النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب القسمة
بين نصيب النَّاكِل والمدَّعي، فيُقْسَم بينهما على قدر أنصبائهما؛ لأن
النکول حجّة في حقه خاصة، فيعاملان على زعمهما.
* وينبغي أن لا تُقبل دعواه أصلاً؛ لتناقضه، وإليه أشار من بعدُ.
((هداية))، ومثلُه في ((كافي)) النسفي.
وظاهرُ كلامهما: أنه لم يوجد فيه روايةً، لكن قال صدر الشريعة
بعد نَقْله البحثَ المذكور: وفي ((المبسوط))، و((فتاوى قاضيخان)) ما
يؤیِّد هذا.
ثم قال: وَجْه رواية المتن: أنه اعتمد على فِعْل القاسم في إقراره
باستيفاء حقّه، ثم لمَّا تأمَّل حَقَّ التأمل: ظَهَرَ الخطأ في فعله، فلا
يؤاخذ بذلك الإقرار عند ظهور الحق. اهـ
* وقول الهداية(١): وإليه أشار مِن بَعْدُ: أي أشار القدوري إلى ما
بَحَثَه، من أنه ينبغي أن لا تُقْبل دعواه أصلاً في الفرع الآتي بعد هذا،
حيث قال(٢):
((وإن قال: أصابني إلى موضع كذا، فلم تسلّمه إلي، ولم يَشهد
على نفسه بالاستيفاء، وكذّبه شريكُه: تحالفا، وفُسخت القسمة)).
(١) المتقدم قريباً جداً.
(٢) أي القدوري، وسيأتي نصه هذا في المختصر في الصفحة القادمة.

٢٢٢
كتاب القسمة
فإنَّ مفهومَه: أنه لو أشهد على نفسه بالاستيفاء قبل الدعوى: لا
يتحالفان، وما ذاك إلا لعدم صحة الدعوى؛ لأن التحالف مبنيٌّ على
صحة الدعوى.
ولذا قال في ((الحواشي السعدية)) - بعد نَقْل ما ذكره صدر
الشريعة المارِّ - ما نصُّه: وفيه بَحْثٌ، فإن مثْلَ هذا الإقرار، إن كان
مانعاً من صحة الدعوى: لا تُسمع البيِّنة؛ لابتناء سماعها على صحة
الدعوى، وإن لم يكن مانعاً: ينبغي أن يتحالفا(١). اهـ
* قال شيخنا (٢) رحمه الله تعالى: وقد يُجاب بأن قولهم هنا: قد
أقرَّ بالاستيفاء: صريحٌ، وقولُهم بعدُ: قَبْل إقراره: مفهومٌ، والمصرَّح
به أن الصريح مقدَّمٌ على المفهوم، فليُتْأمَّل. اهـ
وأَمْره بالتأمُّل: مشعِرٌ بنَظَرَه فيه، وهو كذلك كما لا يخفى على
نَبِیه.
وإذا أمعنتَ النظر في كلامهم، وتحقّقت في دقيق مَرَامهم: عَلِمْتَ
أن ليس في هذا الفرع منافاةً لما بعده، والتقييدُ فيه بكونه قبل الإقرار:
قيدٌ لوجوب التحالف وحدَه، لا لصحة الدعوى، فإنها تصحُّ، سواء
كانت قبل الإقرار، أو بعده.
(١) وينظر: حاشية ابن عابدين ٢٦٥/٦ (ط البابي).
(٢) أي ابن عابدين رحمه الله.

٢٢٣
كتاب القسمة
وإذا قال : استوفيتُ حقي، ثم قال : أخذتُ بعضَه : فالقولُ قولُ
خصمه، مع یمینه .
وإن قال : أصابني إلى موضع كذا، فلم تسلِّمْه إليَّ، ولم يُشْهِد
على نفسه بالاستيفاء، وكذَّبه شريكُه: تحالفا، وفُسخت القسمة.
والمعنى: أنه إن سَبَقَ منه إقرار بالاستيفاء: لا يتحالفان وإن
صحَّت الدعوى؛ وذلك لأن صحة الدعوى شَرْطٌ لوجوب التحالف،
وليس التحالف بشرط لصحة الدعوى، كما هو مصرَّحٌ به في باب
التحالف.
ومَن أراد استيفاء المرام في هذا المقام، فعليه برسالتنا (١)، فقد
أشبعنا فيها الكلام.
* (وإذا قال: استوفيتُ حقي، ثم قال: أخذتُ بعضَه، فالقول
قولُ خصمه، مع يمينه)؛ لأنه يدَّعي عليه الغصبَ، وهو منکِرٌ.
* (وإن قال: أصابني) في القسمة (إلى موضع كذا، فلم تسلِّمُه
إليّ، ولم يُشْهِد) قبلَ ذلك (على نفسه بالاستيفاء، وكذّبه شريكُه) في
دعواه: (تحالفا، وفُسخت القسمة)؛ لاختلافهما في نفس القسمة،
(١) لم أقف على اسمها، وقد تقدم في ترجمة المؤلف، أن صاحب ((تاريخ
دمشق في القرن الثالث عشر))، ذكر أن للمؤلف: فتوى في شركاء إذا اقتسموا المشترك
بينهم، وأن منها نسخة بخط المؤلف في الظاهرية برقم (٧٠٧٩)، في خمس ورقات.

٢٢٤
كتاب القسمة
وإذا استُحِقَّ بعضُ نصيب أحدِهما بعينه : لم تُفْسَخ القسمةُ ....
فإنهما قد اختلفا في قَدْر ما حصل بالقسمة، فأشبه الاختلافَ في قَدْر
المبيع، فوجب التحالف. كذا في ((شرح الإسبيجابي)).
* قيَّد بكونه لم يُشهد على نفسه بالاستيفاء؛ لأنه لو سَبَقَ
منه ذلك: لا يتحالفان وإن صحَّت الدعوىُ، بل بيِّنَتُه، أو يمينُ
خصمه.
؛ فإن قلتَ: إذا كانت الدعوى صحيحةً، سواءٌ كانت قبل
الإشهاد، أو بعده، فما وَجْه وجوب التحالف: إذا كانت الدعوى قبل
الإشهاد، وعدمه(١): إذا كانت بعده؟
قلتُ: لأن وجوب التحالف في القسمة إنما يكون إذا ادَّعى الغلطَ
على وجهِ لا يكون مدَّعياً الغَصْبَ، كما في ((الذخيرة))، وغيرها.
وإذا كانت الدعوى بعد الإشهاد بالاستيفاء: يكون مدَّعياً الغصبَ
ضمناً، كأنه يقول: الذي أصابني إلى موضع كذا، وأنتَ غاصبٌ
لبعضه، ولذا ساغت منه الدعوى بعد الإشهاد؛ لأن دعوى الغصب
لا تُناقض الإقرارَ بالاستيفاء.
* (وإذا استُحِقَّ بعضُ نصيب أحدِهما بعينه: لم تُفْسَخ القسمة
(١) أي عدم وجوب التحالف.

٢٢٥
كتاب القسمة
عند أبي حنيفة ومحمد، ورَجَعَ بحصة ذلك من نصیب شریکه.
وقال أبو يوسف : تُفْسَخُ القسمة .
عند أبي حنيفة ومحمد (١)، ويرجعُ بحصة ذلك) المستَحِقِّ (من
نصيب شريكه)؛ لأنه أمكن جَبْرُ حقَّه بالمثل، فلا يُصار إلى
الفسخ.
(وقال أبو يوسف: تُفْسَخ القسمة)؛ لأنه تبيَّن أن لهما شريكاً
ثالثاً، ولو كان كذلك: لم تصح القسمة.
* قال في ((الهداية))، و((شرح الزاهدي)): ذَكَرَ المصنِّفُ(٢)
الاختلاف(٣) في استحقاق بعضٍ بعينه، وهكذا ذَكَرَ في ((الأسرار))،
والصحيحُ أن الاختلافَ في استحقاق بعضٍ شائعٍ من نصيب
أحدهما، فأما في استحقاق بعضٍ معيَّن: لا تُفسخ القسمة بالإجماع.
* ولو استُحِقَّ بعضٌ شائعٌ في الكل: تُفْسَخ بالاتفاق، فهذه ثلاثة
أوجه.
(١) كلمة: ((ومحمد)»: مثبتة في نسخة القدوري (٧٢٧ هـ)، وكأن الشارح اعتمد
نسخةً ليس فيها ذكر: ((محمد)): هنا، وإنما ذُكر مع أبي يوسف، كما هو حال غالب
النسخ، ولذا نقل الشارح عن العلامة قاسم: أن الصواب: ذِكْر محمد مع أبي حنيفة.
(٢) أي القدوري رحمه الله.
(٣) أي بين الإمام، وصاحبيه.

٢٢٦
كتاب القسمة
* ولم يَذكر (١) قولَ محمد، وذَكَرَه أبو سليمان مع أبي يوسف،
وأبو حفص مع أبي حنيفة، وهو الأصح، وهكذا ذكره الإسبيجابي،
قال: والصحيح قولُهما(٢)، وعليه مشى الإمام المحبوبي، والنسفي،
وغيرهما. كذا في ((التصحيح)).
* تتمَّة : [المهايأة: ]
المهاياة(٣) جائزةٌ؛ استحساناً، ولا تَبطل بموتهما، ولا بموت
أحدهما، ولو طَلَبَ أحدُهما القسمةَ: بطلت.
* وتجوز(٤) في دارٍ واحدة، بأن يسكن كلّ منهما طائفةً، أو
أحدُهما العُلْوَ، والآخرُ السُّفْلَ.
* وله إجارتُه(٥)، وأَخْذُ غلَّته.
(١) أي القدوري، لكن ذكرتُ قريباً جداً أنه ذُكر في بعض النسخ.
(٢) أي قول الإمام أبي حنيفة ومحمد.
(٣) المهايأة: الهيئة: هي الحالة الظاهرة للمتهِّئ للشيء، والتهايؤ: تفاعلٌ فيها،
وهو أن يتواضعوا على أمر، فيتراضَوْنه، وحقيقته: أن كلاً منهم يرضى بحالةٍ،
ويختارها، أما المهايأة: بإبدال الهمزة: المفاعلة، فهي في لسان الشرع: قسمة المنافع.
ينظر المغرب (هيأ)، الكفاية للخوارزمي ٣٧٧/٨.
(٤) ((وتجوز)): هكذا بالتأنيث في المختار (مع الاختيار) ٨٠/٢، والنقل عنه،
في حين أن نسخ اللباب جاءت بالتذكير: ((ويجوز))، في هذه التتمة كلها عن المهاياة.
(٥) أي إجارة نصيبه الذي أصابه. كما هو نص المختار ٨٠/٢، حيث إن
الشارح الميداني اختصر عبارته.

٢٢٧
كتاب القسمة
.
* وتجوز في عبدٍ واحدٍ: يَخدُمِ هذا يوماً، وهذا يوماً.
* وكذا في البيت الصغير.
* وفي العبدَيْن: يخدم كلُّ واحدٍ واحداً.
* فإن شَرَطا طعامَ العبد على من يخدُمه: جاز، وفي الكسوة: لا
يجوز.
* ولا تجوز في غَلَّة عبدٍ، ولا عبدَيْن(١)، ولا في ثمرة الشجر،
ولا في لبن الغنم، وأولادها، ولا في ركوب دابَّةٍ، ولا دابَتَيْن، ولا
استغلالها.
* وتجوز في عبدٍ ، ودارٍ على السكنى والخدمة.
* وكذلك كلّ مختلفي المنفعة (٢). كذا في ((المختار).
(١) وقالا: تجوز في العبدين. الاختيار ٨١/٢.
(٢) كسكنى الدار، وزرع الأرض، وكذا الحمام، لأن كل واحدة من المنفعتين
يجوز استحقاقهما بالمهايأة. الاختيار ٨١/٢.

٢٢٨
كتاب الإكراه
کتاب الإكراه
كتاب الإكراه
* مناسبته للقسمة: أن للقاضي إجبارَ الممتنع فيهما.
* وهو لغةً: حَمْلُ الإنسان على أمرٍ یکرهُه.
وشرعاً: حَمْلُ الغير على فعلٍ بما يَعْدِم رضاه، دون اختياره،
لكنه قد يُفْسده، وقد لا يُفْسده.
[أنواع الإكراه : ]
* قال في ((التنقيح)): وهو إما مُلجىءٌّ: بأن يكون بفَوْتِ النَّفْس، أو
العضو، وهذا مُعدِمٌ للرضا، مفسِدٌ للاختيار.
وإما غيرُ مُلجئٍ: بأن يكون بحَبْسٍ، أو قَيْدٍ، أو ضَرْبٍ، وهذا
مُعدِمٌ للرضا، غيرُ مفسِدٍ للاختیار.
والحاصلُ كما في ((الدرر))(١): أن عدم الرضا معتبرٌ في جميع
صُوَرَ الإكراه، وأصلُ الاختيار ثابتٌ في جميع صوره، لكن في بعض
الصور: يُفْسِدُ الاختيارَ، وفي بعضها: لا يُفْسِدُه.
(١) الدرر والغرر ٢٦٩/٢.

٢٢٩
كتاب الإكراه
الإكراهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إذا حَصَلَ ممن يَقْدِر على إيقاع ما تَوعَّدَ به،
سلطاناً كان أو غيرَه، أو لِصَّاً.
وإذا ◌ُكره الرجلُ على بيع ماله، أو على شراء سلعة،
.
[شرط الإكراه : ]
** وشَرْطُه: قُدرةُ المكرِهِ على إيقاع ما هَدَّد به، وخَوْفُ المكرَه،
وامتناعُه عنه قَبْله، كما أشار إليه بقوله:
* (الإكراهُ يَثْبُتُ حُكْمُه): أي الآتي (إذا حَصَلَ ممن يَقْدِر على
إيقاع ما تَوعَّدَ به، سلطاناً كان، أو غيرَه، أو لصَّاً)، أو نحوَه، إذا
تحقّق منه القدرةُ؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة: لم يَقْدِر المُكْرَهُ على
الامتناع، وهذا عندهما.
وعند أبي حنيفة: لا يتحقّقُ إلا من السلطان؛ لأن القدرة لا تكون
بلا مَنَعَة، والمَنَعةُ للسلطان.
قالوا: هذا اختلاف عصرٍ وزمانٍ، لا اختلاف حُجَّةٍ وبرهانٍ؛ لأن
في زمانه: لم يكن لغير السلطان من القوة ما يتحقّق به الإكراه،
فأجاب بناءً على ما شاهد، وفي زمانهما: ظَهَرَ الفسادُ، وصار الأمرُ
إلى كل متغلّبٍ، فيتحقَّق الإكراهُ من الكل، والفتوى على قولهما.
(درر)) عن ((الخلاصة)).
[الإكراه على بيع ماله : ]
* (وإذا أُكره الرجل على بيع ماله، أو) أُكره (على شراء سلعةٍ،

٢٣٠
كتاب الإكراه
أو على أن يُقِرَّ لرجلٍ بألف، أو يؤاجر دارَه، وأُكره على ذلك
بالقتل، أو بالضرب الشديد، أو بالحبس المديد، فباع، أو
اشترى : فهو بالخيار: إن شاء أمضىُ البيعَ، وإن شاء فَسَخَه،
ورَجَعَ بالمبيع .
أو على أن يُقِرَّ لرجلٍ بألف) من الدراهم مثلاً، (أو يؤاجر دارَه، وأُكره
على ذلك بالقتل، أو بالضرب الشديد، أو بالحبس المديد، فباع، أو
اشترى) خشيةً من ذلك: (فهو بالخيار: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء
فَسَخَه، ورَجَعَ بالمبيع)؛ لأن من شَرْط صحَّة هذه العقود: التراضي،
والإكراهُ يعدِم الرضا، فيفسدها.
* بخلاف ما إذا أُكره بضَرْب سَوْطِ، أو حَبْس يومٍ، أو قَيْد
يوم، لأنه لا يُبالَى به بالنظر إلى العادة، فلا يَتحقَّق به
الإكراه.
إلا إذا كان الرجل صاحبَ مَنْصِبٍ يَعلم أنه يَسْتَضِرُّ به(١)؛ لفوات
الرضا. ((هداية)).
(١) أي بسَوْط واحد ونحوه، فيكون إكراهاً في حقِّه، كالقاضي، وعظيم البلد،
فإن مطلق القيد والحبس: إكراهٌ في حقِّه، حتى لو تُوعِّد به وهو رجل وجيه: كان ذلك
إكراهاً. البناية ٤٧/١٠ (ط بيروت)، ٣١٢/١٣ (ط باكستان).

٢٣١
كتاب الإكراه
وإن كان قَبَضَ الثمنَ طوعاً : فقد أجاز البيع.
وإن كان قَبَضَه مكرَهاً: فليس بإجازة، وعليه ردُّه إن كان قائماً في
يده .
وإن هَلَكَ المبيعُ في يد المشتري، وهو غيرُ مُكْرَه : ضَمِنَ قيمتَه.
* (وإن كان قَبَضَ الثمن طوعاً: فقد أجاز البيعَ)؛ لأنه دليل(١
الإجازة، كما في البيع الموقوف.
وكذا إذا سلَّم طائعاً، بأن كان الإكراه على البيع، لا على الدفع؛
لأنه (٢) دليل الإجازة. ((هداية)).
* (وإن كان قَبَضَه مكرهاً: فليس بإجازة)؛ لعدم الرضا، (وعليه
ردُّه إن كان قائماً في يده)؛ لفساد العقد.
[ضمان المبيع في الإكراه : ]
* (وإن) كان قد (هَلَكَ المبيعُ في يد المشتري، وهو): أي
المشتري (غيرُ مُكْرَه)، والبائع مُكرَهُ: (ضَمِنَ) المشتري (قيمتَه)
للبائع؛ لتلف مال الغير في يده من غير عقدٍ صحيح، فتلزمه القيمة.
(١) هكذا: ((دليل)): في الهداية ٢٧٦/٣، والنقل عنها، وفي نسخ اللباب:
(دلالة)).
(٢) أي التسليم.

٢٣٢
كتاب الإكراه
وللمُكْرَه أن يُضمِّن المُكْرِهَ إن شاء.
* قيَّد بكون المشتري غيرَ مكرَهِ؛ لأنه إذا كان مكرهاً أيضاً: يكون
الضمان على المکره، دونه.
(وللمُكْرَه) - بالبناء للمجهول - (أن يُضمِّن المُكْرِهَ) - بالبناء
للمعلوم ــ (إن شاء)؛ لأنه آلةٌ للإكراه فيما يرجع للإتلاف، فكأنه دَفَعَه
بنفسه إلى المشتري، فيكون مخيَّراً في تضمين أيِّهما (١) شاء،
کالغاصب، وغاصب الغاصب.
* فلو ضمَّن المُكرِهَ: رَجَعَ على المشتري بالقيمة(٢).
* وإن ضمَّن المشتري: نَفَذَ كلَّ شراءٍ كان بعد شرائه لو
تناسخَتْه(٣) العقود؛ لأنه تملَّكه بالضمان، فظهر أنه باع مِلْكَه.
* ولا يَنْفُذ ما كان له قبله(٤)؛ لأن الاستناد إلى وقت قَبْضه(٥).
* بخلاف ما إذا أجاز المالكُ المكرَهُ عقداً منها: حيث يجوز ما
(١) المكرِهِ، أو المشتري.
(٢) أي لو ضمَّن المكرَهُ - بفتح الراء - المكرِهَ - بكسر الراء -: رجع المكرِهُ -
بكسر الراء - على المشتري بقيمة المقبوض. البناية ١٠ / ٥٤.
(٣) أي تناولته، بأن باع هذا من ذلك، وذلك من آخر. البناية ١٠ / ٥٤.
(٤) أي قبل الضمان، أو قبل شراء المشتري. البناية ٥٥/١٠.
(٥) أي استثناء ثبوت الملك إلى وقت قبضه فقط. البناية ٥٥/١٠.

٢٣٣
كتاب الإكراه
ومَن أُكرِهِ على أن يأكلَ الميتةَ، أو يشربَ الخمرَ، وأُكره على
ذلك بحَبْسٍ، أو قَيْدٍ، أو ضَرْبٍ : لم يَحِلَّ له، إلا أن يُكْرَه بما يَخافُ
منه على نفسِهِ، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف ذلك: وَسِعَهُ أن
يُقْدِم على ما أُكرِه عليه.
ولا یَسَعُه أن يَصبرَ على ما تُوعِّد به،
.
قبله، وما بعده؛ لأنه أسقط حقّه، وهو المانع، فعاد الكل إلى
الجواز. ((هداية)).
[الإكراه على أكل الميتة ونحوها : ]
: (ومَن أُكرِه على أن يأكلَ الميتةَ)، أو الدمَ، أو لحمَ الخنزير،
*
(أو يشربَ الخمرَ، وأُكره على ذلك) بغير مُلْجِئٍ، بأن كان (بحَبْسٍ،
أو قَيْدٍ، أو ضَرْب). لا يُخاف منه تَلَفٌ على النفس، أو عضوٍ من
الأعضاء: (لم يَحِلَّ له) الإقدامُ؛ إذ لا ضرورة في إكراهٍ غير ملجئٍ.
* إلا أنه لا يُحَدُّ بالشرب؛ للشبهة.
* ولا يَحلَّ له الإقدام (إلا أن يُكْرَه) بمُلْجِئٍ: أي (بما يَخاف منه
على) تَلَف (نفسِه، أو على) تَلَف (عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف
ذلك: وَسِعَهُ أن يُقْدِم على ما أُكرِهِ عليه)، بل يجب عليه؛ ولذا قال:
[حكم الصبر على الإكراه الملجىء :]
* (ولا يَسَعُه): أي لا يجوز له (أن يصبر على ما تُوعِّد به) حتى
يوقعوا به الفعل.

٢٣٤
كتاب الإكراه
فإن صَبَرَ حتى أوقعوا به، ولم يأكل : فهو آثمٌ.
وإن أُكرِهِ على الكفر بالله، أو سَبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
بقَيْدٍ، أو حَبْسٍ، أو ضَرْبٍ : لم يكن ذلك إكراهاً حتَّى يُكرَه بأمرٍ
يَخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه.
فإذا خاف ذلك : وَسِعَه أن يُظْهِرَ ما أَمروه به، ويُوَرِّي، فإذا أظهر ذلك
* (فإن صَبَرَ حتى أوقعوا به) فعلاً، (ولم يأكل: فهو آثمٌ)؛ لأنه
لمَّا أُبيح له ذلك: كان بالامتناع معاوِناً لغيره على إهلاكِ نفسه، فيأثم،
كما في حالة المَخْمَصة(١).
[الإكراه على الكفر : ]
* (وإن أُكرِه على الكفر بالله) عزَّ وجلَّ، (أو سَبِّ النبيِّ صلى الله
عليه وسلم بقَيْدٍ، أو حَبْسٍ، أو ضَرْبٍ: لم يكن ذلك إكراهاً)؛ لأن
الإكراه بهذه الأشياء: ليس بإكراه في شرب الخمر، كما مرَّ، ففي
الكُفْرِ أَوْلَیُ.
* بل (حتى يُكرَه بأمرٍ يَخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من
أعضائه، فإذا خاف ذلك: وَسِعَه أن يُظْهِرَ) على لسانه (ما أمروه به،
ويُوَرِّي)، وهي: أن يُظهِر خلافَ ما يُضمِرُ، (فإذا أظهر ذلك) على
(١) أي المجاعة.

٢٣٥
كتاب الإكراه
وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان : فلا إثم عليه .
وإن صَبَرَ حتَّى قُتِل، ولم يُظْهِرِ الكفرَ : كان مأجوراً.
وإن أُكرِهِ على إتلاف مالِ مسلمٍ بأمرٍ يَخاف منه على نفسه، أو
على عضوٍ من أعضائه : وَسِعَه أن يفعل ذلك.
لسانه، (وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان: فلا إثم عليه)؛ لأنه بإظهار ذلك لا
يَفوتُ الإيمان حقيقةً؛ لقيام التصديق، وفي الامتناع: فَوْتُ النفس
حقيقةً، فيسعه المَيْل إلى إظهار ما طلبوه.
* (وإن صَبَرَ) على ذلك (حتى قُتِل(١)، ولم يُظْهرِ الكفرَ: كان
مأجوراً)؛ لأن الامتناع لإعزاز الدين عزيمة.
[الإكراه على إتلاف مال مسلم : ]
: (وإن أُكرِه على إتلاف مالٍ) امرئٍ (مسلمٍ بأمرٍ يَخاف منه على
نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، وَسِعَه أن يفعل ذلك)؛ لأن مالَ
الغير يُستباح للضرورة، كما في حالة المَخْمَصَة، وقد تحقّقت
الضرورة.
(١) هكذا: ((قُتِل)): في نسخ القدوري كلها، وكذلك مع الجوهرة النيرة، وفي
بداية المبتدي مع الهداية ٢٧٧/٣، وخلاصة الدلائل ص ٢٩٧، أما نسخ اللباب
ففيها: ((قتلوه)).

٢٣٦
كتاب الإكراه
ولصاحب المال أن يضمِّن المكرِهِ.
وإن أُكرِه بقتلٍ علىْ قَتْل غيره: لم يَسَعْه أن يُقْدِمِ عليه، ويَصْبِرُ
حتى يُقتَل .
فإن قَتَلَه : كان آثماً.
والقصاصُ على الذي أَكرهه إن كان القتلُ عمداً.
* (ولصاحب المال أن يضمِّن المكرِهَ) - بالكسر -؛ لأن المكرَه -
بالفتح ۔ کالآلة.
[الإكراه على قتل الغير: ]
* (وإن أُكرِهِ بقتلٍ على قَتْل غيره: لم يَسَعْه أن يُقْدِمِ عليه، ويَصْبِرُ
حتى يُقتَل.
* فإن قَتَلَه: كان آثماً)؛ لأن قَتْلَ المسلم ممَّا لا يُستباح لضرورةٍ
ما، فكذا بهذه الضرورة . ((هداية)).
* (و) لكنِ (القصاصُ على الذي أكرهه إن كان القتلُ عمداً).
قال في ((الهداية)): وهذا عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال زفر: يجب على المكرَه.
وقال أبو يوسف: لا يجب عليهما (١).
(١) ونقل في الجوهرة ٣٥٥/٢ تمام قول أبي يوسف فقال: ((وقال أبو يوسف: لا
=

٢٣٧
كتاب الإكراه
وإن أُكْرِه على طلاق امرأته، أو عِتْق عبده، ففعل : وَقَعَ ما أُكره
عليه .
ويرجعُ على الذي أكرهه بقیمة العبد ،
٠
قال الإسبيجابي: والصحيحُ قول أبي حنيفة ومحمد، ومشى عليه
الأئمة، كما هو الرَّسْم. ((تصحیح)).
[الإكراه على الطلاق : ]
: (وإن أُكْره (١) على طلاق امرأته)، أو نكاحِ امرأةٍ، (أو عِثْق
عبده، ففعل: وَقَعَ ما أُكره عليه)؛ لأنها تصحُّ مع الإكراه، كما تصحّ
ءُ
مع الهزل، كما مرَّ في الطلاق.
(ويرجع) المكرَه (على الذي أكرهه بقيمة العبد) في
الإعتاق؛ لأنه صَلُحَ آلةً له(٢) فيه من حيث الإتلاف، فيُضاف إليه(٣)،
يجب عليهما القصاص، وعلى المكرِهِ الآمر الدية، ولا شيء على المكرَه المأمور)).
اهـ، ومثله في شرح الأقطع، وشرح الإسبيجابي، وينظر تصحيح القدوري ص ٥٧١.
(١) وفي بعض نسخ القدوري: ((أكرهه)).
(٢) أي للمكرِهِ.
(٣) في نسخ اللباب كلها: ((فلا يضاف إليه))، والصواب ما أثبت، كما في درر
الحكام ٢٧٢/٢، والنقل عنه، وكذا النص في الهداية ٢٧٨/٣: ((فيضاف إليه)).
والضمير في قوله: ((فيضاف إليه)): يعود إلى المكرِهِ: أي يضاف الإتلاف إليه،
وينظر البناية ١٠/ ٧٣.

٢٣٨
كتاب الإكراه
وبنصف مهر المرأة إن كان قَبْل الدخول.
فله(١) أن يضمِّنْه موسراً كان أو معسِراً؛ لكونه ضمانَ إتلافٍ، كما مرَّ.
* ولا يَرجع الحاملُ (٢) على العبد بالضمان؛ لأنه(٣) مؤاخَذٌ
بإتلافه(٤). ((درر)).
* (وبنصف مهر المرأة(٥)) في الطلاق، (إن كان) الطلاقُ
(قَبْل الدخول)، وكان المهر مسمَّىَّ في العقد؛ لأن ما عليه: كان على
شرف السقوط بوقوع الفُرقة من جهتها(٦)، وقد تأكّد ذلك بالطلاق،
فكان تقريراً للمال من هذا الوجه، فيُضاف تقريرُه إلى الحامل(٧)،
(١) أي للمكرَه أن يضمِّن المكرِهِ، سواء كان المكرِهِ موسراً أو معسراً؛ لأنه
ضمان جُبْران. وينظر البناية ١٠/ ٧٢، العناية ١٧٨/٨.
(٢) أي المكرِهِ. البناية ١٠/ ٧٣.
(٣) أي المكرِهِ. البناية ٧٣/١٠.
(٤) فكأنه جُعل متلفاً للعبد حكماً، كأنه قَتَله، والمقتول لا يسعى لأحدٍ حكماً.
البناية ١٠ / ٧٣.
(٥) أي ويرجع المكرَه على المكرِه في الطلاق بنصف مهر المرأة.
(٦) أي بالاحتمال، كما تقدَّم، من أنه يحتمل أن ترتدَّ والعياذ بالله، ونحو هذا،
وقد زال هذا الاحتمال بالطلاق، فتأكد المال، وينظر البناية ٧٣/١٠، ودرر الحكام
مع حاشيته غنية ذوي الأحكام ٢/ ٢٧٢.
(٧) أي المكرِهِ.

٢٣٩
كتاب الإكراه
.
والتقرير كالإيجاب، ((درر)).
* قيَّد بما إذا كان قبل الدخول؛ لأنه لو كان دخل بها: تقرَّر
المهرُ بالدخول، لا بالطلاق.
* وفيَّدنا بكون المهر مسمَّىَ في العقد؛ لأنه لو لم يكن مسمَّىَ
فيه: إنما يرجع بما لزمه من المتعة.
ولا يرجع في النكاح بشيء؛ لأن المهر إن كان مهرَ المثل، أو
أقلَّ: كان العوض مثلَ ما أخرجه عن ملكه، أو أكثر.
* وإن كان أكثر من مهر المثل: فالزيادة باطلةٌ، ويجب مقدارُ مهر
المثل، ويصير كأنهما سمَّيًا ذلك المقدار، حتى إنه يتنصَّف بالطلاق
قبل الدخول. ((جوهرة)).
* وفيها (١): عن الخُجَنْدي: الإكراه لا يعمل في
الطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، والتدبير، والعفو عن دم
العمد، واليمين، والنَّذْر، والظهار، والإيلاء، والفيء فيه،
والإسلام. اهـ.
(١) أي في الجوهرة ٣٥٥/٢.

٢٤٠
كتاب الإكراه
وإن أُكْرِهِ على الزنىُ : وَجَبَ عليه الحدُّ عند أبي حنيفة، إلا أن
يُكرِهَه السلطانُ.
وقال أبو يوسف ومحمد : لا يلزمه الحدُّ.
وإذا أُكرِهِ علىُ الرِّدَّة : لم تَبِنِ امرأتُه منه.
[الإكراه على الزنى: ]
(وإن أُكره(١) على الزنىُ: وَجَبَ عليه الحدُّ عند أبي حنيفة، إلا أن
يُكرِهَه السلطانُ)؛ لأن الإكراه عنده لا يتحقّق من غيره.
(وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلزمه الحدُّ)؛ لأن الإكراهَ يتحقَّق
من غيره، وعليه الفتوى.
قال قاضيخان: الإكراه لا يتحقّق إلا من السلطان في قول الإمام،
وفي قول صاحبيه: يتحقّق من كل متغلّب يَقْدِر على تحقيق ما هَدَّدَ
به، وعلیه الفتوى.
وفي ((الحقائق)): والفتوى على قولهما، وعليه مشى الإمام
البرهاني، والنسفي، وغيرهما. ((تصحيح)).
[الإكراه على الرِّدَّة: ]
: (وإذا أُكرِهِ) الرجلُ (على الرِّدَّة: لم تَبِنِ امرأتُه منه)؛ لأن الرِّدَّة
(١) وفي بعض نسخ القدوري: ((أکرهه)).