النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ كتاب المأذون وما بقيَ من الديون يطالَبُ به المعتَقُ. وإذا وَلَدَت المأذونةُ من مولاها : فذلك حَجْرٌ عليها. وإذا أذن وليُّ الصبيِّ للصبيِّ في التجارة: فهو في الشراء والبيع، كالعبد المأذون إذا كان يعقلُ البيع والشراء. * (وما بقيَ من الديون يطالَبُ به) المأذون (المعتَقُ)؛ لأن الدين في ذمته، ومالزم المولى إلا بقدر ما أتلف ضماناً، فبقي الباقي عليه كما كان. * فإن كان الدين أقلّ من قيمته: ضمن الدَّينَ، لا غير؛ لأن حقهم بقَدْره. [ولادة الأمة المأذون لها من مولاها: حَجْرٌ عليها :] * (وإذا وَلَدَت) الأمةُ (المأذونةُ من مولاها: فذلك حَجْرٌ عليها)؛ بدلالة الظاهر؛ لأن الظاهر أنه يُحَصِّنُها بعد الولادة، ولا يرضى ببروزها ومخالطتها الرجالَ، بخلاف ابتداء الإذن؛ لأن الدلالة لا معتبر بها عند وجود التصريح بخلافها. [إذن الولي للصبي : ] ءِ * (وإذا أذن وليّ الصبي) - وهو: الأبُ، ثم وصيُّه، ثم الجدُّ، ثم وصيُّه، ثم القاضي، كما سيأتي - (للصبي في التجارة: فهو في) الدائر بين النفع والضَّرِّ، مثل (الشراء والبيع، كالعبد المأذون إذا كان يعقل البيع والشراءَ). ٥٦٢ کتاب المأذون لأن الصبيَّ العاقلَ يُشبه البالغَ؛ من حيث إنه عاقلٌ مميِّز. ويُشبه الطفلَ الذي لا عَقْلَ له؛ من حيث إنه لم يتوجَّه عليه الخطاب، وفي عَقْله قصورٌ، وللغير عليه ولاية. فأُلحق بالبالغ: في النافع المحض. وبالطفل: في الضارِّ المحض. وفي الدائر بينهما: بالطفل عند عدم الإذن. وبالبالغ: عند الإذن؛ لرجحان جهة النفع على الضرر بدلالة الإذن. ولكن قبل الإذن: يكون منعقداً موقوفاً على إجازة المولى؛ لأن فيه منفعةً؛ لصيرورته مهتدياً إلى وجوه التجارات، كذا في ((الدرر))(١). (١) درر الحكام ٢٨١/٢. ٥٦٣ كتاب المزارعة كتاب المزارعة قال أبو حنيفة : المزارعةُ بالثلث والرُّع، .. . كتاب المزارعة * مناسبتُه للمأذون: أن كلاً من العبد المأذون والمزارع عامل في ملك الغير. * والمزارعةُ - وتسمى المخابَرَةُ (١)، والمحاقَلةُ - لغةً: مفاعلَةٌ من الزرع، وفي الشريعة: عَقْدٌ على الزرع ببعض الخارج، كما في ((الهداية)). [حكم المزارعة : ] * (قال) الإمام (أبو حنيفة: المزارعة بالثلث والربُع)، والأقلِّ، (١) المخابرة: من: خبرتُ الأرض: شققتها للزراعة، فأنا خبير، والخَبَار: هو الأرض الرخوة اللينة، وقيل: المخابرة من الخُبرة: النصيب، إذ هي مزارعة الأرض على بعض ما يخرج منها. ينظر المغرب (خبر)، النهاية لابن الأثير ٧/٢، المصباح المنير (خبر). ٥٦٤ كتاب المزارعة . باطلةٌ . والأكثر (باطلةَ)؛ لما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام ((نهى عن المخابرة))(١). ولأنها استئجارٌ ببعض الخارج، فيكون في معنىُ قَفِيز الطحَّان(٢)، ولأن الأجر مجهول، أو معدوم، وكل ذلك مفسِدٌ. ومعاملةُ النبي صلى الله عليه وسلم أهلَ خَيْبر(٣): كان خراجَ مقاسَمَةٍ (٤)، كما في ((الهداية)). (١) صحيح البخاري ٥٠/٥ (٢٣٨١)، صحيح مسلم ١١٧٤/٣ (١٥٣٦). (٢) وهو أن يستأجر رجلاً ليطحن له حنطة معلومة بقفيز من دقيقها، أي مكيال معين منه، وقد ورد النهي عن قفيز الطحان. ينظر البناية ٣٦٠/٩، النهاية لابن الأثير ٩٠/٤، المصباح المنير (قفز). وينظر نهيه صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان في سنن الدار قطني ٤٧/٣، سنن البيهقي ٣٣٩/٥، مسند أبي يعلى ٣٠١/٢ (١٠٢٤)، كما في نصب الراية ١٤٠/٤، والدراية ١٩٠/٢، وفيها قال ابن حجر: وفي إسناده ضعف، لكن في التلخيص الحبير ٦٠/٣ بعد أن تكلم في أحد رواته، فإنه نقل عن العلامة مغلطاي توثيقه، وکذلك عن ثقات ابن حبان، ومن هنا صححه محقق مسند أبي يعلى. (٣) ففي صحيح البخاري ١٠/٥ (٢٣٢٨)، وصحيح مسلم ١١٨٦/٣ (١٥٥١) أنه صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. (٤) خراج المقاسمة هو أحد أنواع الخراج، وهو ما يوضع على الأرض ابتداءً على الكافر جزءاً مشاعاً من الخارج منها، كالربع والخمس، فإذا فتح الإمام بلدة ومَنَّ على أهلها بأرضها: له أن يضع الخراج عليها مقاسمة، كما تقدم، أو وظيفة، وهو ما يوضع على مالك الأرض، ويتعلق بالذمة ولو لم يزرعها. ينظر ابن عابدين (ط البابي) ٤ / ١٨٥. ٥٦٥ كتاب المزارعة وقال أبو يوسف ومحمد : جائزةً. وتقييدُ المصنّف بالثلث والربع: باعتبار العادة في ذلك. (وقال أبو يوسف ومحمد): هي (جائزة)؛ لما رُوي أنه صلى الله عليه وسلم ((عامَل أهلَ خيبر على نصف ما يَخرج من ثمرٍ، أو زرع)»(١) . ولأنه عَقْدُ شركةٍ بين المال والعمل، فيجوز؛ اعتباراً بالمضاربة. والفتوى على قولهما، كما في قاضيخان، و((الخلاصة))، و((مختارات النوازل))، و((الحقائق))، و((الصغرى))، و((التتمة))، و((الكبرى))، و((الهداية))، والمحبوبي، ومشى عليه النسفي، كما في (٢) ((التصحيح))(٢). وفي ((الهداية)): والفتوى على قولهما؛ لحاجة الناس إليها، ولظهور تعامل الأَمَّة بها، والقياسُ يُترَك بالتعامل، كما في الاستصناع. اهـ [صور المزارعة، وبيان الجائز منها والباطل : ] * ولما كان العملُ والفتوى على قولهما، فرَّع عليه المصنّف، (١) تقدم تخريجه آنفاً. (٢) ص ٣٢٧ باختصار. ٥٦٦ كتاب المزارعة وهي عندهما على أربعة أوجهٍ : إذا كانت الأرضُ والبَذْرُ لواحدٍ ، والعملُ والبقرُ من آخر : جازت المزارعةُ. وإذا كانت الأرضُ لواحدٍ، والعملُ والبقرُ والبَذْرُ لآخَرَ : جازت المزارعةُ. وإذا كانت الأرضُ والبقرُ والبَذْرُ لواحدٍ، والعملُ لآخَرَ : جازت. فقال: (وهي عندهما على أربعة أوجُهِ)، تصحُّ في ثلاثة منها، وتبطل في واحد : ١ - لأنه (إذا كانت الأرضُ والبَذْرُّ لواحدٍ، والعمل والبقر من آخَرَ: جازت المزارعة)، وصار صاحبُ الأرض والبَذْر مستأجراً للعامل، والبقر تبعاً له؛ لأن البقر آلةُ العمل. ٢ - (و) كذا (إذا كانت الأرضُ لواحدٍ، والعملُ والبقرُ والبَذْرُ الآخَرَ: جازت المزارعةُ) أيضاً، وصار العامل مستأجراً للأرض ببعض الخارج. ٣- (و) كذا (إذا كانت الأرضْ والبقرُ والبَذْرُ لواحدٍ، والعمل لآخَرَ: جازت) أيضاً، وصار ربُّ الأرض مستأجراً للعامل ببعض الخارج. 9 ٥٦٧ كتاب المزارعة وإذا كانت الأرضُ والبقرُ لواحدٍ، والبَذْرُ والعملُ لآخرَ : فهي باطلةٌ. وقد نَظَمَ شيخُنا (١) هذه الثلاث الجائزة في بيتٍ، فقال: أرضٌ وبَذْرٌ، كذا أرضٌ، كذا عملٌ من واحد، ذي ثلاثٍ كلَّها قُبلت ٤ - (وإذا كانت الأرضُ والبقرُ لواحدٍ، والبَذْرُ والعملُ لآخرَ: فهي باطلةٌ)؛ لأنه لو قُدِّر(٢) إجارةً للأرض، فاشتراط البقر على صاحبها مفسدٌ للإجارة، إذْ لا يمكن جَعْل البقر تبعاً للأرض؛ لاختلاف المنفعة؛ لأن الأرض للإنبات، والبقرَ للشقِّ. ولو قُدِّر(٣) إجارةً للعامل، فاشتراط البَذْرِ عليه مفسِدٌ؛ لأنه ليس تبعاً له. * وبقي ثلاثة أوجه لم يذكرها المصنّف، وهي باطلة أيضاً: أحدُها: أن يكون البقر والبَذْر لأحدهما، والآخران للآخر؛ لأنها استئجارُ الأرض، وشَرْطُ العمل. (١) أي ابن عابدين رحمه الله، والبيت في الحاشية ٢٧٨/٦ (ط البابي). (٢) أي لو قُدِّر أن العامل ومعه البذر: استأجر الأرض ومعها البقر: فالإجارة باطلة. (٣) أي لو قُدِّر أن صاحب الأرض ومعه البقر: استأجر العامل ومعه البذر: فالإجارة باطلة. ٥٦٨ كتاب المزارعة ولا تصحُّ المزارعةُ إلا على مدة معلومةٍ . الثاني: أن يكون لأحدهما البقر، والباقي للآخر؛ لأنه استئجارٌ للبقر ببعض الخارج. الثالث: أن يكون لأحدهما البَذْرُ، والباقي للآخر؛ لأنه شراء للبَذْر ببعض الخارج. * وقد نظم شيخُنا هذه الثلاث مع مسألة المتن، فقال: والبَذْر مع بقر، أَوْ لا، كذا بقر لا غير، أو مع أرض: أربعٌ [شروط صحة المزارعة : ] * (ولا تصح المزارعة) عند مَن يجيزها (إلا) بشروط، صرَّح المصنّف ببعضها، وهي: ١ - أن تكون (على مدة معلومة) متعارَفة؛ لأنها عَقّد على منافع الأرض، أو منافع العامل، والمنفعةُ لا يُعرَف مقدارها إلا ببيان المدة. * قيّدنا المدة بالمتعارَفة؛ لأنها لو لم تكن متعارَفة، بأن كانت لا يُتمكَّن فيها من المزارعة، أو مدةً لا يعيش إلى مثلها: فسدت، كما في ((الذخيرة)). ٥٦٩ كتاب المزارعة ومِن شرائطها: أن يكون الخارجُ مشاعاً بينهما، فإن شَرَطا لأحدهما قُفْزاناً مسمَّاةً : . * قال في ((الدر)) (١): وقيل: في بلادنا (٢) تصح بلا بيان مدة، ويقع على أول زرعٍ واحد، وعليه الفتوى، ((مجتبى))، و((بزازية)). اهـ قال في ((البزازية)): وأخذ به الفقيه(٣)، لكن في ((الخانية)): والفتوى على جواب ((الكتاب)). قال في ((الشرنبلالية)): فقد تعارض ما عليه الفتوى( ٢ - (ومن شرائطها: أن يكون الخارجُ) بالمزارعة (مشاعاً بينهما)؛ تحقيقاً للشركة. * ثم فرَّع على هذا الشرط، فقال: (فإن شَرَطا لأحدهما قُفْزاناً) - بالضم: جَمْع: قفيز - (مسمَّةً): أي معيَّنة، أو شَرَطَ صاحبُ البَذْر (١) الدر المختار مع ابن عابدين ٢٧٥/٦ (ط البابي). (٢) المراد بلاد سمرقند، بلد الفقيه أبي الليث السمرقندي، حيث إن هذا النقل عنه من كتابه: ((النوازل))، كما هو في حاشية الشرنبلالي على درر الأحكام ٣٢٥/٢، المسماة: غنية ذوي الأحكام، وفيها: عن أبي الليث: أن أهل الكوفة إنما شرطوا بيان الوقت، لأن وقت المزارعة عندهم متفاوت ابتداؤها، وانتهاؤها مجهول. (٣) أي أبو الليث السمرقندي (ت ٣٧٣ هـ)، كما هو مصرَّح به في حاشية الشرنبلالي على درر الأحكام ٣٢٥/٢. (٤) وعليه: فالقولان مصحَّحان. ٥٧٠ كتاب المزارعة فهي باطلةٌ . وكذلك إن شَرَطا ما على الماذْيَانات والسواقي. أن يَرفع بقدر بذره: (فهي): أي المزارعة (باطلةَ)؛ لأنه يؤدي إلى انقطاع الشركة؛ لجواز ألا يخرج إلا ذلك القدر. : (وكذلك إن شَرَطا ما على الماذْيَانات(١)) - بفتح الميم، وسكون الذال: جَمْع: ماذْيان، وهو أصغر من النهر، وأعظم من الجدول، فارسي معرَّب، وقيل: ما يجتمع فيه ماء السيل، ثم تُسقى منه الأرض. ((مغرب)) -، (والسواقي) - جمع: ساقية، وهي النهر الصغير -؛ لإفضائه إلىُ قَطْع الشركة؛ لاحتمال أن لا يخرج إلا من ذلك الموضع. * وكذا إذا شَرَطا لأحدهما التِّبْنَ، وللآخر الحَبَّ؛ لأنه عسى أن تصيبه آفة، فلا ينعقد الحب، ولا يخرج إلا التبن. * وكذا إذا شرطا التِّبْن نصفَيْن، والحَبَّ لأحدهما؛ لأنه يؤدي إلىْ قَطْع الشركة فيما هو المقصود. * ولو شرطا الحَبَّ نصفين، ولم يتعرَّضا للتبن: صحَّت؛ لاشتراطهما الشركة فيما هو المقصود. (١) أي لو شرطا ما يخرج على أطرافها: فهو لأحدهما. ينظر البناية ١٠ / ٥٩٠. ٥٧١ كتاب المزارعة وإذا صحَّت المزارعةُ : فالخارجُ بينهما على الشرط . * ثم التبن يكون لصاحب البَذْر؛ لأنه نماء بذره. وقال مشايخ بَلْخ: التبن بينهما أيضاً؛ اعتباراً للعُرف فيما لم يَنُصَّ عليه المتعاقدان، ولأنه تَبَعٌ للحب، والتَّبَع يقوم بشرط الأصل. * وإن شرطا التبنَ لغير رب البَذْر: فسدت؛ لإفضائه إلىُ قَطْع الشركة بأن لا يخرج إلا التبن. ٣- ومن شروط صحتها: أن تكون الأرض صالحةً للزراعة(١). ٤- والتخليةُ بين الأرض والعامل، وتمامه (٢) في ((الهداية)). * (وإذا صحَّت المزارعة) على ما تقدَّم: (فالخارج) بها مشترَكٌ (بينهما على الشرط) السابق منهما؛ لصحة التزامهما. (١) لأن المقصود لا يحصل بدونه. الهداية ٤/ ٥٤. (٢) أي بقية هذه الشروط في الهداية ٤ / ٥٤ : ٥- أن يكون رب الأرض والمزارع من أهل العقد، حرَّين، بالغين. ٦ - بيان مَن عليه البذر؛ قطعاً للمنازعة. ٧ - بيان نصيب مَن لا بذر من قِبَله. ٨- بيان جنس البذر، ليصير الأجر معلوماً، وينظر الدر المختار مع ابن عابدین ٦ /٢٧٥. ٥٧٢ كتاب المزارعة فإن لم تُخرِج الأرضُ شيئاً : فلا شيءَ للعامل. وإذا فسدت المزارعةُ : فالخارجُ لصاحب البَذْر. فإن كان البَذْرُ من قِبَل ربِّ الأرض: فللعامل أجرُ مِثْلِه، لا يُزاد على مقدار ما شُرِطَ له من الخارج. وقال محمد : له أجرُ مثله بالغاً ما بلغ . وإن كان البَذْرُ من قِبَل العامل : فلصاحب الأرض أَجْرُ مِثْلِها . * (فإن لم تُخرِج الأرضُ شيئاً: فلا شيء للعامل)؛ لأنه مستأجرٌ ببعض الخارج، ولم يوجد. [حكم ما لو فسدت المزارعة : ] * (وإذا فسدت المزارعة: فالخارجُ لصاحب البَذْرِ)؛ لأنه نماء ملکه: (فإن كان البَذْرُ من قِبَل ربِّ الأرض: فللعامل أجر مثله)؛ لأن ربَّ الأرض استوفى منفعته بعقد فاسد، ولكن (لا يُزاد على مقدار ما شُرط له من الخارج)؛ لرضائه بسقوط الزيادة، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. (وقال محمد: له أجر مثله بالغاً ما بَلَغ)؛ لأنه استوفى منافعَه بعقد فاسد، فيجب عليه قيمتها، إذ لا مثل لها. ((هداية)). قال في ((التصحيح)): ومشى على قولهما المحبوبيُّ، والنسفيُّ. اهـ (وإن كان البَذْرُ من قِبَل العامل: فلصاحب الأرض أَجْرُ مثلها)؛ ٥٧٣ كتاب المزارعة وإذا عُقِدت المزارعةُ، فامتنع صاحبُ البَذْر من العمل: لم يُجْبَر عليه . وإن امتنع الذي ليس من قِبَله البَذْرُ: أجبره الحاكمُ على العمل. لاستيفاء العامل منفعة أرضه بعقدٍ فاسد. [امتناع صاحب البذر من العمل : ] * (وإذا عُقدت المزارعة) بشروطها المتقدِّمة، (فامتنع صاحبُ البَذْرِ من العمل) قبل إلقاء بَذْره: (لم يُجْبَر عليه)؛ لأنه لا يمكنه المضيُّ إلا بضررٍ يَلزمه، وهو استهلاك البذر، فصار كما إذا استاجر أجیراً لیهدم داره، ثم بدا له(١): لم يُجبر على ذلك. * قيَّدنا بكونه قبل إلقاء البَذْرِ؛ لأنه لو أبى بعد إلقائه: يُجبر؛ لانتفاء العلة، كما في ((الكفاية)). [امتناع غير صاحب البَذْر من العمل : ] * (وإن امتنع الذي ليس من قِبَله البَذْرُ: أجبره الحاكمُ على العمل)؛ لأنه لا يَلحقه بالوفاء بالعقد ضررٌ، والعقد لازمٌ، بمنزلة الإجارة، إلا إذا كان عذرٌ تُفْسَخ به الإجارة: فتُفسَخ به المزارعة. ((هداية)). (١) أي بدا له أن لا يهدم. ٥٧٤ كتاب المزارعة وإذا مات أحدُ المتعاقدين : بطلت المزارعةُ. وإذا انقضَتْ مدةُ المزارعة، والزرعُ لم يُدرَك : كان على المزارع أجرُ مثلٍ نصيبِه من الأرض إلى أن يَستحصد . والنفقةُ على الزرع : عليهما على مقدار حقوقهما . * وفيها(١): وإن امتنع ربُّ الأرض والبَذْرُ من قِبَله، وقد كَرَبَ المزارعُ الأرضَ (٢): فلا شيء له في عمل الكِرَاب. قيل: هذا في الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى: يلزمه استرضاء العامل. اهـ [ما تبطل به المزارعة : ] * (وإذا مات أحدُ المتعاقدين: بطلت المزارعة)؛ اعتباراً بالإجارة. * (وإذا انقضت مدةُ المزارعة، والزرع لم يُدرَك) بعدُ: (كان على المزارع أجر مثل نصيبه من الأرض إلى أن يَستحصد): أي الزرع؛ رعايةً للجانبين بقدر الإمكان، كما في الإجارة. * (والنفقةُ على الزرع) بعد انقضاء مدة المزارعة: (عليهما): أي المتعاقدين (على مقدار حقوقهما)؛ لانتهاء العقد بانقضاء المدة، (١) أي في الهداية. (٢) أي قَلَبها للحرث. المغرب (کرب). ٥٧٥ كتاب المزارعة وأجرةُ الحَصَادِ، والرَّفَاعِ، والدَِّاسِ، والتَّذْريةِ: عليهما بالحِصَص. فإن شَرَطا ذلك في المزارعة على العامِل : فسدت. وهذا عملٌ في المال المشترَك. * قيَّدنا بانقضاء المدة؛ لأنه قَبْل انقضائها: على العامل خاصة. * (وأجرةُ الحَصَاد): أي قَطْع الزرع، وجَمْعه، (والرِّفَاعُ(١)): أي نَقْلِه إلى البَيْدر، (والدَِّاسِ): أي تنعيمه، (والتَّذْريةِ): أي تمييز حَبِّه من تِبْنه، وكذا أجرةُ الحفظ ونحوه: (عليهما بالحصَص)، سواء انقضت المدة أوْ لا؛ لأن العقد تناهى بتناهي الزرع لحصول المقصود، وصار مالاً مشتركاً بينهما؛ فتجب المؤنة عليهما. * (فإن شرطا ذلك): أي العملَ المذكورَ الذي يكون بعد انتهاء الزرع، من الحصاد ونحوه، (في المزارعة علىُ العامِل) وَحْدَه: (فسدت) المزارعة؛ لأنه شَرْطٌ لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحدهما. (١) الرَّفاع: بالفتح، والكسر لغة: أن يُرفع الزرعُ إلى البيدر بعد الحصاد. المغرب (رفع)، أما صاحب المصباح المنير (رفع)، فقد سوَّى بين فتح الراء وكسرها، وكذلك فعل صاحب مختار الصحاح، ثم نقل عن الأصمعي أنه قال: لم أسمع الكسر، وأما صاحب القاموس المحيط (رفع)، فقال: بالفتح، ويُكْسَر، وفي تاج العروس: الرَّفاع: بالفتح والكسر: اكتناز الزرع، ورفعه بعد الحصاد. ٥٧٦ كتاب المزارعة قال في ((التصحيح)): وهذا ظاهر الرواية، وأفتى به الحسام الشهيد في ((الكبرى)). وقال: وعن الحسن عن أبي حنيفة: أنه جائز، وهكذا عن أبي یوسف. قال في ((الهداية)): وعن أبي يوسف: أنه يجوز إذا شُرِط ذلك على العامل؛ للتعامل؛ اعتباراً بالاستصناع، وهو اختيار مشايخ بَلْخ. قال شمس الأئمة السرخسي: هذا هو الأصح في ديارنا. قال الخاصي: ومثلُه عن الفَضْلي. وفي ((الينابيع)): وهو اختيار مشايخ خراسان(١)، قال الفقيه: وبه نأخذ. وقال الإسبيجابي: وهو اختيار مشايخ العراق؛ اتباعاً للتعامل. وقال في ((مختارات النوازل)): وهو اختيار مشايخ بَلْخ، وبخارى؛ للعُرْف بينهم. اهـ (١) أي كصاحب الهداية وأصحابه. ينظر الجوهرة النيرة ٢٢٥/١. ٥٧٧ كتاب المساقاة کتاب المساقاة قال أبو حنيفة : المساقاةُ بجزءٍ من الثمرة باطلةٌ، وقالا : جائزةٌ إذا ذَكَرَا مدةً معلومةً، .. كتاب المساقاة * المناسبة بينهما ظاهرة، وتسمى المعاملة. * وهي لغةً: مفاعلةٌ من السَّقْي، وشرعاً: دَفْع الشجر إلى مَن يُصلِحُه بجزءٍ من ثمره. * وهي كالمزارعة حكماً، وخلافاً، وشروطاً، كما أشار إلى ذلك المصنِّف بقوله: (قال أبو حنيفة: المساقاة بجزء من الثمرة باطلة، وقالا: جائزة)، والفتوى على قولهما، كما تقدَّم في المزارعة (إذا ذَكَرًا) في العقد (مدةً معلومة) متعارَفة. قال في ((الهداية)): وشَرْط المدة قياسٌ فيها؛ لأنها إجارة معنىً، كما في المزارعة. وفي الاستحسان: إذا لم يبيِّن المدة يجوز، ويقع على أول ثمرةٍ تَخرج؛ لأن الثمرة لإدراكها وقتٌ معلوم، وقلّ ما يتفاوت. اهـ ٥٧٨ كتاب المساقاة وسمَّيا جزءاً من الثمرة مشاعاً. وتجوز المساقاةَ في النخل، والشجرٍ، والكَرْمِ، والرِّطاب، وأصولِ الباذنجان. فإن دَفَعَ نخلاً فيه ثمرةٌ مساقاةً، والثمرةُ · قيَّدنا بالمتعارَفة؛ لما مرَّ في المزارعة. * (وسَمَّيا جزءاً) معلوماً (من الثمرة مشاعاً)؛ تحقيقاً للشركة، إذ شَرْط جزءٍ معيَّن يقطع الشركة. * (وتجوز المساقاة في النخل، والشجر، والكَرْم، والرِّطاب) - بكسر الراء، كقِصاع: جمع: رَطْبة: بالفتح، كقَصْعة: القضيب ما دام رَطْباً، كما في الصحاح -، وهي المسمّاة في بلادنا(١) بالقَصَّةَ(٢)، والمراد هنا: جميع البُقُول(٣)، كما في ((الدر)) (وأصولِ الباذنجان)؛ لأن الجواز للحاجة، وهي تعم الجميع. * (فإن دَفَعَ) المالكُ (نخلاً فيه ثمرةٌ مساقاةً، و) كانت (الثمرة) (١) أي بدمشق الشام بلد المؤلف الميداني رحمه الله تعالى، وقوله: ((والمراد هنا ... )): هو كلام صاحب الدر ٢٨٨/٦ (ط البابي). (٢) كالبرسيم ونحوه. (٣) علّق على هذا ابن عابدين ٢٨٨/٦ بقوله: ((كذا قاله ابن الهمام، ثم نقل عن الجوهرة: أن البقول غير الرِّطاب، فالبقول مثل الكراث والسلق ونحو ذلك، والرطاب كالقثاء والبطيخ والرمان والعنب والسفرجل والباذنجان وأشباه ذلك. اهـ تأمّل)). اهـ ٥٧٩ كتاب المساقاة تزيدُ بالعمل : جاز. وإن كانت قد انتهت : لم يجز. وإذا فسدت المساقاةُ : فللعامل أجرُ مثله. وتبطل المساقاةُ بالموت . بحيث (تزيد بالعمل)، أو زرعاً وهو بَقْلٌ: (جاز)؛ لاحتياجه للعمل. * (وإن كانت) الثمرة (قد انتهت)، والزرع قد استُحصِد: (لم يجز)؛ لأن العامل إنما يستحق بالعمل، ولا أثر للعمل بعد التناهي والإدراك. * (وإذا فسدت المساقاة: فللعامل أجر مثله)؛ لأنها في معنى الإجارة الفاسدة. [ما تبطل به المساقاة : ] * (وتبطل المساقاة بالموت) لأحد المتعاقدين؛ لأنها في معنى الإجارة. * ثم إن مات صاحب الأرض: فللعامل القيام عليه وإن(١) أبى ورثةُ صاحبِ الأرض. (١) (إن): هنا وصلية. ٥٨٠ كتاب المساقاة وتُفسَخُ بالأعذار، كما تُفسخُ الإجارةُ. * وإن مات العامل: فلورثته القيام عليه وإن أبى صاحبُ الأرض. * وإن ماتا: فالخيار لورثة العامل؛ لقيامهم مقامه، وتمامه في ((الدرر)). [ما تفسخ به المساقاة والمزارعة : ] * (وتُفْسَخ) المساقاة والمزارعة (بالأعذار) المارَّة في الإجارة، (كما تُفسخ الإجارة). * قال في ((الهداية)): ومِن جملتها: أن يكون العاملُ سارقاً يُخاف عليه سرقة السَّعَف والثمر قبل الإدراك؛ لأنه يُلزم صاحبَ الأرض ضرراً لم يلتزمه، فتُفسخ فيه. * ومنها: مرضُ العامل إذا كان يُضعِفه عن العمل؛ لأن في و إلزامه استئجارَ الأَجَراء: زيادةَ ضررٍ عليه، ولم يلتزمه، فيُجعل عذراً. * وفيها(١): ومَن دفع أرضاً بيضاء إلى رجلٍ سنين معلومةً، يَغرس فيها شجراً، على أن تكون الأرض والشجر بين ربِّ الأرض والغارس نصفين: لم يجز ذلك؛ لاشتراطه الشركة فيما كان حاصلاً (١) أي في الهداية.