتمدة على
الإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المساندة لابد أن ترجع - أخيرا - إلى كتاب
الله أو سنّة رسوله. فالإجماع - مثلا - لابد أن يكون له سند من نص قرآني أو
سنة مقبولة، وهو ما يعرف عندهم بسند الإجماع. وقد يكون هذا السند ظني
الدلالة، ولكن اجتماع آراء المجتهدين على رأي واحد يرفعه من الظنّية إلى
القطعية. والأحكام النابعة من القياس لابد أن ترجع إلى أصل من الكتاب أو
السنة، لأن القياس - كما عرفوه - هو إلحاق مسألة لم يرد فيها نص بمسألة أخرى
ورد فيها نص لإثبات حكم شرعي لجامع بينهما ، وهذا الجامع هو العلة، كما
سنبين ذلك مفصلاً إن شاء الله في الملحق الأصولي، والمسائل التي بنيت على
الاستصلاح، وهي ما تعرف بالمصالح المرسلة، لابد أن تكون تلك المصلحة لم
يلغها الشارع، بل لابد أن يعتبرها الشارع ولو بأي وجه من وجوه الاعتبار.
وهكذا يقال في کل حكم.
ومن هنا يتبين لنا أن وجه القداسة في الفقه الإسلامي هو بالنظر إلى
مصادره، ولذا رأينا الفقهاء - على مدى العصور - يرفضون كل رأي لا تشهد له
الشريعة مهما كان قائله، فأين هذا من الفقه الوضعي الذي بنيت أكثر أحكامه
على الأهواء والأغراض وترضية أصحاب النفوذ، والذي يلبس في كل حين
لباساً جديداً .
أما دعوى أن الفقه الإسلامي لم يعالج مشاكل العصر فهذه دعوی کذبها
التاريخ، لأن هذا الفقه حكمت به دول وشعوب مختلفة على مدى ثلاثة عشر
قرناً، فكان فيه لكل مشكلة حل، حتى في عهد التقليد والجمود، فقد رأينا في
كل عصر مفتين وعلماء وجدوا في هذا الفقه حلاً لمشاكل هذه المجتمعات المختلفة.
ولولا إبعاد هذا الفقه - عن قصد أو غير قصد - عن مجالات الحياة أو أكثرها
لوجدناه مسايراً لكل عصر، حلّلاً لكل مشكلة، فإن الفقه كما تقدم هو العلم
بالأحكام الشرعية الفرعية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية. فهذا
- ٢١ -

التعريف يوحى بأن لكل فعل يصدر من الإنسان حكماً شرعياً، سواء ما يتصل
بالعبادات أو المعاملات أو أحكام الأسرة أو القضاء أو السّلم أو الحرب ، فكيف
يقالٍ إن هذا الفقه عاجز عن علاج مشاكل المجتمع الجديد. فليس العيب في
الفقه الإسلامي، إنما العيب في عدم تطبيقه.
فإن كان الغرض من قولهم : إن الفقه الإسلامي قاصر عن مجاراة مشاكل
العصر أنه لا يستجيب للأهواء الجامحة فنحن معهم، لأن الفقه الإسلامي إنما أراد
الله له أن يقيم به أمة تسير على الجادة الواضحة والمحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا
أن يكون مطية لذوي الأهواء يحلّون هذا الشيء حيناً ويحرمونه حيناً .
أما قولهم: إن الفقه الإسلامي قد أصبح تاريخاً، فهذا القول لا يعبّر به قائله
إلا عن هوى في نفسه. ولكن الله سبحانه وتعالى مخلف ظنه، فقد رأينا الكثرة
الكثيرة من الشعوب الإسلامية تنادي بوجوب الرجوع إلى شريعة الله المتمثلة في
الفقه الإسلامي. والذي سيصبح تاريخاً - إن شاء الله - هو الفقه الوضعي الذي
لم يطل أمده في البلاد الإسلامية إلا قرناً أو أقل من قرن، ومع هذا فقد ضاقت به
النفوس، ولم يبق متعلقاً به إلا شرذمة ترى أن حياتها مرتبطة بحياته، وسعة
أرزاقها منوطة ببقائه . ولكن الله سيظهر دينه ولو كره المشركون .
١٢ - هناك فرق واضح بين الفقه الإسلامي والفقه الوضعي ، فإن الفقه
الإسلامي يربط دائماً بين الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي. فليس معنى
انفلات الشخص من الجزاء الدنيوي انفلاته من الجزاء الأخروي . وفي كل
مسألة في الفقه نجد أن الفقهاء تكلموا على الحكم التكليفي لهذا الأمر أحلال هو
أم حرام ؟ أفرض هو أم مندوب ؟ كما تكلموا على أحكامه الوضعية أصحيح هو
أم غير صحيح ؟ أنافذ هذا التصرف أم غير نافذ ؟ ولذا رأينا المتدينين لا يهمهم أن
يكسبوا قضية أمام القضاء إلا إذا ارتاحت ضمائرهم أن هذا الحق الذي أثبته
لهم القضاء حق مشروع، بينما المشتغلون بالفقه الوضعي لا يهمهم إلا الحكم
- ٢٢ -

الدنيوي حتى ولو رفضه الشرع، ولذا يتفننون في الحيل التي يكسبون بها هذا
الحق الدنيوي .
الأطوار التي مرّبها الفقه الإسلامي:
١٣ - ليس من موضوع هذه المقدمة أن نتناول تاريخ الفقه الإسلامي بالتفصيل،
فإن لهذا علماً خاصاً عرف بتاريخ التشريع، أفردت فيه المؤلفات. ولكن لابد
أن نلقي الضوء على هذا التاريخ ليكون القارئ على بينة من الأمر، ولنثبت
استقلال هذا الفقه عن غيره من فقه الأمم الأخرى .
وقد مرت بالفقه الإسلامي أطوار متعددة يتداخل بعضها في بعض، ويؤثر
المتقدم فيها بالمتأخر، ولا نستطيع أن نقول: إن هذه الأطوار متميزة من حيث
الزمن تمييزاً دقيقاً، اللهم إلا الطور الأول وهو عصر النبوة، فإنه متميزعما بعده
بكل دقة، بانتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى .
الطور الأول : عصر النبوة
١٤ - وهو في عهديه المكي والمدني يعتمد كل الاعتماد على الوحي، حتى إن
المسائل التي اجتهد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اجتهد فيها أصحابه في
حضرته أو غيبته ثم علمها فأقرها أو أنكرها تعتمد - كذلك ــ على الوحي، لأن
الله سبحانه وتعالى إن أقر هذا الاجتهاد فهو تشريع بطريق الوحي، وإن رده
فالمعتمد على ما أقره الوحي من تشريع.
ومهما قيل في اجتهاده صلى الله عليه وسلم - نفياً وإثباتاً - فإن الحق أنه قد
اجتهد في بعض المسائل التي لم يكن فيها وحي، فأحيانا يقره الله على هذا
الاجتهاد، وحيناً يبين له أن الأولى غير ما ذهب إليه.
ومن هنا يتبين أن هذا العهد لم يتأثر بفقه أجنبي من هنا أو هناك، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم أمي لم يجلس إلى معلم قط، وقد نشأ في أمة أمية لا
عهد لها بالقانون الروماني أو غيره.
- ٢٣ -

نعم كانت هناك أعراف اصطلح عليها الناس، فحيناً نجد أن بعض هذه
الأعراف قد أقرها الشارع، وأحيانا نجد أن الشارع قد أبطل هذه الأعراف،
كعرف التبني وكعرف الظهار وبعض أنواع الأنكحة التي كانت معروفة عند
العرب، وكالربا فقد كان معروفاً بينهم، إلى غير ذلك، ولا يستطيع أي إنسان
-مهما كان مغالياً في عدائه للإسلام- أن يدعي أن التشريع في هذا العهد قد
تأثر بغيره من تشريعات الأمم السابقة.
ولم يُدَوَّن في هذا العهد إلا القرآن الكريم. وقد نُهي عن تدوين غيره خشية
أن يختلط على الناس كلام الله بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، كما وقع
للأمم السابقة، حيث خلطوا بين كلام الله ورسلهم وأحبارهم ورهبانهم
واعتبروها كلها كتباً مقدسة من عند الله، ولكن أذن لبعض الصحابة أن يدۇِّنوا
أحاديثه الشریفة، کعبد الله بن عمر وبن العاص، فقد کتب ما سمعه عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمى صحيفته هذه بـ ((الصادقة))، وأذن لعلي
كرم الله وجهه أن يكتب بعض المسائل التي تتصل بالدماء والديات.
وقد انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى بعد أن مكث
يبلغ رسالة ربه ثلاثا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكة، كانت مهمته
الأولى تثبيت العقيدة، ما يتصل منها بالله سبحانه وتعالى أو التدليل على صدق
الرسول صلى الله عليه وسلم أو ما يتصل منها باليوم الآخر، كما تُني في هذا
العهد بالدعوة إلى مكارم الأخلاق والنهي عن أمهات الرذائل، وإذا كان في
العهد المكي بعض الأحكام الفرعية كأحكام الذبائح فإن هذه الأحكام لها صلة
بالتوحيد.
والعهد المدني هو ذلكم العهد الذي توالت فيه التشريعات العملية بكل ما
تحمله هذه الكلمة .
وإذا كان لنا أن نقول في هذا العهد شيئا فإننا نقرر أن دعاة الإصلاح على
مدى الأزمان يضعون نظر ياتهم ولا يعيشون ليروا ثمرة هذه النظريات، ولكن
- ٢٤ -

الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى تم التشريع،
وطبقه عمليا في أكثر الأمور، سواء ما يتصل منه بالأسرة أو نظام الحكم أو
المعاملات المدنية من بيع وشراء وأخذ وعطاء. وصدق الله تعالى إذ يقول:
((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيتَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُم
الاسْلامَ دِيناً))(١)
الطور الثاني : عهد الصحابة :
١٥ - وهذا العهديتميز بكثرة الأحداث التي جدّت بعد عهد النبوة، لكثرة
الفتوحات واختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم التي لها أعراف لم تكن معروفة
عند العرب. ولا بد من معرفة حكم الله في هذه الحوادث الجديدة، لأنه - كما
كررنا مراراً - ليس هناك حادثة إلا ولها حكم شرعي. وكان هذا العهد يتميز
بوجود صحابة عرفوا بالفقه، فكان يرجع إليهم إذا نزلت الحوادث . وكان منهم
المكثرون للفتيا وهم لا يتجاوزون ثلاثة عشر شخصاً. نذكر منهم : عمر وعلياً
وز يد بن ثابت وعائشة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل
وعبد الله بن مسعودالخ. رضي الله عنهم جميعاً . ولو جمعت فتاوى كل واحد منهم
لكانت سفراً عظيماً. ومنهم المتوسطون كأبي بكر رضي الله عنه. وإنما قل ما نقل
عنه عمن جاء بعده لأنه لم تطل حياته بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد
مات في السنة الثالثة عشرة للهجرة، وكان هَمُّهُ إطفاء فتنة المرتدين وما نعي
الزكاة ثم توجيه الجيوش الإسلامية إلى الروم والفرس، ومنهم عثمان رضي الله
عنه وأبو موسى الأشعري وغيرهم، بحيث لو جمعت فتاويهم لبلغت كراسة أو
کراستین .
وهناك من أثر عنه الفتوى في مسألة أو مسألتين أو ثلاث. وكان منهم من
يعتمد في اجتهاده على روح التشريع متى ساعدته النصوص. ويعتبر إمام هذا
(١) سورة المائدة/٣
- ٢٥ -

المذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم تلميذه عبد الله بن مسعود. ومنهم من
كان يلتزم الحرفية، كعبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
وفي صدر هذا العهد ، وبالتحديد في عهد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما جَدَّ مصدر ثالث سوى الكتاب والسنّة كان مرجعاً لمن جاء بعدهما، ألا
وهو الإجماع، فقد كان إذا نزلت الحادثة يستدعي الخليفة من مُرفوا بالتفقه في
الدين، وكانوا معروفين مشهور ين محصور ين فيما بينهم، فيعرض عليهم الأمر،
فإن اتفقوا على رأي كان ذلك إجماعا لا يسوغ لمن جاء بعدهم أن يخالفوه.
ومهما شكّك المشكّكون في حجية الإجماع أو إمكانه فقد وقع ولا سبيل إلى
إنكاره، كإجماعهم على توريث الجدة الصحيحة السدس إذا انفردت، واشتراك
الجدّات فيه إذا تعددّن، وكإجماعهم على حرمة تزويج المسلمة للكتابي مع حل
تزوج المسلم للكتابية. وكإجماعهم على جمع القرآن في المصاحف، ولم يكن
الأمر كذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ... إلى غير ذلك من المسائل
المجمع عليها .
ودعوى الإجماع بعد عهد الشيخين دعوى تفتقر إلى دليل، لأن المجتهدين من
الصحابة قد انتشروا في الآفاق وتفرقوا في الأمصار، وغاية ما يستطيع الفقيه أن
يقول : لا أعلم في هذه المسألة خلافاً .
ومن هنا يتبين أن القول بأن الإمام أحمد بن حنبل أنكر الإجماع قول عارٍ عن
الصحة، فغاية ما نقل عنه أنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب، فإنه یر ید
الإجماع بعد عهد الشيخين.
وفي هذا العهد لم يدون إلا القرآن الكريم أيضا، وكانت السنة وفتاوى
الصحابة في المسائل المستحدثة تنقل حفظاً في الصدور، اللهم إلا أن البعض
کان یدون بعض هذه الأمور لنفسه لتكون تذ کرة له.
وفي آخر عهد الصحابة أطلت الفتنة بقرنيها بقتل الخليفة ذي النورين عثمان
رضي الله عنه، ثم تلك الأحداث العظام التي وقعت في عهد علي رضي الله عنه،
- ٢٦ -

وكان ما كان من وجود الفُرقة التي لا زلنا نكتوي بنارها إلى اليوم. وبدأ بعض
المتعصبين يسوّغون آراءهم بوضع أحاديث يرفعونها إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم أو إلى كبار الصحابة، ولم يكن هؤلاء المتعصبون من الصحابة بل كانوا من
الطبقة التالية الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام.
وفي هذا العهد لم يتأثر الفقه بالقوانين الرومانية أو الفارسية. وإذا كان
الصحابة قد اقتبسوا بعض التنظيمات الإدارية، من هؤلاء أو أولئك، فليس
معنى هذا أنهم خرجوا عن الخط المرسوم، وهورد الأحكام إلى كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم ، إما بطريق مباشر، وإما بطريق الإجماع أو القياس
أو الاستصلاح، فقد أبطل المسلمون أعرافاً كانت شائعة في البلاد المفتوحة لأنها
تخالف التشريع الإسلامي نصاً وروحاً .
الطور الثالث : طور التابعين :
١٦ - وهذا الطور امتداد لعهد صغار الصحابة، وقد اشترك أكثرهم في حروب
الفتنة. ولكن هذا العهد تميز بوجود مدرستين: إحداهما بالحجاز، والأخرى
بالعراق. فأما مدرسة الحجاز فكان اعتمادها في الاجتهاد على نصوص من
كتاب وسنة، ولا تلجأ إلى الأخذ بالرأي إلا نادراً، وذلك لوفرة المحدثين هناك،
إذ هو موطن الرسالة، وفيه نشأ المهاجرون والأنصار، وسلسلة الرواة عندهم
قصيرة، إذ لا يتجاوز التابعي في تحديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من
راو واحد ، وهو الصحابي غالباً. والصحابة رضي الله عنهم عدول ثقات.
وكانت هذه المدرسة بالمدينة يتزعمها أولا : عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ،
ومن بعده سعيد بن المسيب وغيره من التابعين، وأخرى بمكة، و کان يتزعمها
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن. وحمل الأمانة بعده تلاميذه
کعكرمة مولاه وابن جر یج.
أما المدرسة الأخرى - وهي مدرسة العراق - فكانت تلجأ إلى الرأي
كثيراً. والرأي عندهم يرجع إما إلى القياس الأصولي، وهو إلحاق مسألة لا نص
- ٢٧ -

فيها بمسألة فيها نص شرعي، لعلة جامعة بينهما، وإما رد المسائل المستحدثة إلى
قواعد الشريعة العامة ،لأن أساتذة هذه المدرسة شددوا في الرواية ، نظراً لأن
العراق كان يومئذ موطن الفتن، ففيه الشعوبيون الذين يكنون العداء للإسلام،
ولكنهم يعبرون عن ذلك بكراهيتهم للعرب، ومنهم الملاحدة الذين لا يفتؤون
يثيرون الشبهات ، ومنهم غلاة الرافضة الذين بالغوا في حب علي حتى جعلوه إلهاً
أو شبه إله، ومنهم الخوارج الذین یکرهون علیاً وشیعته، بل و يستبيحون دماء
المسلمين الذين على غير نحلتهم، ومنهم ومنهم ... فكان الفقهاء الذین یعتدّ بهم
يتحرّون في الرواية، ويدقّقون فيها ، ويضعون شروطاً لم يلتزمها أهل الحجاز.
وذلك أنهم اعتبروا عمل الصحابي أو التابعي بغير ما روى قدحاً في روايته .
فيحملون هذه الرواية على أنها منسوخة أو مؤولة. وكذلك يعتبرون أن انفراد الثقة
برواية في مسألة تعم بها البلوى قدح في روايته، ويحملون هذه الرواية على أنها إما
منسوخة أو خطأ من الراوي عن غير قصد، لأنهم كانوا يتحاشون وصف الثقات
بتعمد الكذب، فالعدل قد ينسى أو يخطئ .
ومن هنا كثر اعتماد فقهاء هذه المدرسة على الأخذ بالرأي فيما يجدّ لهم من
أحداث، اللهم إلا إذا ثبتت عندهم سنّة لا شك فيها، أو كان احتمال الخطأ
فيها احتمالاً ضعيفا.
وكان زعيم هذه المدرسة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ثم جاء من بعده
تلاميذه، وأشهرهم علقمة النخعي، ثم من بعده إبراهيم النخعي، وعليه تخرج
أئمة هذا المذهب.
١٧ - ليس معنى أن مدرسة الحجاز كانت مدرسة الحديث والأثر أنه لم يكن
من بين فقهائها من يعتمد على الرأي في كثير من استنباطاته، فقد عرف في هذا
العهد من الحجازيين ربيعة بن عبد الرحمن المشهور بربيعة الرأي، وهو شيخ
الإمام مالك. كما كان في العراق من يكره الأخذ بالرأي كعامر بن شراحيل
المشهور بالشعبي .
- ٢٨ -

١٨ - ليس معنى المدرسة في كلامنا هذا ما هو معروف عندنا من مبنى
خاص، أو مكان أعد للدراسة، بل المراد بالمدرسة التزامُ اتجاه خاص ومنهجٍ
متميز، وإن كانت المساجد الجامعة في الجملة هي مكان تَجُمُّع العلماء. وفيها
حلقات التدريس. على أن العلماء في هذا العهد كانوا يفتون في بيوتهم وطرقهم .
١٩ - ومما ينبغي أن يعلم أن أكثر حملة العلم في هذا العهد كانوا من الموالي،
ففي المدینة کان نافع مولى عبد الله بن عمر، وفي مکة کان عكرمة مولی عبد الله
ابن عباس ، وفي الكوفة سعيد بن جبير مولى بني والبة، وفي البصرة الحسن
البصري وابن سيرين، وفي الشام مكحول بن عبد الله وهو أستاذ الأوزاعي، وفي
مصريزيد بن أبي حبيب وهو أستاذ الليث بن سعد إمام أهل مصر ... وكثير غير
هؤلاء من الموالى.
وكان هناك عرب خلص تفرغوا للعلم في هذا العهد كسعيد بن المسيب
وعامر الشعبي وعلقمة بن قيس النخعي.
وكانت الغلبة في العلم في بعض الأمصار، للعرب ، كالمدينة والكوفة ، وفي
البعض الآخر للموالي كمكة والبصرة ، والشام ومصر، مع اختلاط بعضهم
ببعض، وأُخْذ بعضهم عن بعض ، من غير غضاضة لأن الإسلام نزع من قلوبهم
عصبية الجاهلية.
ولكن أكثر أهل العلم - في هذا العهد- كان من الموالى. ولهذا أسباب :
أ - أن العرب كانوا - يومئذ - حملة السيف، وقادة الجيوش ، لأنهم معدن
الإسلام، وهم عليه أغير، فشغلهم ذلك عن التفرغ للعلم تعليماً وتعلماً .
ب - أن هؤلاء الموالى نشؤوا فى بيئات لها حضارتها وثقافتها، وأرادوا أن
يسهموا بجهودهم في نصرة هذا الدين الذي اعتنقوه طائعين مختارين. ولما لم
يكونوا من أهل السيف ، فلينصروا هذا الدين بالقلم.
جـ ــ حرص سادتهم من الصحابة على تعليمهم حتى يحملوا عنهم أمانة ما
حملوا من العلم، فهذا نافع مولی عبد الله بن عمر، علمه وهذبه وأخذ عنه وعن
- ٢٩ -

كثير من الصحابة كأبي هريرة وأم المؤمنين أم سلمة ، وقال فيه ابن عمر: ((لقد
منّ الله علينا بنافع)).
وهذا عكرمة مولى ابن عباس ، وقد مات ابن عباس وعكرمة على الرق،
فباعه علي بن عبد الله بن عباس خالد بن يزيد بن معاو یة بأربعة آلاف دينار،
فقال عكرمة لعلي: بعت علم أُمتك بأربعة آلاف، فاستقال على خالداً من
بيعته ، فأقاله ، فأعتقه .
وهذا الحسن البصري سيد التابعين ، نشأ في بيت أم المؤمنين السيدة أم سلمة
رضي الله عنها، وحسبك هذا فضلاً .
د - إن هؤلاء الموالي لازموا سادتهم من كبار الصحابة في حلهم وترحالهم،
فكانوا أعرف الناس بسر هؤلاء السادة وعلانيتهم، فنقلوا ذلك للأمة.
٢٠ - يعتبر هذا العهد - في الجملة ــ امتداداً لعهد كبار الصحابة من حيث
عدم تدوين شيء سوى القرآن الكريم، اللهم إلا النزر اليسير كما تقدم، كما لم
يعرف عن أحد من فقهاء هذا العهد أنه بنى رأيا على نظرية قانونية بعيدة عن
المصادر الشرعية المعروفة، وإلا فليدلنا هؤلاء المشككون على مسألة واحدة ليس
لها مصدر شرعي، من المسائل التي أثيرت في هذا العهد.
والمسائل المبنيّة على الأعراف خاضعة للميزان الشرعي، فإن ردَّ الإسلام
عرفاً منها فلا قيمة له، والأخذ به ضلالة، وإن اعتبره أخذ به لا على أنه عرف،
ولكن على أنه معتمد على النص، وإن سكت عنه كان الأخذ به أو رده مبنياً على
المصلحة.
٢١ - وبالرغم من أن هذا العهد كانت فيه فتن كبرى إلا أن هذه الفتن كان
تأثيرها يكاد ينحصر في أمر الخلافة وما يتصل بها من أحكام .
٢٢ - وبالرغم من أن هذا العهد كان معاصراً لعهد الأمويين، والخلفاء في
هذه الدولة يتفاوتون في سياستهم بين اللين والشدة والتوسط بينهما ، إلا أن الكل
كان حريصاً على ألّا يرتكب كفراً بواحاً، ومن فعل منهم شيئا قريباً من ذلك
- ٣٠ -

فقد جُوبه بالإنكار. وكان أهل الفقه في هذا العهد يراسل بعضهم بعضاً ،
ويناظر بعضهم بعضاً، وينزل بعضهم على رأي بعض ، اتباعاً للحق، فإن هذا
القرن قد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير، فقد صح عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خَيْرُ النَّاس قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ
الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)).(١)
ولا يضر الأمة أن يشذ منها شاذ أو يخرج على صفوفها خارج، إذا كانت
- في جملتها - تسير على الطريق المستقيم.
الطور الرابع: عهد صغار التابعين وكبار تابعي التابعين :
٢٣ - يكادهذا الطور يبدأ في أواخر القرن الأول من الهجرة وأوائل القرن الثاني،
ويمكن أن يقال : إنه يبدأ من عهد الإمام العادل عمربن عبد العزيز.
وكما قلنا : ليس هناك حدود زمنية فاصلة بين تلك الأطوار، فهي متداخلة
يتلقى الخلف منها عن السلف .
ويتميز هذا الطور بأنه قد بدئ فيه بتدوين السنة مختلطة بفتاوي الصحابة
والتابعين، وذلك بأمر من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، بعد أن شرح الله
صدره لهذا، وخشي أن تضيع السنة وأقوال الصحابة والتابعين، وأن تصبح طي
النسيان مع توالي الأزمان، وذلك بعد أن زالت العلة التي خشي معها أن يختلط
القرآن بغيره. فقد حفظ القرآن في الصدور والسطور، وأصبح حفظة القرآن
بالآلاف ، ولا يكاد يوجد بيت مسلم إلا وفيه مصحف ، فأمر حملة العلم في عهده
بأن يدونوا ما عندهم من سنّة وفتاوى الصحابة والتابعين، لتكون مرجعاً يرجع
إليه، ونماذج يهتدي بها المجتهدون في حل مشاكل المجتمع الإسلامي المتطور الذي
تتوالى فيه الأحداث التي تتطلب أحكامها الشرعية .
٢٤ - ومن هنا يتبين زيف ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن تدوين
(١) حديث: ((خير الناس قرنى ... )) رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود، وفيه زيادة (الفتح الكبير ٩٩/٢ ط
مصطفى الحلبي)
- ٣١ -

السنّة كان لتبرير الآراء الفقهية، إذ التاريخ يشهد بأن الآراء الفقهية والسنّة
دونتا في عهد واحد ، وبذل العلماء في جمعها جهداً لم تبذله أمة في تنقيح الرواية،
والتثبت من صحتها .
٢٥ - وإذا كان العلماء في هذا العهد قد بدءوا يتخصصون في مناهجهم
واتجاهاتهم العلمية ، فمنهم المتخصص لجمع اللغة، ومنهم المتخصص في آدابها
وتاريخها ، ومنهم من اتجه إلى الاشتغال بالمسائل النظرية المتصلة بالعقيدة،
كالتحسين والتقبيح العقليين، ورؤية الله وغير ذلك، فإننا نرى أن المشتغلين
بالفقه - في هذا العهد - كانوا يعتبرون من حملة السنة ، ومفسري القرآن
الكريم، مع إحاطتهم بأسرار اللغة العربية بالقدر الذي يساعدهم على استنباط
الأحكام الشرعية من القرآن والسنة . ولهذا كانت منزلة الفقهاء في هذا العهد
منزلة مرموقة يحسب لها الحكام ألف حساب، كما أن العامة كانوا يقدرونهم حق
قدرهم، ويرجعون إليهم في حل مشاكلهم، ويعتبرونهم مصابيح هذه الأمة ،
بصرف النظر عن مراكزهم السياسية في الدولة . نذكر من ذلك على سبيل المثال
لا الحصر: الزهري وحماد بن سلمة شيخ أبي حنيفة .
٢٦ - وفي أواخر هذا الطور بدأت تظهر المذاهب الفقهية المتميزة. كما أن
هذا الطور شهد تطور التدوين ، فبعد أن كان التدوين مختلطاً بدأ يأخذ طريق
التنظيم، وكان هذا الطور تمهيداً للطور الخامس ، وهو طور الأئمة العظام.
الطور الخامس : طور الاجتهاد :
٢٧ - ويبدأ هذا الطور مع بدء النهضة العلمية الشاملة في الدولة الإسلامية، من
أواخر عهد الأمويين إلى نهاية القرن الرابع الهجري تقريباً، وكما قلنا مراراً
وتكراراً لا يمكن المؤرخ أن يضع حدوداً زمنية معينة بدءاً ونهاية، كما يمكن أن
نقول : إن هذا الطور يتناول عهد الأئمة العظام، والأئمة المنتسبين ومجتهدي
المذاهب وأهل الترجيح. كما أن هذا العهد يتناول عهد تدوين المذاهب الفقهية
على الصورة العلمية الدقيقة .
- ٣٢ -

وقبل أن نتناول تمييز المجتهدين وطبقاتهم يجب أن نبرز أن هذا العهد شهد
مولد علم جديد ، له اتصال وثيق بالفقه وهو علم أصول الفقه .
علم أصول الفقه :
٢٨ - هذا العلم ولد في القرن الثاني الهجري ، وذهب جمهور
العلماء إلى أن أول من دون هذا العلم هو الإمام الشافعي رضي الله عنه ،
وذهب ابن النديم في (( الفهرست )) أن أول من ألف فيه هو أبو يوسف صاحب
أبي حنيفة. وأياً ما كان فإن أقدم مؤلف في هذا العلم وصل إلينا هو رسالة
الإمام الشافعي رضي الله عنه. وهذا العلم قد بين القواعد التي يجب على المجتهد
أن يلتزمها في استنباطه للأحكام الشرعية سواء من الكتاب أو السنة أو
القياس . وقد وضع هذه الرسالة ليبين منهاجه في الاجتهاد . وكأي علم أو كائن
حي يولد صغيراً ثم يكبر، فهذا العلم قد أخذ أطواراً، وأدخلت فيه مباحث من
علوم أخرى رأى المؤلفون فيه أن لها صلة بالاجتهاد . بل أكثر من هذا فقد تناول
هذا العلم مباحث نظرية بحتة.
وقد تقلب هذا العلم ما بين موسوعات ومختصرات، سنتناول - بإذن الله -
بيانها بالتفصيل عندما نقدم الملحق الخاص بعلم أصول الفقه .
٢٩ - ولا يظنّنّ ظان أن الاجتهاد قبل تدوين هذا العلم لم يكن مبنياً على
قواعد ملتزمة ، بل الأمر بالعكس ، فقد كان المجتهدون من عهد الصحابة إلى عهد
تدوين أصول الفقه يلتزمون قواعد ثابتة ، وان اختلف رأي فقيه عن فقيه في
بعض القواعد فإن اختلافهم كان مبنياً على تحرّي الصواب قدر الإمكان،
والابتعاد عن تحكيم الهوى والقول بالتشهى في الأحكام الشرعية. نعم لم تكن
هذه القواعد مدوّنة، وإن كانت ملتزمة، كشأن علم النحو مثلا، فقد كان
العرب قبل تدوينه يلتزمون رفع الفاعل ونصب المفعول مثلا من غير أن يلتزموا
تلك المصطلحات العلمية .
ومن هنا يتبين أن تدوين علم أصول الفقه جاء متأخرا عن تدوين الفقه ،
وإن كانا - من حيث الوجود - متعاصرين متلازمين.
- ٣٣ -

٣٠- وفي هذا العهد - أيضا - ظهر الفقه الافتراضي (التقديري ) وقد عظم
هذا اللون من الفقه في مدرسة العراق من قبل ظهور أبي حنيفة رضي الله عنه
وتلاميذه، وإن كان قد تزايد الاشتغال بهذا الفن في عهدهم وعهد تلاميذهم .
وكان الفقهاء - أمام هذا اللون من الفقه - على ضربين: كارهون له لأن
الاشتغال به غير مجدٍ، وقد يجر إلى الجدل المفضي إلى النزاع . وآخرون يؤيّدونه
ويقولون: إنما نعد لكل حادثة حكمها حتى إذا وقعت لا نتحير في معرفة هذا
الحكم. ولكل رأي وجهته ووجاهته. ولسنا بصدد المقارنة بين الرأيين، وإن
كنا نرى أن الإسراف في هذا اللون من الفقه بافتراض مسائل مستحيلة الوقوع
عادة اشتغال بما لا يجدى وعبث، والله لا يحب العابثين . وأما افتراض مسائل
ممكنة الوقوع ولكن لم تقع فلا بأس به ، فقد رأينا في كتب الفقه مسائل منثورة
کان المتقدمون يرونها مستحيلة الوقوع قد وقعت بالفعل کانقلاب الجنس من
الذكورة إلى الأنوثة وبالعكس ، وكمسائل التلقيح الصناعي، إلى غير ذلك من
نقل الأعضاء من الموتى إلى الأحياء، أو من الأحياء بعضهم لبعض، فإن الفقه
الافتراضي في مثل هذه المسائل فتح لنا باباً كان يصعب علينا أن نلجه . وقد
مهد الفقهاء القدامى رضي الله عنهم لنا طريقاً مستقيماً .
طبقات المجتهدين والفقهاء :
٣١- في هذه الفقرة سنبين طبقات المجتهدين على سبيل السرد لا على
سبيل البسط ، لأن بسط هذا الموضوع تكفل به علم تاريخ التشريع وكتب
طبقات الفقهاء .
وقد قسم العلماء المجتهدين إلى الطبقات الآتية :
أ - المجتهدون الكبار: وهم أصحاب المذاهب المعروفة والمندثرة، و كل منهم
له منهجه الخاص في الاجتهاد تأصيلا وتفريعاً، كأبي حنيفة ومالك والشافعي
وأحمد أصحاب المذاهب الأربعة ، التي يعتنقها الكثرة الكاثرة من المسلمين في
مشارق الأرض ومغاربها. وكان يعاصر هؤلاء أئمة لا يقلون عنهم منزلة ــ وإن
- ٣٤ -

اندثرت مذاهبهم كالأوزاعيّ بالشام، والليث بن سعد بمصر، وابن أبي ليلى
والثوري بالعراق ... إلى غير هؤلاء ممن زخرت بهم كتب الخلاف والتفاسير
وشروح الأحاديث والآثار.
ب - المجتهدون المنتسبون: وهم أصحاب هؤلاء الأثمة وتلاميذهم. وهم
يتفقون مع إمامهم في القواعد والأصول، وقد يختلفون معه في التفريع. وآراؤهم
تعتبر من المذهب الذي ينتسبون إليه، حتى ولو كان رأيه غير مروي عن صاحب
المذهب كأبي يوسف ومحمد وزفر من أصحاب أبي حنيفة، وكعبد الرحمن بن
القاسم وابن وهب من أصحاب مالك، وكالمزنيّ للشافعي. أما أصحاب أحمد
فكانوا رواة فقط لأحاديثه وآرائه الفقهية ولم يؤثر عن أحد منهم أنه خالف إمامه
في أصل أو فرع. ومنهم أبوبكر الأثرم وأبوداود السجستاني وأبو إسحاق
الحربي .
جـ ــ مجتهدو المذاهب: وهم لا يختلفون مع أئمتهم لا في الأصول ولا في
الفروع، ولكن يخرّجون المسائل التي لم يرد عن الإمام وأصحابه رأي فيها،
ملتزمين منهج الإمام في استنباط الأحكام. وربما يخالفون إمامهم في المسائل
المبنية على العرف. ويعبرون عن هذه المسائل بأنها ليست من قبيل اختلاف
الدليل والبرهان، ولكن لاختلاف العرف والزمان، بحيث لو اطلع إمامهم على
ما اطلعوا عليه لذهب إلى ما ذهبوا إليه. وهؤلاء هم الذين يعتمد عليهم في تحقيق
المذهب وتثبيت قواعده وجمع شتاته .
د - المجتهدون المرجحون: وهؤلاء مهمتهم ترجيح بعض الروايات على
بعض ، مراعين القواعد التي وضعها المتقدمون في هذا الباب .
وبعض العلماء جعلوا هاتين الطبقتين : ج ، د طبقة واحدة .
هـ - طبقة المستدلين: وهؤلاء لا يستنبطون ولا يرجحون قولا على قول ،
ولكن يستدلون للأقوال، ويبينون ما اعتمدت عليه، ويوازنون بين الأدلة من
غير ترجيح للحكم ، ولا بيان لما هو أجدر بالعمل .
وأنت إذا دققت النظر رأيت أن هذه الطبقة لا تقل قدرا عن سابقَتَيْها ، إذ
- ٣٥ -

لا يعقل أن يكون اشتغالهم بالاستدلال للأحكام لا ينتهي إلى ترجيح رأي على
رأي . ومن هنا فالأولى أن تكون هذه الطبقات الثلاث متداخلة .
٣٢ - وممن عدوا في هذه الطبقات الثلاث كمجتهدي مذهب، أو من أهل
الترجيح، أو المستدلين، من الحنفية: أبو منصور الماتريدي، وأبو الحسن
الكرخي، والجصّاص الرازي، وأبوزيد الدبوسي، وشمس الأئمة الحَلواني،
وشمس الأثمة السرخسي الخ .
ومن المالكية : أبوسعيد البرادعي ، واللخمي، والباجي، وابن رشد ،
والمازري ، وابن الحاجب ، والقرافي .
ومن الشافعية : أبو سعيد الإصطخري، والقفال الكبير الشاشي، وحجة
الإسلام الغزالي .
ومن الحنابلة : أبوبكر الخلال ، وأبو القاسم الخرقي، والقاضي أبو يعلى
الكبير.
وبالرجوع إلى هؤلاء المذكور ين نجد أن المؤرخين اختلفوا في تقديرهم وفي
طبقاتهم، ولكنهم مجمعون على أن هؤلاء لهم قدم صدق في تثبيت هذه المسائل،
ولهم الأثر البعيد في بقائها وتثبيت أركانها .
٣٣ - المقلدون: وهؤلاء ليس لهم اجتهاد، وإنما عملهم في قوة النقل. وهم
طبقتان : طبقة الحفاظ ، وطبقة الاتباع المجرد .
أ - طبقة الحفاظ : هم الذين يعرفون أكثر أحكام المذهب ورواياته، وهم
حجة في النقل لا في الاجتهاد ، فهم حجة في نقل الروايات ، وبيان أوضحها ،
ونَقْل أقوى الآراء ترجيحاً من غير أن يرجحوا. ويقول فيهم ابن عابدين : وإنهم
القادرون على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر الرواية وظاهر
المذهب والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة کصاحب الکنز وصاحب
تنوير الأبصار وصاحب الوقاية وصاحب المجمع. وشأنهم ألا ينقلوا في كتبهم
الأقوال المردودة والروايات الضعيفة، وعلى هذا لا يكون عملهم الترجيح ،
- ٣٦ -

ولكن معرفة درجات الترجيح وترتيبها على حسب ما قام به المرجحون، ويختلفون
حينئذ في نقل الترجيح ، فقد ينقل بعضهم ترجيح رأي على رأي، وينقل الآخر
خلاف ذلك، فيختار من أقوال المرجحين أقواها ترجيحاً وأكثر اعتماداً على
أصول المذهب، أو ما يكون أكثر عدداً، أو ما يكون صاحبه أكثر حجية في
المذهب .
وهؤلاء لهم حق الإفتاء كالسابقين، ولكن في دائرة ضيقة عن الأولين . وقد
قال فيهم ابن عابدين : ولا شك أن معرفة راجح المختلف من مرجوحه ومراتبه قوة
وضعفا هو نهاية مآل المشمرين في تحصيل العلم. فالمفروض على المفتي والقاضي
التثبت في الجواب ، وعدم المجازفة فيه ، خوفاً من الافتراء على الله تعالى بتحليل
حرامه وتحريم ضده .(١)
ونرى أن هذه الطبقة دراستها دراسة جمع وتصنيف وترتيب للأقوال في
المذهب من حيث صحة نقلها ، لا من حيث قوة دليلها .
ب - المتبعون : نقصد بهؤلاء الذين يتبعون غيرهم في كل ما يتعلق
بالمذهب، فيتبعون من سبقهم في الاجتهاد ، وفي الترجيح بين الآراء، وفي
الاستدلال، وفي الترجيح في النقل وفي سلامته. فهؤلاء ليس لهم إلا فهم
الكتب التي اشتملت على الترجيح ، فلا يستطيعون الترجيح بين الروايات ، ولم
يؤتوا علماً كعلم المرجحين في أي باب من أبواب الترجيح ، وتمييز درجات
الترجيح . وهؤلاء قال فيهم ابن عابدين : لا يفرقون بين الغث والسمين، ولا
يميزون الشمال من اليمين ، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل كل
الويل لمن قلدهم .
وإن هذا الصنف من المتبعين قد كثر في العصور الأخيرة، فهم يعكفون على
عبارات الكتب ، لا يتجهون إلا إلى الالتقاط منها ، من غير قصد لتعرف دليل ما
(١) الفتاوي الخيرية ٣٣/٢ ط الأميرية.
- ٣٧ -

يلتقطون، ويبنون عليه، بل يكتفون بأن يقولوا: هناك قول بهذا، وإن لم يكن له
دلیل قوي .(١)
ولقد كان لهذا الفريق أثران مختلفان : أحدهما خير، وهو ما يتعلق
بالقضاء، فإنه إذا كان القضاء لا يصح إلا بالراجح من المذهب ، فإن هؤلاء
عملهم الاتباع لهذا الراجح ، وفي ذلك ضبط للقضاء من غير أن يكون الأمر
فرطاً. وتقييد القضاء في الأزمان التي تنحرف فيها الأفكار واجب ، بل إن
الاتباع لا يكون حسناً إلا في الأحكام القضائية .
الأثر الثاني : أن هذا فيه تقديس لأقوال الفقهاء السابقين، واعتبار أقوالهم
حجة سائغة ، من غير نظر إلى قوة الدليل، ومقدار صلة القول بالكتاب والسنّة ،
ومن غير نظر إلى صلاحيته للتطبيق، وقد اختلط الحابل بالنابل. وقد كان لهذا
أثر في البيئات التي تحاول أن تجد مسوغاً لما تفعل، فيسارع المراءون المتملقون إلى
تبرير أفعال بعض ذوي النفوذ ، بذ کر أقوال شاذة، فيتعلق هؤلاء بأن بعض
العلماء أجازوا ما ذهبوا إليه، وما ارتكبوه من أفعال، أيا كان قائله، وأيا كانت
حجته بل أيا كانت سلامة نقله أو قوته في المذهب الذي دوّن في كتبه، ثم ينثر
هؤلاء المتملقون ذلك نثراً في المجالس ، مباهاة بكثرة العلم. فالويل لهؤلاء،
والويل لمن قلدهم، والويل لمن يأخذ كلامه حجة في الدين، والويل لمن
يشجعهم .(٢)
٣٤ - في عصور الاجتهاد المختلفة ، سواء أكان مطلقاً أم مقيداً ، بل وفي عصور
التقليد ، لم نجد أحداً من المشتغلين بالفقه اعتمد في استنباط حكم شرعي على غير
الأدلة الشرعية، ولم يتجه أحد منهم إلى الأخذ من القانون الروماني أو غيره من
القوانين التي كانت سائدة في البلاد المفتوحة .
وعلى الذين يشككون في أن فقهاءنا قد اعتمدوا على القانون الروماني في
(١) رسم المفتي لابن عابدين بتصرف .
(٢) موسوعة الفقه الإسلامي التي أصدرتها جمعية الدراسات الإسلامية بإشراف المرحوم فضيلة الشيخ
محمد أبو زهرة ، بتصرف ٦٦/١، ٦٢
- ٣٨ -

استنباطهم أن يدلونا على حكم واحد اعتمدوا فيه على هذا القانون أو غيره، فإن
وجد حكم مطابق لما في القانون الروماني فليس معنى هذا أنه مستنبط منه ، بل
هو مما اتفقت عليه الفطر السليمة ، ومن المسائل التي لم تختلف باختلاف العصور
والأزمان. وعند النظر في مصدر هذه الأحكام - إن وجدت - سنجد أنها
معتمدة على أصل شرعي .
بقاء المذاهب وانتشارها :
٣٥_ مما تقدم علمنا أن هناك مذاهب اندثرت ، وأخرى بقيت ونمت . وقد ذهب
بعض المؤرخين إلى أن ذلك يرجع إلى قوة السلطان والنفوذ.
وهذا القول على إطلاقه - مردود - فقد يكون للسلطان والنفوذ بعض الأثر
في بقاء ما بقي من المذاهب وانتشاره، ولكن هذا الأثر ضئيل، إذ إن الدولة
العباسية - وكان نفوذها ممتداً على جميع الأقطار الإسلامية - كان القضاء بيد
الفقهاء الحنفيين، ومع هذا فإننا نجد أن مذهب الحنفية لم يجدله أتباعا في الشمال
الإفريقي أو في مصر إلا قلة قليلة . بل إن الكثرة الكثيرة من بلاد فارس كان
مذهب الشافعية هو الغالب على أهلها يومئذ، وكان مذهب الحنفية إبان هذه
الدولة قاصراً على العراق وبلاد ما وراء النهر وبعض بلاد فارس. كما أن الدولة
العثمانية وكان سلطانها يمتد على أكثر البلاد الإسلامية كان مذهبها الرسمي هو
المذهب الحنفي، وكان القضاء في كل السلطنة العثمانية في علماء هذا المذهب،
ومع هذا نجد أن الشمال الإفريقي كله لا ينتشر فيه إلا مذهب مالك، اللهم إلا
النزر اليسير في عاصمة تونس في بعض الأسر المنحدرة من أصل تركي. وكذلك
الحال في مصر، فإن أكثر أهلها شافعي المذهب ومنهم المالكيون في صعيد مصر أو
في محافظة البحيرة، ولا نجد الحنفيين إلا قلة قليلة منحدرة من أصل تركي أو
شركسي أو تمذهب بهذا المذهب طمعاً في تولي القضاء ... وإن كانت حلقات
الدراسة في الأزهر عامرة بطلاب هذا المذهب ، ولكن العامة إما شافعيون أو
ما لكيون، فأين تأثير السلطان في فرض مذهب خاص ؟ !!
- ٣٩ -

ومثل ذلك يقال في شبه الجزيرة العربية ومناطق الخليج ، فقد كانت كلها
تابعة للدولة العثمانية ، ومع ذلك نرى أن المذاهب المنتشرة في هذه المناطق هي
مذهب المالكية والحنابلة، وربما الشافعية، ولا وجود لمعتنقي مذهب الحنفية إلا
شرذمة قليلة .
والحق أن بقاء مذهب ما أو انتشاره يعتمد - أولا وقبل كل شيء- على
ثقة الناس بصاحب المذهب ، واطمئنانهم إليه ، وعلى قوة أصحابه ودأبهم على
نشره وتحقيق مسائله وتيسير فهم هذه المسائل بحسن عرضها .
التقليد :
٣٦ - يبالغ بعض الناس في الطعن على من قلد عالماً في أمر من أموردينه ، وربما
شبه بعضهم المقلدين بالمشركين في قولهم : ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَّى أُمَّةٍ وَإنَّا
عَلَّى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ))(١)
والحق أن التقليد في العقائد والمسائل الأساسية في الدين، وهي المعلومة من
الدين بالضرورة لا تقلید فيها لعالم، مهما كانت مكانته، بل لا بد من اقتناع تام
بثبوتها عن صاحب الشرع ولو بصفة إجمالية. أما المسائل الفرعية التي تتطلب
النظر في الأدلة التفصيلية فإن تكليف العامة بالنظر في الأدلة تكليف شاق لا
تستقيم معه الحياة، إذ لو كلفنا كل مسلم أن ينظر في كل مسألة نظرة المجتهد فإن
الصناعات ستتعطل، ومصالح الناس ستهمل. وما لنا نطيل الكلام في ذلك
وسلف الأمة ــ وهم خير القرون كما شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم - لم
يكونوا كلهم مجتهدين، بل كان المجتهدون قلة قليلة، وكان المكثرون منهم لا
يتجاوزون الثلاثة عشر شخصاً .
على أن من استطاع أن يجتهد فعليه أن يجتهد متى توفرت له أسبابه وتوفرت
فيه شروطه التي سنبينها بالتفصيل - إن شاء الله - في الملحق الأصولي لهذه
الموسوعة .
(١) سورة الزخرف /٢٣
- ٤٠ -