النص المفهرس

صفحات 1-20

تصنيف
الإمَامِ الْحَافِظِ المُثُقِنِ أَبِ دَاوُدِ سُلَيمَانَ بنِ الأشْعَتِ السِّجِسْتَّانِيّ
(المتوفى سنة ٢٧٥ هـ)
حقّه رَعِّ عَلَيه رضّع أحاديثه
شعيب الأرناؤوط
مؤسسة الرسالة

3
ל
3

٢٠
1
١

جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م
للطباعة والنشر والتوزيع
مؤدراسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة
هاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٢٤١٦٩٢ ص.ب: ٧٤٦٠ برقياً: بيوشران

بسب عبد الرحمن الرحيم
مقَدمة
إن الحمدَ للهِ نَحمدُه ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنفُسِنا ،
ومن سَيِّئَاتِ أعمالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ، فلا مُضِلَّ له ، ومن يُصْلِلْ ، فلا هادِيَ له ،
وأشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلّ اللّه وحدَه لا شَريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ،
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ ﴾،
﴿وَأَّقُوا اللّهِ الَّذِي تَسَاءُلُونَ بِهِ والأَرْ حَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُم رقيًا ﴾ ، ﴿ يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُم أعمالَكُم ويَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيمًا ﴾ .
وبعد، فهذا كتابُ (المراسيل)) الذي صنَّفه الإمام الحافظ المتقِنُ أبو
داود سليمَانُ بنُ الأشعث السِّجِسْتاني ، أضعُهُ بَيْنَ يدي القُرَّاء لأَوَّل مرةٍ بعد
أن بَذَّلْتُ جهداً ليس باليسيرِ في نسخه ، وتحقيقِ نصِّه ، وضبطه ، والكلام
على أسانيده ، وتنقيدها ، وتوشيحِه بفوائدَ فرائدَ على نحوٍ أرجو أن أكونَ قد
وُفِّتُ فيه .
وقد سبق لهذا الكتابِ أن طُبعَ محذوفَ الأسانيد ، وباختصارِ بعض
الروايات في مصرَ سنة ١٣١٠ هـ بمَطبعة التقدُّمِ، بعناية الشيخ علي السني
المغربي الطّرابُلُسي، وعن هذه الطبعة طُبعَ في مطبعة محمد علي صبيح بمصر

وهي على ما بها من أغاليط وتحريفات - عديمةُ الفائدةِ بالنسبة للباحثِ الذي
يَعنيه الإسنادُ، ويَحْرِصُ عليه ليحكُمَ على النصّ بمَا يليقُ بحاله المأخوذِ من
صفاتِ رواته مِن الصحةِ أو الحُسْنِ أو الضعفِ .
وهو كتابٌ عظيم في بابه لم يُفْرِدْهُ أَحَدٌ بالتأليف فيما أعلم ، ضمَّ بَيْنَ
دَفَتَيْهِ أربعاً وأربعين وخمسَ مئةِ حديثٍ مرسلٍ ، مرتبة على الأبواب ،
وغالبُها ممّا صَحَّ إسنادُه إلى مُرْسِلِهِ، كما ستَقِفُ عليه إن شاء الله، وأغلبُ
الظَّنِّ أنه أَدرج فيه معظم المراسيل التي انتهت إليه ، ولم يَفُتْهُ منها إلّ اليسيرُ ،
فإن حفظَ مصنفه، وإتقانَه ، واتساعَ دائرته في علوم السنَّة مَوْضِعُ اتفاقٍ بَيْنَ
الأئمةِ .
ويأتي ترتيبُ ((المراسيل)) من حيث الحجيةُ والاستدلال بعدَ كتابه
((السنن)) الذي جمع فيه شَمْلَ أحاديث الأحكام ورتّبها أحسن ترتيب ،
وانتقاها أحسنَ انتقاءٍ من مروياتِهِ الكثيرةِ التي بَلَغَتْ خمسَ مئةِ ألفِ حديثٍ ،
فيمَا ذكره راويتُه أبو بكر بن داسة عنه ، بحيث صارَ حكماً بين فِرَقِ العلماء ،
وطبقات الفقهاء ، ومرجعاً وافياً لكل مسلم .
وأغلبُ الظنّ أَنَّ أبا داود - رحمه الله - قَصَدَ بتأليف كتابٍ ((المراسيل))
أن يكونَ مرجعاً للفقيه ، يعتمدُ نصوصه ، ويَستنبطُ منها ، ويُفتي بموجبها إذا
لم يَرِدْ في المسألة التي هو آخذ بسبيلها حديث صحيح مُتَّصل يُغني غناءَها ،
فهو يرى - تبعاً لشيخه الإمام أحمد - الاحتجاجَ بالمرسل إذا لم يكن في الباب
أَثبتُ منه، ويُرَجِّحه على القياس. فقد جاء في (( رسالته إلى أهل مكّة)):
فإذا لم يكن مسندٌ ضدَّ المراسيل ، ولم يوجد المسندُ ، فالمرسلُ يُحْتَجُّ به ،
وليس هو مثلَ المتصلٍ في القوّة .
٦

وعدّة ما رواه من المراسيل في هذا الكتاب عن محمد بن مسلم بن شهاب
الزهري (٥٥)، وعن الحسن البصري (٤٤)، وعن سعيد بن المسيب
(٣٠)، وعن مكحول الشامي (٢٩)، وعن عطاء بن أبي رباح (١٧)،
وعن عامر الشعبي (١٢)، وعن عروة بن الزبير (١١)، وعن عكرمة مولى
ابن عباس (٩)، وعن طاووس بن كَيْسان (٩)، وعن أبي قلابة (٨)،
وعن زيد بن أسلم (٧) ، وعن عبد الله بن أبي بكر ، ومجاهد بن جبر ،
والحكم بن عتيبة (٦)، وعن عمرو بن شعيب ، وقتادة بن دعامة
الدوسي ، ومحمد بن سيرين (٥) ، وعن سعيد بن جبير، وسليمان بن
(*)
موسى ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وعلي بن الحسين ، وأبي العالية
الرياحي ، وأبي مالك الغفاري (٤ ) ، وعن يحيى بن أبي كثير ، وجبير بن
نفير، وخالد بن معدان ، وعبد الله بن الحارث ، وعبيد اللّه بن عبد الله بن
عتبة ، وعطاء بن يسار ، والقاسم بن عبد الرحمن ، ومحمد بن طلحة ،
ومحمد بن علي ، ومعاوية بن قرّة ، ومقاتل بن حيان ، ويزيد بن مرثد
(٣)، وما سوى هؤلاء - وعدتهم ( ١٩٠) فقد روى عن كُلِّ واحدٍ منهم
مرسلاً واحداً غيرَ خمسة عشر، فإنه روى عن كلِّ واحدٍ منهم مُرْسَلَيْنِ .
وتتفاوت درجة مراسيل هؤلاء قوّة وضعفاً ، فمراسيل سعيد بن
المسيب ، ومحمد بن سيرين ، وإبراهيم النخعي ، ومالك عندهم صحاح ،
يُحتَجُّ بها إذا صحّ السندُ إليهم ، ولم يكن في الباب ما يدفعها . ومراسيل مجاهد
ابن جبر ، وعامر الشعبي ، وطاووس بن كيسان حِسان لا بأس بها ،
ومراسيل الزهري ، والأعمش ، والحسن ، ويحيى بن أبي كثير ، والثوري ،
وابن عيينة وأضرابهم ضعاف .
(*) السَُّوسي وليس الدّوسي
٧

والقاعدةُ المتّبعةُ عندهم في الأغلب أنَّ من كان ثقةً، وعُرِفَ منه أنَّهُ لا
يروي إلّا عن الثقات، فمرسلُه صحيحٌ ، ومن كان ثقةً ، ولكنه لا يُبالي أن
يَروي عن كل أحد ، فرسلُه ضعيفٌ . وسيأتي بسط ذلك في بحث المرسل .
وثَمَّت ستة مراسيل أوردّها المزي في ((تُحفة الأشراف))، ونسبها إلى
أبي داود ، ولم ترد فى الأصل الذي اعتمدناه ، وهي في المطبوع من المراسيل
العَرِيِّ عن الإسناد غير حديث واحد ، وهو الأخير ، فإنه لم يرد فيها . وقد
أحببت أن أذكرها هنا مع بيان حالها ، وشرح ما فيها من الغريب ، وقد
ذكرت بإثر كل حديث رقمه في ((التحفة)).
١- حدثنا سليمان بن داود المهرِئُّ ، عن ابن وهب ، عن يونسَ ،
عن رَبيعةَ بن أبي عبدِ الرحمْنِ : أنَّهُ رَآهُ مُصْطَجِعاً في الشمسِ ، قال
يونسُ : فَتَهاني، وقالَ: بَلَغني أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قالَ: (( إِنَّها
تُورِثُ الكَسَلَ، وتُثِيرُ الدَّاءَ الدَّفِينَ)) (١٨٦٣٧).
سليمان بن داود المَهْري : ثقة ، ومن فوقه من رجال الشيخين .
يونُس : هو ابن يزيد الأَثلي، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أدركَ بعضَ
الصحابةِ ، وكان صاحب الفتوى بالمدينة ، وكان يجلسُ إليه وجوه الناس
بالمدينة ، وكان يُحصى في مجلسه أربعون مقيمًا ، وعنه أخذ الإمام مالك ،
وقال عبيد الله بن عمر: هو صاحب معضلاتنا، وأعْلَمُنا ، وأفضلُنا ، وقال
مالك : ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، تُوفي سنة
١٣٦٠ هـ .
٢ - حدثنا عبدُ الرحمن بن المبارك قال: حدّثنا عربيٍّ أبو صالح -
٨ .

وكان حَجَّماً ، وكان لا بأس به - قال : سمعت أيوبَ السَّختياني يقولُ:
قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم: ((اسْتَعِينُوا عَلَى شِدَّةِ الحُرّ
بالحجامة)» . ( ١٨٤٥١ ).
عربيّ أبو صالح - وقيل : ابن صالح البصري : لم يَّرْوِ عنه غيرُ عبدِ
الرحمن بن المبارك، وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول ، أي : حيث
يتابع ، وإلا فهو لَيِّن .
قلت : وقد تابعه عليه سفيانُ بن حبيب ، وهو ثقة ، فرواه أبو داود في
((المراسيل)) كما في ((التحفة)) (١٩١٨٤) عن عبد الرحمن بن المبارك
العيشي ، عنه ، عن عوف بن أبي جميلة .
وأورده السيوطي مسنداً من حديث ابن عباس في ((الجامع الكبير))،
ونسبه للحاكم في ((تاريخه))، ولم أَطَّلِعْ على سندِهِ، وهو إما موضوعٌ أو شديدُ
الضعفِ كما هو الشأن فيما ينفرد بروايته الحاكم في ((تاريخه)).
٣ - حدثنا موسى بن إسماعيلَ، عن حَمَّاد ، عن داودَ بنِ أبي هند ،
عن الشعبيِّ، عن مسروق : أن رسول اللّهِ صلّى الله عليه وسلّم قال :
((السَّعوطُ أَحَبُّ إليَّ من النَّفْخِ، واللَّدُودُ أَحَبُّ إِلَيَّ من العِلاقِ، والكِمَادُ
أَحَبُّ إليَّ مِنَ الكَيِّ)). (١٩٤٣١).
رجاله ثقات رجال الصحيح .
وفي ((اللسان)) (كَمَدَ): ورُوِيَ عن عائشةَ أَنَّهَا قَالَتْ: الكِمَادُ مكانُ
الكَيِّ، والسَّعوطُ مكانُ التَّفْخِ، واللَّدُود مكانُ الغمْزِ، أي أنه يُبدَّلُ منه،
ويَسُدُّ مَسَدَّه، وهو أسهلُ وأهونُ. وقال شَمِرٌ: الكيمادُ : أنْ تُؤْخَذَ خِرْقَةٌ ،
فتُحمى بالنار ، وتُوضَعُ على موضعِ الوَرَمِ ، وهو كَيُّ من غيرِ إحراقٍ ،
وقولُها: ((السَّعوط مكانُ النَّفخ)): هو أن يُشتَكَى الحَلْقُ، فَيُنْفخَ فيه ،
فقالت : السَّعُوطُ خيرٌ منه ، وقيل: النَّفخُ: دواءٌ يُنْفَعُ بالقَصَبِ في الأنفِ ،
٩
٦

وقولها: ((اللدودُ مكانُ الغمز)): هو أن تَسْقُطَ اللَّهَاةُ، فَتُغْمَزَ باليد،
فقالت : اللدودُ خيرٌ منه ، ولا تَغْمِزْ باليدِ .
٤ - حدّثنا محمد بن العلاء ، عن ابن المُبارَكِ ، عن زكريا بن أبي
زائدةَ، عن الشَّعبي قال: قالَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: ((خيرٌ
دوائِكُمُ السَّعُوطُ، واللَّدُودُ، والمَشِيُّ، والحِجامَةُ، والعُلُقُ)).
( ١٨٨٦٠ ) .
رجاله ثقات رجال الشيخين .
-
ورواه مُسنداً الترمذي في «سننه» (٢٠٤٧) و (٢٠٤٨) من حدیث
ابن عباس بلفظ: ((إنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ اللَّهُودُ، والسَّعُوطُ والحِجامةُ
والمَشِيُّ))، وحسَّنه مع أنَّ في سنده عبادَ بنَ منصور ، وهو ضعيف .
السَّعُوط .: ما يُجعَلُ في الأنفِ ممّا يتداوَى به .
والمَشِيُّ : الدواء المُسْهِلُ .
واللَّدُودُ - بفتح اللام - : هو الدواء الذي يُصَبُّ في أَحَدِ جانبِي فَمِ
المَريضِ ، واللُّدود - بالضم - : الفعل، ولَدَدْتُ المريضَ : فعلتُ ذلك
به .
والعُلُق : جمع عَلُوق ، وهو معالجة عُذرة الصبي ، ورفعها بالإصبع ،
والعُذرة : وجعٌ يَهِيجُ في الحلقِ ، وهو الذي يُسمى سقوط اللَّهَاة، ويُعَرَفُ
في عصرنا بالتهاب اللوزات .
وروى البخاري (٥٧١٣)، ومسلم (٢٢١٤) من طريق سفيان ، عن
الزهري ، عن عبيد الله بن عبد اللّه ، عن أم قيس بنت محصن الأسدية
قالتْ: دَخَلْتُ بابنٍ لي عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، وقد
أَعْلَقْتُ عنه مِنَ العُذْرَةِ، فقالَ: ((عَلَامَ تَدْغَرْنَ أَوْلادَكُنَّ بهذا العِلاق،
عَلَيكُنَّ بهذا العُودِ الهِندي، فإِنَّ فيه سبعةَ أَشفيةٍ ، منها ذاتُ الجَنْبِ ،
١٠
-

يُسْعَط من العُذْرَةِ، ويُلَكُّ من ذاتِ الجَنْبِ)) .
٥ - حدّثنا قتيبة بن سعيد ، عن الليث ، عن الحسن بن ثوبان ، عن
قيس بن رافع : أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ((مَاذَا في الأَمَّيْنِ من
الشِّفَاءِ: الصَبِرِ والثُّقَّاءِ)). (١٩٢٣٤).
الحسن بن ثوبان : صدوق ، وقيس بن رافع : هو القيسي الأشجعي ،
روى عنه جمع ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقد وَهِمَ من ذكره في
الصحابةِ ، وباقي السند رجاله ثقات .
والثّاءِ : قال ابن الأثير : هو الخردل ، وقيل : الحُرْفُ، ويسمّيه
أهلُ العراق: حَبَّ الرشاد، الواحدة ثُقَّاءة، وجَعَلَهُ مًُّّا للحُروفة التي فيه
ولذعِهِ للِسانِ .
٦ - حدّثنا نُصير بن الفرج، عن أبي عبد الرحمن المقرئ ، عن حيوة
ابن شريح ، عن عُقيل بن خالد ، عن الزهري : أن رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم قال: ((رَوِّحُوا القلوبَ ساعةً وساعةً)). (١٩٣٥٣).
نصير بن الفرج : ثقة ، ومن فوقه من رجال الشيخين . أبو عبد
الرحمن المقرئ : هو عبد الله بن يزيد .
ورواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٤٣٩) مسنداً من حديث
أنس ، وفي سنده الوليد بن محمد المُوَقَّري ، وهو متروك .
وقال علي رضي الله عنه: أجِمُّوا هذهِ القلوبَ، فإِنَّها تَمَلُّ كَما تَمَلُّ
الأبدان .
وقال أبو الدرداء : إنِّي لأُجِمُّ قُؤادي ببعضِ الباطلِ (أي: اللهو المباح)
لِأَنْشَطَ للحقِّ .
١١

وصف النسخة
إن الأصلَ الذي تمّ نشرُ الكِتابِ عنه مُصَوَّرٌ عن النسخة الخطيّة الموجودة
في مكتبة كوبرلي باستنبول(١) تحت رقم ٢٩٤ - ٢ .
وهو في نهاية المجلد الأخيرِ من ((سنن أبي داود))، يَبْدَأُ مِن الورقة
٣٢٨، وينتهي بالورقة ٣٥٧، قياسُ الورقة ٣٠ × ٢٠، في كُلِّ لوحةٍ ٢٤
سطراً، وفي كل سطر ١٦ كلمة، وقد كُتِبَتْ عناوينُ الأبوابِ ، وبدايةُ
الحديثِ بخطٌّ أكبر .
وهو غايةٌ في النفاسة والجَوْدَةِ ، يندر أن يَقَعَ فيه تحريفٌ أو تصحيف ،
إلّا أنّه تتعذَّرُ قراءتُه، إلّا على متمرِّسٍ في لهذه الصناعةِ الرداءة خطُّه، وخُلُوٌ
الحروف المعجمة من التَّقْطِ .
ويَغْلِبُ على الظن أنّه بخطّ الحافظ أحمد بن عليّ العسقلاني الشهير بابن
حجر ، فإنّه - رحمه الله - على جلالة قدره ، واتساع دائرته في العلم
والتحقيق مشهور بين أهل العلم برداءة الخطّ . فقد قابلتُ نسخة المراسيل
بنسخة ((تقريب التهذيب)) التي هي بخطُّه يقيناً - وعندنا منه نسخةٌ مصوَّرة -
فوجدتُ بينهما تطابقاً وتشابهاً تامًّا بحيث يقضي الناظِرُ فيهما أنهما من بابة
واحدة .
(١) ويعود الفضل في الحصول على مصورة هذا الأصل إلى الأستاذ الفاضل الدكتور أكرم
ضياء العمري ، الذي صوره عن النسخة الموجودة في الجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة ، وتفضل مشكوراً بإرسالها إلى فور علمه أنني عازم على تحقيقه ونشره ، فجزاه
الله خير الجزاء ، وأحسن مثوبته .
١٢

ومما يقوِّي الظنَّ أنه بخطّه ما جاء في الورقة الأخيرةِ من ((السنن)) من
هذه النسخة : علَّقه لنفسه الفقير إلى عفو ربّه أحمد بن علي بن محمد
العسقلاني الشهير بابن حجر ، وفَرَغَ منه في يوم الجمعة سادس عشر من ربيع
الأول سنةَ ثمان مئةٍ بِزَبِيد من بلادِ اليمن، حرسها اللهُ، والحمد لله أولاً
وآخراً .
وفي هامش اللوحة الأخيرة من ((السنن)) بخطٌّ مغاير، وهو مشابهً للخطّ
الذي كتبت به ((المراسيل)) ما نصّه : ثم قابلتُ الجزء الأخير في يوم السبت
تاسع عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وثمان مئة .
وقد حدَّث بالمراسيلِ الإمامُ المحدِّث الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن
عمرو البصري اللؤلؤي سنة ٣٢٥، كما جاء في الورقة الأخيرة من الأصل ،
وسَمِعَهُ منه بالبصرة في ذي القعدة مِن السنة ذاتها مَسْلَمَةُ بنُ القاسمِ
القرطبي ، كما في ((فهرس ابن خير)» ص ١٠٨ .
وجاء في الورقة الأخيرة أنه سمعه ابنُ الطباخ أو الطناح ( لم أتبيّنه ) من
يحيى بن البناء في ذي القعدة سنة ٥٢٣ .
ويحيى بن البناء هذا : هو يحيى بن الحسن بن أحمد بن البناء البغدادي
الحنبلي المولود سنة ٤٥٠ هـ ، والمتوفّى سنة ٥٣١ هـ ، روى عنه جماعةٌ مِن الحفاظ،
كابن عساكر، وأبي موسى المديني ، وابن الجوزي وغيرهم ، ووصفه السَّمعاني بالصلاحِ،
وحُسْنِ السيرة، وسَعَةِ الرواية، والتودُّدِ والتواضع واللُّطْفِ، ونَقَلَ عن
الحافظ عبد الله بنِ عيسى الأندلسي أنه كان يُثني عليه ويمدحه، ويَصِفُه بالعلم
والتّمييز، له ترجمةٌ في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠ / رقم الترجمة (٣).
ويتبيّن ممّا جاء في الورقة الأخيرة أن كتابَ ((المراسيل)) رواه عن أبي
داود أيضاً عليٌّ بنُ الحسن بن العبد الورّاق أحدُ رواة ((السنن)) عن أبي
١٣

داود، المتوفَّى سنة ٣٢٨، كما في ((تاريخ بغداد)) ١١ / ٣٢٨، فقد جاء
فيها ما نصُّه : سمعه أبو الغنائمِ محمدُ بنُ علي بن الدّجاجي من أبي محمد
الأسدي ، عن أبي الحسن عليٍّ بنِ العبد ، عن أبي داود .
ولم أتبيّن أبا محمد الأسدي هذا مَنْ هو ، وأما الراوي عنه - وهو أبو
الغنائم - فقد ترجمه الإمامُ الذهبي في ((السير)) ١٨ / رقم الترجمة
(١٣٢)، فقال : هو الشيخُ الأمينُ المعمَّر أبو الغنائم محمدُ بن علي بن علي
ابن حسن بن الدّجاجي البغدادي مُحتسِبُ بغداد . حدَّث عن : علي بن عمر
الحربي ، وأبي محمد بن معروف ، وإسماعيل بن سُويد ، وطائفة ، وله
إجازة من المُعافى بن زكريا . حدَّث عنه : أبو عبد الله الحُميدي ، وشجاع
الذهلي ، وناصر بن علي الباقلاني ، وطلحة بن أحمد العَاقُولي ، ومحمد بن
عبد الباقي الأنصاري ، وأبو منصور القزاز وآخرون .
قال الخطيب : كان سماعه صحيحاً ، مات في سَلْخ شعبان سنة ثلاث
وستين وأربع مئة ، عن ثلاث وثمانين سنة . ولي الحِسْبة ، فلم يُحْمَدْ ،
فَصُرِفَ .
قال السَّمعاني : قرأتُ بخطّ هِبَة اللّه السَّقطي: أن ابن الدَّجاجي كان ذا
وَجاهَةٍ وتقدُّمٍ وحالٍ واسعة ، وعهدي به وقد أَخَنَى عليه الزمانُ ، وقصدتُه
في جماعة مُثرين لِنسمع منه وهو مريض ، فدخلنا وهو على باريَّة ، وعليه جُبَّة
قد حَرَّقت النارُ فيها ، وليس عنده ما يُساوي درهماً ، فَحَمَلَ على نفسه حتى
قرأنا عليه بحسب شَرَهِ أهلِ الحديث ، فلمّا خرجنا ، قلتُ : هل معكم ما
نَصْرِفُه إلى الشيخ ، فاجتمع له نحوُ خمسةِ مثاقيل ، فدعوتُ بنتَه ،
وأعطيتُها ، ووقفتُ لأرى تسليمَها له، فلمّا أعطته، لَطَمَ حُرَّ وجهه،
ونادى : وافضيحتاه ، آخذُ على حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
١٤

عوضاً؟ لا والله، ونهض حافياً إليَّ، وبكى، فأعدتُ الذهب إليهم
فتصدَّقوا به .
أمَّا عملي في هذا الكتاب ، فينطوي على ما يلي :
١ - النسخ ، والمقابلةِ، وضبطِ النصّ ، وشرحِ الغريب ، وإيضاحٍ
الغامض ، وتصويبِ التحريف .
٢ - والنظر في رجالِ الإسناد، ودراسةِ أحوالهم، وبيانِ درجة كُلِّ
واحدٍ منهم فإذا كان رجالُ السَّندِ كُلُّهم ثقات مِن رجال الشيخين ، أو مِن
أحدِهما ، أو مشتركين ، قلتُ : رجاله ثقات رجال الشيخين ، أو رجاله
رجال البخاري أو رجال مسلم ، أو رجاله رجال الصحيح ، وإنما عدلتُ
عن تصحيح السند إلى هذا ، لأنَّ المرسل مختلف في الاحتجاجٍ به ، كما سيأتي
بيأنُه في الفصل الذي أفردتُه في الكلامِ على حجيته .
٣٠ - خرجتُ المراسيلَ الواردةَ فيه مِن الموارد التي سبقت المؤلفَ أو
ثَلَتْهُ، من مثل ((مصنفِ ابنِ أبي شيبة))، و((مصنف عبد الرزاق))،
و((سُنَنِ سعيد بن منصور))، و((سنن الدار قطني))، و((شرحٍ معاني
الآثار)) للطحاوي، و ((سنن البيهقي)) وغيرها .
٤ - قَويْتُ بعضَ المراسيل بإيراد ما يَعْضُدُها ، ويَشُدُّ أزرَها من حديثٍ
مُسْنَدٍ، أو خَبَرِ مرسل جاء من وجهٍ آخر ، أو قولِ صحابي ، أو فتوى جماعةٍ
من أهل العلم .
وضعفتُ المراسيل التي عارضها ما هو أصحُّ منها ، أو كان في متنها
نكارةٌ ، أو جُهِلَ حالُ مرسلها ، أو كان في السند إلى المُرْسِلِ راوٍ ضعيف ،
لأن القائلَ بحجية المرسل يشترط أن يكون المُرْسِلُ ثقةً ، وأن لا يكونَ في
السند إليه ضعيف، وأن لا يُعَارِضَه ما هو أقوى منه .
١٥

٥ - قابلتُ الأحاديثَ التي جاءت في الأصل على ما جاء في (( تحفة
الأشراف)) للحافظ المِزِي، فوجدتُه قد أدرجها كُلَّها فيه إلا بضعةَ أحاديث
لا تتجاوزُ عَدَّ الأصابع، فإِنِّي لم أعثر عليها فيه ، وقد أثبتُّ بإثر كُلِّ حديثٍ
رَقَمَهُ من ((تحفة الأشراف)) لَيَسْهُلَ على طلبةِ العلم الرجوعُ إليه .
٦ - ولم أُخْلِ التعليقاتِ من التنبيه على عددٍ غيرِ قليل من التحريفات
والتصحيفات ممّا وقع في الأصول التي رجعتُ إليها .
٧ - وكتبتُ فصلاً مطوّلاً يتضمّن تعريفَ المرسل ، ومذاهب العلماء في
الاحتجاج به ، وحجّة من ردّه مطلقاً، وحجة من قبله مطلقاً ، وحجة من
قبله بشروط ، وتحرير أقوال الأئمة الأربعة المتبوعين في العمل به ، إلى غير
ذلك من البحوث التي جاءت فيه ، وهو مستمد من مراجع معتمدة ذكرتُها
في نهاية البحث .
وأسألُ اللّه الذي بيده الأمر كُلُّه أن يجنّنِي الَّللَ في القول والعمل ، وأن
يمدني بعونه لإنجاز ما أنا آخِذٌ بسبيله من تحقيق علومِ السنة النبوية المطهرة ،
وأن يُيسر لي سلوكَ السبيلِ الأقوم لِنوال مرضاته ، والفوزِ بجنّاته ، وأن يُثبتني
بالقول الثابت في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة ، وأن يشمَلَني بعفوه وكرمه ،
فيما سلف مني من تقصير ، إنّه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير .
عَمَّان ٦ / ٦ / ١٤٠٦ هـ
١٥ / ٢ / ١٩٨٦ م
شعيب الأرنؤوط
١٦

تعريفُ المرسل لغة
المُرْسَلُ : مأخوذٌ من قوله : أرسلتُ كذا ، إذا أطلقتَه ، ولم تمنعه ،
كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أرسلنا الشَّيَاطِينَ على الكافِرِينَ تُزُّهُمْ أَزّاً ﴾
[مريم: ٨٢]، فكأنَّ المُرْسِلَ أطلق الإسنادَ، وقد أشارَ الإمامُ المازَرِي إلى
هذا .
ويحتمل أن يكون مأخوذاً مِن قولهم : جاء القومُ أَرْسالاً ، أي قِطَعاً
متفرّقين ، قال ابن سيده : الرَّسَل - بفتح الراء والسين - : القطيعُ من كلِّ
شيء، والجمعُ أرسال ، وجاؤوا رِسْلَةً رِسْلَةً ، أي : جماعةً جماعةً ، وفي
حديث ابن ماجة (١٦٢٨ ) عن ابن عباسٍ : أن الناسَ دخلوا على النبيِّ صلّى
الله عليه وسلّم بعد موته، فصلُّوا عليه أرسالاً، أي: فِرَقاً متقطّعة يتبعُ
بعضُهم بعضاً . فكأنَّه تُصُوِّرَ من هذا اللفظ الاقتطاعُ ، فقيل للحديث الذي
قُطِعَ إسنادُه، وبقي غيّرَ متصل : مُرْسَلُ ، أي : كل طائفة منهم لم تَلْقَ
الأُخرى ، ولا لَحِقَتْها .
ويحتمل أن يكونَ أصلُه الاسترسالُ ، وهو الطمأنينةُ إلى الإنسان والثقة به
فيمَا يُحَدِّثُه ، فكأنَّ المرسِلَ للحديث اطمَأنَّ إلى من أرسل عنه ، وَوَثِقَ بهِ لمن
يُوصِلُه إليه . ويَرِدُ عليه أن جماعةً مز الرواة أرسلوا الحديثَ مع عدمِ الثقة
برواية الذين أرسلوا عنه .
وقيل : مأخوذ من قولهم : ناقةٌ مرسال ، أي : سريعة السِّير ، قال
كعب بن زهير :
٢
١٧

إلَّ العِتاقُ النَّحِيباتُ المَراسيلُ
أضحتْ سُعادُ بأرضٍ لا يُلُِّها
فكأنّ المُرْسِلَ للحديثِ أسرعَ فيه عَجِلاً ، فحذفَ بعضَ إسناده . والكُلُّ محتمل .
تعريف المرسل اصطلاحاً
أمّا تعريفُ المُرْسَلِ اصطلاحاً ، فقد اختلفت فيه عبارةُ القومِ على وجوه :
الأول - وهو أضيقُها - : هو ما أضافه إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم كبارُ التابعين
الذين أدركوا كثيراً مِن الصحابة، وتَقِلُّ روايتُهم عن التابعين كسعيدِ بنِ المسيب ، وأني
سلمة بنِ عبد الرحمن ونحوهما ، وأن ما أضافه صغارُ التابعين إلى النبيِّ صلّى الله عليه
وسلّم ، فليسَ بمرسل يجري فيه الخلافُ ، بل هو منقطع .
الثاني : ما قال فيه التابعيُّ : عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم ، سواء كان مِن
كبار التابعين ، أو مِن صغارهم ، وهذا هو المشهورُ عندَ كثيرٍ من أهلِ الحديث ، وهو
اختيارُ الحاكم وغيره (١)، فقد قال في ((علوم الحديث)) ص ٢٥ : فإنَّ مشايخَ الحديثِ
لم يختلفوا في أنَّ الحديثَ المُرْسَلَ هو الذي يروِه المحدثُ بأسانيدَ متصلةٍ إلى التابعينَ ،
فيقولُ التابعيُّ : قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ...
الثالث: أَنَّه ما سقط من إسناده راوٍ من أيِّ موضع ، وهو على هذا هو والمنقطع
سَواء ، وهذا مذهبُ أكثرِ الأصوليين والفقهاء ، وبه قَطَعَ مِن المحدثين الخطيب
(١) وتقييدُ الإمامِ الشافعي المُرْسَلَ الذي يُقبل إذا اعتضدَ بأن يكونَ من رواية التابعي
الكبيرِ لا يلزم منه أن لا يسمي ما رواه التابعي الصغير مرسلاً ، فقد صرح بتسمية
رواية مَن دون كبار التابعين مرسلة ، وذلك في قوله: ((ومن نظر في العلم بخبرة وقلة
غفلة ، استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة)) . انظر
((الرسالة)) الفقرة (١٢٨٤).
١٨

البغدادي(١)، إلّا أنّه قال: أكثر ما يُوصَفُ بالإرسال مِن حيث الاستعمال ما رواه
التابعيُّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم .
قال الإمامُ أبو العباس القرطبي أحدُ المتأخرين من أئمة المالكية في كتابه
((الوصول)): المُرْسَلُ عند الأصوليين والفقهاء عبارةٌ عن الخبر الذي يكون في سنده
انقطاعٌ بأن يُحَدِّثَ واحدٌ منهم عمّن لم يَلْقَهُ، ولا أَخَذَ عنه ، وخَصَّ كثيرٌ من المحدثين
اسمَ المرسل بمَا سكت فيه عن الصحابي ، واسمَ المنقطع بمَا سكت فيه عن غيره .
الرابع: هو قَولُ غيرِ الصحابي: قال رسولُ الله صلّى اللّه عليه وسلّم، وبهذا
التعريفِ قال ابنُ الحاجب ، وقَبْلَه الآمدي ، والشيخ الموفق وغيرهم ، فَيَدْخُلُ في
عمومه كُلُّ من لم تَصِحَّ صحبتُه ، وإن تأخر عصرُه .
قال الحافظ العلائي في ((جامع التحصيل)) ص ٢٧ : إطلاقُ ابن الحاجب وغيره
يَظهَرُ عند التأمل في أثناء استدلالهم أَنَّهم يُريدون ما سَقَطَ منه التابعيُّ مع الصحابي ، أو
ما سَقَطَ منه اثنانِ بعد الصحابي ونحو ذلك، ولم أُرَ مَن صرّح بحمله على الإطلاق إلّا
(١) قال في ((الكفاية)) ص ٣٨٤: لا خلاف بين أهل العلم أن إرسالَ الحديث الذي ليس
بمدّس هو رواية الراوي عمن لم يُعاصره ، أو لم يلقه ، نحو رواية سعيد بن المسيب .
وأبي سلمة بنِ عبد الرحمن ، وعروة بنِ الزبير، ومحمد بن المنكدر ، والحسن
البصري ، ومحمد بن سيرين ، وقتادة وغيرهم من التابعين عن رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم ، وبمثابته في غيرِ التابعين نحو رواية ابنِ جريج ، عن عُبيد الله بن عُتبة .
ورواية مالك بن أنس ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
ورواية حماد بن أبي سليمان ، عن علقمة، فهذه كلها روايات ممن سَمَّينا عمن مـ
يُعاصِروه ، وأما روايةُ الراوي عمن عاصره ولم يَلْقَهُ، فمثالُه روايةُ الحجاج بن أرطاة .
وسفيان الثوري ، وشعبة ، عن الزهري ، وما كان حو ذلك مما لم نذكره ، والحكم
في الحميع عندنا واحد ، وكذلك الحكمُ فيمن أرسل حديثاً عن شيخ لقيه ، إلا أنه لم
يَسْمَعْ ذلك الحديثَ منه ، وسمع ما عداه .
١٩

بعض ◌ُلاة الحنفية المتأخرين ... وهذا توسُّعٌ غيرُ مرضي، بل هو باطلٌ مردود
بالإجماعِ في كل عصر على اعتبارِ الأسانيد ، والنظر في عدالةِ الرواة وجرحهم ، ولو
جُوزَ قبولُ مثل هذا ، لزالت فائدةُ الإسناد بالكُلية ، وبطلت خصيصةُ هذه الأمة ،
وسقط الاستدلالُ بالسنة على وجهها .
وقال الحافظ في ((النكت)) ٢ / ٥٤٥ : ويؤيّده قولُ الأستاذ أبي إسحاق
الإسفراييني في كتابه : المرسلُ رواية التابعي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أو تابع
التابعي ، عن الصحابي، فأمّا إذا قال تابعُ التابعي أو واحد منّا : قال رسولُ الله صلّى
الله عليه وسلّم ، فلا يُعَدُّ شيئاً ، ولا يَقَعُ به ترجيحٌ فضلاً عن الاحتجاج به .
وهذا ظاهر كلامِ ابن برهان أيضاً .
وممن قَيّد الإطلاق الأستاذ أبو بكر بن فُورِك، فقال : والمُرْسلُ قولُ التابعي :
قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم كذا .
٢٠