النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب المَعَاقِل والعاقلةُ أهل الدیوان ٠ وفي إيجاب مالٍ عظيم: إجحافُهُ(١) واستئصاله، فتُضمُّ إليه العاقلةُ؛ تخفيفاً عليه، وإنما خُصُوا بالضمّ؛ لأنهم أنصارُه وقوّتُه. واحتُرز بـ: الواجبة بنفس القتل: عما وجبت بالشبهة، كالواجبة بقتل الأب ابنه، أو الإقرار، والصلح ، فإن هناك الواجب: القصاصُ، لكنه سَقَط لحرمة الأبوة، فوجبت الدية صيانةً للدم عن الهدر، لا بنفس القتل. وفي الإقرار والصلح: وجبت بهما، لا بالقتل، كما في ((المستصفى)). [بيان المقصود من العاقلة : ] * (والعاقلةُ: أهلُ الديوان)، وهم الجيش الذين كُتِبت أساميهم في الديوان، وهو جريدة الحساب؛ وهو معرَّبٌ، والأصل: دِوَّان، فأُبدِل من أحد المضعَّفَيْن ياءً للتخفيف، ولهذا يُرَدُّ في الجمع إلى أصله، فيقال: دواوين. ويقال: إن عمر رضي الله عنه أولُ مَن دوَّن الدواوين في (١) أي إجحافٌ للجاني. ٤٤٢ كتاب المَعَاقِل إن كان القاتلُ من أهلِ الديوان. العرب(١): أي رتَبَ الجرائد للعمال، كما في ((المصباح)). * (إن كان القاتل من أهلِ الديوان)؛ لقضية عمر رضي الله عنه، فإنه لمَّا دوَّن الدواوين، جَعَلَ العَقْلَ على أهل الديوان(٢)، بمَحْضَرٍ من الصحابة رضي الله عنهم، من غير نكيرٍ منهم، فكان إجماعاً. وليس ذلك بنَسْخِ(٣)، بل هو تقريرٌ معنىَ؛ لأن العَقْل كان على أهل النُّصرة، وقد كانت بأنواعٍ: بالقرابة، والحَلِف، والولاء، والعَقْد، وفي عهد عمرَ رضي الله عنه قد صارت بالديوان، فجعلها على أهله؛ اتباعاً للمعنى. (١) قال الزيلعي في نصب الراية ٣٩٨/٤: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه في كتاب الأوائل. اهـ. والذي في المصنّف ٥٩١/١٣ (٢٧٢٥٨)، ٤٨١/١٧ (٣٣٥٥٢) (ط دار القبلة): عن جابر قال: لما وَلِيَ عمر رضي الله عنه الخلافة فرض الفرائض، ودوَّنَ الدواوين، وعرَّف العرفاء. (٢) في المصنف لابن أبي شيبة: ١٤/ ١٥٤ (٢٧٨٩٣): «عمرُ أول من جعل الدية عشرةً عشرةً في أُعطيات المقاتلة، دون الناس)). وينظر نصب الراية ٣٩٨/٤. (٣) هذا جواب عن قول الإمام الشافعي رحمه الله حيث يقول: ((الدية على أهل العشيرة؛ لأنه كان كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نَسْخ بعده)). فالحنفية يقولون: ((هذا الذي فعله عمر رضي الله عنه ليس بنسخ، بل هو تقرير من حيث المعنى)). ينظر الهداية ومعها البناية ١٢ / ٤٥٥. ٤٤٣ كتاب المَعَاقِل يؤخذ من عطایاهم في ثلاث سنین، ٠ • ولهذا قالوا(١): لو كان اليومَ قومٌ تناصُرُهم بالحِرَف: فعاقلتُهم أهلُ الحِرْفة، كما في ((الهداية)). [تعريف العَطاء، والرَّزْق: ] (يُؤخذ) ذلك (مِن عطاياهم): جمع: عطاء، وهو: اسمٌ لما يَخرج للجندي من بيت المال في السنة مرةً، أو مرتين. والرَّزْق: ما يَخرج لهم في كل شهر، وقيل: يوماً بيوم. ((جوهرة))، لأن إيجابها فيما هو صلّة، وهو العطاء: أَوْلى من إيجابها في أصول أموالهم؛ لأنها أخفُّ، وما تحمَّلت العاقلةُ إلا للتخفيف. * وتؤخذ (في ثلاث سنين) من وقت القضاء بها، والتقديرُ بذلك مرويٌ عن النبي(٢) صلى الله عليه وسلم، ومَحْكِيٌّ عن عمرَ رضي الله (١) هذا كلام صاحب الهداية، ومراده: أي المشايخ مِن قَبْله. ينظر البناية ١٢ /٤٥٧. (٢) نقل البيهقي في السنن الكبرى ١٠٩/٨ عن الإمام الشافعي قوله: ((وجدنا عامًّاً في أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جناية الحر المسلم على الحر خطأ: بمائة من الإبل، على عاقلة الجاني، وعامًّاً فيهم: أنها في مضيِّ الثلاث سنين، في كل سنة ثلثها)). اهـ، لكن تعقبه ابن التركماني ١١٠/٨ نقلاً عن ابن المنذر، بأنه لا يُعرف. = ٤٤٤ كتاب المَعَاقِل فإن خَرَجَت العطايا في أكثرَ من ثلاث سنين، أو أقلَّ : أُخِذت منها. ومَن لم يكن من أهل الديوان : فعاقلتُه قبيلتُه. عنه(١). ((هداية)). (١) * (فإن خَرَجَت العطايا في أكثرَ من ثلاث سنين، أو أقلّ: أُخذت منها)؛ لحصول المقصود، وهو التفريق على العطايا. [عاقلة مَن ليس من أهل الديوان : ] (ومن لم يكن من أهل الديوان: فعاقلتُه قبيلتُه)؛ لأن نُصْرته بهم. وفي سنن البيهقي ٧٠/٨ عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد: ((أن من السُّنَّة أن تُنجَّم الدية في ثلاث سنين)). اهـ، وهو مرسل إن لم يكن معضلاً. ومما يشدُّ من أمر هذا المرفوع: الإجماع الذي حكاه الترمذي في سننه ١١/٤ عند حديث (١٣٨٦)، فقد قال: ((أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنین)). (١) في المصنف لابن أبي شيبة ٢٨٤/٩ (ط باكستان)، ١٧٥/١٤ (٢٨٠٠٨) (ط دار القبلة): أول من فرض العطاء عمر بن الخطاب، وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين، وينظر نصب الراية ٣٩٨/٤، فقد نقل عن المصنّف لعبد الرزاق ٩/ ٤٢٠ عن عمر أنه جعل الدية في الأُعطية في ثلاث سنين، وفي لفظ: في كل سنة ثُلُثُ على أهل الديوان في أُعطياتهم. اهـ، وينظر سنن البيهقي ١٠٩/٨، وأيضاً نصب الراية ٤ /٣٣٤ ٤٤٥ كتاب المَعَاقِل تُقَسَّط عليهم في ثلاثِ سنين، لا يُزاد الواحدُ على أربعة دراهم، في كل سنةٍ دِرهمٌ ودانِقان، ويُنْقَص منها. : (تُقَسَّط عليهم) أيضاً (في ثلاث سنين)، في كل سنة ثلثها. ووو * (لا يُزاد الواحد) منهم (على أربعة دراهم: في كل سنةٍ درهمٌ ودانقان(١)) إذا قلَّت العاقلة، (ويُنقَص منها(٢)) إذا کَثُرت. * قال في ((الهداية)): وهذا(٣) إشارةٌ إلى أنه يُزاد على أربعةٍ من .(٤) جميع الدية (٤). وقد نصَّ محمد على أنه لا يُزاد على كل واحد من جميع الدية (١) الدائق: سدس درهم، ويساوي قيراطان. المغرب: (دنق)، المصباح المنير (دنق). (٢) أي من الأربعة. (٣) أي قول القدوري رحمه الله: ((لا يزاد الواحد على أربعة دراهم في كل سنة، ويُنْقَص منها)). ينظر العناية ٣٢٩/٩. (٤) ((في السنين الثلاث؛ لأنه قد نفى الزيادة بسنة واحدة، وجوَّز الأربعة على الواحد من العاقلة في السنة الواحدة، فإذا كان يصيب الواحد في السنة الواحدة أربعة دراهم، كان ما يصيبه في السنين الثلاث اثني عشر درهماً لا محالة، فكان ما يصيبه من جميع الدية زيادة على الأربعة، وقد نص محمد في كتاب المعاقل بخلاف ذلك)). اهـ من البناية ١٢ / ٤٦١. ٤٤٦ كتاب المَعَاقِل في ثلاث سنين على ثلاثة، أو أربعة، فلا يؤخذ من كل واحد في كل سنةٍ إلا درهمٌ(١)، أو درهمٌ وثلثُ درهم، وهو الأصحُ(٢). اهـ، ومثلُه في ((شرح الزاهدي)). (١) سقط من نسخ اللباب كلها: ((درهم أو))، وأثبتُّها من الهداية ٢٢٦/٤، والنقل عنها. (٢) قال البابرتي في العناية ٣٢٩/٩: ((قوله: وهو الأصح: فيه احترازٌ عما ذهب إليه بعض مشايخنا رحمهم الله، مما فُهم من إشارة كلام القدوري، وذُكر في المبسوط، وقال: ذلك غلط)). اهـ، وينظر البناية ١٢ / ٤٦١. قلت: وسبب هذا الفهم، وهذه الإشارة من صاحب الهداية وغيره، هو أن صاحب الهداية اعتمد في ذلك على نسخة ناقصة من مختصر القدوري، ليس فيها عبارة: ((درهمٌ ودانقان))، كما هو الحال في نسخة د من اللباب، في حين أن نُسَخ القدوري المتوافرة لديَّ الآن، كلها فيها هذه العبارة، وبوجودها لا يبقى أي مجال لهذه الإشارة، ويكون تمام نص القدوري كما يلي: (( لا يزاد الواحد على أربعة دراهم: في كل سنة درهم ودانقان))، وهو كما أثبت. وعلى مثل هذه النسخة الكاملة اعتمد الأقطع تلميذ القدوري في شرحه، ولم يبق خلاف بين نص محمد، ونص مختصر القدوري، وعليه نقل العيني في البناية ٤٦١/١٢: عن الأترازي أي الإتقاني في غاية البيان شارح الهداية قوله: ((وعلى ذلك، فلا فَرْق بين نص محمد، وبين رواية القدوري)). وهكذا، كم كان لهذا الخطأ في نسخة القدوري التي اعتمدها صاحب الهداية، من أثر في اختلاف المشايخ في الفتوى، واختلاف الشرَّاح، وما تبع من ذلك، والحمد لله الذي وفّق الأئمة الأعلام للوقوف على السداد والصواب، وبيانهم له. ٤٤٧ كتاب المَعَاقِل فإن لم تتسع القبيلةُ لذلك : ضُمَّ إليهم أقربُ القبائل إليهم من غیرهم. ويَدخلُ القاتلُ مع العاقلة، فيكون فيما يؤدي مثل أحدهم . وعاقلةُ العبدِ المعتَق : قبيلةُ مولاه. ومولى الموالاة : يَعْقِلُ عنه مولاهُ، وقبيلتُه. [حكم ما لو لم تتسع القبيلة لتحمُّل الدية : ] * (فإن لم تتسع القبيلة لذلك) التوزيع: (ضُمَّ إليهم أقربُ القبائل إليهم) نسباً (من غيرهم)، ويُضَمُّ الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات. * (ويَدخل القاتلُ مع العاقلة، فيكون فيما يؤدِّي: مثلَ أحدهم)؛ لأنه هو الفاعل؛ فلا معنى لإخراجه، ومؤاخذة غيره. [عاقلة المعتَق : ] (وعاقلةَ العبد المعتَق: قبيلةُ مولاه)؛ لأن النُّصرة بهم، ويؤيد ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم: ((إن مولى القوم منهم))(١). * (ومولى الموالاة يَعقل عنه مولاهُ) الذي والاه، (وقبيلتُه): أي (١) صحيح البخاري ٤٨/١٢ (٦٧٦١)، بلفظ: ((مولى القوم من أنفسهم))، وبلفظ: ((مولى القوم منهم))، في مسند أحمد ٤٤٨/٣، والحاكم في المستدرك ٣٢٨/٢، وصححه، ووافقه الذهبي، وينظر نصب الراية ٤٠٤/٢، ١٤٩/٤. ٤٤٨ كتاب المَعَاقِل ولا تتحمَّلُ العاقلةُ أقل من نصف عُشْرِ الدية. وتتحمَّل نصفَ عُشرٍ الدية، فصاعداً. قبيلةُ مولاه؛ لأنه وَلَاءٌ يُتناصَر به، فأشبه وَلاء العَتَاقة. [الحدُّ الذي تتحمله العاقلة من الديات : ] * ولا تتحمَّل العاقلةُ أقلّ من نصف عُشْرِ الدية)؛ لأن تحمُّلَ العاقلة للتحرُّر عن الإجحاف بالجاني بتحمُّل المال العظيم، فإذا كان خفيفاً: فلا إجحاف علیه بتحمُّلُه. (وتتحمَّل نصفَ عُشر الدية، فصاعداً). قال في ((الهداية)): و والأصل فيه: حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما موقوفاً عليه(١)، ومرفوعاً(٢) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَعْقِلُ العواقلُ عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون أرشٍ الموضحة)). وأرشُ الموضحة: نصفُ عُشْر بدل النفس. (١) سنن البيهقي ١٠٤/٨، وينظر نصب الراية ٣٧٩/٤. (٢) قال العلامة قاسم في ((منية الألمعي)) ص ٤٠٩ (مع نصب الراية): ((ذَكَرَه رزين العبدري مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه ابنُ الأثير في جامع الأصول ١٨٢/٥)». اهـ، أما الزيلعي في نصب الراية ٣٧٩/٤، فقال: غريب مرفوعاً، وكذلك ابن حجر في الدراية ٢٨٨/٢ قال: لم أجده. ٤٤٩ كتاب المَعَاقِل وما نَقَصَ من ذلك : فهو في مال الجاني. ولا تَعْقِلُ العاقلةُ جنايةَ العمدِ ، والعبدِ . ولا تَعقل الجنايةَ التي اعترف بها الجاني إلا أن يُصدِّقوه. ولأن التحمُّل للتحرز عن الإجحاف، ولا إجحافَ في القليل، وإنما هو في الكثير، والتقديرُ الفاصل عُرِفَ بالسمع. اهـ (وما نَقَصَ من ذلك): أي من نصف العشر: (فهو في مال الجاني)، دون العاقلة، لما بيَّنَّا. [ما لا تعقله العاقلة : ] (ولا تَعْقِلُ العاقلةُ جنايةَ العمد (١)، والعبد) على الحر، أو * غيره، وإنما هي في رقبته، والمولى مخيَّرٌ بين دفعه بالجناية، أو فدائه بأرشها، کما مرّ. (ولا تَعقلُ الجنايةَ التي اعترف بها الجاني) على نفسه؛ لأن إقراره قاصرٌ على نفسه، فلا يتعدَّى إلى العاقلة، (إلا أن يُصدِّقوه)؛ لثبوته بتصادقهم، والامتناعُ كان لحقُّهم، ولهم ولايةٌ على أنفسهم. (١) جاءت نسخٌ من القدوري مقتصرة على لفظ: ((العمد))، وبعضها على: (العبد))، وكذلك شروحه، أما خلاصة الدلائل ص ٢٤٥، ففيها: (العمد، والعبد))، وهو ما أثبته. ٤٥٠ كتاب المَعَاقِل ولا تَعقل ما لزم بالصلح. ءُ وإذا جنى الحرُّ على العبد جنايةً خطأ: كانت على عاقلته. وإذا لم يكن للقاتل عاقلةٌ : فالديةُ في بيت المال. (ولا تَعقلُ) أيضاً (ما لزم بالصلح) عن دم العمد؛ لأن الواجب فيه القصاص، فإذا صالح عنه: كان بَدَلُه في ماله. [ما تتحمَّله عاقلة الحر فيما جناه على العبد :] * (وإذا جنى الحرُّ على العبد جنايةً خطأ: كانت) الدية (على عاقلته): أي عاقلة الجاني؛ لأنه فداء النفس. * وأما ما دون النفس من العبد، فلا تتحمله العاقلة؛ لأنه يُسْلَك به مَسْلَك الأموال. ((هدایة)). [الدية في بيت المال إن لم يكن للقاتل عاقلة : ] : (وإذا لم يكن للقاتل عاقلةٌ: فالديةُ في بيت المال(١))، في ظاهر (١) لأن جماعة المسلمين هم أهل نصرته، وليس بعضهم أخصَّ من بعضٍ بذلك، ولهذا لو مات: كان ميراثه لبيت المال، فكذا ما يلزمه من الغرامة: يلزم بيت المال. الهداية ٤ /٢٣٠. وأنبه هنا إلى أن هذه الجملة من القدوري: ((وإذا لم يكن للقاتل عاقلة: فالدية ... )): مثبتة فقط في نسخة (١٣٠٩ هـ)، وذُكرت هنا في اللباب بدون إشارة إلى أنها من القدوري. ٤٥١ كتاب المَعَاقِل الرواية، وعليه الفتوى، ((درر))، و(بزازية)). وعن أبي حنيفة روايةٌ شاذَّة: أن الدية في ماله، ووجهُه: أن الأصل أنْ تجب الدية على القاتل؛ لأنه بَدَلُ مُتْلَفٍ، والإتلاف منه، إلا أن العاقلة تتحمَّها تحقيقاً للتخفيف، على ما مرَّ، فإذا لم تكن له عاقلةً: عاد الحكم إلى الأصل. ((هداية)). ٤٥٢ كتاب الحدود كتاب الحدود الزنا يثبتُ بالبينة، والإقرار. كتاب الحدود * وَجْهُ المناسبة بين الحدود والجنايات وتوابعها من القصاص وغيره: ظاهرٌ، من حيث اشتمالُ كلِّ منهما على المحظور والزاجرِ عنه. * والحدود: جمعُ: حدٍّ، وهو لغةً: المَنْع، ومنه: الحدَّاد للبَوَّاب. وفي الشريعة هو: العقوبةُ المُقَدَّرة حقّاً لله تعالى، حتى لا يُسَمَّى القصاصُ حدًّاً؛ لِمَا أنه حقُّ العبد، ولا التعزيرُ؛ لعدم التقدير. [الحكمة من إقامة الحدود : ] * والمقصد الأصلي من شَرْعه: الانزجارُ عما يَتَضرَّرُ به العباد، والطُّهْرةُ ليست فيه أصليةٌ (١)، بدليل شَرْعِه في حقِّ الكافر، كما في ((الهداية)). [حدُّ الزنا] (الزنا يثبت بالبينة، والإقرار)؛ لأن البينة دليلٌ ظاهرٌ، وكذا (١) لأنها تحصل بالتوبة، لا بإقامة الحد. الكفاية ٣/٥، البناية ٣١٩/٨. ٤٥٣ كتاب الحدود فالبينةُ : أن يَشهدَ أربعةٌ من الشهود على رجلٍ، أو امرأةٍ بالزنا . فيسألُهم الإمامُ عن الزنا : ما هو؟ وكيف هو؟. الإقرار، ولا سيما فيما يتعلق بثبوته مضرَّةٌ، ومَعَرَّةٌ (١)، والوصولُ إلى العلم الحقيقي متعذّرٌ، فيُكْتَفى بالظاهر. * (فالبينة: أن يَشهدَ أربعةٌ من الشهود) الرجالِ الأحرارِ العدولِ في مجلسٍ واحدٍ (على رجلٍ، أو امرأةٍ بالزنا): متعلِّقٌ بـ: يَشْهَدَ؛ لأنه الدال على الفعل الحرام، دون الوطء والجماع، أو غيره، وإلا لم يُحَدَّ الشاهدُ، ولا المشهود عليه، كما في ((النهاية)). (فيسألُهم الإمامُ) بعد الشهادة (عن الزنا: ما هو؟)، فإنه قد يُطلَق على كلِّ وطء حرام، وأطلقه الشارع على غير هذا الفعل، نحو: ((العينان تزنيان))(٢). * (وكيف هو؟)، فإنه قد يُطلَق على مجرَّد تماسِّ الفَرْجين، وعلى ما يكون بالإكراه. (١) المَعَرَّة: بوزن: المَبَرَّة: الإثم. مختار الصحاح (عرر). (٢) المسند للإمام أحمد ٤١٢/١، ٣٧٢/٢، بإسناد صحيح، كما قال المنذري في الترغيب والترهيب ٣٦/٣، وعزاه أيضاً للبزار، وأبي يعلى، وفي مجمع الزوائد ٢٥٦/٦، عزاه للطبراني أيضاً بإسناد جيد. وأصل الحديث في الصحيحين بلفظ: ((فالعينان زناهما النظر)): عند مسلم ٢٠٤٧/٤ (٢٦٥٧)، وبلفظ: ((فزنى العينين النظر)): عند البخاري ٣٦/١١ (٦٣٤٣). ٤٥٤ كتاب الحدود وأين زَنَى؟ وبمَن زنى؟ ومتىُ زنى؟ فإذا بيَّنوا ذلك، وقالوا: رأيناه وطئها في فَرْجِها كالمِيْل في المُكْحُلَة، . (وأينَ زنى؟)؛ لاحتمال أنه في دار الحرب(١). ءِ * (وبمَن زنى؟)؛ لاحتمال أنها ممن تحلّ له، أو له فيها شبهةٌ لا يعرفها الشهود. * (ومتى زنى؟)؛ لاحتمال أن يكون متقادماً(٢)، وكلُّ ذلك يُسْقِط الحدَّ؛ فيُستقصى ذلك؛ احتيالاً للدَّرء. (فإذا بيَّنوا ذلك) كلَّه، (وقالوا: رأيناه وطئها) بذَكَره (في فَرْجِها)، بحيث صار فيه (كالميْل في المَكْحُلَة) - بضمَّتَيْن -، أو القلمِ في المَحْبَرَة. (١) وذلك لا يوجب الحدَّ، لأنه لم يكن للإمام عليه يدٌ، فصار ذلك شبهة فيه. الجوهرة ٢٣٧/٢. (٢) فلا تُقبل شهادتهم، واختلفوا في حدِّ التقادم الذي يُسقط الحدَّ، فكان أبو حنيفة لا يُقَدِّر فيه وقتاً، وفوَّضه إلى رأي القاضي، وعندهما، ورواية عن أبي حنيفة: إذا شهدوا بعد مضيِّ شهر من وقتٍ عاينوا: لا تُقبل شهادتهم، لأن الشهر في حكم البعيد، وما دونه قريب، فتُقبل شهادتهم فيما دون الشهر. ينظر تصحيح القدوري ص٤٦٨، الجوهرة ٢٣٧/٢، وسيذكر الشارح حدَّ التقادم . ٤٥٥ كتاب الحدود وسأل القاضي عنهم، فعُدِّلوا في السِّرِّ والعلانية: حَكَمَ بشهادَتهم. و والإقرارُ: أن يُقِرَّ البالغَ العاقِلَ (وسأل القاضي عنهم): أي عن حالهم، (فعُدِّلوا في السِّرِّ، والعلانية)، فلا يُكتفى بظاهر العدالة هنا اتفاقاً، بخلاف سائر الحقوق، كما في ((الهداية)): (حَكَمَ بشهادتهم) وجوباً؛ لتوجُّه الحكم علیه. [حكم الشهادة على الزنا : ] * وتَرْكُ الشهادة أَوْلِىُ، ما لم تَنْهَتَك(١): فالشهادة أوْلى، كما في ((النهر))(٢). [ثبوت حد الزنا بالإقرار : ] * (والإقرارُ: أن يُقِرَّ البالغُ العاقِلُ)؛ لأن قولَ الصبي، والمجنون (١) ((تَنْهَتَك)): من هَتَك زيد السِّرَّ: خَرَقَه، وهَتَك الله سِتْرَ فلان: فَضَحَه - نسأل الله السلامة -، وهو من باب: ضَرَب، والمراد: تَرْك الشهادة على هذا الحد أَوْلى بالنسبة لمن لم يَعْتَدْ هذا الحدّ، وينفضح به، أما من كان مفضوحاً به، وهَتَكَ سِتِرَ نفسه: فالشهادة عليه أوْلى. ينظر ابن عابدين ٢٣/١٢ (ط دمشق). وقد جاءت هذه الكلمة كما أثبتها في نُسَخِ اللباب: ن، ج، ص، أما نسخة م، ففيها: ((تتهك))، وسقطت من أ، وفي مخ، د: ((تتهتك)). (٢) وعبارة النهر الفائق ١٢٧/٣: ((فالأَوْلى ترك الشهادة بالزنا، ويجب أن يكون هذا بالنسبة إلى من لم يَعْتَدْه، أما إذا وصل الحال إلى إشاعته، والتهتُّك به: فيجب)). اهـ ٤٥٦ كتاب الحدود على نفسه بالزنا أربعَ مراتٍ . في أربعةِ مجالسَ من مجالسٍ المقِرِّ. كلَّما أقرَّ : ردَّه القاضي. فإذا تمّ إقرارُه أربعَ مراتٍ : سأله القاضي عن الزنا : ما هو؟ وكيف هو؟ وأین زنى؟ وبمَن زنىُ؟ ومتى زنىُ؟ غيرُ معتَبَرِ: (على نفسه بالزنا أربعَ مراتٍ، في أربعة مجالسَ من مجالسِ المقِرِّ)؛ لأن الإقرار قائمٌ به، فيُعتبر اتحاد مجلسه، دون القاضي. قال في ((الينابيع)): وقال بعضهم: يُعتبر مجلس القاضي، والأول أصح. (كلَّما أقرَّ) مرةً: (ردَّ القاضي)، وزَجَرَه عن إقراره، وأظهر كراهتَه لذلك، وأَمَرَ بتنحيته عنه، وطَرْده بحيث لا يراه، فإن عادَ ثانياً: فَعَل به كذلك، فإن عادَ ثالثاً: فَعَلَ به كذلك. : (فإذا تمّ إقرارُه أربعَ مراتٍ) على ما بيَّنَّا: (سأله القاضي عن الزنا: ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمَن زنى؟ ومتى زنى؟)، كما في الشهود، للاحتمالات المارَّة. ٤٥٧ كتاب الحدود فإذا بيَّنَ ذلك: لزمه الحدّ . فإن كان الزاني محصَناً : رَجَمَه بالحجارة حتى يموت. * قال في ((الهداية): ولم يذكر السؤالَ عن الزمان(١)، وذَكَرَه في الشهادة؛ لأن تقادم العهد يمنع الشهادة، دون الإقرار. وقيل: لو سأله: جاز؛ لجواز أنه زنى في صباه. اهـ (فإذا بيَّنَ ذلك) كلَّه: (لزمه الحدُّ)؛ لتمام الحُجَّة. [حدُّ الزاني المحصن : ] (فإن كان الزاني محصَناً: رَجَمَه): أي أَمَرَ الإمامُ بَرَجْمه (بالحجارة حتى يموت)، كما فَعَلَه صلى الله عليه وسلم (٢). (١) أي لم يذكر القدوريُّ في مختصره: ((ومتى زنى؟))، هكذا ذكر صاحب الهداية ٩٦/٢، (مع البناية ٢٠١/٦ ط بيروت)، قلت: لكن ذُكر هذا في نسخ قديمة من القدوري مثل نسخة: (٦١١ هـ، ٦٤٩هـ، ١٣٠٩ هـ)، وكذلك ذُكر في النسخة التي هي مع شرح الزاهدي (نسخة ١١٢٧ هـ)، وشرح القدوري لابن حامد (حدق العيون)، لوحة ١٨٦، ولذا أثبتُّ هذا في المختصر. وقال الزيلعي في تبيين الحقائق ١٦٧/٣: والأصح أنه يسأله - عن الزمان - لأنه يحتمل أنه زنى في صباه. اهـ، وكذلك قال ملا مسكين في شرح الكنز ٣٥٣/٢، ووافقه المحشي أبو السعود، نقلاً عن النهر الفائق ١٢٩/٣، وقال ابن نجيم في البحر ٨/٥: وهذا هو الأصح. اهـ، ونقله سعدي جلبي في حاشيته على العناية ١١/٥. (٢) صحيح البخاري ١٢٩/١٢ (٦٨٢٠)، صحيح مسلم ١٣١٨/٣ (١٦٩١). ٤٥٨ كتاب الحدود يُخْرِجُهُ إلى أرضٍ فَضَاءٍ، يَبتدىء الشهودُ برَجْمه، ثم الإمامُ، ثم الناسُ. [كيفية تنفيذ الرجم : ] (يُخْرِجُه إلى أرضِ فَضَاءٍ)؛ لأنه أمكن لِرَجْمه؛ ولئلا يصيبَ بعضُهم بعضاً، ولذا قالوا: يَصُفّون لَرَجْمه كصفوف الصلاة، وكلَّما رَجَمَ صفةٌّ، تنحَّوْا، وتقدَّم آخر. * ولا يُحْفَر للرجل، ولا يُرْبط. * وأما المرأة: فإن شاء الإمامُ حفَرَ لها؛ لأنه أسترُ؛ مخافةً التكشُّف، وإن شاء أقامها من غير حَفْرٍ، كالرجل؛ لأنه يُتوقّع منها الرجوعُ بالهرب، كما في ((الجوهرة)). [ابتداء الشهود بالرجم إن ثبت الحد بالبينة : ] * (يَبتدئء الشهودُ برَجْمه) إن كان ثبوتُه بالبينة؛ امتحاناً لهم؛ لأن الشاهد قد يتجاسر على الأداء، ثم يَسْتعظم المباشرة، فيرجع، فكان في بدايته احتيالٌ للدرء، (ثم الإمامُ) إن حَضَر؛ تعظيماً له، وحضورُه ليس بلازمٍ، كما في ((الإيضاح))، (ثم الناسُ) الذين عاينوا أداءَ الشهادة، أو أَذِنَ لهم القاضي بالرجم. وعن محمدٍ: لا يَسعهم أن يرجموه إذا لم يعاينوا أداء الشهادة. ((قُهُستاني)). ٤٥٩ كتاب الحدود فإن امتنع الشهودُ من الابتداء : سَقَطَ الحدّ. وإن كان الزاني مُقِرَّاً: ابتدأ الإمامُ، ثم الناسُ. ويُغَسَّل، ويُكَفَّن، ويُصَلَّى عليه. [امتناع الشهود من الرجم يُسقط الحد : ] : (فإن امتنع الشهودُ من الابتداء) برَجْمه: (سَقَطَ الحد)؛ لأنه دلالةُ الرجوع. * وكذا إذا غابوا، أو ماتوا، في ظاهر الرواية؛ لفوات الشرط. (هداية)). [ابتداء الإمام بالرجم إن ثبت الحد بالإقرار : ] * (وإن كان الزاني) الذي أُريدَ رَجْمه (مُقِرَّاً) على نفسه: (ابتدأ الإمامُ، ثم الناسُ). * قال في ((الدر)): ومقتضاه: أنه لو امتنع: لم يحِلّ للقومِ رَجْمُه وإن أَمَرَهم؛ لِفَوْت شَرْطه، ((فتح)). ولكن سيجيء أنه لو قال قاضٍ عَدْلٌ: قضيتُ على هذا بالرجم: وَسِعَكَ رَجْمُه وإن لم تعاین الحجة. اهـ [الصلاة على المقتول بالحدِّ : ] : (ويُغَسَّل) المرجومُ، (ويُكَفَّن، ويُصَلَّى عليه)؛ لأنه قُتِل بحقٍّ، ٤٦٠ كتاب الحدود وإن لم يكن مُحْصَناً، وكان حُرَّاً: فحَدُّه مائةُ جلدة . يأمر الإمامُ بضَرْبِهِ بِسَوْطٍ لا ثمرةَ له، ضَرْباً متوسِّطاً. فلا يسقط الغُسْل، كالمقتول قصاصاً، وصحَّ أنه صلى الله عليه وسلم صَلَّى على الغامدية(١)، كما في (الدر)). [حد الزاني غير المحصن :] * (وإن لم يكن) الزاني (مُحْصَناً، وكان حُرَّاً: فَحَدُّه مائةُ جلدة)؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَِّ فَاجْلِدُ واْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾(٢)، إلا أنه انتسخ في حق المحصَن، فبقي في حقٍّ غيره مَعْمُولاً به(٣). ((هداية)). [كيفية إقامة حد الجلد : ] * (يأمر الإمامُ بضَرْبِه بسَوْطِ لا ثمرة له): أي لا عُقَدَ في طَرَفه، كما في ((الصحاح))، (ضَرْباً متوسِّطاً) بين المبرِّح، وغيرِ المؤلم؛ (١) صحيح مسلم ٣/ ١٣٢٤ (١٦٩٦). (٢) النور / ١. (٣) قال في البناية ٢٠٩/٦: ((قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ ... ﴾: عامة في المحصن، وغيره، إلا أنه انتسخ في حقِّ المحصن بآية أخرى، نُسخت تلاوتها، وبقي حكمها، وهي: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم))). اهـ، وينظر صحيح البخاري ١٤٤/١٢ (٦٨٣٠)، صحيح مسلم ١٣١٧/٣ (١٦٩١).