النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كتاب الدَّعوى والبِّنات ولا تُقبل الدعوى حتى يَذكر شيئاً معلوماً في جنسه، وقَدْرِه. فإن كان عَيْناً في يد المدَّعَى عليه: كُلَّف إحضارَها؛ ليُشير إليها بالدعوى. وإن لم تكن حاضرةً : ذَكَرَ قيمتَها . [شروط قبول الدعوى : ] : (ولا تُقبل الدعوى) من المدَّعي، ويَلزمُ بها حضورُ المدَّعى عليه، والمدَّعى به، والجوابُ: (حتى يَذكر) المدَّعي (شيئاً معلوماً في جنسه)، كُبُرٍّ، أو شعيرٍ، أو ذهبٍ، أو فضَّةٍ، (وقَدْرِهِ)، ككذا قفيزاً، أو مثقالاً، أو درهماً؛ لأن فائدة الدعوى: الإلزامُ بواسطة إقامة الحجّة، والإلزامُ في المجهول: لا يتحقَّق. : (فإن كان) المدَّعىُ به (عَيْنَاً في يد المدَّعَى عليه: كُلِّف) المدَّعى عليه (إحضارَها؛ ليشير إليها) المدَّعي (بالدعوى)، والشهودُ بالشهادة، والمدَّعى عليه بالاستحلاف؛ لأن الإعلام بأقصى ما يمكن: شَرْطٌ، وذلك بالإشارة في المنقولات؛ لأن النقل ممكنٌ، والإشارة أبلغ في التعريف. * (وإن لم تكن) العين (حاضرةً)، بأن كانت هالكة، أو في نَقْلها مؤنة: (ذَكَرَ قيمتها)؛ ليصير المدَّعىُ به معلوماً؛ لأن القيمة تُعرِّفها معنىً. ((هدایة)). ٦٢ کتاب الدَّعوى والبِّنات وإن ادَّعى عقاراً: حَدَّه، وَذَكَرَ أنه في يد المدَّعىُّ عليه، وأنه يُطالبُه به. (وإن ادَّعى عقاراً: حَدَّده)؛ لأنه تعذّر التعريفُ بالإشارة؛ التعذُّرِ النَّقْل، فصار إلى التحديد؛ فإن العقار يُعْرَف به. ويَذْكرُ الحدودَ الأربعةَ، وأسماءَ أصحابها، وأنسابَهم، ولا بدَّ من ذِكْرِ الجَدِّ، في الصحيح، إلا أن يكون صاحبُ الحَدِّ مشهوراً، فيُكتفى بذكره؛ لحصول المقصود. وإن ذكر ثلاثةً من الحدود: يُكتفَى بها عندنا، خلافاً لزفر. * بخلاف ما إذا غَلِطَ في الرابع؛ لأنه يَختلف به المدَّعى، ولا کذلك بتر کھا. * وكما يُشترط التحديد في الدعوى: يُشترط في الشهادة. ((هداية)). * (وذَكَرَ أنه في يد المدَّعى عليه)؛ لأنه إنما ينتصب خصماً إذا كان في يده، ولا يكفي تصديقُ المدَّعَى عليه أنه في يده، بل لا تثبت اليد فيه إلا بالبيِّنة، أو عِلْمِ القاضي، هو الصحيح؛ نفياً لتهمة المواضعة، إذ العقار عَسَاه في يدِ غيرهما، بخلاف المنقول؛ لأن اليد فيه مشاهَدة. ((هداية)). (وأنه يُطالبه به)؛ لأن المطالبة حقُّه، فلا بدَّ من طلبه، ٦٣ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات وإن كان حقاً في الذمَّة : ذَكَرَ أنه يطالبه به. فإذا صحَّت الدعوى، سأل القاضي المدَّعى عليه عنها، فإن اعترف : قضی علیه بها . وإن أنكر : سأل المدَّعي البيّنةَ، فإن أحضرها : قضى بها. ولأنه يحتمل أن يكون مرهوناً في يده، أو محبوساً بالثمن في يده، وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال، وعن هذا قالوا في المنقول: يجب أن يقول: في يده بغير حقٍّ. ((هداية)). * (وإن كان) المدَّعى به (حقاً): أي دَيْناً (في الذمَّة: ذَكَرَ أنه يطالبه به)؛ لأن صاحب الذَّمَّة قد حضر، فلم يبق إلا المطالبة. [ما يفعله القاضي بعد صحَّة الدعوى :] * (فإذا صحَّت الدعوى) من المدَّعي: (سأل القاضي المدَّعى عليه عنها)؛ لينكشف له وجهُ الحكم، (فإن اعترف) بدعواه: (قضى عليه بها)؛ لأنه غيرُ متَّهم في حقِّ نفسه. * (وإن أنكر: سأل المدَّعي البَيَّةَ)؛ لإثبات ما ادَّعاه، (فإن أحضرها: قضى بها)؛ لظهور صِدْقها. ٦٤ كتاب الدَّعوى والبِّنات وإن عَجَزَ عن ذلك، وطلب يمينَ خَصْمِه : استَحْلَفَه عليها . فإن قال المدَّعي: لي بيِّنَةٌ حاضرةٌ، وطلبَ اليمينَ: لم يُستحلَف عند أبي حنيفة . * (وإن عَجَزَ عن ذلك، وطلب يمينَ خَصْمه: استَحْلَفَهُ(١)) القاضي (عليها) (٢)، ولا بدَّ من طلبه؛ لأن اليمين حقُّه. وأجمعوا على التحليف(٣) بلا طلبٍ في دعوىُ الدَّيْن على الميِّت، كما في ((الدر))، وغيره. [طلب المدَّعي اليمين : ] * (فإن قال المدَّعي: لي بيِّنة حاضرةً) يعني في المصر، (وطلبَ اليمينَ: لم يُستحلَف عند أبي حنيفة). وقال أبو يوسف: يُستحلَف؛ لأن اليمين حقّه، فإذا طالبه به: يُجيبُه. (١) هكذا: (استحلفه)): في نسخة القدوري مع خلاصة الدلائل ص ٢٧٤، وكذلك في بداية المبتدي، مع الهداية ١٥٦/٣، وأما نسخ القدوري التي هي عندي ففيها: (استحلف))، بدون هاء الضمير، ومع وجودها يتم المعنى. (٢) أي على الدعوى. (٣) أي من الورثة. ٦٥ کتاب الدَّعوی والبِّنات ولا تُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي. ولأبي حنيفة: أن ثبوت الحقِّ في اليمين مرتَّبٌ على العَجْز عن إقامة البيِّنة، فلا يكون حقّه دونه، كما إذا كانت البيِّنة حاضرةً في المجلس. ومحمدٌ مع أبي يوسف فيما ذَكَرَ الخصَّافُ، ومع أبي حنيفة فيما ذكر الطحاويُّ، كما في ((الهداية))(١). وفي ((التصحيح)): قال جمالُ الإسلام: الصحيحُ قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبيُّ، والنسفي، وغيرهما. اهـ. * قيّد بحضورها؛ لأنها لو كانت غائبةً: حُلِّف اتّفاقاً. * وقَدَّر الغَيْبةَ في ((المجتبى)) بمسيرة السفر. [عدمُ ردِّ اليمين على المدَّعي، وعدم قبول الشاهد مع اليمين :] * (ولا تُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي)؛ لحديث: ((البيِّنَةُ على المدَّعي، واليمينُ على مَن أنكر))(٢). (١) وينظر البناية ٤٠٤/٨، ففيه كلام طويل عن قول محمد رحمه الله. (٢) أصل هذا الحديث في صحيح البخاري ٢١٣/٨ (٤٥٥١)، وصحيح مسلم ١٣٣٦/٣ (١٧١١) بلفظ: («لو يُعطىُ الناس بدعواهم؛ لادَّعىُ ناسٌ دماءَ رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه))، وفي لفظٍ للبخاري ١٤٥/٥ (٢٥١٥): ((شاهداك أو يمينه)). = ٦٦ کتاب الدَّعوى والبِّنات ولا تُقبل بيِّنةُ صاحب اليد في الملك المطلَق. وحديث: ((الشاهد واليمين))(١): ضعيفٌ، بل ردَّه ابنُ مَعِين، بل أنكره الراوي، كما في ((الدر))، عن العيني (٢). * (ولا تُقبل بيَّةُ صاحب اليد في الملك المطلَق(٣))؛ لأنها لا تُفيد أكثر مما تفيده اليد، فلو أقام الخارج(٤) البيِّنَةَ: كانت بينتُه أَوْلِىُ؛ لأنها أكثرُ إثباتاً، لأنها تُظْهر الملكَ له، بخلاف ذي اليد، فإن ظاهرَ الملك ثابتٌ له باليد؛ فلم تُثبت له شيئاً زائداً. وأما باللفظ الذي ذكره الشارح، فهو في سنن البيهقي ١٢٣/٨، ٢٥٢/١٠، سنن الدارقطني ١١٠/٣، وينظر: نصب الراية ٩٦/٤، التلخيص الحبير ٣٩/٤، ٢٠٨، وبهذا اللفظ فيه كلام. (١) روى مسلم في صحيحه ١٣٣٧/٣ (١٧١٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قضی بیمین وشاهد)). ويرى الحنفية أن هذا الحديث مخالف للآيات الكريمات في الشهادة على الأموال، وللحديث المتواتر في قصر اليمين على من أنكر، ومسألة الشاهد واليمين مسألةٌ فيها كلام طويل، وأنظار الفقهاء والأصوليين فيها مختلفة. ينظر ((النكت الطريفة)) للكوثري ص ١٥٥، وإعلاء السنن ٣٤١/١٥-٣٨٤ (٤٣ صفحة). (٢) ينظر البناية ٤٠١/٨، ونصب الراية ٩٦/٤، والتلخيص الحبير ٢٠٥/٤. (٣) أراد بالمطلق: أن يدَّعي الملك من غير أن يتعرَّض للسبب، بأن يقول: هذا ملكي، ولم يقل: مَلَكه بسبب الشراء، أو الإرث، أو نحو ذلك. ينظر البناية ٤٠٣/٨. (٤) أي غير صاحب اليد. ٦٧ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات وإِذا نَكَلَ المدَّعىُّ عليه عن اليمين : قُضِيَ عليه بالنُّكول، ولَزِمَه ما ادُّعِيَ علیه. * قيَّد بالملك المطلَق؛ احترازاً عن المقيَّد بدعوى النِّتاج(١)، وعن المقيَّد بما إذا ادَّعيا تَلَقَّيَ الملك من واحدٍ، وأحدُهما قابض، أو ادَّعيا الشراءَ من اثنين، وأرَّخا، وتأريخُ ذي اليد أسبق؛ فإنَّه - في هذه الصور - تُقبَل بيِّنةُ ذي اليد بالإجماع، وتمامُه في ((العناية)). [فُكُول المدَّعى عليه عن اليمين : ] * (وإذا نَكَلَ المدَّعى عليه عن اليمين: قُضِيَ عليه بالنُّكول، ولَزِمَه ما ادُّعيَ عليه)؛ لأن النكول دلَّ على كونه باذلاً عنده(٢)، أو مقرًّاً عندهما(٣)؛ إذ لولا ذلك لأقدَمَ على اليمين إقامةً للواجب(٤)، (١) مسألة النِّتاج: هي أن يدَّعي كلٌّ من الخارج، وذي اليد أن هذه الدابة نتجت عنده، وأقاما البيِّنة على ذلك، ولأحدهما يد، فإنه يُقضى لصاحب اليد. ينظر الكفاية ١٦٣/٧. (٢) أي عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله، حيث إن التُّكول عند الإمام: بذلٌ، فيصير المدَّعى عليه باذلاً. ينظر نتائج الأفكار ١٦٥/٧، البناية ٤٠٥/٨. (٣) أي عند الصاحبين رحمهما الله، حيث إن النكول عندهما: إقرار، فيصير المدَّعى عليه بالنكول مقرًّاً. نتائج الأفكار ١٦٥/٧، البناية ٤٠٥/٨. (٤) وهو: أن اليمين على من أنكر. ٦٨ كتاب الدَّعوى والبِّنات وينبغي للقاضي أن يقول له : إنِّي أَعْرِض عليك اليمينَ ثلاثاً، فإن حلفتَ، وإلا : قضيتُ عليك بما ادَّعاه. فإذا كرَّر العَرْضَ ثلاث مرَّات : قضى عليه بالنكول. ودفعاً للضرر عن نفسه، فيُرجَّح هذا الجانب. * (و) لكن (ينبغي للقاضي أن) يُنْذِر المدَّعى عليه، بأن (يقول له: إنِّي أَعْرِض عليك اليمينَ ثلاثاً، فإن حلفتَ): فَبها، (وإلاَّ: قضيتُ عليك بما ادَّعاه) خصمُكَ. وهذا الإنذار؛ لإعلامه بالحكم، إذ هو موضع الخَفَاء، (فإذا كرَّر) القاضي (العرضَ) عليه (ثلاث مرَّات)، وهو على نكوله: (قضىُ عليه بالنكول). قال في ((الهداية)): وهذا التكرار ذَكَرَه الخَصَّافُ؛ لزيادة الاحتياط والمبالغة في إبلاء العُذْر؛ وأما المذهب: فإنه لو قضى بالنكول بعد العرض مرّةً: جاز؛ لما قدَّمنا، هو الصحيح، والأول أولی. * ثم النكول قد يكون حقيقياً، كقوله: لا أحلف، وقد يكون حُكْمِيّاً، بأن يسكت، وحُكمُه حكمُ الأول إذا علم أنه لا آفة به من طَرَشٍ، أو خَرَس، هو الصحيح. اهـ ٦٩ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات وإن كانت الدعوى نكاحاً: لم يُستحلَفِ المنكِرُ عند أبي حنيفة. ولا يُستحلَف في النكاح، والرَّجعةِ، والفيء في الإيلاء، والرِّقِّ، والاستيلادِ، والنَّسَب، والوَلاءِ، والحدود. [الدعوى في النكاح والرجعة ونحو هذا :] * (وإن كانت الدعوى نكاحاً (١)) منه، أو منها، وأنكره الآخر: (لم يُستحلَفِ المنكِرُ) منهما (عند أبي حنيفة)؛ لأن النكول عنده بَذْلٌ، والبذل لا يجري في هذه الأشياء المذكورة بقوله(٢) : * (ولا يُستحلَف في) إنكار (النكاح، والرَّجعة) بعد العدَّة، (والفيءِ في الإيلاء) بعد المدَّة، (والرِّقِّ، والاستيلاد) إذا أنكره السيِّد(٣)، ولا يتأتَى عكسه (٤)؛ لثبوته بإقراره، (والنَّسَبِ، والوَلاءِ): عَتَاقة، أو موالاة، (والحدودِ. (١) كما لو ادَّعى رجل على امرأة أنه تزوَّجها، وأنكرت المرأة، أو بالعكس، هي ادَّعت عليه أنه زوجها: فلا استحلاف على المنكِر عند الإمام أبي حنيفة. ينظر البناية ٤٠٨/٨. (٢) أي التي ذكرها القدوري في مختصره بقوله: (٣) كما لو ادَّعت الأمَةُ على مولاها: أنَّها ولدت منه، وأنكر المولى. البناية ٤٠٩/٨. (٤) كما لو ادَّعى المولى الاستيلاد من جاريته، فيثبت الولد بإقراره هذا، ولا يُلتفت إلى إنكارها. الجوهرة النيرة ٣١٢/٢، وينظر فيها صور المسائل المذكورة. ٧٠ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات وقالا : يُستحلَّف في ذلك كلّه، إلا في الحدود . وإذا اذَّعى اثنان عيناً في يدِ ثالثٍ، كلُّ واحدٍ منهما يَزْعمُ أنها له، وأقاما البيّنة : قُضيَ بها بينهما . وقالا: يُستحلَف) المنكر (في ذلك كلِّه، إلا في الحدود)؛ لأن النكول عندهما إقرارٌ، والإقرار يجري في هذه الأشياء، لكنَّه إقرارٌ فيه شبهة، والحدود تَنْدرئ بالشبهات. والفتوى على قولهما، كما نقله في ((التصحيح)) عن قاضيخان، و((الفتاوى الكبرى))، و((التتمَّة))، و((الخلاصة))، و((مختارات النوازل))، 31 والزوزنيَ في ((شرح المنظومة))، وفخرِ الإسلام عن البزدوي، والنسفيِّ في ((الكنز))، والزيلعي في ((شرحه)). ثم قال: واختار المتأخرون من مشايخنا أن القاضي ينظر في حال المدَّعى عليه، فإن رآه متعَنِّناً: يُحلِّفه، آخذاً بقولهما، وإن رآه مظلوماً: لا يحلِّفه، آخذاً بقول الإمام، وهو نظير ما اختاره شمسُ الأئمة في التوكيل بالخصومة من غير رِضاء الخصم. اهـ [ما يدَّعيه الرجلان معاً : ] * (وإذا ادَّعى اثنان عيناً في يد ثالثٍ(١))، و(كلُّ واحدٍ منهما يَزْعمُ أنها له، وأقاما البِّنة: قُضيَ بها): أي بالعين المدَّعى بها (بينهما) (١) هكذا: ((يدُ ثالثٍ)): في القدوري (٦٤٩ هـ)، وفي نسخ أخرى: (يدُ آخرَ)). ٧١ كتاب الدَّعوى والبَیِّنات وإن ادَّعى كلّ واحدٍ منهما نكاحَ امرأةٍ، وأقاما البَيِّنةَ: لم يُقْضَ بواحدةٍ من البِّنتَيْن، ورُجِعَ إلى تصديق المرأة لأحدهما. نصفين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وقبول المحلّ الاشتراك. ٩ * (وإن ادَّعىُ كلَّ واحدٍ منهما نكاحَ امرأةٍ) حَيَّةٍ، (وأقاما البيِّنة) على ذلك: (لم يُقْضَ بواحدةٍ من البَيِّنتين)؛ لعدم أولويَّة إحداهما(١)، ءِ وتعذّر الحكم بهما؛ لعدم قبول المحل اشتراكهما. (ورُجعَ (٢) إلى تصديق المرأة لأحدهما)؛ لأن النكاح مما يُحكم به بتصادقهما. * قال في ((الهداية)): وهذا إذا لم تُؤقَّت البيِّنتان، فأما إذا وُقِّتا: فصاحب الوقت الأول أولى. : وإن أقرَّت لأحدهما قبل إقامة البيِّنة: فهي امرأته؛ لتصادقهما. * فإن أقام الآخرُ البَيِّةَ: قُضِيَ بها؛ لأن البَيِّنَةَ أقوى من الإقرار. * ولو تفرَّد أحدُهما بالدعوى، والمرأةُ تجحد، فأقام البَيِّنَةَ، وقضى بها القاضي له، ثم ادَّعىُ الآخرُ، وأقام البيِّنَةَ على مثل ذلك: لا يُحْكَم بها؛ لأن القضاء بالأول صحَّ، فلا يُنْقَض بما هو مثلُه، بل هو دونه. (١) هكذا: ((إحداهما)): في نسخة د، وفي بقية نسخ اللباب: ((أحدهما)). (٢) وفي بعض نسخ القدوري، وبداية المبتدي مع الهداية ١٦٩/٣: ((ويُرْجَع)). ٧٢ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات وإن ادَّعى اثنان على رجلٍ، كلّ واحدٍ منهما أنه اشترى منه هذا ءِ العبدَ، وأقاما البيِّنةَ: فكلٌ واحدٍ منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصفَ العبد بنصف الثمن، وإن شاء تَرَكَ. فإن قَضَى به القاضي بينهما، وقال أحدُهما: لا أختار: لم يكن للآخر أن يأخذ جمیعَه. * إلا أن يوقّت شهودُ الثاني سابقاً؛ لأنه ظَهَر الخطأ في الأول بیقین. * وكذا إذا كانت المرأة في يد الزوج، ونكاحُه ظاهرٌ: لا تُقبل بيِّنة الخارج إلا على وجه السبق. اهـ : قيّدنا بحياة المرأة؛ لأنها إذا كانت ميّةً: قُضِيَ به بينهما؛ لأن المقصود الميراث، وهو يَقبل الاشتراك، وعلى كل واحدٍ نصفُ المهر، ويرثان ميراث زوجٍ واحدٍ، وتمامُه في ((الخلاصة)). 13 (وإن ادَّعىُ اثنان على رجلٍ): أي على ثالثٍ ذي يدِ، (كلّ واحد منهما أنه اشترى منه): أي من ذي اليد (هذا العبد) مثلاً، (وأقاما البيِّنَةَ) على ذلك: قُبِلَتا، وثبت لهما الخيار؛ لأنه لم يُسلَّم لكلِّ منهما سوى النصف، (فكلّ واحدٍ منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصفَ العبد بنصف الثمن، وإن شاء تَرَكَ)؛ لتفريق الصفقة عليه. (فإن قَضَى به القاضي بينهما، وقال أحدُهما) بعد القضاء له: (لا أختار) ذلك، وتَركه: (لم يكن للآخر أن يأخذ جميعَه)؛ لأنه بالقضاء انفسخ عقدُ کل واحدٍ في نصفه، فلا يعود إلا بعقد جدید. ٧٣ كتاب الدَّعوىُ والبِّنات وإِن ذَكَرَ كلَّ واحدٍ منهما تاريخاً : فهو للأول منهما. وإن لم يَذکرا تاریخاً، ومع أحدهما قَبْضُ: فهو أَوْلى به. * قيَّدنا بما بعد القضاء؛ لأنه لو كان قبل القضاء: كان للآخر أن يأخذ جميعَه؛ لأنه يدَّعي الكلَّ، والحجَّةُ قامت به، ولم ينفسخ سبَبُه، وزال المانع، وهو مزاحمة الآخر، كما في ((الهداية)). (وإن ذَكَرَ كلَّ واحد منهما تاريخاً)، وكان تاريخ أحدهما أسبقَ: (فهو للأول منهما)؛ لأنه أثبت الشراءَ في زمانٍ لا ينازعه فيه أحدٌ، فاندفع الآخرُ به. * ولو وُقِّتت إحداهما (١)، ولم تُوَقَّت الأخرى: فهو (٢) لصاحب الوقت، لثبوت ملكه في ذلك الوقت، فاحتمل الآخرُ أن يكون قبله، أو بعده: فلا يُقضى له بالشكِّ. ((هداية)). * (وإن لم يذكرا تاريخاً)، أو ذَكَرا تاريخاً واحداً، أو أرَّخ أحدُهما دون الآخر، (و) كان (مع أحدهما قَبْضٌ: فهو أَوْلى به)؛ لأن تمكّنه مِن قَبْضه، يدلّ على سَبْق شرائه؛ ولأنه قد استويا في الإثبات، فلا تزول اليد الثابتة بالشك. (١) أي إحدى البيِّنْتَيْن. (٢) أي العبد. ٧٤ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات وإن ادَّعى أحدُهما شراءً، والآخرُ هبةً وقَبْضاً، وأقاما البَيِّنةَ، ولا تاریخَ معهما : فالشراءُ أَوْلى. وإن ادَّعى أحدُهما الشراءَ، وادَّعت امرأةٌ أنه تزوَّجها عليه : فهما سواء . وإن ادَّعى أحدُهما رهناً وقَبْضاً، والآخرُ هبةً وقَبْضاً: فالرهنُ أَوْلىُ. (وإن ادَّعى) اثنان على ثالث ذي يدِ، (أحدُهما شراءً) منه، (والآخرُ هبةً وقَبْضاً، وأقاما البيِّنة) على ذلك، (ولا تاريخ معهما: فالشراء أوْلى)؛ لأنه أقوى؛ لكونه معاوضة من الجانبين؛ ولأنه يثبت بنفسه، بخلاف الهبة؛ فإنه يُتوقف على القبض. * (وإن ادَّعى أحدُهما الشراءَ، وادَّعت امرأةٌ أنه تزوَّجها عليه: فهما سواء)؛ لاستوائهما في القوة؛ لأن كلاً منهما معاوضةٌ من الجانبین، ويثبت الملك بنفسه. * (وإن ادَّعى أحدُهما رهناً وقبضاً، والآخرُ هبةً وقبضاً: فالرهنُ أُوْلی). قال في ((الهداية)): وهذا استحسانٌ، وفي القياس: الهبة أَوْلىُ؛ لأنها تُثبِت الملك، والرهنُ لا يُثبته. وَجْهُ الاستحسان: أن المقبوض بحكم الرهن: مضمونٌ، وبحكم الهبة: غير مضمون، وعَقْد الضمان أولى. اهـ. ٧٥ کتاب الدَّعوى والبَیِّنات وإن أقام الخارجان البيِّنةَ على الملكِ والتاريخ : فصاحبُ التاريخ الأبعدِ أَوْلیُ. وإن اذَّعيا الشراءَ من واحدٍ، وأقاما البيّنةَ على التاريخَيْن: فالأولُ أَوْلی. وإن أقام كلُّ واحدٍ منهما بيِّنَةً على الشراء من آخرَ، وذَكَرا تاريخاً: فهما سواء. (وإن أقام) المدَّعيان (الخارجان البيِّنةَ على الملك، والتاريخ) المختلف: (فصاحب التاريخ الأبعد): أي الأسبق تاريخاً (أَوْلى)؛ لأنه أثبتَ أنه أول المالكين؛ فلا يُتَلقّى الملكُ إلا من جهته، ولم يَتَلقَّ الآخرُ منه. ** (وإن ادَّعيا الشراءَ من واحدٍ): أي غير ذي يدٍ، لئلا يتكرر مع ما سبق، (وأقاما البيِّنة على التاريخَيْن)، المختلفَيْن: (فالأول أَوْلِى)؛ لما بيَّنَّا أنه أثبتَه في وقت لا منازعَ له فيه. ٩ * (وإن أقام كلَّ واحدٍ منهما بيِّنةً على الشراء من آخرَ)، بأن قال أحدُهما: اشتريتُ من زيدٍ، والآخرُ من عمرٍو، (وذَكَرا تاريخاً) متَّفقاً، أو مختلفاً: (فهما سواءٌ(١))؛ لأنهما يُثبتان الملك لبائعهما، (١) وفي القدوري (٦٤٩ هـ): ((وذكرا تاريخاً: كان الأول أَوْلى، ولو وُقِّتت إحدى البينتين ولم توقت الأخرى: فهما سواء)). اهـ، وينظر ابن عابدين ٥ / ٥٧٤. ٧٦ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات وإن أقام الخارجُ البينةَ على ملكٍ مؤرَّخٍ، وأقام صاحبُ اليد البَيِّنَةَ على ملكٍ أقدم تاریخاً : كان أَوْلى. وإن أقام الخارجُ، وصاحبُ اليد كلُّ واحدٍ منهما بيِّنةً بالنّتاج : فصاحبُ الید أَوْلى. فيصيران كأنهما أقاما البينة على الملك من غير تاريخ، فيُخَيَّر كلّ منهما بين أخْذ النصف بنصف الثمن، وبين التَّرك. * (وإن أقام الخارجُ البينةَ على ملكِ مؤرَّخٍ، وأقام صاحبُ اليد البَيِّنَةَ على ملكِ أقدم تاريخاً: كان) ذو اليد (أَوْلى)؛ لأن البينة مع التاريخ متضمَّنَةٌ معنى الدفع. قال في ((الهداية))، و((شرح الزاهدي)): وهذا عند أبي حنيفة وأبي یوسف، وهو رواية عن محمد. وعنه(١): لا تُقبل بينة ذي الید. وعلى قولهما اعتمد المحبوبيُّ، والنسفي، وغيرُهما، كما هو الرسم. ((تصحیح)). * (وإن أقام الخارجُ وصاحبُ اليد كلّ واحدٍ منهما بَيِّنةً بالنِّتاج) من غير تاريخ، أو أرَّخا تاريخاً واحداً، بدليل ما يأتي: (فصاحب اليد أَوْلِى)؛ لأن البينة قامت على ما لا تدلّ عليه اليدُ، فاستويا، وترجَّحت (١) أي عن محمد رحمه الله. ينظر البناية ٤٨٩/٨. ٧٧ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات بينةُ ذي الید؛ فيُقضى له. * ولو تلقَّىُ كلُّ واحدٍ منهما (١) الملكَ من رجلٍ، وأقام البَيِّنَةَ على النِّتاج عنده(٢): فهو بمنزلة إقامتها على النِّتاج في يد نفسه؛ لما ذكرنا. * ولو أقام أحدُهما(٣) البينةَ على الملك المطلق، والآخرُ على النّتاج: فصاحب النّتاج أَوْلى، أيَّهما (٤) كان؛ لأن البيّنة قامت على أولية الملك؛ فلا يثبت للآخر إلا بالتَّلقّي من جهته(٥). * وكذا إذا كانت الدعوى بين خارجَيْن، فبينة النِّتاج أَوْلى(٦)؛ لما ذكرنا. ولو قُضيَ بالنِّتاج لصاحب اليد، ثم أقام ثالثٌ البيّنةَ على النِّتاج: يُقْضَى له، إلا أن يعيدَها ذو اليد، لأن الثالث لم يَصِرْ مقضيَّاً عليه بتلك القضيّة. (١) أي كل من الخارج، وصاحب اليد. البناية ٤٩٢/٨. (٢) أي عند الرجل الذي تلقَّى منه، وقال البابرتي: عند من تلقى منه. البناية ٨ / ٤٩٢. (٣) أي الخارج، أو صاحب اليد. (٤) أي سواء كان هو الخارج، أو هو صاحب اليد. ينظر البناية ٨/ ٤٩٢. (٥) أي من جهة صاحب النتاج. (٦) في نسخ اللباب كلها ما عدا نسخة د: ((فبينة النِّتاج أَوْلى))، وهو الصواب كما أثبت، وكذا في الهداية ١٧٢/٣، والنقل عنها، وفي د: ((فبينة النتاج عنده أوْلىُ)). ٧٨ کتاب الدَّعوى والبِّنات وكذلك النَّسْجُ في الثياب التي لا تُنْسَجُ إلا مرَّةً واحدة، وكلَّ سببٍ في الملك لا یتکرَّر. وإن أقام الخارجُ البَيَّنَةَ على الملك، وصاحِبُ اليد بيِّنَةً على الشراء منه : کان أَوْلى. * وكذا المقضيُّ عليه بالملك إذا أقام البِّنة على النّتاج: تُقبل بَيِّته، ويُنقَض القضاء؛ لأنه بمنزلة النصِّ. ((هداية))(١). * (وكذلك): أي مثلُ النِّتاج (النَّسْج في الثياب التي لا تُنْسَج إلا مرّةً واحدة)، کالکِرْباس. ءِ * (و) كذا (كلّ سببٍ في الملك لا يتكرّر)، كغَزْلِ قطنٍ، وحَلْبِ لبنٍ، وجَزِّ صوف، ونحو ذلك؛ لأنه في معنى النتاج. * فإن كان يتكرّر، كالبناء، والغَرْس: قُضِيَ به للخارج، بمنزلة الملك المطلق. * وإن أشكل: يُرْجَع به إلى أهل الخبرة، فإن أشكل عليهم: قُضيَ به للخارج، وتمامُه في ((الهداية)). * (وإن أقام الخارجُ البَّئَةَ على الملك) المطلَق، (وصاحِبُ اليد بيِّنَةَ على الشراء منه: كان) صاحبُ اليد (أَوْلِى)؛ لأنه أثبتَ تلقَي الملك منه؛ فصار كما إذا أقرَّ بالملك له، ثم ادَّعىُ الشراءَ منه. (١) وينظر البناية ٤٩٣/٨. ٧٥ كتاب الدَّعوى والبَيِّنات وإن أقام كلّ واحدٍ منهما البِّنةَ على الشراء من الآخر، ولا تاريخَ معهما : تَهَاتَرتِ البِّنتان . وإن أقام أحدُ المدَّعَيَيْن شاهدَيْن، والآخرُ أربعةً: فهما سواء. ومَن ادَّعى قصاصاً على غيره، فجَحَدَه : .. ٠٠ * (وإن أقام كلّ واحدٍ منهما البيّنةَ على الشراء من الآخر، ولا تاريخ معهما: تَهَاتَرت البيِّنتان)، ويُترك المدَّعَى به في یدِ ذي الید. قال في ((الهداية)): وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يُقضَى بالبيِّنتين، ويكون للخارج. اهـ قال في ((التصحيح)): وعلى قولهما اعتمد المصحِّحون، وقد رجَّحوا دليلهما قولاً واحداً. اهـ [لو أقام أحد المدعيَيْن شاهدين، وأقام الآخر أربعة : ] * (وإن أقام أحدُ المدَّعيَيْن شاهدَيْن، و) أقام (الآخر أربعةً)، أو أكثر: (فهما سواءً)؛ لأن كلّ شهادة علّةٌ تامة. * وكذا لو كانت إحداهما أعدلَ من الأخرى؛ لأن العبرة لأصل العدالة، إذ لا حَدَّ للأعدليَّة، كما في ((الدر)). [ادَّعى قصاصاً على غيره : ] (ومَن ادَّعى قصاصاً(١) على غيره، فجَحَدَه) المدَّعى عليه: (١) كأن ادعى على فلان: أن قطع له يده. ٨٠ کتاب الدَّعوی والبِّنات استُحلف بالله . فإن نَكَلَ عن اليمين فيما دون النفس : لزمه القصاص. وإن نَكَلَ في النفس : حُبِس حتى يُقِرَّ، أو يحلف. وقالا : يلزمه الأرشُ فيهما . (استُحلف بالله) إجماعاً، لأنه منكِر. * (فإن نَكَلَ عن اليمين فيما دون النفس: لزمه القصاص. * وإن نكل في النفس: حُبِس حتى يُقرَّ، أو يحلف). وهذا عند أبي حنيفة؛ لأن النكول عنده: بَذْلٌ معنىً، والأطرافُ مُلْحَقةٌ بالأموال، فيجري فيها البذل، ولهذا تُستباح بالإباحة، كقَلْع السنِّ عند وَجَعه، وقَطْع الطرف عند وقوع الأَكَلَة، بخلاف النفس، فإن أمرها أعظم، ولا تُستباح بحالٍ، ولهذا لو قال له: اقتُلْني، فقتله: .(١) تجب الدية(١). (وقالا: يلزمه الأرشُ(٢) فيهما)؛ لأن النكول عندهما: إقرارٌ فيه شبهة، فلا يثبت به القصاص، ویثبت به الأرش. قال في ((التصحيح)): وعلى قول الإمام مشى المصحّحون. (١) لا القصاص، لوجود الشبهة. (٢) أي يلزمه المال في النفس، والطرف جميعاً. البناية ٤١٦/٨.