النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
حَدُّ الشُّرب المحرَّم
ولا يُحَدُّ حتى يزولَ عنه السُّكْر.
وحَدُّ الخمر، والسُّكْرِ في الحرِّ : ثمانون سَوْطاً، يُفَرَّقُ على بدنه،
کما ذكرنا في الزنا.
لا يوجب الحدَّ، كالبَنْج، ولَبَنِ الرِّماكُ (١)، والشربِ مُكْرَهاً، أو
مضطراً.
* (ولا يُحَدُّ) السكرانُ حالَ سُكرِه؛ بل (حتى يزول عنه السُّكْرِ)؛
تحصيلاً للمقصود - وهو الانزجارُ - بوُجدان الألم، والسَّكْرانُ زائلٌ
العقل، كالمجنون لا يعقل الألم.
[حدُّ السكر ثمانون جلدة : ]
* (وحدُّ الخمر، والسُّكْرِ في الحرِّ ثمانون سَوْطاً)؛ لإجماع
الصحابة (٢) رضي الله تعالى عنهم.
* (يُفَرَّقُ) ذلك (على بدنه، كما ذكرنا في) حَدِّ (الزنا.
(١) الرِّماك: جمع رَمَكة: بالتحريك: مثل: رَقَبة، ورِقاب، وهي: أنثى الفرس
(البرذونة)، تُتَّخذ للنسل. ينظر المغرب (رمك)، المصباح المنير (رمك).
(٢) ينظر صحيح البخاري ٦٦/١٢ (٦٧٧٩)، سنن الترمذي ٤٨/٤ (١٤٤٣)،
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم وغيرهم، أن حدَّ السكران ثمانون، وينظر البناية ٣١٨/٦، المغني لابن قدامة
٣٢٩/١٠.

٤٨٢
حَدُّ الشُّرب المحرَّم
وإن كان عَبْداً: فحدُّه أربعون سَوْطاً.
ومَن أقرَّ بشرب الخمرِ، أو السُّكْرِ، ثم رَجَعَ : لم يُحدَّ.
ويَثْبتُ الشربُ بشهادة شاهدَيْن، أو بإقراره مرةً واحدةً.
وإن كان) الشاربُ (عَبْداً: فحدُّه أربعون سَوْطاً)؛ لأن الرِّقَّ
مُنَصِّفٌ، على ما عُرِف.
[الرجوع عن الإقرار بشرب الخمر : ]
* (ومَن أقرَّ) على نفسه (بشرب الخمر، أو السُّكُرِ، ثم رَجَعَ: لم
يُحدَّ)؛ لأنه خالصُ حقِّ الله تعالى، فيُقْبَلُ فيه الرجوع، كما مرَّ في حدِّ
الزنا.
[إثبات حد الشرب : ]
(ويَثْبتُ الشربُ بشهادة شاهدَيْن)، كسائر الحدود، سوى
الزنا؛ لثبوته بالنص(١).
* (أو بإقراره مرةً واحدةً). قال الإسبيجابي: هو قولُ أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف، وزفر: يشترط الإقرار مرتين.
(١) فيشترط في حد الزنا أربعة شهود، لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّتِى يَأْتِنَ الْفَحِشَةَ
مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾. النساء / ١٥، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَ لَمْيَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدََّ . .. ﴾ النور / ٤.

٤٨٣
حَدُّ الشُّرب المحرَّم
ولا تُقبل فيه شهادةَ النساء مع الرجال.
والصحيحُ قول الإمام، واعتمده المحبوبيَّ، والنسفي، وغيرهما.
((تصحیح)).
* (ولا تُقبل فيه شهادة النساء مع الرجال)؛ لأنه حَدٌّ، ولا مدخل
لشهادة النساء في الحدود. ((جوهرة)).

٤٨٤
باب حَدُّ القَذْف
باب حَدّ القَذْف
إذا قَذَفَ رجلٌ رجلاً مُحْصَناً، أو امرأةً محصَنةً بصريح الزنا،
وطالَبَ المقذوفُ بالحدِّ : حدَّه الحاكمُ ثمانينَ سَوْطاً إن كان حراً.
باب حَدُّ القَذْف
* هو لغةً: الرمي، وشرعاً: الرميُ بالزنا، وهو من الكبائر
بالإجماع. ((فتح)).
[حد القذف ثمانون جلدة : ]
* (إذا قَذَفَ رجلٌ)، أو امرأةٌ (رجلاً محصناً، أو امرأةً محصنةً
بصريح الزنا)، كـ: زنيتَ، أو: يازانية، (وطالَبَ المقذوفُ بالحدِّ:
حدَّه الحاكمُ ثمانينَ سَوْطاً إن كان) القاذفُ (حراً)؛ لقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَآءَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾(١)،
والمراد: الرمي بالزنا بالإجماع. ((هداية)).
** قيَّد بمطالبة المقذوف؛ لأن فيه حقّه، من حيث دَفْع العار عنه.
* وبإحصانه؛ لما تلونا.
* وبالحرِّ؛ لأن العبد على النصف، كما يأتي.
(١) النور / ٤.

٤٨٥
باب حَدُّ القَذْف
يُفرَّق على أعضائه، ولا يُجرَّد من ثيابه، غيرَ أنه يُنْزَعُ عنه الحَشْوُ،
والفَرْوُ.
وإن كان عبداً: جَلَدَه أربعين سَوْطاً.
والإحصانُ: أن يكون المقذوفُ حُرَّاً،.
[كيفية الجلد : ]
(يُفرَّق) ذلك الضربُ (على أعضائه)، كما
سبق.
* (ولا يُجرَّد من ثيابه)؛ لأنه أخفُّ الحدود؛ لأن سببه غيرُ
مقطوع به؛ لاحتمال صِدْقه، (غيرَ أنه يُنْزَعُ عنه الحَشْوُ والفَرْو)؛ لأنه
يمنع إيصال الألم إليه.
[حد القاذف إن كان عبداً : ]
* (وإن كان) القاذف (عبداً: جَلَدَه) الحاكمُ (أربعين سَوْطاً)؛
لمكان الرق، كما سبق.
[معنى الإحصان في حد القذف : ]
* ولما كان معنى الإحصان هنا مغايراً لمعنى الإحصان في
الزنا، فسَّرَه بقوله: (والإحصانُ: أن يكون المقذوفُ حُرَّا)؛ لإطلاق
اسم الإحصان عليه في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى عاقلاً،

٤٨٦
باب حَدُّ القَذْف
بالغاً، مسلماً، عفيفاً عن فِعْل الزنا.
الْمُحْصَنَتِ﴾(١): أي الحرائر.
* (عاقلاً، بالغاً)؛ لأن المجنونَ، والصبيَّ لا يلحقهما عاره؛
ءُ
لعدم تحقّق فِعْل الزنا منهما.
* (مسلماً)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أشرك بالله فليس
بمحصَن))(٢).
(عفيفاً عن فعْل الزنا)؛ لأن غير العفيف لا يَلحقه العار،
والقاذفُ صادقٌ فیه.
(١) النساء / ٢٥.
(٢) سنن الدار قطني ١٤٧/٣، سنن البيهقي ٢١٦/٨، وعزاه الزيلعي في نصب
الراية ٣٢٧/٣، وابن حجر في التلخيص الحبير ٥٤/٤ لإسحاق بن راهويه في
مسنده، وقد رُوِيَ الحديث مرفوعاً، وموقوفاً على ابن عمر رضي الله عنهما، ومنهم
مَن جزم بوقفه، لكن الزيلعي قوَّى رفعه، وكذلك ابن التركماني في الجوهر النقي
٢١٦/٨، وقال: ((إن رفع الثقة حديثاً: لا يضره وَقْف مَن وقفه، فظهر أن الصواب
رفعه)). اهـ. وقال ابن الهمام في فتح القدير ٢٤/٥: (( ... مرةً رَفَعَه، ومرة أخرجه
مخرج الفتوى، فلم يرفعه، ولا شك أن مثله بعد صحة الطريق إليه، محكومٌ برفعه
على ما هو المختار في علم الحديث، من أنه إذا تعارض الرفع والوقف: حُكم
بالرفع، وبعد ذلك إذا خرج من طرق فيها ضعف: لم يضر)). اهـ

٤٨٧
باب حَدُّ القَذْف
ومَن نَفَى نسبَ غيره، فقال: لستَ لأبيك، أو: يابْن الزانية، وأَمَّه
ميتةٌ محصَنةٌ، وطالَب الابنُ بالحد : حُدَّ القاذفُ.
ولا يطالِبُ بحدِّ القذف للميت إلا مَن يقعُ القدحُ في نسبه
بقَذْفه .
[من نفى نَسَب غيره كان قاذفاً: ]
(ومَن نَفَىُ نسبَ غيره، فقال: لستَ) بابنِ (لأبيك): فإنه يُحَدُّ،
وهذا إذا كانت أمُّه محصَنةً؛ لأنه فى الحقيقة قَذْفٌ لأَمِّه؛ لأن النسب
إنما يُنفى عن الزاني، لا عن غيره.
* (أو) قال له: (يابن الزانية، وأُّه ميتة محصنة، وطالَب الابنُ
بالحدِّ: حُدَّ القاذفُ)؛ لأنه قَذَفَ مُحْصَنَةً بعد موتها، فلكل مَن يقعُ
القدحُ في نسبه المطالبةُ، كما صرَّح به بقوله:
[مَن له حق المطالبة بحد القذف : ]
* (ولا يطالب بحدِّ القذف للميت إلا مَن يقعُ القدحُ في نسبه
بقَذْفه)، وهو الوالد، والولد، أي الأصول والفروع؛ لأن العار يلتحق
بهم؛ لمكان الجزئية، فيكون القذف متناولاً لهم معنىً.
* قيَّد بموت الأم؛ لأنها إذا كانت حيَّةً، فالمطالبة لها، وكذا لو
كانت غائبةً؛ لجواز أن تصدِّقه.
* والتقييد بالأم اتفاقيٌّ، فإنه لو قَذَفَ رجلاً ميتاً؛ فلأصله وفَرْعه

٤٨٨
باب حَدُّ القَذْف
وإذا كان المقذوفُ محصَناً: جاز لابنه الكافر، والعبدِ أن يطالب
بالحد .
وليس للعبد أن يطالب مولاه بقَذْف أُمِّه الحرة.
وإن أَقرَّ بالقذف، ثم رجع : لم يُقبَل رجوعُه.
المطالبةُ، ولذا أطلقه(١) فيما بعده حيث قال: ولا يطالب بحَدِّ القذف
للميت .... الخ.
(وإذا كان المقذوفُ محصناً: جاز لابنه) ولو غيرَ محصَن،
كابنه (الكافر، والعبد أن يطالب بالحدِّ)؛ لأنه عيَّره بقَذْف محصَنٍ،
وهو من أهل الاستحقاق؛ لأن عدم الإحصان لا ينافي أهلية
الاستحقاق.
(وليس للعبد أن يطالب مولاه)، ولا للابن أن يطالب أباه
(بقَذْف أُمِّه الحرة) المحصنة؛ لأن المولى لا يعاقَبُ بسبب عبده،
وكذا الأب بسبب ابنه، ولهذا لا يُقَاد الوالد بولده، ولا السيدُ بعبده.
[رجوع مَن أقرَّ بالقذف عن إقراره: ]
(وإن أَقرَّ بالقذف، ثم رجع: لم يُقبَل رجوعُه)؛ لأن للمقذوف
فيه حقاً، فيكذِّبِه في الرجوع، بخلاف ما هو خالصُ حقِّ الله تعالى؛
لأنه لا مكذّب له فيه.
(١) أي الإمام القدوري رحمه الله تعالى.

٤٨٩
باب حَدُّ القَذْف
ومَن قال لعربيٍّ : يا نَبَطِي: لم يُخَدَّ.
ومَن قال لرجل : يابْن ماءِ السماء : فليس بقاذفٍ.
[حكم من قال لعربي : يا نَبَطي : ]
(ومَن قال لعربي: يا نَبَطِي) - نسبةً إلى النَّبَط: بفتحتين، جيل
من العرب، ينزلون البطائح في سوادِ العراق -: (لم يُحَدَّ)؛ لأنه يراد
به التشبيه في الأخلاق، أو عدم الفصاحة.
* وكذا إذا قال: لستَ بعربي؛ لما قلنا، ((هداية)).
[من قال الرجل: يا ابن ماء السماء : ]
(ومَن قال لرجل: يابْنَ ماءِ السماء: فليس بقاذف)؛ لأنه
ء
يَحتمل المدح بحُسن الخُلُق والكرم والصفاء؛ لأن: ((ابن ماء
السماء)»: لقبٌ لجدِّ النعمان بن المنذر (١)، لُقِّب به لصفائه
(١) ابن ماء السماء: هو المنذر بن امرئ القيس، وهو جدُّ النعمان بن المنذر بن
المنذر بن امرئ القيس اللخمي، من أشهر ملوك الحِيْرَة في الجاهلية، كان داهية
مقداماً، وهو ممدوح النابغة الذبياني، وحسان بن ثابت، وحاتم الطائي، وهو
صاحب إيفاد العرب على كسرى، وكان تابعاً للفرس، فأقره عليها كسرى، فاستمر
إلى أن نَقَمَ عليه كسرى أمراً، فعزله وسجنه إلى أن مات، وقيل: ألقاه تحت أرجل
الفِيلة، فوطئته، فمات سنة (١٥) قبل الهجرة. ينظر الأعلام للزركلي ٤٣/٨.
وأما جده: المنذر بن امرئ القيس، فهو الملقب بابن ماء السماء، نسبةً لأمه:
ماء السماء، وكان يقال لها: ماء السماء؛ لحسنها. النهاية ٣٤٣/٦، وكان ثالث ملوك
=

٤٩٠
باب حَدُّ القَذْف
وإذا نَسَبَه إلى عمِّه، أو إلى خالِه، أو زوجٍ أمِّه : فليس بقاذفٍ.
وسخائه، كما في ((الجوهرة)).
[لو نَسَبَه إلى عمِّه أو خاله :]
* (وإذا نَسَبَه إلى عَمِّه، أو إلى خاله، أو زوج أمه: فليس
بقاذفٍ)؛ لأن كل واحد من هؤلاء يسمى أباً:
أما الأول: فلقوله تعالى: ﴿وَ إِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَقَ﴾(١)، وإسماعيلُ كان عَمَّاً له(٢).
الحيرة، وما يليها من جهات العراق في الجاهلية، ومن أرفعهم شأناً، وأشدهم بأساً،
توفي نحو سنة (٦٠) قبل الهجرة. ينظر البناية ٣٤٣/٦، فتح القدير ٩٩/٥، الأعلام
٢٩٢/٧.
والحيرة: مدينة على ثلاثة أميال من الكوفة، على موضع يقال له: النجف. ينظر
معجم البلدان ٣٢٨/٢.
(١) البقرة / ١٣٣.
(٢) أي ليعقوب بن إسحاق، إذ نصُّ الآية الكريمة: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ
قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَقَ﴾، فقد عدَّ الله تعالى من آباء يعقوب بن إسحاق: إسماعيلَ، وهو عمِّ له، إذ
إسماعيل أخو إسحاق ولدَيْ إبراهيم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام أجمعين.

٤٩١
باب حَدُّ القَذْف
ومَن وطىء وطأَ حراماً في غير ملكه : لم يُحدَّ قاذفُه.
والثاني: بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الخالُ أبٌ) (١).
والثالث: للتربية (٢). ((هداية)).
[قذف مَن وطىء وطأً حراماً، أو بنكاح شبهة : ]
* (ومَن وطئ وطأ حراماً في غير ملكه)، ولو بشبهة، كالوطء
بنكاحِ فاسدٍ: (لم يُحدَّ قاذفُه)؛ لعدم الإحصان.
(١) قال الزيلعي في نصب الراية ٣٥٣/٣: حديث غريب، وفي الفردوس
للديلمي ٢٠٧/٢ مرفوعاً: ((الخال والد من لا والد له)).
وفي إتحاف السادة المتقين للزبيدي ١١١/٧، قال: روى الخرائطي في مكارم
الأخلاق، عن محمد بن عمير بن وهب خالِ النبي صلى الله عليه وسلم أن عميراً
- يعني أباه - جاء والنبي صلى الله عليه وسلم قاعدٌ، فبسط له رداءه، فقال: أجلس
على ردائك يا رسول الله؟ !. قال: ((نعم، فإنما الخال والد))، وإسناده ضعيف.
قال الزبيدي: وتروى هذه القصة عن أخيه الأسود بن عمير، قال عنها العجلوني
في كشف الخفاء ٤٤٨/١: رواها ابن شاهين بإسناد ضعيف، ونقل عن المقاصد
الحسنة للسخاوي ص ٢٠٨ قال: وعلى تقدير ثبوتهما، فلعل القصة وقعت لكلٍّ من
الأسود، وأخيه عمير، والله أعلم.
(٢) أي يسمى زوج الأم أباً مجازاً؛ لأنه يقوم بتربيته في حِجْره مقام أبيه
الحقيقي. ينظر البناية ٣٤٤/٦.

٤٩٢
باب حَدُّ القَذْف
والملاعَنَةُ بولدٍ : لا يُحدُّ قاذِفُها.
وإن كانت الملاعَنَةُ بغير ولدٍ : حُدَّ قَاذِفُها.
ومَن قَذَفَ أمَةً، أو عبداً، أو كافراً بالزنا، أو قَذَفَ مُسلماً بغير
الزنا
[قذف الملاعَنَة بولد: ]
(والملاعَنَةُ بولد: لا يُحدُّ قاذفُها)؛ لأن ولدها غيرُ ثابت
النسب؛ وهو أمارة الزنا، فسقط إحصائها.
* (وإن كانت الملاعَنَةُ بغير ولد: حُدَّ قاذفُها.
[قذف الرقيق أو الكافر أو الصغير : ]
ومَن قَذَفَ أمةً، أو عبداً، أو كافراً)، أو صغيراً (بالزنا): عُزِّر؛
لأنه آذاه، وألحَقَ به الشَّيْن، ولا يُحَدُّ به؛ لعدم إحصانه، ولا مدخل
للقياس في الحدود، فوجب التعزير، إلا أنه يُبْلَغَ به غايته؛ لأنه(١) من
جنس ما يجب به الحد.
[القذف بغير الزنا، كالفسق، والخُبْث: ]
* وكذا لو قَذَفَ مَن ذُكِرَ، (أو قَذَفَ مُسلماً) محصناً (بغير الزنا،
(١) أي لأن القذف بالزنا لهؤلاء غير المحصنين من جنس ما يجب به الحد في
المحصن. ينظر البناية ٣٤٤/٦.

٤٩٣
باب حَدُّ القَذْف
فقال : يا فاسق، أو: يا كافر، أو: يا خبيث : عُزِّر.
وإن قال: يا حمار، أو : يا خنزير : لم يُعزّر.
فقال) له: (يا فاسق، أو: يا كافر، أو: يا خبيث)، أو: يا سارق، أو:
يا فاجر، أو: يا آكل الربا، أو نحو ذلك: (عُزِّر)؛ لما قلنا، إلا أن هذا
أخفُّ من الأول؛ لأنه ليس من جنس ما يجب فيه الحد، فالرأي فيه
للإمام، كما في ((الهداية)).
* (وإن قال) له: (يا حمار، أو: يا خنزير)، أو: يا كلب، أو: يا
٩
تَيْس: (لم يُعزَّر)؛ لأنه ما ألحق به الشَّيْن؛ للتيقّن بنفيه(١).
وقيل: في عُرْفنا (٢): يُعَزَّر؛ لأنه يُعدُّ شَيْئاً(٣).
وقيل: إن كان المسبوبُ من الأشراف، كالفقهاء، والعلويَّة (٤):
(١) فإنه يُعلم أنه آدمي. البناية ٣٦٥/٦، لكن تعقّب هذا ابن عابدين ٢٤٥/١٢
فقال: هذه الألفاظ لا يُقصد بها حقيقة اللفظ، حتى يُقال بظهور كذبه، ولولا النظر
إلى ما فيها من الأذى، لما قيل بها في حق الأشراف، وإلا فظهور الكذب فيها موجودٌ
في حق الكلِّ. اهـ
(٢) هذا كلام صاحب الهداية المرغيناني المتوفى سنة ٥٩٣ هـ.
(٣) هكذا: ((شيناً)): في الهداية ١١٧/٢، والنقل عنها، وفي نسخ اللباب: ((سباً)).
(٤) قال الحصكفي في ((الدر المنتقى شرح الملتقى)) ١/ ٦١٢ (في حاشية مجمع
الأنهر): (( العلوية نسبة إلى علي رضي الله عنه، سواء كان من أولاد فاطمة رضي الله
عنها، أو لم يكن، ولعلَّ المراد: كلّ مُتَّقٍ، وإلا فالتخصيص غير ظاهر)). اهـ، وينظر
=

٤٩٤
باب حَدُّ القَذْف
يُعَزَّر؛ لأنه تَلحقهم الوَحْشة بذلك.
* وإن كان من العامة: لا يُعزَّر، وهو الأحسن(١). ((هداية))(٢).
ابن عابدين ٢٤٥/١٢ (ط دمشق).
(١) في الهداية ١١٥/٢: وهذا أحسن، وقد تعقّب هذا ابن عابدين في الحاشية
٢٤٥/١٢، فنقل أن مختار الهندواني أنه يُعزَّر مطلقاً، كما نقل عن أبي السعود في
حاشيته فتح المعين ٣٨٦/٢ أن شيخه قوَّى ما اختاره الهندواني، بأنه الموافق
للضابط: كلّ من ارتكب منكَراً، أو آذى مسلماً بغير حق، بقول أو فعلٍ أو إشارةٍ:
يلزمه التعزير.
ثم قال ابن عابدين: فينبغي أن يُلحق بالأشراف في وجوب التعزير: مَن كان في
معناهم، ممن يحصل له بذلك الأذى والوحشة ، بل كثيرٌ من أصحاب الأنفس الأبيَّة
يحصل له من الوحشة أكثر من الفقهاء، والعلوية.
وقد يُجاب عن تخصيص الأشراف بالذكر : بأن المراد بالأشراف: مَن كان كريم
النفس، حَسَن الطبع، وذِكْر الفقهاء والعلوية، لأن الغالب فيهم ذلك، فمن كان بهذه
الصفة: يَلحقه الشَّيْن بهذه الألفاظ المرادِ لازِمُها، من نحو البلادةِ، وخُبْثِ الطباع،
وإلا: فلا، لأنه هو الذي ألحق الشين بنفسه، فلا يعتبر لُحوق الوحشة به، كما لو قيل
لفاسق: يا فاسق، فيُرجع إلى ما استحسنه صاحب الهداية. اهـ
(٢) بقي من مسائل حد القذف: مسألة سقوط شهادة القاذف، وعدم قبولها وإن
تاب، وسيذكرها المصنّف ص ٤٩٨ بعد ذكر أحكام التعزير الآتية.

٤٩٥
باب حَدُّ القَذْف
والتعزيرُ أكثرُه: تسعةٌ وثلاثون سَوْطاً، وأقلُّه : ثلاثُ جلدات.
وقال أبو يوسف : يُبْلَغُ بالتعزير خمسةً وسبعين سوطاً.
[أحكام التعزير]
* (والتعزيرُ) لغةً: التأديب، وشرعاً: تأديبٌ دون الحدِّ؛ كما أشار
إليه بقوله:
* (أكثرُه: تسعة وثلاثون سَوْطاً، وأقلَّه: ثلاثُ جلدات)؛ لأن حدَّ
الرقيق في القذف: أربعون، فيُنقَص منه سوطاً؛ لئلا يبلغ الحدَّ، وهذا
عند أبي حنيفة ومحمد.
(وقال أبو يوسف: يُبْلَغُ بالتعزير خمسةً وسبعين سَوْطاً).
قال في ((الهداية)): والأصلُ فيه: قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن
بلغ حدّاً في غير حَدٍّ، فهو من المُعْتَدِين))(١).
فأبو حنيفة ومحمد نَظَرا إلى أن أدنى الحدِّ - وهو حدُّ العبد في
القذف - أربعون، فنَقَصا منه سوطاً.
(١) الآثار لمحمد بن الحسن ص١٣٣، مرسلاً، سنن البيهقي ٣٢٧/٨، وقال:
المحفوظ مرسل، ورواه ابن ناجية في فوائده، كما في نصب الراية ٣٥٤/٣.

٤٩٦
باب حَدُّ الْقَذْف
وأبو يوسف اعتبر أقلّ الحدِّ في الأحرار، إذ الأصل هو الحرية،
ثم نَقَص سوطاً في روايةٍ عنه، وهو قول زفر، وهو القياس.
وفي هذه الرواية(١): نَقَصَ خمسةً، وهو مأثورٌ عن علي (٢) رضي
الله عنه، فقلَّده.
* ثم قدَّر الأدنى في ((الكتاب))(٣) بثلاث جلدات؛ لأن ما دونها لا
يقع به الزجر.
وذكر مشايخُنا(٤): أن أدناه على ما يراه الإمام، يُقَدِّره بقَدْر ما
يَعلَم أنه ينزجر؛ لأنه يختلف باختلاف الناس. ((هداية)).
[ما يكون به التعزير : ]
* وفي «المجتبى)): ويكون بالحَبْس، وبالصَّفْع على العُنُق، وفَرْك
الأُذُن، وبالكلام العنيف، وبنظرِ القاضي له بوجهٍ عبوسٍ، وبشَتْمٍ غير
القذف.
ثم قال: وعن السَّرَخْسي: لا يباح بالصَّفْعِ؛ لأنه مِنْ أعلى ما يكون
من الاستخفاف، فيُصان عنه أهل القبلة. اهـ
(١) أي الرواية المذكورة في مختصر القدوري.
(٢) قال في نصب الراية ٣٥٤/٣: غريب.
(٣) أي في مختصر القدوري
(٤) هذا كلام صاحب الهداية المرغيناني.

٤٩٧
باب حَدُّ القَذْف
وإن رأى الإمامُ أن يَضُمَّ إلى الضرب في التعزير الحبسَ : فَعَلَ.
وأشدُّ الضرب: التعزيرُ، ثم حدُّ الزنا، ثم حدُّ الشرب، ثم حدُّ
القذف .
ومَن حَدَّه الإمامُ، أو عزَّره، فمات: فدمُهُ هَدَرٌ.
(وإن رأى الإمامُ أن يَضُمَّ إلى الضرب في التعزير الحبسَ:
فَعَلَ)؛ لأن المقصود الزجرُ والتأديبُ، فإذا رأى الإمامُ حصولَه
بالضرب: اكتفى به، وإلا ضَمَّ إليه ما يراه من الحبس، والنفي، كما
مرَّ.
[صفة الضرب في التعزير والحدود :]
: (وأشدُّ الضرب: التعزير)؛ لأنه خُفَفَ من حيث العدد، فيُغلَّظ
من حيث الوصف؛ لئلا يؤديَ إلىُ فَوْت المقصود، ولهذا لم يُخفّف
من حيث التفريق على الأعضاء، كما في ((الهداية)).
* (ثم حدُّ الزنا)؛ لأنه أعظم جنايةً، حتى شُرع فيه الرجم.
(ثم حدُّ الشرب)؛ لأن سببه متيقّن.
: (ثم حدُّ القذف)؛ لأن سببه محتمَلُّ؛ لاحتمال صدْقه.
[من مات بالحدِّ أو بالتعزير : ]
* (ومَن حَدَّه الإمامُ، أو عزَّره، فمات) منه: (فدمُهُ هَدَرٌ)؛
لأنه فَعَلَ ما فَعَلَ بأَمْر الشرع، وفِعْلُ المأمور لا يتقيد بشرط السلامة،

٤٩٨
باب حَدُّ القَذْف
وإذا حُدَّ المسلمُ في القذف : سَقَطَت شهادتُه وإن تاب.
وإن حُدَّ الكافرُ في القذف، ثم أسلم: قُبِلت شهادتُه.
كالفِصَاد، والبِزَاغُ (١).
* بخلاف الزوج إذا عزَّر زوجتَه؛ لأنه مُطلَقٌ فيه، والإطلاقاتُ
تتقيَّد بشرط السلامة، كالمرور في الطريق. ((هداية)).
[سقوط شهادة القاذف إذا حُدَّ للقذف : ]
* (وإذا حُدَّ المسلم في القذف: سَقَطَت شهادتُه وإن تاب)؛
لقوله تعالى: ﴿وَلَ نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾(٢)، والاستثناء في الآية عائدٌ
إلى ما يليه(٣)، وتمامُه في ((الهداية))، في الشهادات.
* (وإن حُدَّ الكافرُ في القذف، ثم أسلم: قُبِلت شهادتُه)؛ لأن
هذه الشهادة استفادها بعد الإسلام، فلم تدخل تحت الردّ(٤).
(١) بَزَغَ البَيْطار، والحاجم بَزْغاً، من باب: قتل: شَرَطَ، وأسال الدم، والاسم:
البِزَاغ. المصباح المنير (بزغ).
والفَصْد: قَطْعِ العِرق وشقّه، من باب: ضرب، والاسم: الفِصاد، حيث يُخرِجُ
الفصَّدُ من المريض مقداراً من دم الوريد بقَصْدِ العلاج. ينظر مختار الصحاح
(فصد)، المعجم الوسيط (فصد).
(٢) النور / ٤.
(٣) وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ الهداية ١٢٢/٣.
(٤) أي ردُّ شهادة المحدود بالقذف.

٤٩٩
باب حَدُّ القَذْف
* بخلاف العبد إذا حُدَّ حَدَّ القذف، ثم أُعتق: لا تُقبل شهادتُه؛
لأنه لا شهادةَ له أصلاً في حال الرق، فكان ردُّ شهادته بعد العتق من
تمام حَدِّه. ((هدایة)).

٥٠٠
كتاب السرقة
كتاب السرقة(١)
إذا سرق البالغُ، العاقلُ عشرةَ دراهمَ، أو ما قيمتُه عشرةُ دراهمَ،
مضروبةً أو غيرَ مضروبةٍ، من حِرْزٍ، لا شُبْهَ
كتاب السرقة
* وهي في اللغة: أَخْذُ الشيء من الغير على الخُفْية والاستسرار،
ومنه: استراق السمع، وقد زِيدت عليه أوصافٌ في الشريعة، على ما
يأتيك بيانُه. ((هداية)).
[شروط القطع في السرقة : ]
(إذا سرق البالغُ، العاقلُ)، الناطقُ، البصيرُ (عشرةَ دراهمَ)
*
جياداً، (أو ما): أي شيئاً مما لا يَتَسَارع إليه الفسادُ (قيمتُه عشرةُ
دراهم)، سواء كانت الدراهم (مضروبةً أو غيرَ مضروبة، من حِرْزٍ)،
وهو ما يَمْنَعُ وصولَ يد الغير، سواء كان بناءً أو حافظاً، (لا شُبْهَةَ
(١) اختلفت نسخ القدوري، وشروحه في هذا العنوان، فغالبها جاء هكذا:
(كتاب السرقة وقُطَّاع الطريق)، وقد جاء الكلام فيه متتالياً عن حدِّ السرقة، وحدٍّ قطع
الطريق معاً، وجاء في نسخة القدوري (٨٤٠هـ): (كتاب السرقة): هكذا على حِدَة،
و: (باب قطاع الطريق): على حدة، وهو ما أثبتُّه، وأما نُسخ اللباب كلها ففيها:
(كتاب السرقة): هكذا فقط، ولم يوضع عنوان لحدٌّ قطاع الطريق.