النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب أدب القاضي والقصاص. ويُقبَلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شُهِد به عنده . والقصاصِ)؛ اعتباراً بشهادتها(١). [كتاب القاضي إلى القاضي : ] (ويُقبَل كتابُ القاضي إلى القاضي في الحقوق) التي لا تَسقُطْ بالشبهة، (إذا شُهد) - بالبناء للمجهول ــ (به): أي الكتابِ (عنده): أي (١) قال ابن عابدين ٢٩٨/٤ (ط بولاق): ((واختلفوا في المرأة فيما سوى الحدود، والقصاص)). اهـ، وقال في الدر المختار ٣٥٦/٤: ((والمرأة تقضي في غير حدٍّ وقَوَدٍ، وإن أَثِم المؤلِّي لها))، لخبر البخاري: ((لن يُفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة)». اهـ. ونصَّ الرازي في خلاصة الدلائل ص ٢٩١: على كراهية قضائها في غير الحدود. قال ابن الهمام في فتح القدير ٣٩١/٦: ((والكلام فيما لو وُلِّيت، وأثِم المقلِّد - لها - بذلك، فقضتْ قضاءً موافقاً لدين الله، أكان ينفذ أم لا؟ لم ينتهض الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله، إلا أن يثبت شرعاً سَلْب أهليِّتها، وليس في الشرع سوى نقصان عقلها، ... ثم هو - النقصان - منسوبٌ إلى الجنس، فجاز في الفرد وخلافه، فقد يكون بعضُ أفراد النساء خيراً من بعض أفراد الرجال؛ ولذلك النقص الغريزي نَسَبَ صلى الله عليه وسلم لمن يولِّيهنَّ عدمَ الفلاح، ولهنَّ بنقص الحال، وهذا حقٌّ، لكن الكلام فيما لو وُلِّيت، فقَضَت بالحق: لماذا يبطل ذلك الحق؟». اهـ ١٨٢ كتاب أدب القاضي فإن شَهِدوا على خصم : حَكَمَ بالشهادة، وكَتَبَ بحُكْمه. وإن شهدوا بغير حضرة خصم : لم يَحْكُم، ٠٠ القاضي المكتوبِ إليه، أنه كتابُ فلانِ القاضي، وخَتْمُهُ(١). (فإن) كان الشهداء (شَهِدوا) عند القاضي الكاتبِ (على خصمٍ) حاضر: (حَكَمَ بالشهادة) على قواعد مذهبه، (وكَتَبَ بحُكْمه) إلى القاضي الآخر لينفّذَه. ويكون هذا في صورة الاستحقاق(٢)، فإنَّ المدَّعى عليه إذا حُكِم عليه، وأراد الرجوعَ على بائعه، وهو في بلدةٍ أخرىُ، وطَلَبَ من القاضي أن يكتب بحكمه إلى قاضي تلك البلدة: يَكتبه له، ويُسمَّى هذا الكتاب: سِجِلاً؛ لتضمُّنْه الحُكْم. * (وإن) كانوا (شهدوا بغير حضرة خصم: لم يَحْكُم) بتلك (١) قال في الجوهرة ٣٤٥/٢: ((وإنما يُقبل كتاب القاضي إلى القاضي إذا كان بينهما مسيرة سفر ثلاثة أيام فصاعداً، وإلا: لا يقبل، وفي نوادر هشام: إذا كان في مصر واحد يقبل)). اهـ (٢) كما لو اشترى رجل كتاباً، فكان له مستحِقٌّ، فادَّعاه، وطالب به، وحُكم له به، ثم أراد هذا المشتري أن يرجع على البائع بثمن الكتاب؛ لاستحقاقه، وطلب من القاضي أن يكتب له بحكمه: فإنه يكتب له كتاباً إلى قاضي البلدة التي فيها البائع. ١٨٣ كتاب أدب القاضي وكَتَبَ بالشهادة ليَحكمَ بها المكتوبُ إليه. ولا يَقبلُ الكتابَ إلا بشهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين. ويجب أن يقرأ الكتابَ عليهم؛ ليعرفوا ما فيه. ثم يختمُه بحضرتهم، ویسلِّمُه إليهم. الشهادة؛ لما مرَّ من أن القضاء على الغائب لا يصحُّ، (و) لكن (كَتَبَ بالشهادة ليَحكم بها المكتوبُ إليه) على قواعد مذهبه، ويُسمَّى هذا: الكتاب الحُكمي؛ لأن المقصود به حُكْمُ المكتوب إليه، وهو في الحقيقة نَقْلُ الشهادة. * (ولا يَقبل) القاضي المكتوبُ إليه (الكتابَ إلا بشهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين)؛ لاحتمال التزوير، وهذا عند إنكار الخصم أنه كتاب القاضي، وأما إذا أقرَّ: فلا حاجة إلى إقامة بيِّنة. * (ويجب) على القاضي الكاتبِ (أن يقرأ الكتاب عليهم): أي على الشهود؛ (ليعرفوا ما فيه)، أو يُعْلِمَهُم به؛ لأنه لا شهادة بدون العلم، (ثم يَختمُه بحضرتهم(١)، ويسلِّمُه إليهم)؛ نفياً للشكِّ والتردُّد من کل وجه. قال في ((الهداية))، و((شرح الزاهدي)): أما الختم بحضرتهم، وكذا حِفْظُ ما في الكتاب: فَشَرْطٌ عند أبي حنيفة ومحمد. (١) ((بحضرتهم)): مثبتة في نسخة القدوري (البابي)، وكذلك في نسخ اللباب. ١٨٤ كتاب أدب القاضي وقال أبو يوسف آخِراً: ليس شيء من ذلك بشرط، والشرطُ أن يُشهِدهم أن هذا كتابُه، وخَتْمُه. وعنه: أن الخَتْم ليس بشرط أيضاً، فسهَّل في ذلك لمَّا ابتُلي بالقضاء، وليس الخبر كالمعاينة، وهذا مختار شمس الأئمّة السَّرَخسي. قال شيخنا (١) في ((شرح الهداية)): ولا شكَّ عندي في صحّته، فإن الغرض إذا كان عدالةَ الشهود - وهم حَمَلةُ الكتاب - فلا يضرُّه كونه غیر مختوم مع شهادتهم أنه کتابُه. نعم إذا كان الكتاب مع المدَّعي: ينبغي أن يُشترط الختم؛ لاحتمال التغيير، إلا أن يَشهدوا بما فيه حفظاً. فالوجه إن كان الكتاب مع الشهود: أن لا تُشترط معرفتُهم بما فيه، ولا الختم، بل تكفي شهادتُهم أنه كتابُه مع عدالتهم. وإن كان مع المدَّعي: اشتُرط حفْظُهم لما فيه فقط. كذا في ((التصحيح)). (١) هذا كلام العلامة قاسم في التصحيح، والمقصود بشيخه: ابن الهمام شارح الهداية، وهذا النصُّ الذي نقله هو في فتح القدير ٣٨٧/٦. ١٨٥ كتاب أدب القاضي فإذا وَصَلَ إلى القاضي : لم يَقُلْه إلا بحضرة الخصم. فإذا سلَّمه الشهودُ إليه: نَظَر إلى خَتْمه، فإن شهدوا : أنه كتابُ فلانٍ القاضي، سلَّمَه إلينا في مجلس حُكْمِه، وقَرَأَه علينا، وخَتَمَه : فَضَّه القاضي، وقَرَأَه ونَشَرَه على الخصم، وألزمه ما فيه. (فإذا وَصَلَ) الكتابُ (إلى القاضي: لم يَقْبَلْه إلا بحضرة الخصم)؛ لأنه بمنزلة أداء الشهادة، فلا بدَّ من حضوره. * (فإذا سلَّمه الشهودُ إليه): أي إلى القاضي بحضرة الخصم، (نَظَر) القاضي (إلى خَتْمه) أوَّلاً؛ ليتعرَّفَه، (فإن شهدوا أنه كتابُ فلان القاضي، سلّمه إلينا في مجلس حُكْمه، وقَرَأه علينا، وخَتَمَه) بخَتْمه: (فضَّه القاضي، وقرأه ونَشَرَه على الخصم، وألزمه ما فيه). قال في ((الهداية)): وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: إذا شهدوا أنه كتابُه، وخاتَمُه: قَبِلَه، على ما مرَّ، ولم يَشترط(١) في ((الكتاب)) ظهورَ العدالة للفتح(٢)، والصحيح أنه يَفُضُّ الكتابَ بعد ثبوت العدالة، كذا ذكره الخصَّاف؛ لأنه ربّما يَحتاج (٣) إلى زيادة الشهود (٤). (١) أي القدوري في مختصره. ينظر البناية ٤٩/٨. (٢) أي لفتح الكتاب. (٣) أي المدَّعي. البناية ٥٠/٨. (٤) إذا لم تظهر العدالة. ١٨٦ كتاب أدب القاضي ولا يُقبلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص. وإنما يُمكِّنهم من أداء الشهادة: بعد قيام الختم. * وإنما يَقبله المكتوبُ إليه: إذا كان الكاتبُ على القضاء، حتى لو عُزِل، أو مات، أو لم يبق أهلاً للقضاء قَبْل وصول الكتاب: لا يقبله؛ لأنه التحق بواحدٍ من الرَّعایا. * وكذا لو مات المكتوبُ إليه، إلا إذا كَتَب: إلى فلان بن فلانِ، قاضي بلدة كذا، وإلى كلَ مَن يَصِلُ إليه من قضاة المسلمين؛ لأن غيره صار تَبَعاً له، وهو معرَّفٌ(١). * بخلاف ما إذا كَتَبَ ابتداءً: إلى كلِّ مَن يَصل إليه، على ما عليه مشايخنا؛ لأنه غير معرّفٍ (٢). * ولو كان مات الخصم (٣): ينفَّذُ الكتابَ على وارثه؛ لقيامه (٤) مقامه. اهـ * (ولا يُقبل كتابُ القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص)؛ (١) أي معلوم. البناية ٥١/٨. (٢) أي مجهول. البناية ٥١/٨. (٣) أي لو مات الخصم المدَّعى عليه قبل وصول كتاب القاضي إلى القاضي: ينفّذ القاضي المكتوب إليه الكتاب على ورثة الخصم. البناية ٥١/٨_٥٢. (٤) انتهى من الهداية ١٠٦/٣. ١٨٧ كتاب أدب القاضي وليس للقاضي أن يَستخلف على القضاء، إلا أن يُقوَّض ذلك إليه . لأن فيه شبهةَ البدليَّة عن الشهادة، فصار كالشهادة على الشهادة، ولأنَّ مبناهما (١) على الإسقاط، وفي قبوله: سعيٌّ في إثباتهما. [استخلاف القاضي نائباً عنه : ] (وليس للقاضي أن يَستخلف) نائباً عنه (على القضاء)؛ لأنه قُلِّد القضاءَ، دون التقلید، فصار کتوكيل الوكيل. * ولو قضى الثاني بمحضَرٍ من الأول، أو قضى الثاني، فأجاز الأول: جاز كما في الوكالة، لأنه حَضَرَه رأيُ الأول، وهو الشرط. * (إلا أن يُفوّض ذلك إليه) صريحاً، كـ: وَلِّ مَن شئتَ، أو دلالةً، كـ: جعلتُك قاضي القضاة، والدلالة هنا أقوى من الصريح؛ لأنه في الصريح المذكور: يملك الاستخلاف، لا العزل، وفي الدلالة: يملكهما، فإن قاضي القضاة هو الذي يتصرَّف فيهم مطلقاً: تقليداً، وعزلاً. (١) أي مبنى الحدود والقصاص. البناية ٢٦١/١١. ١٨٨ كتاب أدب القاضي وإذا رُفِعَ إلى القاضي حُكْمُ حاكمٍ : أمضاه، [إمضاء حكم حاكم آخر : ] * (وإذا رُفع إلى القاضي حُكْمُ حاكمٍ) مُوَلَّىَ ولو بعد عَزْله، أو موته إذا كان بعد دعوى صحيحةٍ: (أمضاه): أي أَلزم الحكمَ والعملَ بمقتضاه، سواء وافق رأيه، أو خالفه إذا كان مجتَهَداً فيه؛ لأن القضاء متىُ لاقىْ مَحلاً مجتَهَداً فيه: يَنْفُذُ، ولا يردُّه غيرُه؛ لأن الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الأول؛ لتساويهما في الظن، وقد ترجَّح الأول باتصال القضاء به، فلا يُنْقَض بما هو دونه. * ولو قضى في المجتَهَد فيه مخالفاً لرأيه، ناسياً لمذهبه: نَفَذَ عند أبي حنيفة. * وإن كان عامداً: فعنه روايتان. وعندهما: لا ينفذ في الوجهين (١)؛ لأنه قضى بما هو خطأ عنده(٢)، وعليه الفتوى، كما في ((الهداية))، و((الوقاية))، و((المجمع))، (١) أي وجه النسيان، والعمد. فتح القدير ٣٩٧/٦. (٢) قال في فتح القدير ٣٩٧/٦: ((وهذا كلَّه في القاضي المجتهد، فأما المقلِّد: فإن ولاَّه ليحكم بمذهب أبي حنيفة مثلاً: فلا يملك المخالفة، فيكون معزولاً بالنسبة إلى ذلك الحكم. هذا، وفي بعض المواضع ذُكر الخلاف في حِلِّ الإقدام على القضاء بخلاف مذهبه. اهـ، وتمامه فیه. ١٨٩ كتاب أدب القاضي إلا أن يُخالف الكتاب و ((الملتقى)). * قيَّدنا بالمُولَّى؛ لأن حُكْم المحَكَّم: لا يرفع الخلاف، كما يأتي. * وبكونه بعد دعوى صحيحةٍ، بأن تكون من خصمٍ على خصم حاضر؛ لأنه إذا لم يكن كذلك: يكون إفتاء، فيحكم بمذهبه، لا غير، كما في ((البحر)). قال في ((الدر)): وبه عُرف أن تنافيذ زماننا لا تُعتبر؛ لتَرْك ما ذُكر. * (إلا أن يُخالف) حُكْمُ الأول (الكتابَ) فيما لم يختلف في تأويله السلف(١)، كمتروك التسمية عمداً(٢). (١) قال الإمام العيني في البناية ٥٨/٨: ((والمراد من مخالفة الكتاب: مخالفة نص الكتاب الذي لم يختلف السلف في تأويله، كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ النساء / ٢٢، فإنَّ السلف اتفقوا على عدم جواز تزوج امرأة الأب، فلو حکم حاکمٌ بجواز ذلك: نَقَضَہ من دُفع إلیه». اهـ (٢) ينظر فتح القدير لابن الهمام ٣٩٤/٦، وفيه: ((وقد نُقل الخلاف في الحِلِّ عندنا أيضاً، ففي الخلاصة في رابع جنسٍ من الفصل الرابع من أدب القضاء قال: وأما القضاء بحِلِّ متروك التسمية عمداً: فجائزٌ عندهما، وعند أبي يوسف: لا يجوز)). اهـ وقد قال بحلِّ متروك التسمية عمداً من المذاهب الأربعة المعتمدة: الشافعيةُ، ورواية عن الإمام أحمد، ينظر المغني لابن قدامة ٣٣/١١، شرح الجلال المحلي على منهاج الطالبين (كنز الراغبين) ٢٤٣/٤. ١٩٠ كتاب أدب القاضي أو السُّنَّةَ أو الإجماعَ، أو يكونَ قولاً لا دليل عليه. ولا يَقضي القاضي على غائبٍ إلا أن يَحْضُرَ مَن يقومُ مَقامه . * (أو السُّنَّةَ) المشهورة، كالتحليل بلا وطءٍ(١)؛ لمخالفته حديث العُسَيلة المشهور(٢). * (أو الإجماعَ)، كحِلَ المتعة؛ لإجماع الصحابة على فساده (٣). ** (أو يكون قولاً لا دليل عليه)، كسقوط الدَّيْن بمضيِّ السنين من غير مطالَبة. [القضاء على الغائب : ] * (ولا يَقضي القاضي على غائبٍ)، ولا له، (إلا أن يَحْضُرَ مَن يقوم مقامه)، كوكيله، ووصيِّه، ومتولِّي الوقف، أو نائبِه شرعاً، (١) أي بالعقد فقط، وذلك فيمن طلَّق ثلاثاً، فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ثم يطلِّقها الثاني، فلا بدَّ من الدخول حتى تحلَّ للأول، ولا يكفي العقد. (٢) وهو ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: ((جاءت امرأة رِفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: كنت عند رِفاعة، فطلّقني، فَبَتَّ طلاقي، فتزوجتُ عبد الرحمن بن الزَّبِير القرظي، وإن ما معه مثلُ هُدْبة الثوب، فتبسَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أتريدين أن ترجعي إلى رِفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك))، صحيح البخاري ٣٦١/٩ (٥٢٦٠)، صحيح مسلم ١٠٥٥/٢ (١٤٣٣)، واللفظ له. (٣) ينظر لهذا الإجماع: فتح الباري ٩/ ١٧٣. ١٩١ كتاب أدب القاضي وإذا حَكَّم رجلانِ رجلاً لَيَحْكُم بينهما، ورَضِیا بحُكمه : جاز إذا كان بصفة الحاكم. ولا يجوز تحكيمُ الكافر، والعبدِ ، والذمِّيِّ، ٠ کوصيِّ القاضي. أو حُكْماً، بأن يكون ما يدَّعي على الغائب سَبَباً لما يُدَّعى به على الحاضر، كأن يدَّعيَ داراً في يد رجلٍ، ويُبَرْهنَ عليه أنه اشترى الدار من فلانِ الغائب، فحُكْمُ الحاكم به على ذي اليد الحاضرِ: كان حُكْماً على الغائب أيضاً، حتى لو حضر وأنكر: لم يُعتبر؛ لأن الشراء من المالك سببُ الملكيَّة، وله صورٌ كثيرة، ذُكِرَ منها جملةً في ((شرح الزاهدي)». [تحكيم الرجلين رجلاً بينهما : ] (وإذا حَكَّم رجلان) متداعيان (رجلاً لَيَحْكُم بينهما، ورَضِيا بحُكْمه)، فحَكَم بينهما: (جاز)؛ لأن لهما ولايةً على أنفسهما، فصحَّ تحكيمُهما، ويَنْفُذُ حُكْمُه عليهما (إذا كان) المُحَكَّم (بصفة الحاكم)؛ لأنه بمنزلة القاضي بينهما؛ فُيُشترط فيه ما يُشترط في القاضي. * وقد فرَّع على مفهوم ذلك بقوله: [مَن لا يجوز تحكيمه : ] * (ولا يجوز تحكيمُ الكافر) الحربي، (والعبد) مطلقاً، (والذمِّيِّ)، إلا أن يُحكِّمَه ذِمِيَّان؛ لأنه من أهل الشهادة عليهم، فهو ١٩٢ كتاب أدب القاضي والمحدودِ في القذف، والفاسقٍ، والصبيِّ. ولكلَّ واحدٍ من المحكَّمَيْن أن يرجع ما لم يَحْكُم عليهما، فإذا حَكَمَ عليهما : لزمهما. وإذا رُفِعَ حُكْمه إلى القاضي، فوافق مذهبَه: أمضاه، وإن خالفه : أبطله . من أهل الحكم عليهم، (والمحدودِ في القذف) وإن تاب، (والفاسقِ، والصبيِّ)؛ لانعدام أهليَّة القضاء منهم؛ اعتباراً بأهليّة الشهادة. * قال في («الهداية»: والفاسقُ إذا حُكِّم: يجب أن يجوز عندنا، كما مرَّ في المُوَلَّى. * (ولكلٍّ واحدٍ من المحكَّمَيْن) له (أن يرجع) عن تحكيمه؛ لأنه مُقَلَّدٌ من جهتهما، فلا يَحْكُم إلا برضاهما جميعاً. * وذلك (ما لم يَحْكُمْ عليهما، فإذا حكم عليهما)، وهما على تحكيمهما: (لزمهما) الحكمُ؛ لصدوره عن ولایة علیھما. * (وإذا رُفعَ حُكْمه): أي حُكْم المحكَّم (إلى القاضي، فوافق مذهبَه: أمضاه) ؛ لأنه لا فائدة في نَقْضه، ثم إبرامه على هذا الوجه. * (وإن خالفه): أي خالف رأيَه: (أبطله)؛ لأن حُكْمَه لا يلزمه؛ لعدم التحكيم منه. ((هداية)): أي لأن حكم المحكّم لا يتعدَّى المحکمیْن. ١٩٣ كتاب أدب القاضي ولا يجوز التحكيمُ في الحدود والقصاص. وإن حَكَّما في دمِ خطأِ، فقضىُ الحَكَمُ بالدية على العاقلة: لم يَنْفُذْ حُكْمُه. ويجوز أن يَسمع البيِّنَةَ، ويقضيَ بالتُّكول. [عدم جواز التحكيم في الحدود : ] * (ولا يجوز التحكيمُ في الحدود والقصاص)؛ لأنه لا ولاية لهما على دمهما؛ ولهذا لا يملكان الإباحة. * قالوا: وتخصيص الحدود والقصاص، يدلّ على جواز التحكيم في سائر المجتَهَدات، وهو صحيحٌ، إلا أنه لا يُقتى به، ويقال: يُحتاج إلى حُكْم المُوَلَّى(١)؛ دفعاً لتجاسر العوام. ((هداية)). * (وإن حكَّما) رجلاً (في دم خطأٍ، فقضى الحَكَمُ) المحكَّمُ (بالدية على العاقلة: لم يَنْفُذْ حُكْمُه)؛ لأنه لا ولايةَ له عليهم؛ لأنه لا تحكيمَ من جهتهم، وقد سبق أن ولايته قاصرة على المحكّم عليهم. (ويجوز) للمحكّم (أن يسمع البيِّنة، ويقضيَ بالنُّكول)، * والإقرارِ؛ لأنه حُكْمٌ موافقٌ للشرع. (١) أي القاضي الموَلَّى، وينظر لهذه المسألة البناية ٧٠/٨. ١٩٤ كتاب أدب القاضي و حُكْمُ الحاکم لأبويه، وولده، وزوجته : باطل. [بطلان حكم الحاكم لأصوله وفروعه وزوجته : ] * (وحُكْمُ الحاكم) مطلقاً (لأبويه)، وإن عَلَوَا(١)، (وولدِهِ)، وإن سَفَل، (وزوجته: باطلٌ)؛ لأنه لا تُقبل شهادتُه لهؤلاء؛ لمكان التهمة، فلا يصحُّ القضاء لهم. * بخلاف ما إذا حَكَمَ عليهم؛ لأنه تُقبل شهادته عليهم؛ لانتفاء التهمة، فكذا القضاء. ((هداية)). (١) جاء في نسخ اللباب كلها: ((عَلَيَا))، وعلّق عليها مصحِّح نسخة (د) الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد بقوله: ((مِن حقِّ العربية أن يقول: وإن عَلَوَا)). اهـ حيث إن هذا الفعل واوي، يقال: علا: يعلو. ١٩٥ كتاب القسمة كتاب القسمة كتاب القسمة * لا تخفى مناسبتُها للقضاء؛ لأنها بالقضاء أكثرُ من الرضا(١). * وهي لغةً: اسمٌ للاقتسام، وشرعاً: جَمْعُ نصيبٍ شائعٍ في مكانٍ مخصوصٍ (٢). * وسببُها: طلبُ الشركاء، أو بعضِهم للانتفاع بمِلْكه على وجه الخصوص. * وشرطُها: عدم فَوْت المنفعة بالقسمة. [القسمة مبادلة أو إفراز : ] * ثم هي لا تَعْرَى عن معنى المبادلة؛ لأن ما يجتمع لأحدهما: (١) أي تتم القسمة عن طريق القضاء، أكثر ممَّا تتم به عن طريق رضا الناس. (٢) ذكر هذا التعريف في كنز الدقائق (مع فتح المعين) ٣٤٥/٣، والدر المختار (مع ابن عابدين ط البابي) ٢٥٣/٦، وعلَّق عليه ابن عابدين بقوله: ((قوله: في مكان: متعلق بـ: جَمْع)). اهـ، وعرَّفها النسفي في طلبة الطلبة ص ٢٣١: ((جَمْع الأنصباء المتفرقة في محل)). اهـ، وفي ص ٢٥٦ عرَّفها بأنها: ((إفراز النصيبَيْن)). اهـ وعرَّفها الموصلي في الاختيار ٧٢/٢ بقوله: ((رَفْع الشيوع، وقطع الشركة)). اهـ، وفي الجوهرة ٣٤٧/٢: (القسمة تمييز الحقوق، وتعديل الأنصباء)). اهـ ١٩٦ كتاب القسمة ينبغي للإمام أن يَنْصِبَ قاسِماً يَرْزُقُه من بيت المال لَيَقْسِمَ بين الناس بغير أجرة. بعضُه كان له، وبعضُه كان لصاحبه، فهو يأخذه عوضاً عمَّا بقيَ من حقه في نصيب صاحبه، فكان مبادلةً من وجه، وإفرازاً من وجهِ. والإفرازُ هو الظاهر في المكيلات، والموزونات؛ لعدم التفاوت، حتى كان لأحدهما أن يأخذ نصيبه حالَ غَيْبة صاحبه. والمبادلةُ هي الظاهر في غيره؛ للتفاوت، حتى لا يكونُ لأحدهما أَخْذُ نصيبه عند غَيْبة صاحبه. إلا أنه إذا كانت من جنسٍ واحدٍ: أجبره القاضي على القسمة عند طلب أحدهم؛ لأن فيه معنى الإفراز؛ لتقارب المقاصد، والمبادلةُ مما يجري فيه الجَبْرُ، كما في قضاء الدَّیْن. وإن كانت أجناساً مختلفةً(١): لا يُجْبرُ القاضي على قسمتها؛ التعذَّر المعادلة، باعتبار فُحْش التفاوت في المقاصد. ولو تراضَوْا عليها: جاز؛ لأن الحقَّ لهم، وتمامُه في ((الهداية)). * (ينبغي (٢) للإمام أن يَنْصِبَ قاسِماً يَرْزُقُه من بيت المال ليقسم بين الناس بغير أجرةٍ)؛ لأن القسمة من جنس عمل القضاء، من حيث (١) كأن كانت غَنَماً وبقراً، فأخذ هذا الغنمَ، وذاك البقرَ بالتراضي: جاز. (٢) أي نُدب، كما في ابن عابدين ٢٥٥/٦، نقلاً عن الملتقى وشرحه. ١٩٧ كتاب القسمة فإن لم يفعل : نَصَبَ قاسماً يَقْسِمُ بالأجرة. ويجب أن يكون عَدْلاً، مأموناً، عالماً بالقسمة . ولا يُجْبِرُ القاضي الناس على قاسم واحد . إنه يتم به قَطْعُ المنازعة، فأشبه رَزْقَ القاضي. * (فإن لم يفعل: نَصَبَ قاسماً يَقْسِم بالأجرة) من مال المتقاسمِين؛ لأن النفع لهم، وهي ليست بقضاء حقيقةً، فجاز له أَخْذُ الأجرة عليها، وإن لم يَجُزْ على القضاء، كما في ((الدر)) عن أخي زاده. قال في ((الهداية)): والأفضل أن يَرْزُقَه من بيت المال؛ لأنه أرفق بالناس، وأبعد عن التهمة. اهـ [شروط القسَّام : ] * (ويجب أن يكون) المنصوبُ للقسمة (عَدْلاً)؛ لأنها من جنس عمل القضاء، (مأموناً) ليُعتَمَد على قوله، (عالماً بالقسمة)؛ ليقدر عليها؛ لأن مَن لا يَعْلمُها: لا يقدِرُ عليها. * (ولا يُجْبِرُ القاضي الناسَ على قاسمٍ واحدٍ). قال في («الهداية»: معناه: لا يُجبرهم على أن يستأجروه؛ لأنه لا جَبْرَ على العقود؛ ولأنه لو تعيَّن: لتحكّم بالزيادة على أجر مثله. * ولو اصطلحوا، فاقتسموا: جاز، إلا إذا كان فيهم صغيرٌ، فيُحتاج إلى أمر القاضي؛ لأنه لا ولاية لهم عليه. اهـ ١٩٨ كتاب القسمة ولا يَتْرِكُ القُسَّامَ يشتركون. وأجرةُ القسمة على عدد الرؤوس عند أبي حنيفة، وقالا : على قَدْر الأنصباء . * (ولا يَتركُ) القاضي (القُسَّام يشتركون)؛ كي لا يتواضعوا على مغالاة الأجر، فيحصلَ الإضرار بالناس. [أجرة القسمة : ] (وأجرةُ القسمة على عدد الرؤوس(١) عند أبي حنيفة)؛ لأن الأجر مقابَلٌ بالتمييز، وأنه لا يتفاوت، وربما يصعب الحساب بالنظر إلى القليل، وقد ينعكس الحال، فَيَتَعذَّرُ (٢) اعتبارُه، فيتعلَّق الحكمُ بأصل التمييز. (وقالا: على قدر الأنصباء)؛ لأنه مؤونة الملك، فيتقدَّر ـقَدْره. (١) وفي بعض نسخ القدوري: ((عدد رؤوسهم)). (٢) أي ربما يصعب الحساب بالنظر إلى القليل، لأن الحساب يدق بتفاوت الأنصباء، ويزداد بقلة الأنصباء، وقد ينعكس الأمر، بأن يكون حساب نصيب صاحب الكثير أشق، لكسورٍ وقعت فيه، فتعذَّر اعتباره، أي اعتبار كل واحد من قليل الملك وكثيره، فإذا كان الأمر كذلك: فيتعلق الحكم بأصل التمييز، وهو لا يتفاوت. ينظر البناية ١٤/ ١٣٥ (ط باكستان)، ٤٨٧/١٠ (ط بيروت). ١٩٩ كتاب القسمة وإذا حَضَرَ الشركاء عند القاضي، وفي أيديهم دارٌ، أو ضَيْعةٌ و ادَّعَوْا أنهم وَرِثوها عن فلانٍ : لم يَقْسِمْها القاضي عند أبي حنيفة ... قال في ((التصحيح)): وعلى قول الإمام مشى النسفي (١)، والمحبوبي، وغيرُهما. [طلب القسمة ممن ادعوا أنهم ورثة : ] (وإذا حَضَرَ الشركاءُ عند القاضي، وفي أيديهم دارٌ، أو ضَيْعةٌ): أي أرضٌ (ادَّعَوْا أنهم وَرِثوها عن) مورِّتُهم (فلانٍ: لم يقسمها القاضي عند أبي حنيفة)؛ لأن القسمة قضاء على الميِّت، إذ التركة مُبَقَّةٌ على ملكه(٢) قبل القسمة، بدليل ثبوت حقه في الزوائد، كأولاد ملكه(٣)، وأرباحه، حتى تُقضى ديونه منها، وتُنفَّذ وصاياه، وبالقسمة ينقطع حقُّ الميت عن التركة، حتى لا يثبتُ حقّه فيما يَحدثُ بعدَه من الزوائد، فكانت قضاء على الميِّت. (١) في نسخ اللباب كلها: ((في المغني))، والصواب كما أثبتُّ، كما هو في نسخ تصحيح القدوري المخطوطة، والمطبوعة ص ٥٦٠، والنقل عنه. (٢) أي ملك الميت. (٣) كما لو كان من وصيّته: جاريةٌ لفلانٍ مثلاً، فولدت قبل القسمة. البناية ١٠ / ٤٩٠. ٢٠٠ كتاب القسمة حتى يُقيموا البيِّنةَ على موته، وعددٍ ورثته. وقالا : يَقسمُها باعترافهم، ويَذكر في كتاب القسمة أنه قَسَمها بقولهم. فلا يُجابون إليها بمجرَّد الدعوى، بل (حتى يُقيموا البيِّنَةَ على موته، وعدد ورثته)، ويصيرَ البعضُ مدَّعياً، والبعضُ الآخر خصماً له عن الميت؛ لأن بعض الورثة ينتصب خصماً عن المورِّث، ولا يمتنع ذلك(١) بإقراره، كما في الوارث، أو الوصي المقرِّ بالدّين، فإنه تُقبل البِّنة علیه مع إقراره. (وقالا: يَقسمها باعترافهم)؛ لأن اليد دليل الملك، ولا منازعَ لهم، فيقسمها كما في المنقول، والعقارِ المشترَى، (و) لكن (يَذكر في كتاب القسمة أنه قَسَمها بقولهم)؛ ليقتصر عليهم، ولا يكون قضاء على شريكٍ آخرَ لهم. قال الإمام جمال الإسلام في ((شرحه)): الصحيحُ قولُ الإمام، واعتمده المحبوبيُّ، والنسفي، وصدر الشريعة، وغيرُهم، كذا في ((التصحيح)). (١) أي لا يمتنع كونه خصماً بسبب إقراره، وهذا جواب عمَّا يقال: كلٌّ منهما مقرٌّ بدعوى صاحبه، والمقرُّ لا يكون خصماً للمدَّعىُ عليه، فقال: لا يمتنع ذلك بإقراره؛ لجواز اجتماع الإقرار مع كونه خصماً. البناية ١٠ / ٤٩١.