النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كتاب الرجوع عن الشهادة
وكذلك إن شَهِدا على رجلٍ بتزوَّج امرأةٍ بمقدارِ مهرٍ
مثلها .
فإن شَهِدا بأكثرَ من مهر المثل، ثم رجعا: ضَمِنَا
الزيادة.
وإن شَهِدا ببيع بمثل القيمة، أو أكثرَ، ثم رَجَعا: لم يَضْمَنا، وإن
كان بأقلّ من القيمة : ضَمِنا النقصانَ.
وإن شهدا على رجل أنه طلّق امرأته قبل
* (وكذلك: إن شَهِدا على رجلٍ بتزوُّج امرأةٍ بمقدارِ مهرٍ مثلها)؛
لأنه إتلافٌ بعوضٍ؛ لأن البُضْع متقوِّم حالةَ الدخول في الملك، كما
سبق، والإتلافُ بعوضٍ: كلا إتلاف.
* (فإن شَهدا بأكثرَ من مهر المثل، ثم رجعا: ضَمِنَا الزيادة)؛
الإتلافهما الزيادةَ من غير عوضٍ.
* (وإن شَهِدا) على بائعٍ (ببيع) شيءٍ (بمثل القيمة، أو أكثرَ،
ثم رجعا: لم يضمنا)؛ لأنه ليس بإتلاف معنىً؛ نظراً إلى
العوض.
* (وإن كان) ما شَهِدا به (بأقلّ من القيمة: ضَمنا النقصانَ)؛
لإتلافهما هذا الجزء بلا عوضٍ.
* (وإن شهدا على رجلٍ أنه طلّق امرأته)، وكان ذلك (قبل

١٦٢
كتاب الرجوع عن الشهادة
الدخول، ثم رَجَعا : ضَمِنا نصفَ المهر .
وإن كان بعد الدُّخول : لم يضمنا.
الدخول) بها، (ثم رَجَعًا: ضَمِنا نصفَ المهر (١))؛ لأنهما قرَّرًا عليه
مالاً كان على شَرَف (٢) السقوط بمجيء الفُرْقة من قِبَلها.
* (وإن كان) ذلك (بعد الدُّخول) بها: (لم يضمنا) شيئاً؛ لأن
(١) هذا إذا كان في العقد مهرٌ مسمَّى، فإن لم يكن: ضمنا المتعةَ؛ لأنها الواجبة
فیه. اهـ من فتح القدير لابن الهمام ٥٤٥/٦.
ومتعة الطلاق يُقدِّرها القاضي بحسب حال الزوجين إعساراً ويساراً - وهي:
درعٌ، وخِمار، وملحفة -، لا تزيد على نصف مهر المثل؛ لأن المتعة خَلَفُه، وقد
تقدَّم الكلام عليها في كتاب الطلاق، وينظر ابن عابدين ٣٣٦/٢ (ط بولاق).
(٢) أي كان هذا المال محتملاً للسقوط والزوال عن الزوج، في حال لو جاءت
الفُرقة من قِبَلها، كما لو طاوعت ابنَ زوجها، أو ارتدَّت الزوجة والعياذ بالله، فيحصل
الفسخ، ويسقط عنه المهر؛ لأن الفرقة من قِبَلها، هكذا علَّل صاحب الهداية وغيره
من الشرَّاح، وتابعهم المصنِّف.
لكن الزيلعي لم يرتضٍ هذا التعليل في تبيين الحقائق ٢٤٨/٤، وقال بعد ذكره
له: وينتقض هذا بمسألتين، ثم ذكرهما، ونقل اعتراضه أيضاً سعدي جلبي في حاشيته
على العناية ٦ /٥٤٥، مقرِّراً له.
ولهذا، فالتعليل الأنسب للمسألة، هو ما ذكره العيني في البناية ٢٥٢/٨، بعد
شرحه لنصِّ الهداية، حيث قال: حاصل الكلام: أن نصف المهر إنما يجب في الطلاق
قبل الدخول ابتداء، وقد ألزمه الشاهدان على الزوج، ولم يكن واجباً عليه، فكان واجباً
بشهادتهما، فوجب الضمان عليهما، كما إذا شهدا بمالٍ، فقُضيَ به، ثم رجعا. اهـ

١٦٣
كتاب الرجوع عن الشهادة
وإن شَهِدا أنه أعتق عبدَه، ثم رَجَعا : ضمنا قيمتَه.
وإن شهدا بقصاص، ثم رَجَعا بعد القتل: ضَمِنا الديةَ، ولا
يُقتصُّ منهما.
وإذا رَجَعَ شهودُ الفرع : ضمنوا.
المهر تأكَّد بالدخول، والبُضْعُ عند الخروج عن الملك: لا قيمةَ له؛
کما مرَّ، فلا يلزم بمقابلته شيء.
* (وإن شَهِدا) على رجلٍ (أنه أعتق عبدَه، ثم رَجَعا: ضمنا
قيمتَه)؛ لإتلافهما ماليَّةَ العبد من غير عوضٍ.
والولاء للمعتق؛ لأن العتق لا يتحوَّل إليهما بهذا الضمان، فلا
يَتحوَّل الولاء. ((هدایة)).
* (وإن شهدا بقصاصٍ، ثم رَجَعا بعد القتل: ضَمِنا الديةَ) في
مالهما في ثلاث سنين؛ لأنهما معترفان، والعاقلةً لا تعقل
الاعتراف.
* (ولا يُقتصُّ منهما)؛ لأنهما لم يباشرا القتل، ولم يحصل منهما
إکراهٌ علیه.
* (وإذا رَجَعَ شهودُ الفرع: ضمنوا) ما أتلفوه بشهادتهم؛
لأن الشهادة في مجلس القضاء صدرت منهم، فكان التلف مضافاً
إلیھم.

١٦٤
كتاب الرجوع عن الشهادة
وإن رجع شهودُ الأصل، وقالوا: لم تُشْهِدْ شهودَ الفرع على
شهادتنا : فلا ضمان عليهم.
وإن قالوا : أشهَدْناهم، وغَلِطنا : ضَمِنوا.
[رجوع شهود الأصل : ]
* (وإن رجع شهودُ الأصل) بعد القضاء، (وقالوا: لم نُشْهِدْ
شهودَ الفرع على شهادتنا: فلا ضمان عليهم)؛ لأنهم أنكروا السببَ،
ولا يَبْطُلُ القضاء؛ لتعارض الخبرين.
* أما إذا كان قبل القضاء: فإنها تَبطلُ شهادةَ الفرع؛ لإنكار شهودِ
الأصل التحميلَ، ولا بدَّ منه.
* (وإن قالوا: أشهدناهم، و) لكن (غَلِطنا: ضمنوا). قال في
((الهداية)): وهذا عند محمد.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا ضمان عليهم؛ لأن القضاء وَقَعَ
بشهادة الفروع؛ لأن القاضي يقضي بما يعاين من الحجّة، وهي
شهادتُهم.
وله: أن الفروع نَقَلوا شهادةَ الأصول، فصار كأنهم حضروا. اهـ.
قال في ((الفتح)): وقد أخَّر المصنّف(١) دليلَ محمد، وعادتُه أن
(١) أي صاحب الهداية.

١٦٥
كتاب الرجوع عن الشهادة
وإن قال شهودُ الفَرْعِ: كَذَبَ شهودُ الأصل، أو : غَلِطوا في
شهادتهم : لم يُلتَفَت إلى ذلك.
وإذا شهد أربعةٌ بالزنى، وشاهدان بالإحصان، فرجع شهودُ ....
يكون المرجَّح عنده: ما أخَّره. اهـ
* وفي ((الهداية)): ولو رَجَعَ الأصولُ والفروعُ جميعاً: يجب
الضمان عندهما على الفروع، لا غير؛ لأن القضاء وَقَحَ
بشهادتهم.
وعند محمد: المشهود عليه بالخيار: إن شاء ضمَّن الأصول، وإن
شاء ضمَّن الفروع، وتمامُه فيها.
* (وإن قال شهودُ الفَرْع) بعد القضاء بشهادتهم: (كَذَبَ شهودُ
الأصل، أو: غَلِطوا في شهادتهم: لم يُلتَفَت إلى ذلك)؛ لأن ما أُمضىَ
من القضاء: لا يُنقَض بقولهم.
ولا يجب الضمان عليهم؛ لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم، وإنما
شهدوا بالرجوع على غيرهم.
[رجوع شهود الإحصان : ]
* (وإذا شهد أربعةٌ بالزنى، وشاهدان بالإحصان، فرجع شهودُ

١٦٦
كتاب الرجوع عن الشهادة
الإحصان : لم يَضْمَنوا.
ءِ
وإذا رجع المزكّون عن التزكية : ضَمِنوا.
الإحصان) عن شهادتهم(١): (لم يضمنوا)؛ لأن الحكم يضاف إلى
السبب، وهو هنا الزنى، بخلاف الإحصان، فإنه شَرْطٌ كالبلوغ،
والعقلِ، والإسلامِ، وهذه المعاني لا يُستَحقُّ عليها العقاب، وإنما
يُستَحقُّ العقاب بالزنىُ، وتمامُه في ((الجوهرة))(٢).
ءِ
* (وإذا رجع المزكون عن التزكية: ضمنوا). قال في ((الهداية)):
وهذا عند أبي حنيفة.
وقالا: لا يضمنون؛ لأنهم أَثْنَوْا على الشهود، فصاروا كشهود
الإحصان.
وله: أن التزكية إعمالٌ للشهادة، إذ القاضي لا يعمل بها إلا
بالتزكية، فصارت في معنى علَّة العلّة(٣)، بخلاف شهود الإحصان؛
(١) أي بعد رَجْمه.
(٢) الجوهرة النيرة ٣٤١/٢، وفيها: ولأنَّ الإحصان كان موجوداً فيه قبل الزنىُ،
غيرَ موجِب للرجم، فلمَّا وُجد الزنى بعد الإحصان: وجب الرجم، وإذا لم يجب
بشهادة شهود الإحصان رَجْمٌ؛ لم يضمنوا بالرجوع. اهـ
(٣) قال في البناية ٤٧٢/١١: أي صارت التزكية بمعنى علة العلة، وإنما قال:
بمعنى علة العلة؛ لأن الشهادة ليست بعلة، وإنما هي سببٌ أُضيف الحكم إليه؛ لتعذر
الإضافة إلى العلة. اهـ

١٦٧
كتاب الرجوع عن الشهادة
وإذا شَهِدَ شاهدان باليمين، وشاهدان بوجود الشرط، ثم
رَجَعوا : فالضمانُ على شهود اليمين خاصَّةً.
لأنه شَرْطٌ مَحْضٌ.
قال جمال الإسلام في ((شرحه)): والصحيحُ قولَ الإمام، واعتمده
البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة. ((تصحیح)).
[رجوع الشهود عن اليمين : ]
(وإذا شَهِدَ شاهدان باليمين، وشاهدان) آخران (بوجود
الشرط(١)، ثم رجعوا) جميعاً: (فالضمان على شهود اليمين خاصَّةً)؛ لأنه
هو السبب، والتلفُ يُضاف إلى مثبتي السبب، دون الشرط المحض، ألا
يُرى أن القاضي يقضي بشهادة اليمين، دون شهود الشرط.
* ولو رجع شهودُ الشرط وحدَهم: اختلف المشايخ فيه. اهـ
((هداية))، وفي العيني: لا ضمان عليهم، على الصحيح.
(١) وكمثال يوضّح هذا، ما ذكره صاحب الجوهرة ٣٤١/٢ بقوله: ((لو شهد
شاهدان أن فلاناً حلف بعتق عبده: لا يدخل هذه الدار، وشهد آخران أنه دخلها،
فحُكِم بعتق العبد، ثم رجعوا جميعاً: فالضمان على شاهدي اليمين، ألا يرى أن رجلاً
لو قال لعبده: إن ضَرَّبَك فلانٌ فأنت حُرٌّ، فضربه فلان: يَعتق العبد، ولا يضمن
الضاربُ؛ لأنه عَتَق بيمين مولاه، لا بالضرب، فكذلك هذا». اهـ

١٦٨
كتاب أدب القاضي
كتاب أدب القاضي
لا تصحُّ ولايةُ القاضي حتى تَجتمعَ في المُوَلَّى.
.
.
كتاب أدب(١) القاضي
* مناسبته للشهادات، وتعقيبُه لها ظاهرةً، من حيث إن القضاء
يتوقَّف على الشهادة غالباً.
* قال في ((الجوهرة)): الأدبُ اسمٌ يقع على كلَ رياضةٍ محمودةٍ،
يتخرَّج بها الإنسان في فضيلةٍ من الفضائل.
* واعلم أن القضاء أمرٌ من أمور الدين، ومصلحةً من مصالح
المسلمين، تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجةً عظيمة. اهـ
* و(لا تصحّ ولاية القاضي حتى تجتمع في المُوَلَّى) - بفتح
اللام: اسمُ مفعولٍ -، وعَدَلَ عن الضمير (٢) إلى الظاهر؛ ليكون فيه
دلالةٌ على تَوْلية غيره له بدون طلبه، وهو الأَوْلى للقاضي، كما في
((الكفاية)).
(١) وفي نسخة القدوري (٦٤٩ هـ، والبابي): ((آداب القاضي)): بالجمع.
(٢) أي: وعَدَلَ عن لفظ: ((المتولِّي)): أي المتولِّي للقضاء بنفسه، إلى لفظ:
((المولَّى)): أي الذي ولاَّه غيرُه. ينظر العناية ٣٥٧/٦، الجوهرة النيرة ٣٤٢/٢.

١٦٩
كتاب أدب القاضي
شرائطُ الشهادة، ويكونَ من أهل الاجتهاد .
(شرائطُ الشهادة)؛ لأن حكم القضاء يُستَقِى من حكمٍ
الشهادة؛ لأن كلّ واحدٍ منهما من باب الولاية، فكلّ مَن كان أهلاً
للشهادة: يكون أهلاً للقضاء، وما يُشترط لأهليَّة الشهادة: يشترط
لأهليَّة القضاء.
* والفاسقُ أهلٌ للقضاء، حتى لو قُلُّد: يَصِحُّ، إلا أنه لا ينبغي أن
يُقلَّد، كما في حُكْم الشهادة، فإنه لا ينبغي للقاضي أن يقبل شهادته،
ولو قَبِلَ : جاز عندنا.
* ولو كان القاضي عَدْلاً، ففَسَق بأَخْذ الرِّشوة، أو غيرها:
لا يَنعزل، ويَستحقُّ العزلَ، وهذا هو ظاهر المذهب، وعليه
مشایخنا.
وقال بعضُ المشايخ: إذا قُلَّد الفاسقُ ابتداءً: يصح، ولو قُلَّد وهو
عَدْلٌ: ينعزل بالفسق؛ لأن المقلَّد اعتمد عدالتَه، فلم يكن راضياً
بتقلیده دونها. (هدایة)).
(ويكونَ) - بالنَّصْب، عطفاً على: تجتمع (١)- (من أهل
*
الاجتهاد).
(١) أي لفظ: ((تجتمع))، التي ذكرها القدوري قبل قليل في مختصره.

١٧٠
كتاب أدب القاضي
قال في ((الهداية)): والصحيح أن أهليَّةَ الاجتهاد شَرْطُ
الأَوْلويَّةَ(١)، فأما تقليد الجاهل(٢): فصحيحٌ عندنا؛ لأنه يمكنه أن
يَقضيَ بفتوى غيره، ومقصودُ القضاء يحصل به، وهو إيصال الحقِّ
إلى مستَحِقُه.
* ولكن ينبغي للمقلَّد(٣) أن يختار مَن هو الأقدُر والأَوْلى؛ لقوله
صلى الله عليه وسلم: ((مَن قلَّد إنساناً عملاً، وفي رعيَّتْه مَن هو أَوْلَى
منه: فقد خان اللهَ، ورسولَه، وجماعةَ المسلمين)» (٤).
* وفي حَدِّ الاجتهاد كلامٌ عُرِف في أصول الفقه، وحاصلُه: أن
يكون صاحبَ حديثٍ، له معرفةً بالفقه؛ ليعرف معاني الآثار، أو
(١) لا شرط الجواز، وقيل: شرط الجواز، وإليه مال الأقطع في شرحه. اهـ.
البناية ٨ /٤.
(٢) أي غير المجتهد، وهو المقدِّد. ينظر العناية ٣٥٩/٦، وما علَّقه سعدي
جلبي عليه في حاشيته.
(٣) بكسر اللام: أي الذي يعيِّن القضاة، ويقلدهم إياه، أن يختار الأقدر على
القضاء، والأَّوْلى لعلمه ودينه وأمانته.
(٤) المستدرك الحاكم ٩٢/٤، بلفظ: ((من استعمل رجلاً على عصابة، وفي
تلك العصابة مَن هو أرضى الله منه: فقد خان الله، ورسوله، وجماعة المسلمين))،
المعجم الكبير للطبراني ١١٤/١١، ورواه مسدّد، كما في المطالب العالية ٢٣٣/٢
(٢١٠٣)، وقال الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على المطالب نقلاً عن
البوصيري: رواه مسدَّد بإسنادٍ حسن. اهـ. وينظر نصب الراية ٤ / ٦٢.

١٧١
كتاب أدب القاضي
ولا بأس بالدخول في القضاء لمَن يَثقُ بنفسه أنه يؤدِّي فرضَه.
ويكره الدخولُ فيه لَمَن يَخاف العجزَ عنه، أو لا يأمن على نفسه
الحَيْفَ فیه.
صاحبَ فقه، له معرفةً بالحديث؛ لئلا يشتغل بالقياس في المنصوص
عليه.
وقيل: أن يكون مع ذلك صاحبَ قريحةٍ يَعرف بها عادات الناس؛
لأن مِن الأحكام ما يُبْتَنى عليها. اهـ(١)
[حكم الدخول في القضاء : ]
* (ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يَثقُ بنفسه): أي يَعلم من
نفسه (أنه يؤدِّي فرضَه)، وهو الحكم على قاعدة الشرع.
قال في ((الجوهرة)): وقد دخل فيه قومٌ صالحون، واجتنبه قومٌ
صالحون، وتَرْكُ الدخول فيه أحْوَطُ وأَسْلَمُ الدِّين والدنيا؛ لِمَا فيه من
الخَطَر العظيم، والأمرِ المَخُوف.
* (ويكره الدخول فيه لمن يَخاف العجزَ عنه): أي عن القيام به
على الوجه المشروع، (أو (٢) لا يأمَنُ على نفسه الحَيْفَ فيه): أي
الظلم.
(١) انتهى من الهداية.
(٢) هكذا: ((أو)): في نسخة (٦١١ هـ، ٧٤٥ هـ)، وفي نسخ من القدوري: ((و)).

١٧٢
كتاب أدب القاضي
ولا ينبغي أن يَطلبَ الولاية، ولا يسألَها.
قال في ((الهداية)): وكَرِهِ بعضُهم الدخولَ فيه مختاراً؛ لقوله صلى
الله عليه وسلم: ((مَن جُعِل على القضاء: فكأنما ذُبح بغير سكِين)) (١)،
والصحيحُ أن الدخول فيه رخصةٌ، طمعاً في إقامة العدل، والتركُ
عزيمةٌ، فلعلَّه يخطئء ظنُّه، فلا يُوفَّق له، أو لا يُعينه غيرُه، ولا بدَّ من
الإعانة.
* إلا إذا كان هو الأهلَ للقضاء، دون غيره، فحينئذٍ يُفْتَرضُ عليه
التقلَّد؛ صيانةً لحقوق العباد، وإخلاءً للعالَم عن الفساد. اهـ
* (ولا ينبغي) للإنسان (أن يَطلبَ الولاية) بقلبه، (ولا يسألَها)
بلسانه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن طَلَبَ القضاء: وُكِلَ إلى
نفسه، ومَن أُجبر عليه: نَزَل عليه مَلَكٌ يُسدِّده))(٢).
** ثم يجوز التقلَّدُ من السلطان العادل، والجائرٍ، ولو كان كافراً،
كما في ((الدر))، عن مسكين، وغيرِهِ، إلا إذا كان لا يُمكِّنُه من القضاء
(١) سنن أبي داود ٢٠٧/٤ (٣٥٦٦، ٣٥٦٧)، سنن ابن ماجه ٧٧٤/٢
(٢٣٠٨)، سنن الترمذي ٦١٤/٣ (١٣٢٥)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وقد
رُويَ أيضاً من وجه آخر، المستدرك للحاكم ٩١/٤، وصححه، ووافقه الذهبي،
وينظر نصب الراية ٤ /٦٤، التلخيص الحبير ١٨٤/٤.
(٢) سنن أبي داود ٢٠٩/٤ (٣٥٧٣)، سنن الترمذي ٦١٤/٣ (١٣٢٣،
١٣٢٤)، وقال: حسن غريب، وينظر نصب الراية ٦٩/٤.

١٧٣
كتاب أدب القاضي
ومَن قُلِّد القضاءَ : يُسلِّمُ إليه ديوانَ القاضي الذي قبله.
وينظرُ في حال المحبوسِين، فمَن اعترف بحقٍّ: ألزمه إيَّه، ومَن
أنكر : لم يَقُبُل قولَ المعزول عليه إلا ببيِّنة .
بالحقِّ؛ لأن المقصود لا يحصل بالتقلّد.
[ما يَفعله مَن قُلِّد القضاء : ]
(ومَن قُلِّد القضاءَ: يُسلَّم إليه ديوانُ القاضي الذي) كان
*
(قبله)، وهي الخرائطُ التي فيها السِّجلاّت وغيرُها؛ لأنها وُضعت
فيها لتكون حجَّةً عند الحاجة، فتُجعل في يد مَنْ له ولاية
القضاء، فيَبعث أمينَيْن ليقبضاها بحضرة المعزول، أو أمينه،
ويسألانه شيئاً فشيئاً، ويجعلان كلّ نوعٍ منها في خريطة؛ كي لا
تشتبه على المُوَلّى، وهذا السؤال لكشف الحال، لا للإلزام.
((هداية)).
[النظر في حال المحبوسِيْن : ]
* (وينظرُ في حال المحبوسين)؛ لأنه جُعِل ناظراً للمسلمين،
(فمَن اعترف بحقٍّ: ألزمه إيَّه)؛ عملاً بإقراره.
أومن أنكر: لم يَقْبَل قولَ المعزول عليه إلا ببيِّنة)؛ لأنه بالعزل
التحق بالرعايا، وشهادةُ الفرد ليست بحجّةٍ، لاسيما إذا كان علىُ فِعْلِ
نفسه. (هدایة)).

١٧٤
كتاب أدب القاضي
فإن لم تَقُم بِيِّنةٌ؛ لم يَعْجَل بتخليته حتى يُنادَى عليه، ويَستظهرَ في
أمره.
ويَنظرُ في الودائع، وارتفاعِ الوُقوف، فَيَعملُ على ما تقوم به
البیِّنة، أو يعترفُ به مَن هو في يده.
ولا يَقبلُ قولَ المعزول، إلا أن يعترف
.
* (فإن لم تقُم) عليه (بيِّنَةٌ: لم يَعْجَل بتخليته)، بل يتمهَّل (حتى
يُنادَى عليه) بالمَجامع والأسواق بقَدْر ما يَرى، (ويَستظهرَ في أمره)؛
لأن فعلَ المعزول حقٌّ ظاهرٌ، فلا يَعجل بتخليته؛ كي لا يؤدِّيَ إلى
إبطال حقِّ الغير.
[النظر في الودائع : ]
* (وينظرُ في الودائع) التي وضعها المعزولُ في أيدي
الأمناء، (وارتفاع الوقوف): أي غَلَّتها، (فَيَعملُ على) حسب (ما
تقوم به البيِّنة، أو يَعترفُ به مَن هو في يده)؛ لأن كل واحد
منهما(١) حجّة.
* (ولا يَقبل) عليه (قولَ المعزول)؛ لما مرّ(٢)، (إلا أن يعترف
(١) أي البِّنة حجَّةٌ، والاعتراف حجّة.
(٢) أنه بالعزل التحق بالرعايا ... الخ.

١٧٥
كتاب أدب القاضي
الذي هو في يده أن المعزولَ سلَّمها إليه : فيَقبلُ قولَه فيها.
ويجلسُ للحكم جلوساً ظاهراً في المسجد.
ولا يَقْبِلُ هديَّةً إلا مِن ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه، أو ممَّن جَرَتْ عادتُه
قبل القضاء بمُهَاداته .
الذي هو في يده أن) القاضي (المعزولَ سلَّمها): أي الودائعَ، أو
الغَلاَّت (إليه: فيَقبل قولَه): أي المعزولِ (فيها (١))؛ لأنه ثبت بإقرارٍ
ذي اليد أنَّ اليد كانت للمعزول، فيصح إقراره، كأنه في يده في
الحال.
[جلوس القاضي للحكم في المسجد : ]
(ويجلسُ) القاضي (للحكم جلوساً ظاهراً في المسجد)،
ويختار مسجداً في وسط البلد؛ تيسيراً على الناس، والمسجدُ الجامع
أَوْلى؛ لأنه أشهر.
[حكم قبول القاضي الهدايا :]
(ولا يَقْبلُ هديَّةً) من أحدٍ (إلا مِن ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه، أو
ممَّن جَرَتْ عادتُه قبل) تقلَّد (القضاء بمُهَاداته).
(١) أي في الودائع، وارتفاع الوقوف. البناية ٢٩/٨.

١٧٦
كتاب أدب القاضي
ولا يَحْضُرُ دعوةً إلا أن تكون عامَّةً.
ويَشهدُ الجنازةَ، ويعودُ المريضَ.
ولا يُضِّفُ أحد الخصمَیْن دون خصمه،
.
قال في ((الهداية)): لأن الأولَ صلةُ الرحم، والثاني ليس للقضاء،
بل جَرْيٌ على العادة، وفيما وراء ذلك يكون آكلاً بقضائه، حتى لو
كانت للقريب خصومةٌ: لا يقبل هدیَّتَه.
* وكذا إذا زاد المُهْدي على المعتاد، أو كانت له خصومة؛ لأنه
لأجل القضاء؛ فیتحاماہ. اهـ
[حكم حضور القاضي الدعوة ونحوها :]
(ولا يحضرُ دعوةً إلا أن تكون) الدعوة (عامَّةً)؛ لأن الخاصَّة
مَظِنَّة التُّهَمَة، بخلاف العامَّة.
(ويَشهد الجنازةَ، ويعودُ المريضَ)؛ لأن ذلك من حقوق
المسلمین.
[العدل بين الخصمَيْن : ]
* (ولا يُضَيِّفُ أحدَ الخصمَيْن دون خصمه)؛ لما فيه من التهمة.
وفي التقييد بأحد الخصمين: إشارةً إلى أنه لا بأس بإضافتهما
معاً.

١٧٧
كتاب أدب القاضي
وإذا حَضَرًا : سوَّىُ بينهما في الجلوس، والإقبالِ، ولا يُسَارُّ
أحدَهما، ولا يشيرُ إليه، ولا يُلقَّنُه حُجَّةً.
فإذا ثبت الحقُّ عنده، وطَلَبَ صاحبُ الحقِّ حَبْسَ غريمِه: لم
يَعْجَل بحَبْسه، وأَمَرَه بدَفْع ما علیه.
* (وإذا حَضَرا): أي الخصمان: (سوَّى) القاضي (بينهما
في الجلوس) بين يديه، (والإقبالِ) عليهما، والإشارة إليهما،
يَفعَلُ ذلك مع الشريف والدَّنِيِّ، والأبِ والابنِ، والخليفةِ
والرَّعيَّة.
* (ولا يُسَارُّ أحدَهما، ولا يشيرُ إليه، ولا يُلقِّنُه حُجَّةً)، ولا
يضحكُ في وجهه؛ احترازاً عن التهمة، ولا يمازحُهم، ولا واحداً
منهم؛ لأنه يَذهب بمهابة القضاء.
[ما يفعله القاضي بعد ثبوت الحق : ]
(فإذا) تمَّت الدعوى، و(ثبت الحقُّ عنده) على أحدهما،
(وطَلَبَ صاحبُ الحقِّ حَبْسَ غريمه: لم يَعْجَل) القاضي (بحَيْسِهِ، و)
و
لكن (أَمَرَه بدَفْع ما) ثَبَتَ (عليه)؛ لأن الحبس جزاءَ المماطلة، فلا بدَّ
من ظهورها، وهذا إذا ثبت الحق بإقراره؛ لأنه لم يُعْرَف كونُه
مماطلاً.

١٧٨
كتاب أدب القاضي
فإن امتنع : حَبَسَه في كلِّ دَيْنٍ لزمه بدلاً عن مالٍ حصل في يده،
كثمن المبيع، وبدل القرض، أو التزمه بعقد، كالمهر، والكفالة.
ولا يَحبسُهُ فيما سوى ذلك إذا قال : إنِّي فقير، إلا أن يُثبت غريمُهُ
أن له مالاً، فَيَحبسُه شهرين، .
بخلاف ما إذا ثبت بالبيِّنة، فإنه يَحبسُه كما (١) ثبت؛ لظهور
المَطْل بإنكاره، كما في ((الهداية)).
قال في ((البحر)): وهو المذهب عندنا. اهـ
* (فإن امتنع) عن دَفْعه: (حَبَسَه) - وإن تعلَّل بفقره - إلى ظهور
عُسْرِه، وذلك (في كلِّ دينٍ لزمه بدلاً عن مالٍ حصل في يده، كثمن
المبيع، وبدل القرض)، وبدلِ مستأجَرٍ؛ لأنه إذا حصل المالُ في
يده: ثبت غِنَاه به، (أو التزمه بعقدٍ، كالمهر، والكفالة)؛ لأن إقدامَه
على التزامه باختياره: دليلُ يَسَاره؛ لأنه لا يلتزم إلا ما يَقْدِر على
أدائه.
* (ولا يحبسُه فيما سوى ذلك)، كبدل خلع(٢)، ومغصوبٍ،
ومُتْلَف، ونحو ذلك، (إذا قال إنِّي فقيرٌ)؛ إذ الأصل العسرة، (إلا أن
يُثبت غريمُه أن له مالاً، فَيَحبسُهُ) حينئذٍ؛ لظهور المَطْل، (شهرین،
(١) لفظ: ((كما»: للمبادرة، أي عند ثبوت الحق.
(٢) كما لو كان المدَّعى عليه امرأةً في مسألة خلع.

١٧٩
كتاب أدب القاضي
أو ثلاثةً، ثم يسألُ عنه، فإن لم يَظهر له مالٌ : خلَّى سبيلَه.
أو ثلاثةً)، أو أكثر أو أقل، بحَسَب ما يرى، بحيث يَغلب على ظنّه أنه
لو كان له مالٌ لأظهره.
قال في ((الهداية)): والصحيحُ أن التقدير مفوَّضٌ إلى رأي
القاضي؛ لاختلاف أحوال الأشخاص فيه، ومثلُه في ((شرح
الزاهدي))، والإسبيجابي، و((فتاوى قاضيخان))، كما في ((التصحيح)).
* (ثم يسألُ عنه) جيرانَه وأقاربَه، ومَن له خبرةٌ به، (فإن لم يظهر
له مالٌ: خلَّى سبيله)؛ لأنه استَحقَّ النَّظرة إلى المَيْسرة، فيكون حَبْسُه
بعد ذلك ظلماً.
* وفي قوله: ((ثم يسأل عنه)): إشارةٌ إلى أنه لا تُقبل بيِّنَةُ الإفلاس
قَبْل الحبس.
قال جمال الإسلام: وهذا قولُ الإمام، وهو المختار.
وقال قاضيخان: إذا أقام البيِّنَةَ على الإفلاس قَبْل الحبس: فيه
روايتان :
قال ابنُ الفضل: والصحيح أنها تُقْبَل، وينبغي أن يكون ذلك
مفوَّضاً إلى رأي القاضي: إن عَلِمَ أنه وَقِحٌ: لا يقبل بيِّنَتَه قَبْل الحبس،
وإن عَلِم أنه لَيِّنٌ: قَبِلَ بِّنْتَه. كذا في ((التصحيح)).
* وفي ((النهر)) عن ((الخانية)): ولو فَقْرُه ظاهرٌ: سأل عنه عاجلاً،
وقَبِلَ بینته على إفلاسه، وخلّی سبیله. اهـ

١٨٠
كتاب أدب القاضي
ولا يَحُولُ بينه وبين غرمائه.
ويُحبَسُ الرجلُ في نفقة زوجته.
ولا يُحَبَسُ والدٌ في دَيْن ولده، إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه.
و
ويجوز قضاء المرأة في كلّ شيء، إلا في الحدود
.
[ملازمة المَدِين : ]
* (ولا يَحُول بينه وبين غرمائه) بعد خروجه من الحبس، فإذا
دخل داره لا يتبعونه، بل ينتظرونه حتى يخرج.
* فإن كان الدَّيْن لرجل على امرأةٍ: لا يلازمها، ولكن يبعث امرأةً
أمينةَ تلازمها.
[حبس الرجل في نفقة زوجته : ]
* (ويُحبس الرجلُ في نفقة زوجته)؛ لظلمه بامتناعه.
و
* (ولا يُحَبَس والدٌّ في دَيْن ولده)؛ لأنه نوعُ عقوبة، فلا يستحقه
الولدُ على والده.
(إلا إذا امتنع) والدُه (من الإنفاق عليه)؛ دفعاً لهلاكه،
واحترازاً عن سقوطها، فإنها تسقط بمضيِّ الزمان.
[قضاء المرأة : ]
* (ويجوز قضاء المرأة في كلّ شيءٍ، إلا في الحدود،