النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ كتاب الأيمان وإذا حَلَفَ الكافرُ، ثم حَنِثَ في حال الكفر، أو بعد إسلامه: فلا حِنْثَ علیه. عليه وسلم: ((مَنْ حلف على يمينٍ، ورأىُ غيرَها خيراً منها: فليأتِ بالذي هو خيرٌ، ثم لِيُكفِّر عن يمينه))(١). ولأنَّ في ذلك(٢) تفويتَ البِرِّ إلى جابٍ، وهو الكفَّارة، ولا جابرَ للمعصية في ضده. * وإنما قيَّدنا باليوم؛ لأن وجوب الحِنْث لا يتأتَى إلا في اليمين المؤقتة، أما المطلَقَة: فحِنْتُه في آخر حياته، فيوصي بالكفارة بموت الحالف، ويكفِّر عن يمينه بهلاك المحلوف عليه. ((غاية)). [حكم حلف الكافر : ] * (وإذا حَلَفَ الكافرُ، ثم حَنِثَ في حال الكفر، أو بعد إسلامه: فلا حنْثَ(٣) عليه)؛ لأنه ليس بأهلٍ لليمين؛ لأنها تُعقد لتعظيم الله تعالى، ومع الكفر لا يكون معظِّماً، ولا هو أهلٌ للكفارة؛ لأنها عبادة. ((هداية)). (١) صحيح مسلم ١٢٧٢/٣ (١٦٤٩) (حديث ١٣). (٢) أي في الكفارة بعد الحنث. البناية ٣٨/٦. (٣) وفي نسخة القدوري (٦٤٩ هـ): ((فلا كفارة)). ٢٢ كتاب الأيمان ومَن حَرَّم على نفسه شيئاً مما يَملكه : لم يَصِر مُحرَّماً عليه . وعليه إن استباحه كفَّارةُ يمين. فإن قال : کلّ حلالٍ . ٠ [تحريم ما هو حلال على نفسه : ] * (ومَن حَرَّم على نفسه شيئاً مما يملكه)، وذلك كأن يقول: هذا الطعام عليَّ حرامٌ، أو: حرامٌ عليَّ أَكْلُه: (لم يَصِرِ مُحرَّماً عليه(١)، وعليه إن استباحه كفَّارةُ يمينٍ)؛ لأن اللفظ يُنْبئ عن إثبات الحرمة، وقد أمكن إعمالُه بثبوت الحرمة لغيره، بإثبات موجَب اليمين(٢)؛ فیُصار إليه. ((هدایة)). * وكذا لو كان حراماً، أو مِلْكَ غيره، كقوله: الخمرُ، أو مالُ فلانٍ عليَّ حرام، ما لم يُرِدِ الإخبارَ. ((خانية)). * (فإن قال: كلّ حلال)، أو: حلالُ الله، أو: حلالُ المسلمين (١) جاءت هذه الكلمة: ((عليه)): في نُسَخ اللباب كلها هكذا: ((لعَيْنه))، وكذلك في نسخة (البابي) من القدوري، والصواب ما أثبتُّ، كما هو في نسخة الجوهرة النيرة ٢٩٤/٢، وأما بقية نسخ القدوري، فليس فيها كلمة: ((عليه))، وجاء النص هكذا: (لم يَصِرْ محرَّما، وعليه إن استباحه .... ))، وكذلك النص في الهداية ٧٥/٢. (٢) أي الكفارة. ٢٣ كتاب الأيمان عليَّ حرام: فهو على الطعام والشراب، إلا أن ينويَ غيرَ ذلك. وَمَن نَذَر نذراً مطلقاً : فعليه الوفاءَ به. (عليَّ حرامٌ: فهو على الطعام، والشراب، إلا أن ينويَ غيرَ ذلك). ءِ قال في ((الهداية))، و((شرح الزاهدي)): وهذا كلّه جواب ظاهر الرواية، ومشايخنا قالوا: يقع به الطلاق من غير نيَّةٍ؛ لغلبة الاستعمال، وعليه الفتوى(١). اهـ * وفي ((الينابيع)): ولو له أربعُ نسوةٍ: يقع على كل واحدة منهنَّ طَلْقة، فإنْ لم يكن له امرأة: كانت يميناً، وعليه كفّارة يمين. اهـ [النذر المطلَق والمعلَّق : ] (ومَنْ نَذَر(٢) نذراً مطلَقاً): أي غير معلَّقٍ بشرطِ، وهو (٣) عبادةٌ مقصودة، وكان من جنسه واجب(٤): (فعليه الوفاء به): أي بما نذره، (١) وتقدَّم مثل هذا في الإيلاء ١٥١/٤. (٢) قال ابن عابدين ٣١٤/١١: ((اعلم أن النذر قُربةٌ مشروعةٌ، لِمَا يلازمه من القُرَب، كالصلاة والصوم والحج ونحوها، وأما شرعيته؛ فللأوامر الواردة بإيفائه)). اهـ. قال تعالى: ﴿وَلْيُوقُواْ نُذُورَهُمْ﴾ الحج/٢٩، وينظر الاختيار ٢٧٦/٤، فتح القدير ٤ /٣٧٤. (٣) الضمير يعود للنذر، بمعنى: والمنذورُ عبادة. ابن عابدين ٣١٥/١١. (٤) كالصلاة ونحوها، وأما ما ليس من جنسه واجب، فمثل عيادة المريض، وتشييع جنازة. ابن عابدين ٣٢٠/١١. ٢٤ کتاب الأيمان وإن علَّق نَذْرَه بشرطِ، فوجد الشرطُ : فعليه الوفاء بنفس النذر. ورُوي أن أبا حنيفة رَجَعَ عن ذلك، وقال: إذا قال : إن فعلتُ كذا : فِعليَّ حَجَّةٌ، أو: صومُ سنةٍ، أو : صدقةُ ما أملكه : أجزأه عن ذلك کفَّارةُ یمینٍ، وهو قول محمد . لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ نَذَرَ، وسمَّى: فعليه الوفاء بما سَمَّى))(١). ((هداية)). سمی : (وإن علَّق نَذْرَه بشرط، فوجد الشرطُ) المعلَّق عليه: (فعليه الوفاء بنفس النذر) الذي سمّاه؛ لإطلاق الحديث، ولأنَّ المعلَّق بالشرط، كالمنَجَّزِ عنده. * (ورُوي أن أبا حنيفة رَجَعَ عن ذلك، وقال: إذا قال) الناذر: (إن فعلتُ كذا فعليَّ حَجَّةٌ، أو: صومُ سنةٍ، أو: صدقةُ ما أملكه) ، أو نحو ذلك(٢): (أجزأه عن ذلك كفَّارةُ يمين، وهو قول محمد). (١) قال الزيلعي في نصب الراية ٣٠٠/٣: ((غريب، وفي وجوب الوفاء بالنذر أحاديث، منها: ما أخرجه البخاري ٥٨٥/١١ (٦٧٠٠) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن نذر أن يطيع الله: فليُطِعْه، ومَن نذر أن یعصیہ: فلا يَعْصِهِ». اهـ (٢) وهذا يسمَّى عند غير الحنفيَّة بنذر اللَّجاج، وهو أن يمنع نفسه من فعل، أو يَحُثَّها عليه بتعليق التزام قُربةٍ بالفعل أو الترك، ويقال له: يمين اللجاج، والغضب، وهو مكروه عندهم، لأنه يُستخرج به من البخيل، وأما النذر المطلق غير المعلَّق = ٢٥ كتاب الأيمان ومَن حَلَفَ: لا يَدخل بيتاً، فدخل الكعبةَ، أو المسجدَ، أو البِيْعَةَ، أو الكنيسةَ: لم يَحْنَث. ويَخرج عن العُهْدة: بالوفاء بما سمَّى أيضاً. قال في ((الهداية))(١): وهذا إذا كان شرطاً لا يريد كونَه؛ لأن فيه معنى اليمين، وهو المَنْع، وهو بظاهره نذرٌ، فيتخيَّر، ويميل إلى أيِّ الجهتين شاء. * بخلاف ما إذا كان شرطاً يريد كونه (٢)، كقوله: إن شفى الله مريضي؛ لانعدام معنى اليمين فيه، وهذا التفصيل هو الصحيح. اهـ وفي ((شرح الزاهدي)): وهذا التفصيل أصحُّ. [اليمين في الدخول والسُّكنَى ونحوها : ] (ومَن حَلَفَ لا يدخل بيتاً، فدخل الكعبةَ، أو المسجدَ، أو البيْعةَ، أو الكنيسةَ: لم يَحْنَث)؛ لأن البيت ما أُعدَّ للبيتوتة، وهذه البقاع ما بُنيت لها. بشرط، فيسمَّى نذر التبرُّر والقُربة، فهو مندوب، والوسائل تأخذ حكم الغايات. ينظر الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة ١٣٩/٤٠ - ١٤٣. (١) ٧٦/٢. (٢) أي فلا يتخيَّر، وعليه الوفاء بما نَذَر. ٢٦ كتاب الأَيمان ومَن حَلَفَ: لا يتكلّم، فقرأ القرآنَ في الصلاة : لم يحنث. ومَن حَلَفَ: لا يلبس ثوباً معيَّناً، وهو لابسُه، فنزعه في ...... وكذا الدِّهليز، والظَّلَّة التي على الباب، إذا لم يَصْلُحا للبيتوتة. ((بحر)). : (ومَن حَلَفَ: لا يتكلّم، فقرأ القرآن في الصلاة: لم يحنث) اتفاقاً. وإن قرأ في غير الصلاة: حَنث. * وعلى هذا: التسبيح، والتهليل، والتكبير؛ لأنه في الصلاة ليس بكلامٍ عُرْفاً، ولا شرعاً. وقيل: في عُرفنا لا يحنث مطلقاً (١)؛ لأنه لا يسمَّىُ متكلَّماً، بل قارئاً، ومسبِّحاً، كما في ((الهداية))، ورجّح هذا القول في ((الفتح))، للعرف، وعليه (الدرر))، و(الملتقى))، وقوَّاه في ((الشرنبلالية))(٢) قائلاً: ولا عليك من أكثريَّة التصحيح له مع مخالفة العرف. * (ومَن حَلَفَ: لا يلبس ثوباً معيَّناً(٣)، وهو لابسُه، فنزعه في (١) أي في الصلاة، وخارجها. (٢) حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (غنية ذوي الأحكام) ٥٨/٢. (٣) وفي بعض نسخ القدوري، والهداية ٧٧/٢: ((لا يلبس هذا الثوب)). ٢٧ كتاب الأيمان الحال : لم يحنث. وكذلك إذا حلف : لا يركبُ هذه الدابَّةَ، وهو راكبُها، فنزل في الحال : لم يحنث. وإن لَبِثَ ساعةً راكباً : حَنِثَ. الحال) من غير تراخٍ: (لم يحنث)؛ لوجود البِرِّ بحَسَب الوُسْع؛ لأن ما ليس في وُسْعه: مستثنىَّ عُرفاً؛ إذِ اليمين تُعْقَد للبِرِّ، لا للحنث. * (وكذلك إذا حلف: لا يركب هذه الدابَّة، وهو راكبُها، فنزل في الحال: لم يحنث). * أو: لا يسكن هذه الدار، وهو ساكنُها، فَأَخَذَ في النُّقْلةِ من ساعته. (وإن ◌َبِثَ(١)) على حاله (ساعةً راكباً: حَنثَ)؛ لأن هذه الأفعال لها دوامٌ بحدوث أمثالها، ولذا يُضْرَب لها المدَّة، فيقال: ركبتُ الدابَّةَ يوماً، ولبستُ الثوب يوماً، وسكنتُ الدار شهراً. * ولو نوى الابتداءً (٢) الخالص: يُصدَّق به؛ لأنه محتمَلُ كلامه، كما في ((الهداية)). (١) وفي بعض نسخ القدوري (٦٤٩ هـ): ((مَكَثَ))، وهما بمعنى واحد. (٢) أي من الآن: أي لا ألبس بعد النَّزع، وهكذا. ينظر البناية ٦ / ٥٧. ٢٨ كتاب الأيمان ومَن حلف : لا يدخلُ هذه الدارَ، وهو فيها : لم يحنث بالقعود حتى يخرجَ، ثم يدخلَ. ومَن حلف: لا يدخلُ داراً، فدخل داراً خَرَاباً: لم يحنث. * ولو خرج من الدار، وبقيَ متاعُه، وأهلُه فيها: حنث؛ لأنه يُعَدُّ ساكناً ببقاء أهله ومتاعه. واعتبر محمدٌ نَقْلَ ما تقوم به السكنى، وهو أرفق، وعليه الفتوى، كما في ((الدر(١))، عن العيني. * (ومَن حلف: لا يدخل هذه الدار، وهو فيها: لم يحنث بالقعود)، بل (حتى يخرجَ، ثم يدخل)؛ لأن الدخول لا دوامَ له؛ لأنه انفصال من الخارج إلى الداخل. * (ومَن حلف: لا يدخل داراً) - بالتنكير-، (فدخل داراً خَرَاباً: لم يحنث) في يمينه؛ لأنه لمّا لم يعيِّنْها؛ كان المعتبر في يمينه: داراً معتاداً دخولُها؛ لأن الأَيْمان مبنيّةٌ على العادة والعرف. ولذا لو حلف: لا يلبس قميصاً، فارتدى به: لم يحنث؛ لأن المقصود اللَّبْسُ المعتاد. (١) الدر المختار مع الحاشية (ط البابي) ٧٥١/٣، (ط دمشق) ٣٦٣/١١، وستأتي مسألة السكنى قريباً. ٢٩ کتاب الأيمان ومَن حلف: لا يدخلُ هذه الدارَ، فدخلها بعد ما انهدمت، وصارت صحراء : حنث. ولو حلف: لا يدخلُ هذا البيتَ، فدخله بعد ما انهدم : لم یحنث. ومَن حلف : لا يكلِّمُ زوجةَ فلان، فطلَّقها فلانٌ، ثم كلَّمها : حَنِثَ. * (ومَن حلف: لا يدخل هذه الدار) - بالتعريف -، (فدخلها بعد ما انهدمت، وصارت صحراء: حنث)؛ لأنه لمَّا عيَّنها، تعلَّق ذلك ببقاء اسمها، والاسمُ فيها باقٍ، ولذا يقال: دارٌ غامرة. * (ولو حلف: لا يدخل هذا البيتَ، فدخله بعد ما انهدم)، وصار صحراء: (لم يَحنث)، لزوال اسم البيت عنه، فإنه لا يُباتُ فیه. قيَّدنا بصيرورته صحراءَ؛ لأنه لو سقط السقف، وبَقِيت الحيطان: يحنث؛ لأنه يُباتُ فيه، كما في ((الهداية)). [اليمين في الكلام : ] * (ومَن حلف: لا يكلِّم زوجةَ فلانٍ) المعيَّنة، (فطلَّقها فلانٌ) بائناً، (ثم كلَّمها) الحالِفُ: (حَنِثَ)؛ لأَن الحُرَّ يُقْصَد بالهُجْران، فكانت الإضافة للتعريف المحض. ٣٠ كتاب الأَيمان وإن حَلَف : لا يكلُّمُ عبدَ فلانٍ، أو: لا يدخلُ دارَ فلانٍ، فباع فلانٌ عبدَه، ودارَه، ثم كلَّم العبدَ، ودَخَلَ الدار: لم يحنث. وإن حلف : لا يُكلِّمُ صاحبَ هذا الطيلسان، فباعه، ثم كلَّمه : حَنْثَ. بخلاف غير المعيَّنة(١): حيث لا يحنث؛ لعَقْد اليمين على فِعْلٍ واقع في محلّ مضافٍ إلى فلان، ولم يوجد. فيَّدنا بالبائن؛ لأن الرجعيَّ لا يَرفع الزوجيَّة. * (وإن حَلَف: لا يكلِّم عبدَ فلانٍ، أو: لا يدخل دار فلانٍ، فباع فلانٌ عبدَه، ودارَه، ثم كلَّم) الحالفُ (العبدَ، ودَخَلَ الدار: لم يحنث)؛ لأن العبدَ، والدارَ لا يُقْصَدان بالهُجْران لذواتهما، بل للنسبة إلىُ مُلاَّكهما، واليمينُ تنعقد على مقصود الحالف إذا احتمله اللفظ، فصار كأنه قال: ما دام لفلانٍ. * (وإن حلف: لا يُكلِّم صاحبَ هذا الطَّيْلَسان(٢)، فباعه، ثم كلَّمه: حَنثَ)؛ لأن هذه الإضافة لا تحتمل إلا التعريف؛ لأن الإنسان لا يُعادَى لمعنىَ في الطيلسان؛ فصار كما إذا أشار إليه. (١) كما لو حلف: لا أكلِّم زوجةً لفلان. (٢) كِساء يُجعل على الرأس والكتف، ويسمَّى الشال. ينظر المعجم الوسيط ٥٦١/٢، صفحات من صبر العلماء ص ١٨٨. ٣١ کتاب الأيمان وكذلك إذا حلف: لا يكلُّمُ هذا الشابَّ، فكلَّمه بعد ما صار شيخاً : حَنِثَ. أو حَلفَ: لا يأكلُ لحمَ هذا الحَمَلِ، فصار كَبْشاً، فأكله : حَنِث. وإن حَلَفَ : لا يأكلُ من هذه النَّخلةِ : فهو على ثمرها. (وكذلك(١) إذا حلف: لا يكلِّم هذا الشابَّ، فكلَّمه بعد ما صار شيخاً: حَنِثَ. [اليمين في الأكل : ] * أو حَلفَ: لا يأكل لحمَ هذا الحَمَلِ) - بمهملات -: ولد الضأن في السنة الأولى، (فصار) الحَمَلُ (كَبْشاً، فأكله: حَنث)؛ لأن المنع کان لعینهما، لا لاتِّصافهما بهذا الوصف؛ لأنه ليس بداع لليمين. * (وإن حلف: لا يأكل من هذه النَّخلة: فهو على ثمرها)؛ لأنه أضاف اليمين إلى ما لا يؤكل، فينصرف إلى ما يَخرج منه؛ لأنه سببٌ له، فيصلح مجازاً عنه. ** لكن الشرط أن لا يتغيَّر بصَنْعةٍ جديدة، حتى لا يحنثُ بالنبيذ، والخَلِّ، والدِّبْس المطبوخ. ((هداية)). (١) أي وکذلك يحنث، كما سيأتي. ٣٢ كتاب الأَيمان وإن حلف : لا يأكلُ من هذا البُسْرِ، فصار رُطَباً، فأكله : لم يحنث . وإن حلف : لا يأكلُ بُسْراً، فأكل رُطَباً: لم يحنث. ومَن حَلَفَ: لا يأكلُ رُطَباً، فأكل بُسْراً مُذَنَّباً: حنث عند أبي حنيفة ومحمد . * (وإن حلف: لا يأكل من هذا البُسْر) - بضم الموحّدة، وسكون المهملة -: ثمرُ النخل قبل أن يصير رُطَباً، (فصار رُطَباً)، أو: من هذا الرُّطَب، فصار تمراً، (فأكله: لم يحنث)؛ لأن هذه الأوصاف داعيةٌ إلى اليمين، فتتقيَّد اليمين بها. * (و) كذا (إن حلف: لا يأكل بُسْراً) - بالتنكير -، (فأكل رُطَباً: لم يحنث)؛ لأنه ليس بُبُسْرٍ. * (ومَن حَلَفَ: لا يأكل رُطَباً)، أو: بُسْراً، أو: لا يأكلُ رُطَباً ولا بُسْراً، (فأكل بُسْراً مُذَنَّباً)، أو رُطَباً مُذَنَّباً: (حنث عند أبي حنيفة ومحمد (١))؛ لأن البُسرَ المذَنَّبَ: ما يكون في ذَنَبِه قليلُ رُطَب، والرُّطَب المذئَّب على عكسه، فيكون آكله آكلَ البُسْرِ والرُّطب، وكلّ واحدٍ مقصودٌ في الأكل. (١) لفظ: ((ومحمد)): مثبت في نسخة (٨٤٠ هـ) من القدوري، وسينقل الشارح الميداني بعد قليل عن جمال الإسلام أن محمداً مع أبي حنيفة. ٣٣ کتاب الأيمان ومَن حلف: لا يأكلُ لحماً، فأكل السمكَ : لم يحنث. قال جمال الإسلام: وهو قولُ محمد. وقال أبو يوسف: لا يحنث. والصحيح قولُهما، واعتمده الأئمة: المحبوبي والنسفي وغيرُهما. (تصحیح)). [حَلَفَ: لا يأكل لحماً فأكل السمك :] * (ومَن حلف: لا يأكل لحماً، فأكل السمكَ: لم يحنث)؛ لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناوله في العرف والعادة. ولا يَرِدُ: تسميتُه لحماً في القرآن(١)؛ لأن الأَيْمان مبنيّةٌ على العُرْف والعادة، لا على ألفاظ القرآن. * ولذا لو حلف: لا يَخْرِب بيتاً، فخَرَب بيتَ العنكبوت: لا يحنث وإن سُمِّي في القرآن بيتاً، كما في ((الجوهرة)». قال الإسبيجابي: والقياسُ أن يحنث، وهو روايةٌ عن أبي يوسف، والصحيحُ ظاهرُ الرواية، وهو المعتمد عند الأئمة: المحبوبيِّ، والنسفيِّ، وغيرهما. ((تصحیح)). (١) في قوله تعالى: ﴿وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً﴾. النحل / ١٤. ٣٤ کتاب الأيمان وَمَن حلف: لا يشربُ مِن دِجْلَةَ، فشرب منها بإناءٍ : لم يحنث حتىْ يَكْرَعَ منها كَرْعاً في قول أبي حنيفة . [اليمين في الشرب : ] * (وَمَن حلف: لا يشرب مِن) شيءٍ يمكن فيه الكَرْع(١)، نحو (دجْلَةَ، فشرب منها بإناءٍ: لم يحنث)؛ لعدم وجود حقيقة المحلوف عليه، فلا يحنث (حتى يَكْرَعَ منها كَرْعاً)، وذلك (في قول أبي حنيفة)؛ لأن الحقيقة مستعملة، ولهذا يحنث بالكرع إجماعاً، فمَنَعَت المصير إلى المجاز وإن كان متعارَفاً. قال العلامة بهاء الدين في ((شرحه)): وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث، والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمَّة. ((تصحیح)). * فيَّدنا بما يُمكن فيه الكَرْع؛ لأن ما لا يمكن فيه ذلك، كالبئر: يحنث مطلقاً، بل لو تكلّف الكَرْعَ(٢): لا يحنث في الأصح؛ لهجر الحقيقة، وتَعیُّن المجاز. (١) الكَرْع: تناول الماء بالفم من موضعه، من غير أن يشرب بكفَّيْه، ولا بإناء. المغرب (كرع)، مختار الصحاح (کرع). (٢) أي من البئر، ونحوها. ٣٥ كتاب الأَيمان ومَن حلف : لا يشربُ من ماء دجلة، فشرب منها بإناءٍ : حنث. ومَن حلف: لا يأكلُ من هذه الحنطة، فأكل من خبزها : لم يحنث عند أبي حنيفة . * (ومَن حلف: لا يشرب من ماء دجلة، فشرب منها بإناء: حنث)؛ لأن يمينه انعقدت على الماء المنسوب إليه، وبعد الاغتراف بقيَ منسوباً إليه. [اليمين على شيءٍ، ثم تغيُّر هذا الشيء : ] * (ومَن حلف: لا يأكل من هذه الحنطة، فأكل من خُبْزها: لم يحنث عند أبي حنيفة)؛ لأن له (١) حقيقة مستعملة، فإنها تُغْلى، وتُقْلى، وتؤكل قَضْماً، والحقيقة راجحةٌ على المجاز المتعارَف، على ما هو الأصل عنده. قال العلامة بهاء الدين في ((شرحه)): وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث، والصحيحُ قول أبي حنيفة، ومشى عليه الأئمة المحبوبيّ، والنسفي، وغیرُهما. · ولو قَضَمَها: حنث عندهما في الصحيح، قاله قاضيخان. ((تصحیح)). (١) أي لقوله: لا يأكل من هذه الحنطة. البناية ٢٢٨/٨ (ط باكستان). ٣٦ كتاب الأيمان ولو حلف : لا يأكلُ من هذا الدقيق، فأكل من خبزه : حنث. ولو استفَّه كما هو : لم يحنث. وإن حلف : لا يكلِّمُ فلاناً، فكلَّمه وهو بحيث يَسمعُ، إلا أنه نائم : حنث. * (ولو حلف: لا يأكل من هذا الدقيق، فأكل من خبزه)، ونحوه مما يُتَّخذ منه، كعَصيدة، وحَلوى: (حنث)؛ لأن عينه غيرُ مأكول؛ لعدم جريان العادة باستعماله كذلك؛ فينصرف إلى ما يُتَّخذ منه. * (ولو استفَّه كما هو: لم يحنث). قال قاضيخان، وصاحب (الهداية))، والزاهديُّ: هو الصحيح؛ لتعيُّن المجاز مراداً. ((تصحیح)). [حلف : لا يكلِّم فلاناً : ] * (وإن حلف: لا يكلِّم فلاناً، فكلَّمه وهو بحيث يَسمع) كلامه، (إلا أنه نائمٌ: حنث)؛ لأنه قد كلَّمه، ووصل إلى سَمْعه، لكنَّه لم يَفْهم لنَوْمه، فصار كما إذا ناداه من بعيد، وهو بحيث يسمع، لكنَّه لم يفهم؛ لتغافله. وفي بعض روايات ((المبسوط)): شُرِطَ أن يوقظه، وعليه مشايخنا؛ لأنه إذا لم ينتبه: كان كما إذا ناداه من بعيد وهو بحيث لا يَسمع صوتَه. ((هداية))، ومثله في ((المجتبى)). ٣٧ كتاب الأيمان وإن حلف : لا يكلِّمُه إلا بإذنه، فأَذِن له، ولم يَعلَم بالإذن حتى كلَّمه : حنث في يمينه. وإذا استحلف الوالي رجلاً ليُعْلِمَه بكل دَاعٍِ دَخَلَ البلدَ : فهذا على حال ولايته خاصَّةً. * (وإن حلف: لا يكلِّمُه إلا بإذنه، فأذن له) المحلوفُ عليه بكلامه، (و) لكن (لم يَعلَم) الحالفُ (بالإذن حتى كلَّمه: حَنِثَ في يمينه)؛ لأن الإذن مُشتَقٌّ من الأذان، الذي هو الإعلام، أو: من الوقوع في الأَذُن، وكلّ ذلك لا يتحقّق إلا بالسَّماع. وُ وقال أبو يوسف: لا يحنث؛ لأن الإذن هو الإطلاق، وإنه يتمّ بالإذن، کالرضا. قلنا: الرضا من أعمال القلب، ولا كذلك الإذن، على ما مرَّ. ((هداية)). * (وإذا استحلف الوالي رجلاً ليُعْلِمه بكل دَاعِرٍ): أي مُفْسد (دَخَلَ البلدَ: فهذا) الحلف مقصورٌ (على حال ولايته خاصَّةً)؛ لأن مقصود الوالي دفعُ شرِّ الداعِرِ بزَجْره، وهذا إنما يكون حال ولايته، فإذا مات، أو عُزِل: زالت اليمين، ولم تَعُدْ بعَوْده. كما في ((الجوهرة)). ٣٨ كتاب الأيمان ومَن حلف : لا يركبُ دابَّةَ فلانٍ، فركب دابَّة عبده: لم يَحنث. [حلف : لا يركب دابَّة فلان، فركب دابَّة عبده: ] * (ومَن حلف: لا يركب دابَّةَ فلانٍ، فركب دابَّة عبده) المأذون له، سواء كان مديوناً(١) أوْ لا: (لم يَحنث) عند أبي حنيفة(٢). * إلا أنه إذا كان عليه (٣) دَيْنٌ مستغرِقٌ: لا يحنث وإن نوى (٤)؛ لأنه لا ملْكَ للمولى فيه عنده(٥). * وإن كان الدينُ غيرَ مستغرِقٍ، أو لم يكن عليه دَيْنٌ: لا يحنث ما لم ينوه (٦)؛ لأن الملك فيه للمولىُ، لكنَّه يضاف إلى العبد عرفاً وشرعاً. (١) أي العبد. (٢) إلا إذا نوى دابَّة عبده: فيحنث، وإنما لا يحنث بركوب دابة عبده وإن لم يكن عليه دين، أو كان: لكنه غير مستغرق؛ فلأن الملك فيه وإن كان للمولى، لكنَّه عرضت إضافته إلى العبد عرفاً وشرعاً، فاختلَّت إضافة المال إلى الولي وإن كان ملكاً له، فقصَّر الإطلاق عن تناوله إلا بالنية. ينظر فتح القدير ٣٩٤/٤. (٣) أي على العبد. (٤) أي وإن نوى الحالفُ دابَّة عبده. فتح القدير ٣٩٤/٤. (٥) أي عند أبي حنيفة، فلا مِلْكَ للمولى في العبد الذي استغرق دينٌ كسبَه. البناية ٦ / ٧١. (٦) فإن نواه: حنث. ٣٩ کتاب الأيمان ومَن حلف : لا يدخلُ هذه الدارَ، فوقف على سطحها، أو دَخَلَ دِهْلیزَها : حنث. وقال أبو يوسف في الوجوه كلّها: يحنث إذا نواه؛ لاختلال الإضافة. وقال محمد: يحنث وإن لم ينوٍ؛ لاعتبار حقيقة الملك، إذ الدَّين لا يمنع وقوعه للسيِّد عندهما(١)، كما في ((الهداية)). قال في التصحيح: وعلى قول أبي حنيفة مشى الأئمَّة المصحِّحون. اهـ [حلف: لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها :] * (ومَن حلف: لا يدخلُ هذه الدار، فوقف على سطحها، أو دَخَلَ دِهْليزَها: حنث)؛ لأن السطح من الدار، ألا ترى أن المعتكف لا يفسد اعتكافه بالخروج إلى سطح المسجد. وقيل: في عُرْفنا: لا يحنث. ((هدایة)). ووفَّق الكمالُ بحَمْل الحنث على سطحِ له ساتِرٌ، وعدمِه: على مقابله. (١) أي أبي يوسف ومحمد. البناية ٦/ ٧٢. ٤٠ کتاب الأيمان وإن وقف في طاق الباب، بحيث إذا أُغلق البابُ كان خارجاً : لم يحنث . ومَن حلف: لا يأكل الشِّواءَ : فهو على اللحم، دون الباذنجان، والجزر. ومَن حلف : لا يأكلُ الطبيخَ : فهو على ما يُطبَخُ من اللحم. وفي ((البحر)): والظاهر عدم الحنث في الكل؛ لأنه لا يسمَّى داخلاً عرفاً. * (وإن وقف في طاق الباب)، وكان (بحيث إذا أُغلق الباب كان خارجاً) عنه: (لم يحنث)؛ لأن الباب: لإحراز الدار، وما فيها؛ فلم يكن الخارجُ: من الدار. [حلف: لا يأكل الشِّواء : ] * (ومَن حلف: لا يأكل الشَّواءَ: فهو) أي: حَلِفُه (على اللحم) المشويِّ فقط، (دون) غيره ممَّا يُشْوى، مثلُ (الباذنجان، والجزر)، ونحوه؛ لأنه المراد عند الإطلاق، إلا أنْ ينويَ مطلَق ما يُشوى؛ لمكان الحقيقة. [حلف : لا يأكل الطبيخ : ] * (ومَن حلف: لا يأكل الطبيخ: فهو على ما يُطبخ من اللحم)؛ استحساناً؛ اعتباراً للعرف، وهذا لأن التعميم متعذّرٌ، فيُصرف إلى