النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الطلاق ولا يقعُ به إلا واحدةَ وإن نوى أكثر من ذلك، ولا يَفتقرُ بهذه الألفاظ إلى النية . * (ولا يقع به إلا واحدةً) رجعيةً (وإن (١) نوى أكثر من ذلك): أي أكثرَ من الواحدة الرجعية، فيشمل الواحدةَ البائنةَ، والأكثرَ من الواحدة؛ لأنه (٢) نَعْتٌ فَرْدٌ، حتى قيل للمثنى: طالقان، وللثلاث: طوالق، فلا يحتمل (٣) العدد؛ لأنه ضدُّه، والعدد الذي يقترن به نَعْتٌ لمصدرٍ محذوف، معناه: طلاقاً ثلاثاً (٤). ((هداية))، ومجردُ النية من غير لفظ دالَ: لا عبرة ١١٤ بها. * (ولا يفتقر بهذه الألفاظ إلى النية)؛ لأن النية لتعيين المحتمل، وهذا مستعمَلٌ في خاصٍّ. (١) (إن): هنا وصلية. (٢) أي قوله: أنتِ طالق. (٣) أي فلا يحتمل النعتُ الفردُ العددَ، فقوله: أنت طالق: فإن لفظ: ((طالق)): نعتٌ من الثلاثي: ((طلق))، وهو يدل على طلاق يكون صفة للمرأة، لا على طلاق يكون بمعنى التطليق، كالسلام بمعنى التسليم. العناية ٣٥٥/٣. (٤) وهذا المصدر المحذوف تقديره: أنت طالق طلاقاً ثلاثاً، كقوله: أعطيته جزيلاً، أي عطاءً جزيلاً، فكثرة العطاء هو المصدر المحذوف المنعوت، لا قوله: أعطيته. البناية ٣٦/٥. ١٠٢ كتاب الطلاق وقولُه: أنتِ الطلاقُ، أو: أنتِ طالقُ الطلاقَ، أو : أنتِ طالقٌ طلاقاً : فإن لم تكن له نيةٌ : فهي واحدةٌ رجعيةٌ، وإن نوى اثنتين : لم يقع إلا واحدةً رجعيةً، وإن نوى به ثلاثاً: كان ثلاثاً. والضربُ الثاني : الكنايات، ولا يقعُ بها الطلاقُ إلا بنيةٍ، أو بدلالةِ حالٍ . (وقوله: أنت الطلاقُ)، أو: طلاقٌ، (أو: أنت طالقٌ الطلاقَ، أو: أنت طالقٌ طلاقاً: فإن لم تكن له نية)، أو نوى واحدةً، أو اثنتين: (فهي واحدة رجعيةً)؛ لأنه مصدرٌ صريحٌ لا يحتمل العدد. * (وإن نوى اثنتين: لم يقع إلا واحدة رجعية(١). : وإن نوى به ثلاثاً: كان ثلاثاً)؛ لأن المصدر يحتمل العموم والكثرة، فيتناول الأدنى مع احتمال الكل، ويتعيَّن بالنية. [كنايات الطلاق : ] * (والضربُ الثاني: الكنايات) وهي: ما لم يوضَع له، واحتمله وغيرَه، (ولا يقع بها الطلاق إلا بنيةٍ، أو بدلالةِ حالٍ)، من مذاكرة الطلاق، أو وجود الغضب؛ لأنها غير موضوعة للطلاق، بل تحتمله وغيرَه، فلا بدَّ من التعيين، أو دلالته؛ لأن الطلاق لا يقع بالاحتمال. (١) ينظر الجوهرة النيرة ١٠٣/٢. ١٠٣ كتاب الطلاق وهي على ضربين : منها ثلاثةُ ألفاظٍ يقعُ بها الطلاقُ الرجعي، ولا يقعُ بها إلا طلقةً واحدةً، وهي: قوله: اعتدِّي، و: استبرِئِي رَحِمَك، و : أنتِ واحدةً. (وهي): أي ألفاظ الكنايات (على ضربين: منها ثلاثةُ ألفاظ يقع بها الطلاق الرجعي) إذا نوى الطلاق، (ولا يقع بها إلا طلقة واحدة، وهي: قوله: اعتدِّي)؛ لاحتمال أنه أراد: اعتدِّي نِعَمَ الله تعالى، أو: نِعَمي عليك، أو: اعتدِّي من النكاح، فإذا نوى الاعتدادَ من النكاح: زال الإبهام، ووجب بها الطلاق اقتضاء، كأنه قال: طلَّقتك، أو: أنت طالق، فاعتدِّي. * (و) كذا: (استبرِئي رَحِمَك)، فإنه يُستعمل بمعنى الاعتداد؛ لأنه تصريحٌ بما هو المقصود بالعدَّة، فكان بمنزلته، ويحتمل الاستبراء ليطلقها حال فراغ رحمها: أي تعرَّفِي رَحِمَك؛ لأطلقك. (و: أنت واحدة)؛ لاحتمال أنه أراد أنت واحدة عند قومك، أو منفردة عندي، ليس لي معك غيرك، أو نعتاً لمصدر محذوف: أي أنت طالق تطليقةً واحدة، فإذا نواه: جُعل كأنه قاله. قال في ((الهداية)): ولما احتملت هذه الألفاظُ الطلاقَ وغيرَه: تحتاج فيه إلى النية. * ولا يقع إلا واحدةً؛ لأن قوله: أنت طالق: فيها مقتضىّ، أو: مُضْمَر، ولو كان مظهراً: لا يقع به إلا واحدة، فإذا كان مضمَراً: أولى. ١٠٤ كتاب الطلاق وبقيةُ الكنايات إذا نوى بها الطلاقَ : كانت واحدةً بائنةً، ثم قال: ولا معتَبَرَ بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ، وهو الصحيح؛ لأن العوامَّ لا يميِّزون بين وجوه الإعراب. اهـ * وقوله: فيها مقتضىً، أو مضمَر: يعني أن ثبوت الطلاق بهذه الألفاظ، إما بطريق الاقتضاء، كما في: اعتدِّي، واستبرئي رحمك؛ لأن الطلاق ثبت شرعاً، لا لغة، وإما بطريق الإضمار، كما في قوله: أنت واحدة؛ لأنه لما زال الإبهام بنية الطلاق: ثبت الطلاق لغةً على أنه مضمَر فيه، بحذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، وهذا ق (١) شائعٌ(١) في كلامهم. وقوله: ولا معتبر بإعراب الواحدة ... إلخ: احترازٌ عما قيل: إن رَفَعَ: ((واحدة)): لا يقع به شيء؛ لأنه صفة للمرأة، وإن نَصَبَها: وقعت واحدةً؛ لأنها صفة للمصدر، وإن سكّن: اعتُبرت نيَّتُه، كما في ((غاية البیان»، وتمامه فيها. * (وبقية الكنايات): أي ما سوى الألفاظ الثلاثة المذكورة، (إذا نوى بها الطلاقَ كانت) طلقةً (واحدةً بائنةَ)؛ لأنها ليست كناية عن مجرد الطلاق، بل عن الطلاق على وجه البينونة؛ لأنها عوامل في حقائقها، واشتراط النية: لتعيين أحد نوعي البينونة، دون الطلاق. (١) ((شائع)): في نسخ اللباب كلها إلا نسخة د ففيها: ((سائغ)). ١٠٥ كتاب الطلاق وإن نوى بها ثلاثاً : كانت ثلاثاً، وإن نوى اثنتين : كانت واحدةَ. وهذا مثلُ قوله: أنتِ بائنٌ، و: بائنةٌ، و: بَنَّةٌ، و: بَتْلةٌ، و: حرامٌ، و: حَبْلُكِ على غارِيِك، و: الحَقِي بأهلِكِ، و: خَلِيَّةٌ، و: بَرِيَّةٌ، و: وهبتُكِ لأهلكِ، و: سرَّحتُكِ، و: فارقتُكِ، و: أنتِ حرَّةٌ، و: تقنَّعي، و: تخمَّري، و: استتري، و: اغرُبي، و: اعزُبي، و: ابتغي الأزواجَ. * (وإن نوى بها) طلاقاً (ثلاثاً: كانت ثلاثاً)؛ لأن البينونة نوعان: مغلَّظة، وهي الثلاث، ومخفّفة، وهي الواحدة، فأيَّهما نوى: وقعت؛ لاحتمال اللفظ. (وإن نوى اثنتين: كانت) طلقةً (واحدةً)؛ لأن الثنتين عدد مَحْض، ولا دلالة للّفظ عليه؛ فيثبت أدنى البينونتَيْن، وهي الواحدة. * (وهذا مثلُ قوله) لامرأته: (أنتِ بائنٌ)، أ(و: بائنةٌ)، أ(و: بتَّةٌ)، أ(و: بَتْلةٌ)، أ(و: حرامٌ)، أ(و: حَبْلُك على غارِبك)، أ(و: الحقي) - بالوصل، والقطع - (بأهلك) أ(و: خَلِيَّةٌ)، أ(و: بَرِيَّةٌ)، أو: وهبتُك لأهلك)، أ(و: سرَّحتُك)، أ(و: فارقتُك)، أ(و: أنت حرَّةٌ)، أو: تقنَّعي)، أ(و: تخمَّري)، أ(و: استتري)، أ(و: اغرُبي) - بمعجمة، فمهملة: من الغُرْبة، وهي البُعد -، أ(و: اعزُبي) - بمهملة، فمعجمة: من العزوبة، وهي عدم الزوج -، أو: اخرجي، أو: اذهبي، أو: قومي، أ(و: ابتغي الأزواجَ)، أو نحو ذلك. ١٠٦ كتاب الطلاق فإن لم تكن له نيةُ الطلاق: لم يقع بهذه الألفاظِ طلاقٌ، إلا أن يكونا في مذاكرةِ الطلاق : فيقعُ بها الطلاقُ في القضاء، ولا يقعُ فيما بينه وبين الله تعالى، إلا أن ينويَ به الطلاق. وإن لم يكونا في مذاكرةِ الطلاقِ، وكانا في غضبٍ، أو خصومةٍ : وَقَعَ الطلاقُ بكل لفظٍ لا يُقْصَد به السَّبُّ، والشتيمةُ، ولم يقع بما يُقصد به السبُّ والشتيمة، إلا أن ينويَه. * (فإن لم تكن له نية الطلاق: لم يقع بهذه الألفاظ طلاق)؛ لأنها تحتمله وغيرَه، والطلاقُ لا يقع بالاحتمال، (إلا أن يكونا): أي الزوجان (في مذاكرةِ الطلاقِ: فيقعُ بها الطلاق) أي: ببعضها، وهو: كلّ لفظٍ لا يصلح ردًّاً لقولها. وهذا (في القضاء)؛ لأن الظاهر أن مرادَه الطلاق، والقاضي إنما يقضي بالظاهر. * (ولا يقع) فيما يصلح ردًّاً لقولها؛ لاحتمال إرادة الردِّ، وهو الأدنى، فيُحمَل عليه، ولا (فيما بينه وبين الله تعالى) في الجميع، (إلا أن ينويَ به الطلاقَ)؛ لأنه يحتمل غيره. * (وإن لم يكونا في مذاكرةِ الطلاقِ، و) لكن (كانا في غضبٍ، أو خصومةٍ: وَفَعَ الطلاقُ) قضاءً أيضاً (بكل لفظٍ لا يُقْصَد به السَّبُّ، والشتيمة)؛ لأن الغضب يدل على إرادة الطلاق. * (ولم يقع بما يُقْصَد به السبُّ والشتيمة، إلا أن ينويَه)؛ لأن الحال يدل على إرادة السب والشتيمة. ١٠٧ كتاب الطلاق [بيان ألفاظ الكنايات وأقسامها وأحوال النطق بها : ] وبيان ذلك: أن الأحوال ثلاثة: حالةٌ مطلقة، وهي حالة الرضا، وحالَةُ مذاكرة الطلاق، وحالةُ الغضب. * والكنايات ثلاثة أقسام: قسمٌ منها يصلح جواباً، ولا يصلح ردًّاً، ولا شتماً، وهي ثلاثة ألفاظ: أَمْرُك بيدك، اختاري، اعتدِّي، ومرادفها. وقسمٌ يصلح جواباً وشتماً، ولا يصلح ردًّاً، وهي خمسة ألفاظ: خَلَيَّة، بَرِيَّة، بَتَّة، بائن، حرام، ومرادفها. وقسمٌ يصلح جواباً وردًّاً، ولا يصلح سَبَّاً وشَتْماً، وهي خمسةٌ أيضاً: اخرجي، اذهبي، اغربي، قُومي، تَقَّعي، ومرادفها. · ففي حالة الرِّضا: لا يقع الطلاق بشيءٍ منها إلا بالنية، والقولُ قولُه في عدم النية. * وفي حالة مذاكرة الطلاق: يقع بكل لفظٍ لا يصلح للردِّ، وهو القسم الأول والثاني. * وفي حالة الغضب: لا يقع بكل لفظٍ يصلح للسبِّ والردِّ، وهو القسم الثاني والثالث، ويقع بكل لفظٍ لا يصلح لهما، بل للجواب فقط، وهو القسم الأول، كما في ((الإيضاح)). ١٠٨ كتاب الطلاق وإذا وَصَفَ الطلاقَ بضَرْبٍ من الزيادة والشدة: كان بائناً، مثلُ أن يقول: أنتِ طالقٌ بائنٌ، أو: طالقٌ أشدَّ الطلاق، أو: أفحشَ الطلاق، أو: طلاقَ الشيطان، أو: البدعةِ، أو: كالجبل، أو: مِلء البيت . [وصف الطلاق بالشدة : ] (وإذا وَصَفَ الطلاقَ بضَرْبٍ من الزيادة والشدَّة: كان) الطلاق (بائناً)؛ لأن الطلاق يقع بمجرد اللفظ، فإذا وَصَفَه بزيادة وشدَّة: أفاد معنی لیس في لفظه. وذلك (مثلُ أن يقول: أنت طالقٌ بائنٌ؛ أو (١): طالقٌ أشدَّ الطلاق، أو: أفحشَ الطلاق)، أو: أشَرَّه، أو: أخبثه، (أو: طلاقَ الشيطان، أو: البدعة، أو: كالجبل، أو: ملء البيت)، أو: عريضَه، أو: طويلَه؛ لأن الطلاق إنما يوصف بهذه الصفة باعتبار أثره، وهي البينونة في الحال، فتقع واحدة بائنة إذا لم يكن له نية، أو نوى ثنتين في غير الأمة، أما إذا نوى الثلاث: فثلاث؛ لما مرَّ من قبل. * ولو عنى بقوله: أنت طالق: واحدةً، وبقوله: بائن، أو: البتة: أخرى: يقع تطليقتان بائنتان؛ لأن هذا الوصف يصلح لابتداء الإيقاع. «هداية)). (١) اختلفت نسخ القدوري هنا، ففي بعضها: ((و))، وفي بعضها: (أو)). ١٠٩ كتاب الطلاق وإذا أضاف الطلاقَ إلى جُملتها، أو إلى ما يعبّر به عن الجملة : وقع الطلاقُ، مثلُ أن يقول: أنتِ طالقٌ، أو : رَقَبتُكِ طالقٌ، أو: عُنُقُكِ طالقٌ، أو: روحُكِ طالقٌ، أو: جَسَدُكِ، أو: بدنُكِ، أو: فَرْجُكِ، أو : وجهُكِ. وكذلك إن طلَّق جزءاً شائعاً منها، مثلُ أن يقول : نصفُكِ، أو : ثلنُكِ طالقٌ . وإن قال : يدُكِ، أو : رِجْلُكِ طالقٌ: لم يقع الطلاق. [إضافة الطلاق إلى جملة المرأة، أو إلى جزء مشاع : ] (وإذا أضاف الطلاق إلى جملتها، أو إلى ما يعبّر به عن الجملة: وقع الطلاق)، وذلك (مثلُ أن يقول) لها: (أنت طالق، أو: رَقَبْتُك طالق، أو: عُنُّقُك طالق، أو: روحُك طالق، أو: جسدُك، أو: بدنُك، أو: فَرْجُك، أو: وجهُك)، أو رأسُك؛ لأن هذه الأشياء يُعبَّر بها عن الجملة؛ فكان بمنزلة قوله: أنت طالق. * (وكذلك إن طلق جزءاً شائعاً منها)، وذلك (مثلُ أن يقول) لها: (نصفُك، أو: ثلثُك طالقٌ)؛ لأن الجزء الشائع محلّ لسائر التصرفات، كالبيع وغيره، فكذا يكون محلاً للطلاق، إلا أنه لا يتجزّأ 13 في حق الطلاق، فَيَثبت في الكل ضرورةً. * (وإن قال: يَدُك، أو: رِجْلُك طالقٌ: لم يقع الطلاق)؛ لإضافته إلى غير محله؛ فَيَلْغو، كما إذا أضافه إلىُ رِيْقها، أو إلىْ ظَفَرها. و ء ١١٠ كتاب الطلاق وإن طلَّقها نصفَ تطليقةٍ، أو ثلثَ تطليقةٍ: كانت تطليقةً واحدةً. وطلاقُ المُكرَهِ، والسكرانِ : واقعٌ. * واختلفوا في البطن، والظهر: والأظهر أنه لا يصح؛ لأنه لا يُعَبَّر بهما عن جميع البدن(١). ((هداية)). [إن طلقها نصف تطليقة : ] (وإن طلَّقها نصفَ تطليقة، أو ثلث تطليقة: كانت تطليقةً واحدة)؛ لأن الطلاق لا يتجزَّا، وذِكْرُ بعضٍ مالا يتجزأ: كذكر الكل. [طلاق المكره، والسكران : ] * (وطلاقُ المكرَه، والسكران: واقعٌ). قال في ((الينابيع)): يريد بالسكران: الذي سكِرَ من الخمر، أو من النبيذ، أما إذا سكِرَ من البَنْج (٢)، أو من الدواء: لا يقع طلاقه بالإجماع. قال في ((الجواهر)): وفي هذا الزمان إذا سكِر بالبنج: يقع طلاقُه؛ زَجْراً له، وعليه الفتوى. * ثم الطلاق بالسُّكْر من الخمر واقعٌ، سواء شَرِبِها طوعاً، (١) قال في الدر المختار مع ابن عابدين ١٨٩/٩: ((فلو عبَّر به قوم عنها: وقع)). اهـ (٢) البَنجِ: بالفتح: نَبْتُ له حَبٌّ يُسكِر، ويورث السُّبَات. ينظر المغرب (بنج)، المصباح المنير (بنج)، ابن عابدين ١٢٩/٩. ١١١ كتاب الطلاق ويقع طلاقُ الأخرس بالإشارة. وإذا أضاف الطلاقَ إلى النكاح : وَقَعَ عَقِيبَ النكاح، مثلُ أن يقول : إن تزوجتُكِ فأنتِ طالقٌ، أو يقولَ: كلَّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ. أو كُرْهاً، أو مضطراً، قاله الزاهدي، كذا في ((التصحيح))(١). [طلاق الأخرس : ] * (ويقع طلاق الأخرس بالإشارة) المعهودة له؛ لأنها قائمةً مقامَ عبارته؛ دَفْعاً للحاجة. [إضافة الطلاق إلى النكاح: ] (وإذا أضاف الطلاق إلى النكاح: وَقَعَ) الطلاقُ (عَقيب النكاح)، وذلك (مثلُ أن يقول) لأجنبيةٍ: (إن تزوجتُك فأنت طالق، ءُ أو يقول: كلّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ)، فإذا تزوجها: طلقت، ووجب لها نصف المهر، فإن دخل بها: وَجَبَ لها مهرُ مثلها، ولا يجب الحدُّ، لوجود الشبهة. (١) لكن قال العلامة قاسم في التصحيح ص ٣٦٦ بعد ذلك: ((والتحقيق ما قال قاضي خان: ولو أُكره على شرب الخمر، أو شَرِبَ الخمر للضرورة، وسكِرَ، وطلَّق: اختلفوا فيه، والصحيح أنه كما لا يلزمه الحد، لا يقع طلاقه)). اهـ، وكذلك في ابن عابدين ٩ / ١٣٠. ١١٢ كتاب الطلاق وإذا أضاف الطلاقَ إلىَ شَرْطٍ : وَقَعَ عَقِيبَ الشرط، مثلُ أن يقول لامرأته : إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ. ولا يصحُّ إضافة الطلاقِ إلا أن يكون الحالفُ مالكاً، أو يُضيفَه إلى مِلْکه. · ثم إذا تزوجها (١): لا تطلق ثانياً؛ لأن: ((إن)): لا توجب التكرار، وأما: ((كل)): فإنها توجب تكرارَ الأفراد، دون الأفعال، حتى لو تزوج امرأةً أخرى: تطلق. [إضافة الطلاق إلى شرط : ] : (وإذا أضاف الطلاقَ إلى) وجود (شَرْط: وَقَعَ عَقِيب) وجود ءُ (الشرط)، وذلك (مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدارَ، فأنت طَالق)، وهذا بالاتفاق؛ لأن الملك قائمٌ في الحال، والظاهر بقاؤه إلى وقت الشرط، ويصير عند وجود الشرط كالمتكلّم بالطلاق في 31 ذلك الوقت. * (ولا يصح إضافة الطلاق): أي تعليقُه (إلا أن يكون الحالف مالكاً) للطلاق حين الحلف، كقوله لمنكوحته: إن دخلت الدار، فأنت طالق، (أو يضيفه إلى ملكه)، كقوله الأجنبية: إن نكحتُك، فأنت طالق. (١) أي مرة أخرى. ١١٣ كتاب الطلاق وإن قال الأجنبية: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، ثم تزوجها، فدخلت الدارَ : لم تَطْلُقْ. وألفاظُ الشرط: إن، و: إذا، و: إذا ما، و: كلّ، و: كلَّما، و : متى، و: متى ما. ففي كل هذه الشروط إذا وُجِدَ الشرطُ في ملكه: انحلَّت اليمينُ، ووقع الطلاقُ، (وإن) لم يكن مالكاً للطلاق حين الحلف، ولم يُضِفْه إلى ٥ ملك، بأن (قال لأجنبيةٍ: إن دخلت الدار، فأنت طالق، ثم تزوجها، فدخلت الدار: لم تَطْلَقْ)؛ لعدم الملك حين الحلف، والإضافة إليه، ولا بدَّ من واحدٍ منهما. [ألفاظ الشرط :] (وألفاظ الشرط: إن): بكسر الهمزة، (و: إذا، و: إذا ما، و: كل)، وهذا ليس بشرط حقيقة، لأن ما يليها اسمٌ، والشرط ما يتعلق به الجزاء، والأجزية تتعلق بالأفعال، لكنه أُلحق بالشرط؛ لتعلق الفعل بالاسم الذي يليها، كقولك: كلّ امرأة أتزوجها، فكذا. (درر)). * (و: كلَّما، و: متى، و: متى ما)، ونحو ذلك، كـ: لو، نحو: أنت كذا لو دخلت الدار. (ففي كل هذه الشروط إذا وُجِدَ الشرطُ فى ملكه: انحلَّت اليمينُ، ووقع الطلاقُ)؛ لأنها غير مقتضية للعموم والتكرار، فبوجود ١١٤ كتاب الطلاق إلا في : كلَّما : فإن الطلاق يتكرَّرُ بتكرار الشرط حتى تقع ثلاثُ تطليقات . فإن تزوجها بعد ذلك، وتكرر الشرطُ: لم يقع شيء. وزوالُ الملك بعد اليمين : لا يبطلها، .. . الفعل مرةً: يتم الشرط، ولا بقاء لليمين بدونه. * (إلا في: كلَّما، فإن الطلاق يتكرر بتكرار الشرط)؛ لأنها تقتضي تعميم الأفعال، ومن ضرورة التعميم: التكرار، (حتى تقعَ ثلاث تطليقات)، وينتهي الحِلّ بزوال المحلّية. * (فإن تزوجها بعد ذلك(١)، وتكرر الشرط: لم يقع شيء)؛ لأن ء٦ باستيفاء الطلقات الثلاث المملوكات في هذا النكاح: لم يبق الجزاء، وبقاء اليمين به وبالشرط، وفيه خلاف زفر. ((هداية)) (وزوالُ الملك) بطلقة، أو اثنتين (بعد اليمين: لا يبطلها): أي لا يبطل اليمين، لأنه لا يوجد الشرط، فبقي، والجزاء باقٍ؛ لبقاء مَحَلِّه، فبقي اليمين. قيَّدنا زوال الملك بالطلقة أو الثنتين؛ لأنه إذا زال بثلاث طلقات: فإنه يبطل اليمين، لزوال المحلية. (١) أي فيما إذا تزوجها بعد زوج آخر، وتكرَّر الشرط، فعند زفر يقع الطلاق. البناية ١٨٠/٥. ١١٥ كتاب الطلاق فإن وُجد الشرطُ في ملكه: انحلَّت اليمينُ، ووقَعَ الطلاقُ، وإن وُجد 18 في غير ملكه : انحلّت اليمينُ، ولم يقع شيء. وإذا اختلفا في وجود الشرط : فالقولُ قولُ الزوج فيه، إلا أن تُقيم المرأةُ البيئةَ. فإن كان الشرطُ لا يُعلَم إلا من جهتها : فالقولُ قولُها في حق نفسها، مثلُ أن يقول: إن حِضْتِ : فأنتِ طالقٌ، فقالت: قد حِضْتُ: طلقت. (فإن وُجد الشرط في ملكه: انحلّت اليمين)، لوجود الشرط، (ووقَعَ الطلاق)؛ لوجود المحلية. * (وإن وُجد) الشرط (في غير ملكه: انحلَّت اليمين) أيضاً؛ لوجود الشرط، (ولم يقع شيء)؛ لعدم المحلّية. [اختلاف الزوجين في تحقيق الشرط في الطلاق: ] (وإذا اختلفا): أي الزوجان (في وجود الشرط) وعدمه: (فالقول قول الزوج فيه)، لتمسُّكه بالأصل، وهو عدم الشرط، (إلا أن تُقيم المرأةُ البينةَ)؛ لأنها مدَّعية. (فإن كان الشرط) لا يطلع عليه غيرُها، و(لا يُعلَم إلا من و جهتها: فالقول) فيه (قولُها)، لكن (في حق نفسها) فقط، وذلك (مثل أن يقول) لها: (إن حضْت، فأنت طالق، فقالت: قد حضْتُ: طلقت)؛ استحساناً؛ لأنها أمينةً في حق نفسها، حيث لا يوقّف عليه ١١٦ كتاب الطلاق وإذا قال لها: إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ وفلانةٌ معك، فقالت : قد حضْتُ: طلقت هي، ولم تطلق فلانةً. وإذا قال لها : إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ، فرأت الدمَ: لم يقع الطلاقُ حتى يستمرَّ بها الدمُ ثلاثةَ أيام، فإذا تمَّت لها ثلاثةُ أيام: حَكَمْنا بوقوع الطلاق من حین حاضت. وإذا قال لها : إذا حِضْتِ حيضةً فأنتِ طالق: لم تطلق حتى ... إلا من جهتها، كما في انقضاء العدة. * (وإذا قال لها: إن حضْت، فأنت طالق وفلانة معك، فقالت: قد حضْتُ: طلقت هي) فقط، (ولم تطلق فلانةَ)، لأنها في حق الغير كالمدَّعية، فصارت كأحد الورثة إذا أقرَّ بدَيْن على الميت: قَبل قوله في حصته، ولم يُقبَل في حق بقية الورثة. * (وإذا قال لها) أي لزوجته: (إن حضْت، فأنت طالق، فرأت الدمَ: لم يقع الطلاق) عليها حالاً، بل (حتى يستمرَّ بها الدمُ ثلاثةَ أيام)؛ لاحتمال انقطاعه دونها، فلا يكون حيضاً. * (فإذا تمَّت لها ثلاثةُ أيام: حكَمْنا بوقوع الطلاق من حين حاضت)، لأنه بالامتداد: عُرف أنه من الرَّحِم، فكان حيضاً من الابتداء. * (وإذا قال لها: إذا حضْت حيضةً، فأنت طالق: لم تطلق حتى ١١٧ كتاب الطلاق تطهر من حیضها . وطلاقُ الأمة تطليقتان، وعِدَّتُها حيضتان، حُرَّاً كان زوجُها، أو عبداً. وطلاقُ الحرة : ثلاثٌ، حُرَّا كان زوجُها، أو عبداً. تطهرَ من حيضتها)؛ لأن الحيضة - بالهاء - هي: الكاملة منها، ولهذا حُمِل عليه حديث الاستبراء (١)، وكمالُها بانتهائها، وذلك بالطُّهْر. ((هداية)). [طلاق الأَمة : ] * (وطلاقُ الأمة تطليقتان، وعدَّتُها حيضتان، حُرَّاً كان زوجُها، أو عبداً. * وطلاقُ الحرة: ثلاثٌ، حُرَّا كان زوجُها أو عبداً). والأصل في هذا: أن الطلاق والعدة عندنا معتبران بالنساء؛ لأن حلَّ المحلّية نعمةٌ في حقها، وللرِّقِّ أثرٌ في تنصيف النِّعَم، إلا أن العُقْدة لا تتجزأ، فتكاملت عُقْدتين. (١) أي قوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أَوْطاسَ - وادٍ في بلاد هوازن، وهو موضع غزوة حُنين -: ((لا توطأ حاملٌ حتى تضع، ولا غيرُ ذاتِ حملٍ حتى تحيض حيضة))، كما في سنن أبي داود ٥٢/٣ (٢١٥٠)، وغيره، قال ابن حجر في التخليص الحبير ١٧٢/١ : إسناده حسن، وينظر نصب الراية ٢٣٣/٣. ١١٨ كتاب الطلاق وإذا طلَّق الرجلُ امرأتَه قبل الدخولِ بها ثلاثاً : وَقَعْنَ عليها. فإن فرَّق الطلاقَ : بانت بالأُولى، ولم تقع الثانيةُ والثالثة . وإن قال لها: أنتِ طالقٌ واحدةً، وواحدةً: وقعت عليها واحدةٌ. [طلاق الرجل زوجته غير المدخول بها ثلاثاً :] (وإذا طلَّق الرجلُ امرأتَه قبل الدخولِ بها)، والخلوةِ (ثلاثاً) جملةً: (وَقَعْنَ عليها)؛ لأن الواقع مصدر محذوف؛ لأن معناه: طلاقاً ثلاثاً على ما بيَّنَّا، فلم يكن قوله: أنتِ طالق، إيقاعاً على حِدَةٍ، فيقعن جملةً. ((هداية)). * (فإن فرَّق الطلاقَ)، كأن يقول لها: أنت طالقٌ، طالقٌ، طالقٌ: (بانت بالأُولىُ، ولم تقع الثانيةُ، والثالثةُ )؛ لأن كل واحدة إيقاعٌ على حدة، وليس عليها عدة (١)، فإذا بانت بالأولى: صادفها الثاني (١) وهي أجنبية. * (وإن قال لها: أنت طالق واحدةً، وواحدةً: وقعت عليها) طلقة (واحدة)؛ لما ذكرنا أنها بانت بالأوْلى، فلم تقع الثانية. ٩ (١) لأنها غير مدخول بها. (٢) أي الطلاق الثاني. ١١٩ كتاب الطلاق وإن قال لها: أنتِ طالقٌ واحدةً قبل واحدةٍ: وقعت عليها واحدة . وإن قال لها : واحدةً بعدها واحدةٌ : وقعت عليها واحدة. وإن قال لها : واحدةً قبلها واحدةٌ : وقعت عليها. (وإن قال لها: أنت طالق واحدةً قبل واحدة: وقعت عليها واحدة). والأصل في ذلك: أن الملفوظ به أولاً، إن كان موقَعاً أوَّلاً: وقعت واحدة، وإن كان الملفوظ به أولاً موقعاً آخراً: وقعت ثنتان؛ لأن الإيقاع في الماضي إيقاعٌ في الحال؛ لأن الإسناد ليس في وُسْعه، فيقترنان. فإذا ثبت هذا، فقوله: أنت طالق واحدة قبل واحدة: الملفوظ به أولاً موقَعٌ أوَّلاً، فتقع الأُولى، لا غير؛ لأنه أوقع واحدة، وأخبر أنها قبل أخرى ستقع، وقد بانت(١) بهذه، فلغت الثانية. * (و) كذا (إن قال لها: واحدةً بعدها واحدة: وقعت عليها واحدة) أيضاً؛ لأن الملفوظ به أوَّلاً موقَعٌ أوَّلاً، فتقع الأُولى، لا غير؛ لأنه أوقع واحدةً، وأخبر أن بعدها أخرى ستقع. * (وإن قال لها): أنت طالق (واحدة قبلها واحدة: وقعت عليها (١) لكونها غير مدخول بها. ١٢٠ كتاب الطلاق ثنتان . وإن قال لها : أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ، أو مع واحدةٍ، أو معها واحدةٌ : وقعت ثنتان. وإن قال لها: إن دخلتِ الدارَ: فأنتِ طالقٌ واحدةً، وواحدةً، فدخلت الدارَ : وقعت عليها واحدةٌ عند أبي حنيفة . وقالا : تقع ثنتان. ثنتان)؛ لأن الملفوظ به أوَّلاً موقَعٌ آخِراً؛ لأنه أوقع واحدةً، وأخبر أن قبلها واحدةً سابقة؛ فوقعتا معاً، لما تقدم أن الإيقاع في الماضي، * (و) كذا (إن قال لها: أنت طالقٌ واحدةً بعد واحدة، أو مع واحدة، أو معها واحدةً: وقعت ثنتان) أيضاً؛ لأنه في الأولى أوقع وُ إيقاعٌ في الحال. واحدةً، وأخبر أنها بعد واحدة سابقة، فاقترنتا. وفي الثانية، والثالثة: ((مع)): للمقارنة، فكأنه قَرَن بينهما، فوقعتا. * (وإن قال لها: إن دخلت الدارَ، فأنت طالقٌ واحدةً، وواحدةً) بتقديم الشرط، (فدخلت الدار: وقعت عليها واحدةً عند أبي حنيفة، وقالا: تقع ثنتان). وإن أخَّر الشرط: يقع ثنتان اتفاقاً؛ لأن الشرط إذا تأخَّر، يغيِّر صَدْر الكلام، فيتوقف عليه، فيقعن جملة، ولا مغيِّر فيما إذا تقدم الشرط، فلم يتوقف.