النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب السرقة
فيه : وَجَبَ عليه القَطْعُ.
فيه)، ولا تأويل، بمرَّة واحدة، اتَّحد المالكُ، أم تعدّد: (وَجَبَ عليه
القَطْعُ(١)).
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَهُوَ أْ أَيْدِيَهُمَا﴾
الآية(٢).
* ولا بدَّ من اعتبار العقل، والبلوغ؛ لأن القطع جزاء الجناية،
وهي لا تتحقق بدونهما.
قيَّدنا بالنطق؛ لأن الأخرس لا يُقطَع؛ لاحتمال نطقه بشبهة.
وبالبصير؛ لأن الأعمى لا يُقطَع؛ للشبهة، وبالاشتباه عليه.
ود
* وقَيَّد بعشرة دراهم؛ لأن النصَّ الوارد في حق السرقة مُجْمَلٌ
في حق القيمة، وقد وَرَدَ في السُّنَّة بيانُه في الجملة بثمن المِجَنِّ،
وقال أصحابنا: المجَنُّ الذي قُطعت فيه اليد على عهد النبي صلى الله
عليه وسلم كان يساوي عشرة دراهم (٣).
(١) وسيأتي في آخر كتاب السرقة ص ٥٢٠، ذكر شرطٍ مهم للقطع، وهو
حضور المسروق منه، ومطالبته بالقطع.
(٢) المائدة/٣٨.
(٣) روى النسائي في السنن ٨٣/٨ (٤٩٤٨ - ٤٩٥٦) وبطرق عديدة، أن ثمن
المجن الذي كان يُقْطَع فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارٌ أو عشرة
دراهم، وفي رواية: كان ثمنه عشرة دراهم، وينظر نصب الراية ٣٥٥/٣.

٥٠٢
كتاب السرقة
[ما يشترط في الدراهم المسروقة : ]
* وعمَّم في الدراهم بقوله: مضروبةً أو غيرَ مضروبة، وهو رواية
الحسن عن أبي حنيفة (١).
لكن ظاهر الرواية: يشترط المضروب، وبه قال أبو يوسف
ومحمد، وهو الأصح؛ لأن اسم الدرهم يُطلَق على المضروب عُرْفاً.
وظاهر كلام ((الهداية)) يدل على أن عبارة المصنِّف مقيّدةٌ
بالمضروبة، حيث قال: وقد تأيَّد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا
قطع إلا في دينارٍ، أو عشرة دراهم))(٢)، واسمُ الدراهم يطلق على
المضروبة، فهذا يبيِّن لكَ اشتراطَ المضروب، كما قال في
((الكتاب)»(٣)، وهو ظاهر الرواية، وهو الأصحُّ؛ رعايةً لكمال الجناية.
(١) كما في الكفاية للخوارزمي ١٢٤/٥.
(٢) شرح معاني الآثار ٩٣/٢، وللحديث طرق وشواهد تقويه، كما في نصب
الراية ٣٥٥/٣ - ٣٦٠، وفيه كلام طويل.
(٣) سيأتي بعد قليل جداً، النقل عن غاية البيان، بأن نص مختصر القدوري
(الكتاب) لم يأت مقيداً بالمضروبة، وأن النقل عنه فيه نظر.
بل قال العلامة قاسم في تصحيح القدوري ص ٤٧٨: ((قلت: عبارة القدوري
كما ذكرناه ــ أي مضروبة أو غير مضروبة -، فإما أن صاحب الهداية وقعت له نسخة
كما ذَكَر، أو أراد بالكتاب : كتابَ محمد - أي الأصل -، فإنه فيه كذلك)). اهـ
وأما بالنسبة لنسخ القدوري التي يسَّر لي الله جمعها، المخطوطة والمطبوعة،
=

٥٠٣
كتاب السرقة
حتى لو سرق عشرةً تِبْراً، قيمتُها أنقصُ من عشرةٍ مضروبةٍ: لا
يجب القطع . اهـ
وتَبِعَه في ذلك الكمال (١) في ((الفتح)) قائلاً: كما ذَكَره القدوري.
* لكن في ((غاية البيان))(٢)، بعد نَقْله كلام ((الهداية)): وهذا
صحيح: لكن في نَقْله عن القدوري نَظَرٌ؛ لأن الشيخ أبا نصرٍ الأقطع
ذكرَ في ((الشرح)) - وهو تلميذُ القدوري - روايةَ المختصر، ولم يقيِّد
بالمضروبة، بل أثبت الروايةَ بقوله: مضروبةً، أو غيرَ مضروبة، ثم
قال: أما قول صاحب ((الكتاب)): ((عشرةُ دراهم مضروبة، أو غير
مضروبة)): فهو قول أبي حنيفة.
ثم قال: وروى بِشْرٌ عن أبي يوسف، وابنُ سماعة عن محمد:
فيمن سرق عشرة دراهم تبرا: لا يُقْطَع. اهـ
[القَدْر الذي يُقْطَع فيه : ]
* وقوله: ((أو ما يبلغ قيمتُه عشرة دراهم)): إشارةٌ إلى أن غير
الدراهم يُعتبر قيمته بها وإن كان ذهباً، كما في ((الهداية).
ففيها كلها: مضروبة أو غير مضروبة، وكذلك في شرح زاد الفقهاء للإسبيجابي، وفي
الجوهرة، وخلاصة الدلائل، وغيرها.
(١) أي ابن الهمام، وكذلك من قبله الخوارزمي في الكفاية ١٢٤/٥.
(٢) نقل هذا عن الإتقاني العيني في البناية ٣٨٠/٦ (ط بيروت)، ٨/٩(ط باكستان).

٥٠٤
كتاب السرقة
والعبدُ، والحُرُّ في القطع سواءٌ.
ويجب القطعُ بإقراره مرةً واحدةً،
[اشتراط الحرز للقطع : ]
وقيّد بالحرْز؛ لأن الاستسرار لا يتحقق دونه.
ويشترط أن يكون الحرْز واحداً، فلو سرق نصاباً من حِرْزين
مختلفين : لا يُقطع.
وشُرِط عدم الشبهة؛ لأن الشبهة دارئة للحد.
وكذا التأويل، كما يأتي.
* وقيَّدنا بمرة واحدة؛ لأنه لو سرق نصاباً واحداً من حرزٍ واحد
بمرتين، فأكثر: لا يُقطع.
[لا فرق في حد السرقة بين الحر والعبد : ]
* (والعبدُ، والحُرُّ في القطع سواء)؛ لأن التنصيف متعذَّرٌ،
فيتكامل الجزاء؛ صيانةً لأموال الناس.
[ثبوت السرقة بالإقرار أو بالشهادة : ]
* (ويجب القطع بإقراره مرةً واحدةً). قال في (الهداية)): وهذا
عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا يُقطع إلا بالإقرار مرتين.

٥٠٥
كتاب السرقة
أو بشهادة شاهدیْن.
وإذا اشترك جماعةٌ في سرقةٍ، فأصاب كلَّ واحدٍ منهم عشرةُ
دراهم : قُطِعوا.
ويُروى عنه: أنهما في مجلسَيْن مختلفَيْن. اهـ
قال في ((التصحيح)): وتقدَّم تصحيحُ الإسبيجابي لقولهما، وعليه
اعتمد الأئمة، كما هو الرَّسم.
* (أو بشهادة شاهدَيْن)؛ لتحقق الظهور، كما في سائر الحقوق.
: ويسألهما الإمامُ: كيف هي؟ وما هي؟ ومتى هي؟ وأين هي؟
وكم هي؟ وممن سَرَق؟؛ لزيادة الاحتياط، واحتيالاً للدرء، كما مرَّ
في الحدود.
* وكذا يسأل المُقرَّ عن الكلّ، إلا الزمان(١)، وما في ((الفتح)): إلا
المكان: تحريفٌ، كما في ((النهر)).
[اشتراك جماعة في السرقة : ]
(وإذا اشترك جماعةٌ في سرقة، فأصاب كلَّ(٢) واحد منهم)
بالقسمة على السوية (عشرة دراهم)، أو ما تبلغ قيمتُه ذلك: (قَطعوا)
(١) لأن التقادم لا يُبطل الإقرار. فتح القدير ١٢٧/٥.
(٢) هكذا: ((كلَّ واحدٍ عشرةُ)): بفتح: ((كل))، وضم: ((عشرة))، وفي نسخ أخرى
من القدوري بالعكس: «كلّ واحدٍ عشرةَ))، والمعنى واحد.

٥٠٦
كتاب السرقة
وإن أصابه أقلُّ من ذلك : لم يُقْطَع .
ولا يُقطَع فيما يوجد تافِهاً، مباحاً في دار الإسلام، كالخشب،
والقَصَبِ، والحشيشِ، والسمكِ، والطيرٍ، والصيد.
جميعاً وإن كان الآخذُ بعضَهم؛ لوجود الأخذ من الكل معنىً؛ لأن
المعتاد أن يتولىُ الأخذَ بعضُهم، ويستعدَّ الباقون للدَّفع.
(وإن أصابه): أي كلَّ واحدٍ منهم (أقلُّ من ذلك: لم يُقْطَع)
31
واحدٌ منهم؛ لأن الموجبَ له سرقةَ النصاب، ويجب القطع على كل
واحدٍ بجنايته، فيُعتبر كمال النصاب في حقه.
[ما لا يُقْطَع فيه : ]
* (ولا يُقطع فيما يوجد تافِهاً): أي حقيراً، ويوجد جنسُه (مباحاً
في دار الإسلام)، وذلك (كالخشب والقَصَب والحشيش والسمك
والطيرِ والصيدِ)، والمَغْرَةِ(١)، والنُّوْرةِ(٢)، والزِّرنيخِ(٣)، ونحو ذلك.
(١) المَغْرَة: بفتح الميم، وسكون الغين، وتفتح: طين أحمر تُصْبَغ به الثياب،
القاموس (مغر)، النهاية لابن الأثير ٤ /٣٤٥.
(٢) بضم النون: حجر الكِلْس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكِلْس من
زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر. المصباح المنير (نور).
(٣) بكسر الزاي، وهو فارسي معرَّب، كما في المصباح المنير، وهو عنصر
شبيه بالفلزات، ومركباته سامة، يستخدم في الطب، وقتل الحشرات وغيرها. المعجم
الوسيط ٣٩٣/١.

٥٠٧
كتاب السرقة
وكذلك لا قَطْعَ فيما يُسرِعُ إليه الفسادُ، كالفواكهِ الرَّطْبةِ،
واللحمٍ، واللبنٍ، والبِطَيخ.
ولا في الزَّرع الذي لم يُحْصَد، والثمرٍ على الشجر.
لأن ما يوجد مباحاً في الأصل بصورته: تَقِلُّ الرغبات فيه،
والطباعُ لا تَضِنُّ به، فقلَّما يوجد أَخْذُه على كُرْهٍ من المالك، فلا
حاجة إلى شَرْع الزاجر؛ ولهذا لم يجب القطع بما دون النصاب،
ولأن الحرز فيه ناقصٌ.
* (وكذلك لا قَطْعَ فيما يُسرِعُ إليه الفساد)، بأن لا يبقى سنةً،
كما في القَهُسْتاني، عن ((المضمرات))، (كالفواكه الرَّطْبة، واللحم،
واللبن، والبطيخ)، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا قَطْعَ في
(١)
الطعام))(١).
قالوا: معناه: ما يَتَسَارَع إليه الفساد؛ لأنه يُقطع في الحبوب،
والسُّكَّر، إجماعاً، كما في ((الاختيار)).
* (ولا في الزَّرعِ الذي لم يُحْصَد، والثمرِ (٢) على الشجر)؛
(١) قال الزيلعي في نصب الراية ٣٦٢/٣: غريب بهذا اللفظ، وأخرج أبو داود
في المراسيل (٢٤٥) أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إني لا أقطع في الطعام))، ولابن
أبي شيبة في المصنف ٤٧٩/١٤ (٢٩١٨٠) عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم
أُتِيَ برجلٍ سرق طعاماً، فلم يقطعه، ولم يعلَّه عبد الحق في أحكامه إلا بالإرسال. اهـ
(٢) في أكثر نسخ القدوري: ((والفاكهة))، بدل: ((والثمر)).

٥٠٨
كتاب السرقة
ولا قَطْعَ في الأشربة المُطْرِبة، ولا في الطُّنْبُورِ .
ولا في سرقة المصحف وإن كان عليه حِلیةٌ .
.
ولا في الصليبِ الذهبِ، .
لعدم الإحراز.
* (ولا قَطْعَ في الأشربة المُطْرِبة(١))؛ لاحتمال أنه تناولها
للإراقة، ولأن بعضَها ليس بمالٍ، وفي مالية بعضها اختلافٌ، فتتحقق
شبهة عدم المالية.
ءِ
(ولا في الطّنْبُورِ)، وجميع آلات اللهو؛ لاحتمال تناوله
للكسر، نهياً عن المنكر.
* (ولا في سرقة المصحف)؛ لأنه يَتَأوَّل في أَخْذه القراءةَ،
والنظرَ فيه، (وإن(٢) كان عليه حِليةٌ) تبلغ نصاباً؛ لأنها تَبَعٌ، ولا
معتبر بالتَّبَع، كمن سَرَقَ آنيةً وفيها خمرٌ، وقيمةُ الآنية تزيد على
النصاب.
* (ولا في) سرقة (الصليبِ)، أو الصَّنَم (الذهبِ)، أو الفضة؛
لأنه مأذون في کَسْره.
(١) أي المُسكِرة. البناية ٦/ ٣٩٣.
(٢) (إن): هنا وصلية.

٥٠٩
كتاب السرقة
ولا في الشِّطْرَنْجِ، ولا الَّرْدِ.
ولا قَطْعَ على سارقِ الصبيِّ الحرِّ وإن كان عليه حُلِيٌّ.
ولا قَطْعَ في سرقة العبدِ الكبير .
ويُقْطَعُ في سرقة العبدِ الصغير.
ولا قَطْعَ في الدفاتِ كلِّها،
* (ولا في) سرقة (الشِّطْرنج (١)، ولا الثَّرْد)؛ لأنها من الملاهي،
كما مرَّ.
* (ولا قطْعَ على سارقِ الصبي الحرِّ وإن كان عليه حُلِيٌّ) يبلغ
النصابَ؛ لأن الحرَّ ليس بمالٍ، والحِلْيَةَ تَبَعٌ له.
* (ولا قَطْعَ في سرقة العبدِ الكبير)؛ لأنه غَصْبٌ، أو خداعٌ؛ لأنه
في يد نفسه.
(ويُقْطعُ في سرقة العبد الصغير) الذي لا يُعبِّر عن نفسه؛ لأنه
مالٌ، ولا يَدَ له على نفسه، كالبهيمة.
: وإذا كان يُعبِّر عن نفسه: فهو والبالغ سواء.
(ولا قَطْعَ في) سرقة (الدفاتر (٢) كلَها)؛ لأنها لو: شرعيةً،
(١) بكسر الشين، ولا تفتح. القاموس المحيط (شطر).
(٢) الدفتر: الكتاب المكتوب. المغرب ٢٩٠/١، وفي البناية ٣٩٩/١٢:
الدفاتر: أي الصحائف.

٥١٠
كتاب السرقة
إلا في دفاترِ الحساب.
ولا قَطْعَ في سرقة كلبٍ، ولا فهدٍ، ولا دُفٍّ، ولا طَبْلٍ، ولا
مِزْمَارٍ .
ككتب تفسيرٍ، وحديثٍ، وفقه: فكمصحف، وإلا: فكطُنْبور(١)، كما
في ((الدر)).
* (إلا في دفاتر الحساب)؛ لأن المقصودَ وَرَقُها، فيُقْطَع بها إن
بلغت نصاباً.
(ولا قَطْعَ في سرقة كلبٍ، ولا فهد)، ونحوه، ولو عليه
ء
طَوْقٌ من ذهب؛ لأن من جنسهما(٢) مباحَ الأصل، وما عليها: تَبَعٌ
لها.
* (ولا) في سرقة (دُفِّ(٣)، ولا طَبْلٍ، ولا مِزْمَارٍ)؛ لأنها من
(١) أي في تأويل أخذها لإزالة ما فيها، نهياً عن المنكر. ابن عابدين ١٢/ ٣٣٢
(ط دمشق).
(٢) هكذا: ((جنسهما)): بالتثنية، رجح العيني في البناية ٢٧/٩، وفي نسخ من
الهداية بالإفراد: ((جنسها))، والنقل عن الهداية بدون تصريح.
(٣) الدف ليس من آلات اللهو، بل هو مما أباحه الشارع، فهو متقوِّم شرعاً،
لكن يحتمل أنه يُستعمل في غير المباح، فيتأوَّل أخذه لإزالة المنكر، ولذا لم يجب
القطع في أخذه. ينظر فتح باب العناية ٤٠٤/٢، فقد نص على أن الدف مباح،
وكذلك تبيين الحقائق ٢١٧/٣.

٥١١
كتاب السرقة
ويُقْطَعُ في السَّاجِ، والقَنَا، والأَبْنُوسِ، والصَّنْدلِ.
وإذا أُّخِذَ من الخشب أوانٍ، أو أبوابٍ : قُطِعَ فيها.
ولا قَطْعَ على خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا نَبَّاشٍ،
.
آلات اللهو.
[ما يُقْطَع فيه : ]
(ويُقطع في) سرقة خشب (السَّاجِ). قال الزَّمَخْشَري: هو خشبٌ
أسودُ رَزِين، يُجْلَب من الهند، ولا تكاد الأرض تُبْليه.
(والقَنَا): جمع: قناة، وهي الرُّمْحُ.
(والآبْنُوسِ): خشبٌ معروفٌ أشدُّ سواداً من الساج.
(والصَّنْدل) شجرٌ طيب الرائحة، وكذا العود؛ لأنها أموال مُحْرَزة
عزيزةٌ عند الناس، ولا توجد بصورتها مباحةً في دار الإسلام.
* (وإذا أُّخِذ من الخشب) الذي لا يُقْطَع به (أوانٍ)، كصندوقٍ،
وقَصْعةٍ، (أو أبوابٍ: قُطِعَ فيها) إذا كانت مُحْرَزة؛ لأنها بالصنعة:
التحقت بالأموال النفيسة.
:(ولا قَطْعَ على خائنٍ) لما ائتُمن عليه، کمودَع، (ولا خائنة)؛
لقصور الحرز.
* (ولا) على (نَبَّاشِ) للقبر، سواء كان في الصحراء، أو البيت

٥١٢
كتاب السرقة
ولا مُنْتَهِبٍ، ولا مُخْتَلِسٍٍ.
ولا يُقْطَعُ السارقُ من بيت المال.
ولا من مالٍ للسارق فيه شركةٌ.
ولو مقفَلاً؛ للشبهة في الملك؛ لأنه لا ملك للميت حقيقة، ولا
للوارث؛ لتقدم حاجة الميت.
قال الإسبيجابي: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: عليه القطع.
والصحيحُ قولُهما، واعتمده الأئمة المحبوبي، والنسفي،
وغيرهما. ((تصحیح)).
* (ولا) على (مُنْتهِبٍ)، وهو الآخذُ قهراً.
* (ولا مُخْتَلسٍ)، وهو الآخذُ من اليد بسرعة على غَفْلة؛ لأن
كلاً منهما يجاهِر بفعله، فلم يتحقق معنى السرقة.
(ولا يُقطع السارق من بيت المال)؛ لأنه مال للعامة، وهو
*
منهم.
* (ولا من مالٍ للسارق فيه شركةٌ)؛ لأن له فيه حقاً.
* ومَن له على آخر دراهم، فسرق منه مثلَها: لم يُقْطَع؛ لأنه
استيفاءٌ لحقِّه، والحالُّ والمؤجَّلُ فيه سواءٌ؛ لأن التأجيل لتأخير
المطالبة.

٥١٣
كتاب السرقة
ومَن سَرَقَ من أبويه، أو ولده، أو ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه: لم يُقْطَع.
* وكذا إذا سَرَقَ زيادةً على حقه؛ لأنه بمقدار حقِّه يصير شريكاً
فیه.
؛ وإن سرق منه عروضاً: قُطعَ؛ لأنه ليس له ولاية الاستيفاء منه
إلا بيعاً بالتراضي.
وعن أبي يوسف: أنه لا يُقطع؛ لأن له أن يأخذه عند بعض
العلماء(١) قضاءً من حقه، أو رهناً به. ((هداية)).
* (ومَن سَرَقَ من أبويه، أو ولده، أو ذي رَحِم مَحْرم(٢) منه: لم
يُقْطَع).
(١) وهو ابن أبي ليلى، فإن عنده: له أن يأخذ خلاف جنس حقه، لوجود
المجانسة من جنس المالية، وبه قال الشافعي أيضاً، فيصير اختلاف العلماء شبهة
للسقوط. ينظر البناية ٤٠٨/٦، العناية للبابرتي ١٥٩/٥.
وقد صرَّح صاحب الهداية ١٢٣/٢ بردِّ هذا القول، وأنه لا يعتبر؛ لأنه لا يستند
إلى دليل، أما الحصكفي في الدر المختار ٢٣٩/١٢ (مع ابن عابدين ط دمشق) فقد
نقل عن الزاهدي في المجتبى أن قول أبي يوسف أوسع، وأنه يُعمل به عند الضرورة.
اهـ، ونقل ابن عابدين عن شرح نظم الكنز للمقدسي قال: ((ونَقَلَ جدُّ والدي لأمه
الجمال الأشقر في شرحه للقدوري: أن عدم جواز الأخذ من خلاف الجنس، كان في
زمانهم؛ لمطاوعتهم في الحقوق، والفتوى اليوم على جواز الأخذ عند القدرة من أي
مال کان، لا سيما في ديارنا؛ لمداومتهم للعقوق. اهـ.
(٢) كالأخ، والأخت، والعم، والخال.

٥١٤
كتاب السرقة
وكذلك إذا سَرَقَ أحدُ الزوجين من الآخر، أو العبدُ من سيده، أو
من امرأةٍ سيِّدِهِ، أو من زوج سيِّدَتِه، والمولى من مكاتبِه، .
فالأول، وهو الولاد؛ للبسوطة في المال، وفي الدخول في
الحرز(١).
والثاني؛ للمعنى الثاني(٢).
* فلو سَرَقَ من بيت ذي الرحم المَحْرَم متاعَ غيره: ينبغي أن لا
يُقطع.
* ولو سرق مالَه(٣) من بيت غيره: قُطْعَ؛ اعتباراً للحرز، وعدمه،
كما في ((الهداية)).
* (وكذلك): أي لا يقطع (إذا سَرَقَ أحدُ الزوجين من الآخر، أو
العبدُ من سيده، أو من امرأة سيده، أو من زوج سيدته)؛ لوجود
الإذن بالدخول عادة.
* (و) كذا إذا سَرَقَ (المولى من مكاتبه)؛ لأن له في أكسابه حقاً.
(١) أي يدخل في الحرز بدون إذن. البناية ٦ / ٤١٣.
(٢) أي عدم القطع في السرقة من ذي الرَّحم المَحْرم، لكونه يدخل في الحرز
بدون الإذن. البناية ٤١٥/٦.
(٣) أي مال ذي رحم محرم. البناية ٤١٥/٦.

٥١٥
كتاب السرقة
والسارقُ من المَغْنَم .
والحِرْزُ على ضربَيْن : حِرْزٌ لمعنىً فيه، كالبيوت والدُّور، وحِرْزٌ
بالحافظ .
فمَنِ سَرَقَ شيئاً من حِرْزٍ، .
.
(و) كذا (السارقُ من المَغْنَم) إذا كان له نصيب فيها(١): في
الأربعة أخماس، أو في الخُمُس، كالغانِمِيْن؛ لأن لهم فيهم نصيباً.
* أما غيرهم: فينبغي أن يُقطع، إلا أن يُقال: إنه مباح الأصل،
وهو بعدُ على صورته التي كان عليها، ولم يتغيَّر، فصار بقاؤه شبهة،
فسقط القطع، كما في ((غاية البيان)).
[الحرز، وأنواعه : ]
(والحِرْزُ على ضربَيْن: حِرْزٌ لمعنىً فيه)، وهو المكان المعدُّ
للإحراز، وذلك (كالبيوت، والدُّور)، والحانوت، والصندوق،
والفُسْطاط، وهو الحرز حقيقة.
* (وحرْزٌ بالحافظ)، كمن جَلَسَ في الطريق، أو المسجد وعنده
متاعه، فهو مُحْرَزٌ به، فيكون حِرْزاً معنىً.
* (فمَن سَرَقَ شيئاً من حِرْزٍ)، وإن لم يكن صاحبه عنده، أو لم
(١) أي في الغنيمة. البناية ٩ / ٤٤.

٥١٦
كتاب السرقة
أو غير حِرْز، وصاحبُه عنده يحفظُه : وَجَبَ عليه القطعُ.
ولا قَطْعَ على مَن سَرَقَ من حَمَّامٍ، أو من بيتٍ أُذِنَ للناس في
دخوله .
ومَن سرق من المسجد متاعاً وصاحبُه عنده : قُطِع.
يكن له بابٌ، أوْ له: وهو مفتوح، (أو) من (غير حِرْز، و) لكن
(صاحبَه عنده يحفظُه)، سواء كان مستيقظاً أو نائماً، والمتاعُ تحته، أو
عنده، هو الصحيح؛ لأنه يُعدُّ النائم عند متاعه حافظاً له في العادة.
((هداية)): (وَجَبَ عليه القطع)؛ لأنه سَرَقَ مالاً مُحْرَزاً بأحد الحِرْزَيْن.
[لا قطع على مَن سَرَق من حانوت أُذن له في دخوله : ]
* (ولا قطعَ على مَن سَرَقَ من حَمَّام) في وقتِ جرت العادة
بدخوله فيه، وكذا حوانيت التجار، والخانات؛ لوجود الإذن عادة.
* فلو سرق في غير وقت الإذن المعتاد: قُطع؛ لأنها بُنيتْ
للإحراز، وإنما الإذن مختَصُّ في وقت العادة.
* (أو من بيتٍ أُذِنَ للناس في دخوله)؛ لوجود الإذن حقيقةً.
(ومَن سرق من المسجد متاعاً وصاحبُه عنده: قُطِع)؛ لأنه مُحرَزٌ
بالحافظ؛ لأن المسجد ما بُنيَ لإحراز الأموال، فلم يكن المال محرَزاً
بالمكان.
** بخلاف الحمَّام، والبيتِ الذي أُذن للناس في دخوله، حيث لا

٥١٧
كتاب السرقة
ولا قَطْعَ على الضيف إذا سَرَقَ ممن أضافه.
وإذا نَقَبَ اللصُّ البيتَ، ودخل، فأخذ المالَ، وناوله آخرَ خارجَ
البيت : فلا قَطْعَ عليهما.
وإن ألقاه في الطريق، ثم خرجَ، فأخذه : قُطِع.
يُقطع وإن كان صاحبُه عنده؛ لأنه بُني للإحراز؛ فكان المكان حرْزاً؛
فلا يعتبر معه الإحراز بالحافظ؛ لأنه أقوى، كما في ((الهداية)).
* (ولا قطعَ على الضيف إذا سَرَقَ ممن أضافه)؛ لأن البيت لم
يبق حِرْزاً في حقه؛ لكونه مأذوناً في دخوله، ولأنه بمنزلة أهل الدار،
فيكون فعلُه خيانةً، لا سرقةً.
(وإذا نَقَبَ اللصُّ البيتَ، ودخل، فأخذ المال، وناوله آخرَ
خارجَ البيت: فلا قطعَ عليهما)؛ لأن الأول لم يوجد منه الإخراج،
لاعتراض يد معتَبَرةٍ على المال قبل خروجه، والثاني لم يوجد منه
هَتْك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد.
قال جمال الإسلام: وهذا قول أبي حنيفة(١)، وعليه مشى الأئمة
المحبوبي، والنسفي، والموصلي، وغيرهم. ((تصحیح)).
(وإن ألقاه): أي ألقى اللِّصُّ المتاعَ (في الطريق) قبل أن
يَخرج، (ثم خرجَ، فأخذه: قُطع)؛ لأن الرمي حيلةٌ يعتادها السُّرَّاقُ؛
(١) خاصة، وقال مَن عداه: يُقطع، كما في تصحيح القدوري ص ٤٨٢.

٥١٨
كتاب السرقة
وكذلك إن حمَلَه على حمارٍ، فسَاقَه، فأخرجه.
وإذا دخل الحرزَ جماعةٌ، فتولى بعضُهم الأخذَ : قُطِعوا جميعاً.
ومَن نَقَبَ البيتَ، وأدخَلَ يدَه فيه، فأخذَ شيئاً : لم يُقْطَع.
لتعذر الخروج مع المتاع، أو ليتفرغ لقتال صاحب الدار، أو للفرار،
ولم تعترض عليه يدٌ معتبَرَة، فاعتُبر الكلّ فعلاً واحداً.
* وإذا خرجَ، ولم يأخذه: فهو مضيِّعٌ، لا سارق. ((هداية)).
* (وكذلك): أي قُطِع (إن حمَلَه): أي المتاعَ (على حمارٍ،
فَسَاقَه، فأخرجه)؛ لأن سَيْره مضافٌ إليه لسَوْقه.
* (وإذا دخل الحرزَ جماعةٌ، فتولى بعضُهم الأخذَ)، دون
البعضِ: (قُطِعوا جميعاً)؛ لأن الإخراج من الكل معنىً
للمعاوَنَة، وهذا لأن المعتاد فيما بينهم: أن يَحمل البعضُ
المتاعَ، ويَتَشَمَّر الباقون للدفع، فلو امتَنَع القطع: أدَّى إلى سدٍّ
باب الحد.
* (ومَن نَقَبَ البيتَ، وأدخَلَ يدَه فيه) من غير أن يدخل، (فأخذَ
شيئاً) يبلغ النصاب: (لم يُقْطَع)؛ لأن هَتْك الحِرز: بالدخول فيه، ولم
يوجد.
قال بهاء الدين في ((شرحه)): وعن أبي يوسف: أنه يُقْطَع،
والصحيحُ قولنا، واعتمده البرهاني، وغيرُه. ((تصحيح)).

٥١٩
كتاب السرقة
وإن أَدخل يدَه في صندوقِ الصَّيْرَفيِّ، أو في كُمِّ غيره، فأخذ
المالَ : قُطع.
وتُقْطَعُ يمينُ السارق من الزَّنْد، وتُحْسَم.
فإن سرقَ ثانياً : قُطِعت رِجْلُه اليسرى.
(وإن أدخل يدَه في صندوقِ الصَّيْرَفي، أو في كُمِّ غيره، فأخذ
المالَ: قُطع)؛ لتحقق هَتْك الحرز؛ لأنه لا يمكن هَتْك مثل هذا الحرز
إلا على هذه الصفة.
[كيفية القطع في عقوبة السرقة :]
(وتُقْطَع يمينُ السارق من الزَّنْد)، وهو المفْصَل بين الذراع
والكف، (وتُحْسَم) وجوباً؛ لأنه لو لم تُحْسَم: يُفضي إلى التلف،
والحدُّ زاجرٌ، لا مُتْلِف.
وصورة الحسم: أن تُجعل يده بعد القطع في دُهْن قد أُغليَ
بالنار؛ لينقطع الدم.
* قال في ((الذخيرة)): والأجرة، وثمن الدهن على السارق؛ لأن
منه سببَ ذلك، وهو السرقة. ((جوهرة)).
[تكرار السرقة بعد إقامة الحدّ : ]
(فإن سَرَقَ ثانياً: قُطعت رِجْله اليسرىُ) من الكعب، وهو
المِفْصَل بين الساق والقدم، وتُحْسَم أيضاً.

٥٢٠
كتاب السرقة
فإن سرق ثالثاً : لم يُقْطَع، وخُلِّد في السجن حتى يتوب.
وإذا كان السارقُ أشلّ اليد اليسرى، أو أقطعَ، أو مقطوعَ الرَّجْل
اليمنى : لم يُقْطَع .
ولا يُقطعُ السارقُ إلا أن يَحْضُرَ المسروقُ منه، فيطالِبَ .
.
(فإن سرق ثالثاً: لم يُقْطَع)، ولكن عُزِّر، (وخُلِّد في السجن
حتى يتوب).
لما رُويَ عن علي (١) رضي الله عنه أنه قال: ((إني لأستحي من الله
أن لا أدع له يداً يأكل بها، ويستنجيَ بها، ورِجْلاً يمشي عليها))،
وبهذا حاجَّ بقيةَ الصحابة، فحجَّهم، فانعقد إجماعاً. ((هداية)).
* (وإذا كان السارقُ أشلّ اليد اليسرى، أو أقطعَ): أي مقطوعَها،
(أو مقطوعَ الرَّجل اليمنى)، أو أشلَّها: (لم يُقطَع)؛ لأن في ذلك:
تفويتَ جنس المنفعة، بطشاً: فيما إذا كان أشلّ اليد اليسرى، أو
أقطع، ومشياً: فيما إذا كان مقطوعَ الرِّجل اليمنى، أو أشلّ، وتفويتُ
ذلك: إهلاكٌ معنىَ، فلا يُقام الحدُّ؛ لئلا يفضي إلى الإهلاك.
[مطالبة المسروق منه بالقطع : ]
* (ولا يُقطع السارق إلا أن يَحْضُرَ المسروقُ منه، فيطالبَ
(١) الآثار، لمحمد بن الحسن ص ١٣٨، سنن الدارقطني ١٠٣/٣، سنن
البيهقي ٢٧٣/٨، وينظر نصب الراية ٣٧٤/٣، فقد عزاه لغيرهم أيضاً.