النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب الدَّعوى والبَيِّنات
إلا أن يرضى البائعُ أن يترك حِصَّةَ الهالك.
وقال أبو يوسف : يتحالفان، ويُفْسَخُ البيعُ في الحيِّ، وقيمةِ
الهالك، وهو قول محمد .
(إلا أن يرضىُ البائعُ أن يترك حِصَّةَ الهالك) أصلاً؛ لأنه حينئذ
يكون الثمن كلّه بمقابلة القائم، ويَخْرُجُ الهالكُ عن العقد؛
فيتحالفان.
(وقال أبو يوسف: يتحالفان، ويُفسَخ البيع في الحيِّ، وقيمةِ
الهالك)؛ لأن امتناع التحالف للهلاك، فيتقدَّر بقَدْره، (وهو قول
محمد).
قال الإسبيجابي: هكذا ذَكَر هنا (١)، وذَكَرَ في ((الجامع الصغير)):
أن القولَ قولُ المشتري في حصّة الهالك، ويتحالفان على الباقي عند
أبي يوسف.
وعند محمد: يتحالفان عليهما؛ ويَرُدُّ القائمَ، وقيمةَ
الهالك.
والصحيحُ قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبي، والنسفي،
وغيرهما. ((تصحیح)).
(١) أي القدوري في مختصره.

١٠٢
كتاب الدَّعوى والبَيِّنات
وإذا اختلف الزوجان في المهر، فادَّعى الزوجُ أنه تزوَّجها بألف،
وقالت : تزوَّجني بألفَيْن: فأيُّهما أقام البِّنَةَ: قُبِلت بِّتُه.
وإن أقاما البِّنَةَ : فالبِّنةُ بيِّنةُ المرأة.
وإن لم تكن لهما بيِّنةً : تحالفا عند أبي حنيفة، ولم يُفسخ النكاح،
[اختلاف الزوجين في المهر: ]
* (وإذا اختلف الزوجان في) قَدْر (المهر)، أو في جنسه،
(فادَّعىُ الزوجُ أنه تزوَّجها بألفٍ، وقالت) المرأة: (تزوَّجني بألفَيْن)،
أو مائة مثقال: (فأيُّهما أقام البيِّنَةَ: قُبلت بيِّنته)؛ لأنه نَوَّرَ دعواه
بالحجّة.
* (وإن أقاما البيِّنَةَ: فالبيِّنةُ بَيِّنةُ المرأة)؛ لأنها تُثبت
الزيادة.
قال في ((الهداية)): معناه: إذا كان مهر مثلها أقلّ ممَّا ادَّعته. اهـ
* أما إذا كان مهر مثلها مثلَ ما ادَّعته، أو أكثرَ: كانت بيِّنةُ الزوج
أَوْلِىُ؛ لأنها تُثبت الحطَّ، وبيِّتُها لا تُثبت شيئاً؛ لأن ما ادَّعته ثابتٌ لها
بشهادة المثل، كما في ((الكفاية)).
* (وإن لم تكن لهما بيِّنَةُ: تحالفا عند أبي حنيفة، ولمٍ يُفْسَخ
النكاح)؛ لأن أثر التحالف في انعدام التسمية، وهو لا يُخِلّ بصحة
النكاح؛ لأن المهر تابعٌ فيه، بخلاف البيع؛ لأن عدم التسمية يُفسده،

١٠٣
کتاب الدَّعوی والبِّنات
ولکن يُحْگم بمهر المثل.
فإن كان مثلَ ما اعترف به الزوجُ، أو أقلَّ : قُضِيَ بما قال الزوجُ.
وإن كان مِثْلَ ما ادَّعته المرأةُ، أو أكثرَ : قُضِيَ بما اذَّعتِ المرأة.
وإن كان مهرُ المثل أكثرَ مما اعترف به الزوجُ، وأقلَّ مما ادَّعته
المرأة : قُضيَ لها بمهر المثل .
على ما مرَّ، فيُفسَخ(١).
: (ولكن) حيث انعدمت التسمية(٢): (يُحْكَم بمهر المثل، فإن
كان) مهرُ مثلها (مثلَ ما اعترف به الزوج، أو أقلّ: قُضي بما قال
الزوجُ)؛ لأن الظاهر شاهدٌ له.
* (وإن كان مِثْلَ ما ادَّعته المرأةُ، أو أكثرَ: قُضِيَ بما اذَّعتِ
المرأة)؛ لأن الظاهر شاهدٌ لها.
* (وإن كان مهرُ المثل) بينهما، بأن كان (أكثرَ مما اعترف به
الزوجُ، وأقلَّ مما ادَّعته المرأة: قُضيَ لها بمهر المثل)؛ لأنهما لمَّا
تحالَفَا: لم تثبت الزيادة على مهر المثل، ولا الحطُّ عنه.
(١) أي البيع حال عدم التسمية.
(٢) أي في النكاح.

١٠٤
كتاب الدَّعوى والبَیِّنات
وإذا اختلفا في الإجارة قبل استيفاء المعقود عليه: تحالفا،
وترادًا.
وإن اختلفا بعد الاستيفاء: لم يتحالفا، وكان القولُ قولَ
المستأجر .
[الاختلاف في الإجارة : ]
* (وإذا اختلفا في الإجارة) في البدل(١)، أو المبدَل(٢) (قبل
استيفاء المعقود عليه: تحالفا، وترادًّا)؛ لأنه عَقْدُ معاوضةِ قابلٌ
للفسخ، فكان بمنزلة البيع.
* وبدأ بيمين المستأجر: لو اختلفا في البدل، والمؤْجِر: لو في
المدَّة.
* وإن بَرْهَنَا: فالبَيِّنة للمؤْجِر في البدل، وللمستأجر في المدَّة،
كما في ((الدر)).
* (وإن اختلفا بعد الاستيفاء) لجميع المعقود عليه: (لم يتحالفا،
وكان القولُ قولَ المستأجر).
قال في ((الهداية)): وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ظاهرٌ؛
(١) أي الأجرة.
(٢) أي المكان، أو المنافع.

١٠٥
كتاب الدَّعوى والبَيِّنات
وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المعقود عليه: تحالفا، وفُسِخَ
العقدُ فيما بقي، وكان القولُ في الماضي قولَ المستأجر.
لأن هلاك المعقود عليه: يمنع التحالفَ عندهما، وكذا على أصل
محمد؛ لأن الهلاك إنما لا يمنع التحالف عنده في المبيع (١)، لمَا أن
له(٢) قيمة تقوم مقامَه، فيتحالفان عليها.
ولو جرى التحالفُ ههنا، وفُسخ العقد: فلا قيمة؛ لأن المنافع لا
تتقوَّم بنفسها، بل بالعقد، وتَبَيَّن حينئذٍ أنه لا عقدَ، وإذا امتنع
التحالفُ: فالقولُ للمستأجر مع يمينه؛ لأنه هو المستَحَقُّ عليه. اهـ
* (وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المعقود عليه: تحالفا، وفُسخَ
العقد فيما بقيَ) اتفاقاً؛ لأن العقد ينعقد ساعةً فساعة؛ فيصير في
كل جزء من المنفعة، كأنه ابتدأ العقدُ عليها، بخلاف البيع؛ لأن
العقد فيه دفعةٌ واحدة، فإذا تعذّر في البعض: تعذّر في الكل.
((هدايةٌ)).
(وكان القولُ في الماضي قولَ المستأجر)؛ لأنه مُنْكِرٌ.
(١) في نسخ اللباب كلها: ((البيع))، وقد أثبتُّ ما في الهداية ١٦٦/٣، وطبعة
(الهداية مع شروحها ٢١٨/٧)، والنقل عنها، ويقتضيه المعنى.
(٢) أي للمبيع. نتائج الأفكار ٢١٨/٧.

١٠٦
كتاب الدَّعوى والبِّنات
وإذا اختلف المولى والمكاتَبُ في مال الكتابة : لم يتحالفا عند
أبي حنيفة، وقالا : يتحالفان، وتُفْسَخُ الكتابةُ .
وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت : فما يَصلُحُ للرجال : فهو
للرَّجل، وما يَصلُحُ للنساء : فهو للمرأة، .
.
[الاختلاف بين المولى والعبد في الكتابة : ]
* (وإذا اختلف المولىُ والمكاتَبُ في) قَدْر (مال الكتابة: لم
يتحالفا عند أبي حنيفة)؛ لأن التحالف وَرَدَ في البيع على خلاف
القياس، والكتابةَ ليست في معنى البيع؛ لأنه ليس بلازمٍ في جانب
المکاتب.
(وقالا: يتحالفان، وتُفسَخ الكتابة)؛ لأنه عقد معاوضةٍ يَقبل
الفسخَ، فأشبه البيعَ معنىً.
قال في ((التصحيح)»: وقولُه هو المعوَّل عليه عند النسفي، وهو
أصحُّس الأقاويل والاختيارات عند المحبوبي.
[اختلاف الزوجين في متاع البيت : ]
* (وإذا اختلف الزوجان في متاع البیت)، وهو ما یکون فيه، ولو
ذهباً، أو فضةً: (فما يَصلح للرجال) فقط، كالعِمامة، والقَلَنْسُوَة:
(فهو للرَّجل، وما يَصلح للنساء) فقط، كالخِمَار، والمِلْحَفة: (فهو
للمرأة) ؛ بشهادة الظاهر.

١٠٧
كتاب الدَّعوى والبَيِّنات
وما يَصلُحُ لهما: فهو للرَّجل.
فإن مات أحدُهما، واختلف ورثتُه مع الآخر: فما يَصْلُح للرجال
والنساء : فهو للباقي منهما .
وقال أبو يوسف : يُدفعُ إلى المرأة
٠
إلا إذا كان كلَّ منهما يَفْعل، أو يبيعُ ما يَصلُح للآخر(١): فإنه
بمنزلة الصالح لهما؛ لتعارض الظاهرَيْن.
* (وما يَصلُح لهما) كالآنية، والنقود: (فهو للرَّجل)؛ لأن المرأة
وما في يدها: في يد الزوج، والقول في الدعاوى لصاحب اليد،
بخلاف ما يختصُّ بها؛ لأنه یعارضه ظاهرٌ أقوى منه.
* ولا فَرْق بينهما إذا كان الاختلاف في حال قيام النكاح، أو بعد
ما وقعت الفُرقة. ((هدایة)).
(فإن مات أحدُهما، واختلف ورثتُه): أي ورثةُ أحد الزوجين
الميِّت (مع) الزوج (الآخر) الحيِّ: (فما يَصْلُح للرجال والنساء: فهو
للباقي): أي الحيِّ (منهما)، سواء كان الرجلَ، أو المرأةً؛ لأن اليدَ
للحيِّ، دون الميِّت، وهذا قول أبي حنيفة.
(وقال أبو يوسف: يُدفع إلى المرأة)، سواء كانت حيَّةً، أو ميِّنة
(١) كأن كانت تخيط ما يصلح للرجل.

١٠٨
كتاب الدَّعوى والبِّنات
ما يُجهّزُ به مثلُها، والباقي للزوج.
وإذا باع الرجلُ جاريةً، فجاءت بولدٍ، فادَّعاه البائعُ: فإن جاءت
به لأقلّ من ستة أشهرٍ من يوم البيع : فهو ابنُ البائع، .
.
(ما): أي مقدارٌ (يُجهَّزُ به مثلُها، والباقي) بعده يكون (للزوج)، مع
يمينه؛ لأن الظاهر أن المرأة تأتي بالجَهَاز، وهذا أقوى، فيَبْطُل به
ظاهرُ يدِ الزوج، ثم في الباقي لا معارضَ لظاهره: فيُعتبر.
* والطلاق، والموت سواءً؛ لقيام الورثة مقامَ مورِّثهم.
وقال محمد: ما كان للرجال: فهو للرجل، وما كان للنساء: فهو
للمرأة، وما يكون لهما: فهو للرجل، أو لورثته.
* والطلاق، والموت سواءً(١).
قال الإسبيجابي: والقولُ الصحيح قولُ أبي حنيفة، واعتمده
النَّسفيُّ، والمحبوبيُّ، وغيرُهما. ((تصحيح)).
[دعوىُ النَّسب: ]
* (وإذا باع الرجلُ جاريةً، فجاءت بولدٍ، فَادَّعاه البائعُ:
فإن جاءت به لأقلّ من ستة أشهر من يوم البيع: فهو ابنُ البائع،
(١) هذه العبارة: ((والطلاق والموت سواء)): جاءت هكذا في كلام أبي يوسف،
وكلام محمد، وكذلك في الهداية ١٦٧/٣، وينظر البناية ١٩٢/١٢ (ط باكستان).

١٠٩
كتاب الدَّعوى والبِّنات
وأمُّه أمُّ ولدٍ له، فيُفْسِخُ البيعُ فيه، ويَرُدُّ الثمنَ.
وإن ادَّعاه المشتري مع دعوى البائع، أو بعدها : فدعوى البائع
أُوْلى.
وإن جاءت به لأكثر من ستة أشھر : لم
وأمُّه أمُّ ولد له)؛ استحساناً؛ لأن اتصالَ العلوق في ملْكه: شهادةٌ
ظاهرةٌ على كونه منه، ومَبْنى النَّسب على الخَفَاء، فيُعفى فيه التناقض.
وإذا صحَّت الدَّعوى، فاستندت إلى وقت العُلوق: تبيَّن أنه باع أمَّ
ولده، (فُيُفْسخ البيعُ فيه)؛ لأَن بيعَ أمّ الولد لا يجوز، (وَيَرُدُّ) البائعُ
(الثمنَ) الذي قَبَضَه؛ لأنه قَبَضَه بغير حقٍّ.
* (وإن ادَّعاه المشتري) أيضاً، سواء كانت دَعواه (مع دعوى(١)
البائع، أو بعدها: فدعوى البائع أَوْلى)؛ لأنها تستند إلى وقت
العلوق، فكانت أسبق.
قال القُهُستاني: وفيه إشعارٌ بأنه لو ادَّعاه المشتري قبل دعوى
البائع: ثبت نسبُه منه، وحُمِل على النكاح. اهـ
* (وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر)، ولدُوْن الحولين: (لم
(١) وفي نسخ أخرى من القدوري: ((دِعوة))، وكلاهما صحيح، فيقال في ادِّعاء
النسب هذا وهذا، ينظر المصباح المنير (دعا).

١١٠
كتاب الدَّعوى والبَيِّنات
تُقبل دعوى البائع فيه، إلا أن يُصدِّقه المشتري.
وإن مات الولدُ، فادَّعاه البائعُ، وقد جاءت به لأقلَّ من سنَّة
أشهر : لم يثبت الاستيلادُ في الأم.
وإن ماتت الأمُّ، فادَّعاه البائعُ، وقد .
تُقبل دعوى البائع فيه)؛ لاحتمال حدوثه بعد البيع، (إلا أن يُصدِّقه
المشتري)، فيثبت النسبُ، ويبطل البيع، والولدُ حُرُّ، والأمُّ أمُّ ولد
له، كما في المسألة الأولى؛ لتصادقهما، واحتمال العلوق في الملك.
((هداية)).
* وفي القهستاني: وفيه إشارةٌ إلى أنه لو ادَّعياه: اعتُبرت دعوى
المشتري؛ لقيام الملك المحتمل للعلوق، كما في ((الاختيار)). اهـ
* وإن جاءت به لأكثر من سنتين: لم تصحَّ دعوى البائع، إلا إذا
صدَّقه المشتري، فيثبت النسبُ، ويُحمل على الاستيلاد بالنكاح، ولا
يبطل البيعُ، وتمامُه في ((الهداية))
* (وإن مات الولدُ، فادَّعاه البائعُ، وقد) كانت (جاءت به لأقلّ
من ستّة أشهر) من وقت البيع: (لم يثبت الاستيلاد في الأم)؛ لأنها
تابعةٌ للولد، ولم يثبت نسبُه بعد الموت؛ لعدم حاجته إلى ذلك، فلا
يتبعه استیلاد الأم.
* (وإن ماتت الأمُّ) وبقي الولد، (فادَّعاه البائع، وقد) كانت

١١١
كتاب الذَّعوى والبِّنات
جاءت به لأقلَّ من ستّة أشهر: يثبت النسبُ منه في الولد، وأَخَذَه
البائعُ، ويَرُدُّ الثمنَ كلَّه في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد : يَرُدُّ حِصَّةَ الولد، ولا يَرُدُّ حِصَّةَ الأم.
ومَن ادَّعى نسبَ أحدِ التوأمَيْن : ثَبَتَ نسبُهما منه.
(جاءت به لأقلّ من ستة أشهر) مُذ بِيعت: (يثبت النسبُ منه في
الولد، وأَخَذَه البائعُ)؛ لأن الولد هو الأصل في النَّسب، فلا يضرُّه
فواتُ التَّبَعِ.
: (ويَرُدُّ الثمنَ كلَّه في قول أبي حنيفة)؛ لأنه تبيَّن أنه باع أمَّ
ولده، وماليَّتُها غيرُ متقوِّمة عنده في العقد، والغَصْب؛ فلا يَضمنها
المشتري.
(وقال أبو يوسف ومحمد: يَرُدُّ حصَّةَ الولد، ولا يَرُدُّ حصَّةً
الأم)، بأن يُقْسَم الثمنُ على الأم، وقيمةِ الولد، فما أصاب الولدَ:
ردَّ البائعُ، وما أصاب الأمَّ: سَقَط عنه؛ لأن الثمن كان مقابلاً بهما،
وماليَّتُها متقوِّمة عندهما، فَيَضْمنُها المشتري.
قال في ((التصحيح)): وعلى قول الإمام مشى الأئمّة، كالنسفيِّ،
والمحبوبيِّ، والموصليِّ، وصدرِ الشريعة.
* (ومَن ادَّعى نسبَ أحد التَّوْءَمَيْن)، وهما ولدان بَيْن ولادتهما أقلّ
من ستّة أشهر: (ثبت نسبُهما منه)؛ لأنهما من ماءٍ واحدٍ، فمِن

١١٢
کتاب الدَّعوی والبِّنات
ضرورة ثبوت نسب أحدهما: ثبوتُ نسب الآخر؛ إذ لا يُتصوَّر علوقُ
الثاني حادِثاً؛ لأنه لا حَبَلَ لأقلَّ من ستة أشهر. ((هداية))(١).
(١) ١٧٧/٣.

١١٣
کتاب الشهادات
کتاب الشهادات
الشهادةُ فرضٌ يلزمُ الشهودَ أداؤها، ولا يَسعهم كِتمانُها ....
كتاب الشهادات
* لا تخفى مناسبةُ الشهادة للدعوى، وتأخيرُها عنها.
* (الشهادةُ) لغةً: خَبَرٌ قاطعٌ، وشرعاً: إخبارُ صِدْقٍ لإثبات حقٍّ،
كما في ((الفتح)).
* وشَرْطها: العقلُ الكامل، والضبطُ، والولايةُ.
ورُكْنها: لفظُ: أَشْهَدُ.
* وحُكمُها: وجوبُ الحكم على القاضي بموجَبِها إذا استوفتْ
شرائطَها.
[حكم أداء الشهادة : ]
* وأداؤها (فرضٌ) على مَنْ عَلِمَها، بحيث (يلزم الشهودَ أداؤها،
ولا يسعُهم كِتمانُها)، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَادُعُواْ﴾(١)،
(١) البقرة/ ٢٨٢.

١١٤
کتاب الشهادات
إذا طالَبَهُمُ المدَّعي.
وقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ
قَلْبُهُ﴾(١).
وهذا(٢) (إذا طالبهم المدَّعي) بها؛ لأنها حقّه، فتتوقّف على طلبه
كسائر الحقوق.
* إلا إذا لم يَعلم بها ذو الحقِّ، وخافَ فَوْتَه(٣): لَزِمَه أن يشهد بلا
طلبٍ، كما في ((الفتح)).
** ويجب الأداء بلا طلبٍ لو الشهادة في حقوق الله تعالى، وهي
كثيرةٌ، عَدَّ منها في ((الأشباه))(٤) أربعةَ عشر.
قال(٥): ومتى أخَّر شاهدُ الحِسبة شهادتَه بلا عذرٍ: فُسِّق، فتُرَدُّ
شهادته. اهـ
(١) البقرة / ٢٨٣.
(٢) أي الحكم بفرضيَّة أداء الشهادة.
(٣) أي فَوْت الحقِّ.
(٤) كهلال رمضان، والنَّسَب، والشهادة على أصل الوقف. ينظر الأشباه
والنظائر، لابن نجیم ص٢٤٢.
(٥) أي ابن نجيم في الأشباه والنظائر ص ٢٤٢.

١١٥
کتاب الشهادات
والشهادةُ في الحدود يُخيَّر فيها الشاهدُ بين السَّتْر والإظهار،
والسَّتْرُ أفضلُ،
[الشهادة في الحدود : ]
وهذا كلَّه في غير الحدود، (و) أما (الشهادة في الحدود)، فإنه
(يُخيَّر فيها الشاهدُ بين السَّتْر، والإظهار)؛ لأنه بين حسبتَيْن: إقامةٍ
الحدِّ، والتوقِّي عن الهَتْك، (و) لكنَّ (السَّتْرَ أفضلُ)؛ لقوله صلى الله
عليه وسلم للذي شَهِد عنده: (لو سَتَرتَه بثوبك، لكان خيراً لك))(١).
ءُ
وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ سَتَرَ على مسلمٍ: سَتَرَ الله تعالى
عليه في الدنيا والآخرة))(٢).
وفيما نُقِل من تلقين الدَّرْء عن النبي(٣) صلى الله عليه وسلم،
(١) قال الزيلعي في نصب الراية ٧٤/٤: الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم
هذا القول، لم يشهد عنده بشيء، ولكنَّه حَمَل ماعز بن مالك الأسلمي على أن
اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنى، وهو هزَّال الأسلمي، كما رواه أبو
داود في السنن ٧٣/٥ (٤٣٧٧) (ط دار القبلة)، والحاكم في المستدرك ٣٦٣/٤،
وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وغيرهما.
(٢) صحيح مسلم ٢٠٧٤/٤ (٢٦٩٩)، وفي صحيح البخاري ٩٧/٥ (٢٤٤٢)
بلفظ: (( ... ستره الله يوم القيامة)).
(٣) وهو قوله صلى الله عليه وسلم لماعز بن مالك حين جاء معترفاً: ((لعلَّك
قَبَّلتَ، أو غمزتَ، أو نظرتَ؟))، كما في صحيح البخاري ١٣٥/١٢ (٦٨٢٤)،
وتقدَّم في الحدود.

١١٦
كتاب الشهادات
إلا أنه يجب أن يَشهدَ بالمال في السرقة، فيقولُ: أَخَذَ، ولا يقولُ :
سَرَقَ.
والشهادةُ على مراتبَ، منها : الشهادةُ في الزنى، يُعتبر فيها أربعةٌ
من الرجال، .
وأصحابِه(١) رضي الله عنهم، دلالةٌ ظاهرة على أفضلية السَّتْر.
((هداية)).
* (إلا أنه يجب) عليه (أن يَشهد بالمال في السرقة، فيقولُ: أَخَذَ)
المالَ؛ إحياءً لحقِّ المسروق منه، (ولا يقولُ: سَرَقَ)؛ صَوْناً ليد
السارق عن القطع، فيكون جَمْعاً بين السَّتْر، والإظهار.
[مراتب الشهادة : ]
* (والشهادة على) أربع (مراتب):
[١- الشهادة في الزنى : ]
** الأُولى (منها: الشهادةُ في الزنىُ: يُعتبر فيها أربعةٌ من الرجال)؛
لقوله تعالى: ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ
(١) مما وَرد من تلقين الصحابة رضي الله عنهم، ما روي عن أبي بكر،
وعمر، وعلي، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، ينظر لهذه الآثار: نصب الراية
٤ / ٧٧.

١١٧
كتاب الشهادات
ولا تُقْبَل فيها شهادةُ النساء.
أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾(١)، ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّلَمْيَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ﴾(٢).
٠
* (ولا تُقْبَل فيها شهادة النساء)؛ لحديث الزهري:
((مَضَتِ السُّنَّةُ من ◌َدُنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
والخليفتَيْن من بعده: أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص))(٣).
((هداية)).
(١) النساء / ١٥.
(٢) النور / ٤.
(٣) عزاه الزيلعي في نصب الراية ٧٩/٤ لمصنف ابن أبي شيبة ٥١١/١٤
(٢٩٣٠٧)، ((عن حفص عن حجاج عن الزهري))، ففي سنده: حجاج بن أرطاة،
وهو مشهور بأنه ضعيف في الحديث، لكثرة خطئه، ولتدليسه، ينظر الكاشف للذهبي
٣١١/١ (٩٢٨).
والحديث أيضاً من مراسيل الزهري، ومراسيله مشهورة بالضعف عند
المحدِّثين، أما فقهاء الحنفية، فهم أوسع في قبولها، كما بَسَطَ هذا صاحب إعلاء
السنن ١٦٦/١٥، وفيه نَقَل أيضاً الإجماعَ عن ابن المنذر في عدم قبول شهادة النساء
في الحدود والقصاص، وينظر: الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطَّان ١٥١٥/٣
(٢٩١٥)، والبناية ١٢٥/٨.
وأيضاً فإنَّ الآية الكريمة تنصُّ على أنهم: ﴿منكم): أي من الرجال، وينظر:
مقدِّمة إعلاء السنن (قواعد في علوم الحديث) ص ١٥٦، بتحقيق الشيخ عبد الفتّاح
أبو غدَّة رحمه الله تعالى.

١١٨
كتاب الشهادات
ومنها : الشهادةُ ببقيّة الحدود والقصاص، تُقبل فيها شهادةً
رجلَيْن، ولا تُقبلُ فيها شهادةُ النساء.
وما سوى ذلك من الحقوق : تُقبل فيها شهادةُ رجلَيْن، أو رجلٍ
وامرأتين، سواء كان الحقُّ مالاً، أو غيرَ مال، مثلُ النكاح، والطلاقِ،
والوكالةِ، والوصيةِ .
[٢- الشهادة في الحدود والقصاص : ]
* (و) الثانية (منها: الشهادة ببقيّة الحدود والقصاص: تُقبل فيها
شهادة رجلين)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُ واْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾(١).
* (ولا تُقبل فيها) أيضاً (شهادةُ النساء)؛ لما مرَّ.
[٣- الشهادة على الحقوق الماليّة وغيرها كالنكاح: ]
* (و) الثالثة منها: (ما سوى ذلك) المذكور (من) بقيَّة (الحقوق:
تُقبل فيها شهادةُ رجلَيْن، أو رجلٍ وامرأتين، سواءً كان الحقُّ)
المشهودُ به (مالاً، أو غيرَ مال).
وذلك (مثلُ النكاح والطلاقِ والوكالةِ والوصيةِ)؛ لأن الأصل
فيها القبول؛ لوجود ما تُبتنى عليه أهليَّةُ الشهادة، وهو: المشاهدة،
(١) البقرة / ٢٨٢.

١١٩
كتاب الشهادات
وتُقبل في الولادة، والبكارة، والعيوبِ بالنساء
.
والضبط، والأداء، إذ بالأول(١): يحصل العلم للشاهد، وبالثاني (٢):
يبقى، وبالثالث(٣): يحصل العلم للقاضي، ولهذا يُقبل إخبارها في
الأخبار(٤)، ونقصانُ الضبط بزيادة النسيان انجبر بضمِّ الأخرى إليها،
فلم يَبْقَ بعد ذلك إلا الشُّبْهة (٥)؛ فلهذا لا تُقبل فيما يندرئ
بالشبهات، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات.
* وعدمُ قبول الأربع: على خلاف القياس، كي لا يكثُرَ
خروجُهنَّ. ((هداية)).
[٤- الشهادة على ما لا يطلع عليه الرجال :]
* والرابعة: الشهادةُ على ما لا يطَّلع عليه الرجال، كما عبّر عنه
بقوله: (وتُقبل في الولادة، والبَكَارة، والعيوبِ) التي (بالنساء) إذا
(١) أي المشاهدة.
(٢) أي الضبط.
(٣) أي الأداء.
(٤) كرواية الحديث والآثار. البناية ١٢٨/٨.
(٥) أي شبهة البدليَّة: أي لقيامها مقام شهادة الرجال، كما في الهداية (مع فتح
القدير) ٦/ ٤٥١. قال في العناية ٤٥١/٦: ((وإنما قال: شبهة البدلية، لأن حقيقتها إنما
تكون فيما امتنع العمل بالبدل مع إمكان الأصل، وليس شهادتين كذلك، فإنها جائزة
مع إمكان العمل بشهادة الرجلين)) اهـ، وينظر البناية ١٢٩/٨.

١٢٠
كتاب الشهادات
في موضعٍ لا يطَّلعُ عليه الرجالُ شهادةُ امرأةٍ واحدة.
كانت (في موضعٍ لا يطّلع عليه الرجال: شهادةُ امرأةٍ واحدة)؛ لقوله
صلى الله عليه وسلم: ((شهادةَ النساء جائزةً فيما لا يستطيع الرجال
النظرَ إليه))(١).
والجمعُ المحلَّى بالألف واللام (٢): يُراد به الجنس، فيتناول
الأقلّ.
ولأنه إنما سقطت الذكورة؛ ليخفَّ النظر؛ لأن نظر الجنس
أخفُّ، فكذا يسقط اعتبار العدد، إلا أن المَثْنى، والثّلاث أحوط؛ لما
فيه من معنى الإلزام، كما في ((الهداية)).
[شهادة النساء على استهلال الصبي:]
* ثم قال(٣): وأما شهادتهنَّ على استهلال الصبيِّ: لا تُقبل عند
(١) قال الزيلعي في نصب الراية ٨٠/٤: غريب. اهـ، لكن تعقّبَه العلامة قاسم
في منية الألمعي ص ٤٠١ بقوله: ((قلت: رواه محمد بن الحسن في الأصل بسنده عن
مجاهد وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فذكره بلفظه)). اهـ، وقد عزاه ابن الهمام في فتح القدير ٤٥٤/٦ للأصل
أيضاً، وقال: هذا مرسلٌ يجب العمل به. اهـ
(٢) أي في لفظ: ((النساء))، الوارد في الحديث السابق، أي وجه الدلالة من
الحديث: أن الجمع المحلى ....
(٣) أي صاحب الهداية ١١٧/٣.