النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
كتاب إحياء المَوَات
لا مالكَ له، أو كان مملوكاً في الإسلام لا يُعرَفُ له مالكٌ بعَیْنه، وهو
بعيدٌ من القرية، بحيث إذا وَقَفَ إنسانٌ في أقصى العامر، فصاح: لم
يُسمَعَ الصوتُ فيه : فهو مَوَاتٌ.
لم يُمْلَكْ في الإسلام، كما أشار إليه بقوله: (لا مالكَ له): أي في
الإسلام، فكأنها خَرِبت من عهد عادٍ (١).
بدليل المقابلة بقوله: (أو كان مملوكاً في الإسلام)، ولكن لطول
تَرْكه، وعدم الانتفاع به: (لا يُعرف له مالكٌ بعَيْنِه.
* وهو بعيدٌ من القرية، بحيث إذا وَقَفَ إنسانٌ) جَهْوَرِيُّ
الصوت(٢) (في أقصى العامر) من دُوْر القرية، كما في القُهُسْتاني عن
((التجنيس))، (فصاح) بأعلى صوته: (لم يُسمَع الصوتُ فيه): أي في
المكان الغير المنتفَع به: (فهو مَوَاتٌ) عند أبي يوسف.
وعند محمد: إن مُلِكت في الإسلام: لا تكون مَوَاتاً، وإذا لم
يُعرَف مالكُها: تكون لجماعة المسلمين.
* واعتُبر في غير المملوكة عدمُ الارتفاق، سواء قَرْبَت أو
(١) اسم: ((عاد)»: أصبح رمزاً للقِدَم، فكلُّ أثر قديم يُنسَب إلى ((عاد)) وقومه،
الذين أُرسل إليهم نبي الله هود على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك
لتقدُّمهم في الزمن. ينظر البناية ٣١٥/١١، الأعلام للزركلي ٢٤٣/٣.
(٢) أي عالي الصوت. القاموس (جهر).

٥٤٢
کتاب إحياء الموات
ومَن أحياه بإذن الإمام : مَلَكَه.
وإن أحياه بغير إذنه : لم يملِكْه عند أبي حنيفة،.
٠٠
.
بَعُدَت، وهي ظاهر الرواية، وبها يُفتى، كما في القهستاني عن
(الكبرى))، والبِرْجَنْدي عن ((المنصورية))، عن قاضيخان. كذا في
(الدر)).
* وقال الزيلعي: وجَعَلَ القدوريُّ المملوكَ في الإسلام إذا لم
يُعرَف مالكُه: من الموات؛ لأن حُكْمه كالموات، حيث يَتَصرَّف فيه
الإمام كما يتصرف في الموات؛ لا لأنه مواتٌ حقيقةً. اهـ.
وظاهره عدم الخلاف في الحقيقة. تأمَّل(١).
[إذن الإمام في الإحياء : ]
** (ومَن أحياه): أي الموات (بإذن الإمام: مَلَكَه) اتفاقاً.
* (وإن أحياه بغير إذنه: لم يملِكْه عند أبي حنيفة)؛ لأنه مغنومُ
للمسلمين؛ لوصوله إلى يدهم بإيجاف (٢) الخيل والرِّكاب، فليس
لأحد أن يختصَّ به دون الإمام، كما في سائر الغنائم.
(١) هذا هو كلام ابن عابدين ٤٣٢/٦ (ط البابي)، وعلَّق عليه الرافعي في
تقريراته ٣١١/٢ فقال: ((بل الخلاف حقيقي، وكيفية تصرُّف الإمام فيهما مختلفة.
تأمَّل)). اهـ
(٢) أي بإعمال الخيل والركاب في تحصيله. المصباح المنير (وجف).

٥٤٣
كتاب إحياء المَوَات
وقالا : يملكه.
(وقالا: يملكه) ولو بدون إذن الإمام؛ لأنه مباحٌ سبقت إليه يدُه،
فيملكه كما في الحَطَب والصيد.
ءِ
قال في ((التصحيح)): واختار قولَ الإمامٍ: البرهاني، والنسفي
وغیرُهما. اهـ
* وفي ((الجوهرة)): ثم إذا لم يملِكْها عند أبي حنيفة بالإحياء،
وملَّكه إياها الإمامُ بعد الإحياء: تصير ملكاً له، والأَوْلى للإمام أن
یجعلها له، ولا یستردّها منه.
* وهذا إذا تَرَكَ الاستئذان جهلاً، أما إذا تَرَكَه تهاوناً بالإمام: كان
له أن يستردَّها؛ زَجْراً له. اهـ
[وجوب العُشْر فيما أحياه وزرعه : ]
* وفي ((الهداية)): ويجب فيه(١) العُشْر؛ لأن ابتداء توظيف(٢)
الخراج على المسلم لا يجوز، إلا إذا سقاه بماء الخراج (٣)؛ لأنه
(١) أي يجب في الموات الذي أحياه وزرعه العشر. البناية ١١/ ٣٢٢.
(٢) أي فَرْض ضريبة الخراج ابتداءً على المسلم لا يجوز، لأن الخراج يُضرب
على الأرض الخراجية التي أخذها المسلمون من الكفار عنوة أو صلحاً، كما هو
مفصّل في موضعه.
(٣) كماء من نهر حفرها الإمام، أو بماء من أرض خراج، لا أرض عشر. ينظر
البناية ١١/ ٣٢٢.

٥٤٤
كتاب إحياء المَوَات
ويَملكُ الذميُّ بالإحياء كما يَملكُ المسلمُ.
ومَن حَجَّر أرضاً ..
٠٠
حينئذ يكون إبقاء الخراج على المسلم على اعتبار الماء.
* فلو أحياها، ثم تركها، فزرعها غيرُه: فقد قيل: الثاني أحق
بها؛ لأن الأول مَلَكَ استغلالها، لا رقبتها، فإذا تركها: كان الثاني
أحَقَّ بها، والأصح أن الأول ينزعها من الثاني؛ لأنه مَلَكها بالإحياء،
كما نطق به الحدیث(١). اهـ
[إحياء الذمي للموات : ]
* (ويَملك الذميُّ) المواتَ (بالإحياء كما يملكه المسلم)؛ لأن
الإحياء سببُ الملك، فيستويان فيه كسائر الأسباب، إلا أنه لا يَملكه
بدون إذن الإمام اتفاقاً، كما في القهستاني.
* قَيَّد بالذمي؛ لأن المستأمَن لا يملكه مطلقاً اتفاقاً، كما في
((النظم)).
[مَن حجَّر مواتاً ولم يحيه : ]
* (ومَن حَجَّر أرضاً): أي علَّمها بوضع الأحجار حولها، أو مَنَعَ
(١) وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)). أخرجه
الترمذي في السنن ٦٦٣/٣ (١٣٧٩)، وغيره ، وقال: حديث حسن صحيح. ينظر
نصب الراية ٢٨٨/٤.

٥٤٥
كتاب إحياء المَوَات
ولم يَعْمُرْها ثلاثَ سنين : أَخَذَها الإمامُ منه، ودفعها إلى غيره.
ولا يجوز إحياءَ ما قَرُّب من العامر، ويُتُرَكُ مرعيّ لأهل القرية،
ومَطْرَحاً لحصائدهم.
غيرَه منها بوضع علامةٍ من حجرٍ أو غيره، (ولم يَعْمُرِها): أي لم
يُحْيِها (ثلاثَ سنين: أَخَذَها الإمامُ منه): أي من المحجِّر، (ودفعها
إلى غيره)؛ لأن التحجير ليس بإحياء، ولأن الإمام إنما دفعها له
لتحصل المنفعة للمسلمين، من حيث العُشْرُ، أو الخراج، فإذا لم
يحصل: يدفعها إلى غيره؛ تحصيلاً للمقصود.
[عدم جواز إحياء ما قَرُب من العامر : ]
* (ولا يجوز إحياء ما قَرُب من العامر)؛ لأنه تَبَعٌ له؛ لأنه من
مَرَافقه، كما صرَّح به بقوله: (ويُترك مَرْعىَ لأهل القرية، ومَطْرِحاً
لحصائدهم)؛ لتحقق حاجتهم إليها، فلا يكون مَوَاتاً لتعلَّق حقُّهم
بها، بمنزلة الطريق، والنهر.
* وعلى هذا قالوا: لا يجوز أن يُقْطع الإمامُ ما لا غنىّ للمسلمين
عنه، كالملح، والآبار التي يَستقي الناسُ منها؛ لما ذكرنا. ((هداية)).
** وإذا أحاط الإحياء بجوانب ما أحياه الأربعة على التعاقب(١):
و
(١) لفظ الدرر ٣٠٧/١ المنقول عنه: ((أحيا مواتاً، ثم أحاط الإحياءُ بجوانبه
الأربعة بالتعاقب، فطريق الأول: في الأرض الرابعة، لأنه إذا سكت عن الأول والثاني
والثالث: صار الباقي طريقاً له، فإذا أحياه الرابع: فقد أحيا طريقه بحسب المعنى،
=

٥٤٦
كتاب إحياء المَوَات
ومَن حَفَرَ بئراً في بَرِّيَّةٍ : فله حَرِيمُها .
فإن كانت البئر للعَطَن : فحريمُها من كلِّ جانبٍ أربعون ذراعاً.
فطريقُه في الرابعة، كما في ((الدرر))، وغيرها.
[حريم البئر المُحْياة : ]
* (ومَن حفر بئراً في بَرِّنة، بإذن الإمام عنده، ومطلقاً عندهما
على ما مرَّ؛ لأن حَفْر البئر إحياء: {فله حَرِيمُها) من جوانبها الأربع؛
لأن تمام الانتفاع لا يكون إلا به.
* (فإن كانت البئر العَطَن): أي مُنَاخ الإبل، وهي التي يُناخ
حولها الإبل، ويُستَقى لها باليد: (فحريمها من كل جانب أربعون
ذراعاً).
* ثم قيل: الأربعون من كل الجوانب(١)، والصحيح: أنه من كل
جانب؛ لأن في الأراضي رِخْوةً، ويتحوَّل(٢) الماء إلى ما حُفر دونها.
((هداية)).
فيكون له فيه طريق. اهـ، وينظر البناية ١/ ٣٢٤.
(١) يعني من كل جانب عشرة أذرع، والصحيح: أربعون من كل جانب. البناية
٢١/١٥(ط باكستان).
(٢) أي فيتحول بسبب الرخاوة.

٥٤٧
كتاب إحياء المَوَات
وإن كانت للناضح : فحريمُها : ستونَ ذراعاً.
وإن كانت عَيْناً : فحريمُها ثلاثُمائةِ ذراعٍ.
* (وإن كانت) البئر (للناضح)، وهي التي يُستخرج ماؤها بسَيْر
الإبل(١)، ونحوها: (فحريمُها: ستون ذراعاً) وهذا عندهما، وعند
أبي حنيفة: أربعون أيضاً.
ورُجِّحَ دليلُه، واعتمده واختاره المحبوبيُّ، والنسفي، وغيرهما.
كذا في ((التصحيح)).
* وفيه (٢) عن ((مختارات النوازل)): مَن حفر بئراً في برِّيَّةٍ مواتٍ:
فله حريمها على قدر الحاجة من كل الجوانب، وهو الصحيح. اهـ
* (وإن كانت) المستخرجة(٣) بالحفر (عيناً) جاريةً: (فحريمها
ثلاثمائة ذراعٍ) من كل جانب.
قال في ((الينابيع)): وذكر الطحاوي خمسمائة ذراع (٤)، وهذا
(١) أي أن الإبل تجرُّ حبل الدلو، وتسير به حتى تُخرج الدلو، فتحتاج إلى
مسافة أطول، في حال أن بئر العطن يُستقى بها باليد فوق رأس البئر.
(٢) أي في تصحيح القدوري.
(٣) أي البئر المستخرجة.
(٤) لأن الحاجة فيه إلى زيادة مسافة، لأن العين تُستخرج للزراعة، فلا بدَّ من
موضع يجري فيه الماء، ومن حوض يُجمع فيه الماء، ومن موضع يجري فيه إلى
المزرعة، فلهذا يقدر بالزيادة. الهداية ١٠١/٤.

٥٤٨
كتاب إحياء المَوَات
التقدير ليس بلازم، بل هو موكولٌ إلى رأي القَنَوِيين(١)
واجتهادهم. اهـ
وفي ((الهداية)): والأصح أنه خمسمائة ذراع من كل جانب. اهـ
ثم قال: وقيل: إن التقدير في العين والبئر بما ذكرنا في
أراضيهم(٢)؛ لصلابتها، وفي أراضينا (٣) رخاوة، فيزداد؛ كي لا
يتحول الماء إلى الثاني، فيتعطل الأول. اهـ
* ثم المراد بالذراع: ذراعُ العامة، وهي ست قُبْضات، ويُعبَّر عنها
بالمكسَّرة(٤)؛ لأن ذراع المَلِك(٥) كان سبع قُبْضات، فكُسر منه قُبْضة.
(١) نسبة لمن يعمل في حفر قنوات الماء، والمراد أهل الخبرة في ذلك، وقد
جاءت هذه الكلمة في الينابيع (مخطوط نسخة دمشق، لوحة ١٣٥)، والنقل عنه،
هكذا: ((المقيسين))، وجاءت في نسخ اللباب هكذا: ((النفوس))، إلا نسخة د، ففيها:
((الناس))، وجاءت في نسختين خطيتين من التصحيح، وكذا المطبوع ٣٢١، وقد نقل
الميداني بواسطته نصَّ الينابيع هكذا: ((القنويين))، وفي نسخة خطية ثالثة من
التصحيح: ((المفتين))، وفي رابعة: ((المنتبين)).
(٢) أي في أراضي العرب. اهـ البناية ٣٤٠/١١.
(٣) هذا كلام صاحب الهداية المرغيناني البخاري.
(٤) وتسمَّى أيضاً ذراع الكرباس البناية ١١ /٣٤٠، ((وتسمى أيضاً ذراع اليد،
والغزل، والعتيق، والعادية، والعادلة، والقائمة، وذراع البريد، وتعادل (٤٦٫٢)
سم))، كما في تعليقات د/محمد الخاروف على الإيضاح والتبيان ص ٧٧.
(٥) ويسمى أيضاً ذراع المساحة. البناية ٣٤٠/١١.

٥٤٩
كتاب إحياء المَوَات
فمَن أراد أن يَحِفِرَ بئراً في حريمها : مُنع منه.
وما تَرَكَ الفراتُ، أو الدَّجلةُ، وعَدَلَ عنه ويجوز عَوْدُه إليه: لم
يَجُزْ إحياؤه.
* (فمَن أراد أن يحفر بئراً في حريمها): أي حريم المذكورات:
(مُنع منه)؛ كي لا يؤديَ إلى تفويت حقه، أو الإخلال به؛ لأنه بالحفر
مَلَكَ الحريم ضرورةَ تَمَكّنه من الانتفاع به، فليس لغيره أن يتصرف في
ملکه.
* فإن احتفر آخرُ بئراً في حريم الأُولى: فللأول كَبْسُهُ(١)، أو
تضمينه، وتمامه في ((الهداية).
* (وما تَرَكَ الفراتُ، أو الدجلةُ، وعَدَلَ) ماؤه (عنه): أي عن
المتروك، (و) لكن (يجوز(٢) عَوْده): أي الماء (إليه): أي إلى ذلك
المكان الذي تَرَكَه: (لم يَجُزْ إحياؤه) ولو بإذن الإمام (٣)، لحاجة العامة
إلی کونه نهراً.
(١) أي طمُّه ودَفْنه وملؤه بالتراب. المغرب (كبس).
(٢) هكذا: ((ويجوز)): في بعض نسخ القدوري، وكذلك نسخ اللباب، لكن في
غالب نسخ القدوري: «فإن کان یجوز)).
(٣) جملة: ((بإذن الإمام)»: ثابتة في بعض نسخ القدوري، دون البعض.

٥٥٠
كتاب إحياء المَوَات
وإن كان لا يجوز أن يعود إليه : فهو كالمَوَات إذا لم يكن حريماً
لعامٍ، يَملكُهُ مَنْ أحياه بإذن الإمام عند الإمام.
ومَن كان له نهرٌ في أرض غيره : فليس له حريمُه عند أبي حنيفة،
إلا أن يُقيمَ البينةَ على ذلك.
وقالا : له مُسَنَّاةٌ يمشي عليها، ويُلقي عليها طينَه .
* (وإن كان لا يجوز): أي غير محتَمِل (أن يعود إليه: فهو
كالموات): أي لأنه ليس في مِلْك أحد.
* وهذا (إذا لم يكن حريماً لـ) محلٍ (عامرٍ)، فإن كان حريماً
لعامر: كان تبعاً له؛ لأنه من مَرَافقه.
* وإذا لم يكن حريماً لعامر: فإنه (يملكه مَنْ أحياه) إن كان (بإذن
الإمام عند الإمام)، وإلا: فلا، خلافاً لهما، كما تقدَّم.
* (ومَن كان له نهر) يجري (في أرض غيره: فليس له): أي
لصاحب النهر (حريمُه) بمجرَّد دعواه أنه له (عند أبي حنيفة)؛ لأن
الظاهر لا يشهد له، بل لصاحب الأرض؛ لأنه من جنس أرضه،
والقول لمن يَشهد له الظاهر.
(إلا أن يقيم البينة على ذلك)؛ لأنها إثبات خلاف الظاهر.
(وقالا: له مُسَنَّاةٍ(١) يمشي عليها، ويُلقي عليها طينَه)؛ لأن النهر
(١) المُسنَّة : - بضم الميم، وفتح السین، وتشديد النون -: حائط يُبنى في وجه
=

٥٥١
كتاب إحياء المَوَات
.
لا بدَّ له من ذلك، فكان الظاهر أنه له.
قال في ((التصحيح)): واختار قولَ الإمامِ: المحبوبيُّ، والنسفيَّ.
قال(١): وهذا إذا لم تكن مشغولة(٢) بغرسٍ لأحدهما، أو طِيْنٍ،
فإن كان: فهي لصاحب الشغل بالاتفاق. اهـ
* وفي ((الهداية)): ولو كان عليه غَرْسٌ، لا يُدرَى مَن غَرَسَه: فهو
من مواضع الخلاف(٣) أيضاً، وثمرةُ الاختلاف: أن ولاية الغرس
لصاحب الأرض عنده، وعندهما: لصاحب النهر. اهـ
السيل لحبس الماء، ويسمى: السَّدُّ، ينظر المغرب (سنو)، المصباح المنير (سنّ)،
والمراد: ما يكون كالجسر، ولذا قال المصنّف: ((يمشي عليها)).
(١) أي العلامة قاسم في تصحيح القدوري ص ٣٢١.
(٢) أي وهذا الحكم في حريم النهر، إذا لم تكن الأرض حوله مشغولة بغرس أو
طين، فإن كانت مشغولة: فهي لصاحب الشغل بالاتفاق.
(٣) أي بين الإمام وصاحبيه.

٥٥٢
كتاب المأذون
کتاب المأذون
إذا أَذِنَ المولى لعبده في التجارة إذناً عاماً : جاز تصرُّفُه في سائر
التجارات، يشتري، ويبيعُ، ويَرهَنُ، ويَسترهن .
كتاب المأذون(١)
* مناسبتُه لإحياء المَوَات: أن في الإذن للعبد والصغير إحياءً له
معنی.
* وهو (٢) لغة: الإعلام، وشرعاً: فكُّ الحَجْرِ، وإسقاطُ الحق،
كما في ((الهداية)).
* (إذا أذن المولى لعبده في التجارة إذناً عاماً)، كأن يقول له:
أَذِنتُ لك في التجارة، من غير تقييدٍ بنوعٍ مخصوص: (جاز تصرُّفه
في سائر التجارات)، اتفاقاً؛ لأن اسم التجارة عامٌّ يتناول الجنس.
* وإذا جاز تصرفه: (يشتري) ما أراد، (ويبيعُ)؛ لأنهما أصل
التجارة، (ويَرَهَنُ، ويَسترهن)، ويُؤجر، ويستأجر؛ لأنها من صنيع
التجار.
(١) أي كتاب: الإذن، فهو مصدر، كمَعْسُور. ابن عابدين ١٥٤/٦.
(٢) أي الإذن.

٥٥٣
كتاب المأذون
وإذا أَذِن له في نوعٍ منها، دون غيره : فهو مأذونَ في جميعها.
وإن أَذِن له في شيءٍ بِعَيْنه : فليس بمأذونٍ .
وإقرارُ المأذون بالديون، والغُصوبِ : جائزٌ.
* (و) كذا (إذا أذن له) المولى (في نوعٍ منها): أي من أنواع
التجارة، (دون غيره): أي غير ذلك النوع، كأن يقول له: أَذنتُ لك
في التجارة في البُرِّ فقط: (فهو مأذونَ في جميعها)؛ لما تقدَّم أنه
إسقاطُ الحق، وفكُّ الحَجْر؛ فتظهر مالكيةً العبد؛ فلا يتخصص بنوعٍ
دون نوع.
* (وإن أَذِن له في شيءٍ بعَيْنه)، كشراء ثوبٍ للكسوة، وطعام
للأكل: (فليس بمأذون(١))؛ لأنه استخدام، فلو صار به مأذوناً: يَنْسَدُّ
عليه باب الاستخدام.
[حكم إقرار المأذون له بدينٍ ونحوه : ]
* (وإقرارُ المأذون بالديون والغُصوبِ: جائزٌ)، وكذا بالودائع؛
لأن الإقرار من توابع التجارة؛ إذ لو لم يصحّ: لاجتَنَبَ الناسُ مبايعته
ومعاملته.
ولا فَرْق بين ما إذا كان عليه دَيْنٌ، أو لم يكن إذا كان الإقرار في
-
(١) وفي نسخة القدوري (٧٢٧ هـ): ((فليس بمأذون سوى ذلك)).

٥٥٤
كتاب المأذون
وليس له أن يتزوَّجَ، ولا أن يُزوِّجَ مماليكَه.
ولا يكاتِبَ، ولا يُعْتِقَ على مالٍ .
ولا يَهَبَ بعوض، ولا بغير عوض، إلا أن يُهدِيَ اليسيرَ من
الطعام، أو يُضيِّف مَن يُطْعِمُه.
و =(١)
صحَّته، فإن كان في مرضه: يُقدَّم دَيْن الصحة، كما في الحَرِّ
(هدایة)).
٠
* (وليس له): أي المأذون (أن يتزوج)؛ لأنه ليس بتجارة، (ولا
أن يُزُوِّج مماليكه).
قال في ((التصحيح)): هذا على إطلاقه قولُ أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: له أن يُزُوِّج أمتَه، واختار قولَهما المحبوبيُّ،
والنسفي، والموصلي، وصدر الشريعة، ورُجِّح دليلُهما. اهـ
* (ولا يكاتب) عبداً، (ولا يُعتِقُ علىُ مالٍ)، وعلى غير مال
بالأَوْلى، (ولا يَهَب بعوض، ولا بغير عوض)؛ لأن كل ذلك تبرُّعٌ
ابتداء وانتهاء، أو ابتداء، فلا يدخل تحت الإذن بالتجارة. ((هداية)).
* (إلا أن يُهديَ اليسيرَ من الطعام، أو يُضيِّف مَن يُطْعِمه): أي
يضيِّفه، وكذا مَن لم يُطْعمه، كما في القهستاني عن ((الذخيرة))؛ لأن
(١) والجامعُ: تعلُّق حق الغرماء. البناية ١٦٣/١٠.

٥٥٥
کتاب المأذون
وديونُه متعلّقةٌ برقبته : يُباع فيها للغرماء، إلا أن يَفْدِیَه المولى،
ويُقْسَمُ ثمنُه بينهم بالحِصَص، فإن فَضَلَ من ديونه شيء : طولب به
بعد الحرية .
ذلك من ضروريات التجارة؛ استجلاباً لقلوب معامليه، وأهل حرفته.
[حكم ديون المأذون له : ]
* (وديونُه): أي المأذون (متعلقة برقبته: يباع فيها للغرماء): أي
لأجلهم، أي يبيع القاضي المأذونَ في ذلك الدَّيْن بطلب الغرماء.
* وهذا إذا كان السيد حاضراً، فإن غاب: لا يبيعه؛ لأن الخصم
في رقبته هو السيد، وبَيْعه ليس بحَتْمٍ، فإن لهم استسعاءه، كما في
((الذخيرة)).
* (إلا أن يَفْدِيَه المولى) بدفع ما عليه من الدين؛ لأنه لا يبقى في
رقبته شيء.
* (ويُقْسَم ثمنه) إذا بِيْع (بينهم): أي الغرماء (بالحِصَص)؛ لتعلّق
ءِ
حقهم بالرقبة، فصار كتعلقها بالتَّرِكة.
(فإن فَضَلَ من ديونه شيء: طولب به بعد الحرية)؛ لتقرُّر الدَّيْن
في ذمته، وعدم وفاء الرقبة به، ولا يباع ثانياً؛ دفعاً للضرر عن
المشتري.

٥٥٦
کتاب المأذون
وإن حُجِر عليه : لم يَصِرْ محجوراً عليه حتى يَظْهرَ حَجْرُه بين أهل
سوقه.
فإن مات المولى، أو جُنَّ، أو لَحِقٍ بدار الحرب مرتدَّاً: صار
المأذونُ محجوراً عليه .
[علم المأذون له بالحجر عليه : ]
* (وإن حَجَر عليه) المولى: (لم يَصِرْ محجوراً عليه) بمجرد
حَجْرُه، بل (حتى) يعلم المأذون به، و(يَظْهرَ حَجْرُه بين) أكثر (أهل
سُوْقه)، حتى لو حَجَرَ عليه في السوق، وليس فيه إلا رجل أو
رجلان: لا ينحجر، إذ المعتبر اشتهار الحَجْر وشيوعه، فيُقام ذلك
مقام الظهور عند الكل.
* هذا إذا كان الإذن شائعاً، أما إذا كان لم يعلم به إلا العبد، ثم
حُجِر عليه بمعرفته: ينحجر؛ لانتفاء الضرر، كذا في (الدرر)).
[صور الحَجْر الضمني : ]
* وهذا في الحجر القَصْدي، أما إذا ثبت الحجر ضمناً، فلا
يُشترط العلم، كما صرَّح بذلك بقوله: (فإن مات المولىُ، أو جُنَّ، أو
لَحِق بدار الحرب مرتداً)، وحُكِم بلَحَاقه: (صار المأذون محجوراً
عليه) ولو لم يعلم المأذون، ولا أهلُ سوقه؛ لأن الإذن غير لازم،
وما لا يكون لازماً من التصرف: يُعطى لدوامه حكم الابتداء؛ فلا بدَّ

٥٥٧
کتاب المأذون
وإذا أَبَقَ العبدُ المأذونُ : صار محجوراً عليه.
وإذا حُجِر عليه : فإقراره جائزٌ فيما في يده من المال عند أبي
حنيفة، وقالا : لا يصح إقرارُه.
من قيام أهلية الإذن في حالة البقاء، وهي (١) تنعدم بالموت،
وِ
والجنون، وكذا باللّحوق؛ لأنه موتٌ حكماً، حتى يُقْسَمُ مالُه بين
ورثته. ((هدایة)).
[إباق العبد المأذون له حَجْرٌ عليه : ]
* (وإذا أَبَقَ العبدُ المأذونُ: صار محجوراً عليه) دلالةً؛ لأن
المولی لا یرضی بإسقاط حقه حال تمرُّده.
* (وإذا حُجر) - بالبناء للمجهول - (عليه): أي المأذون:
(فإقراره) بعده (جائزٌ فيما في يده من المال) أنه أمانةٌ لغيره، أو غَصْبٌ
منه(٢)، أو دَيْن له عليه (عند أبي حنيفة)؛ لأن يده باقية حقيقة،
وشَرْطُ بطلانها بالحجر حكماً: فراغُها عن حاجته، وإقرارُه دليلٌ
تحققها.
(وقالا: لا يصحُّ إقراره) بعده؛ لأن المصحِّح لإقراره إن كان
(١) أي أهلية الإذن. البناية ١٧٨/١٠.
(٢) أي هذا الذي هو بيده غَصَبَه من فلان، أو أنه دين للغير عليه.

٥٥٨
كتاب المأذون
وإذا لزمَتْه ديونٌ تحيط بماله ورقبته : لم يَملِكِ المولى ما في يده.
فإن أَعْتَقَ عبيدَه: لم يَعِقوا عند أبي حنيفة، وقالا: يَملِكُ المولىُ
ما في يده.
الإذْنَ: فقد زال بالحجر، وإن كان اليدَ: فالحجرُ أبطلها؛ لأن يد
المحجور غير معتبرة، وصنيعُ ((الهداية)) صريحٌ في ترجيح الأول(١).
[حكم ما لو أحاطت الديون برقبة ومال المأذون له : ]
* (وإذا لزمته): أي المأذونَ (ديونٌ تُحيطُ بماله، ورقبتِه: لم
يَملك المولى ما في يده) من أكسابه، لتعلّق حقِّ الغرماء فيها، وحقُّ
الغرماء مقدَّمٌ على حق المولى، ولذا كان لهم بَيْعُه، فصار كالتركة
المستغرقة بالدين.
** (فإن أَعتق) المولى (عبيدَه): أي عبيدَ المأذون: (لم يَعتِقوا عند
أبي حنيفة)؛ لصدوره من غير مالك.
(وقالا: يملك المولى ما في يده) من أكسابه، فينفُذ إعتاقه
لعبيده، ويَغْرَمَ (٢) القيمةَ؛ لوجود سبب الملك في كَسْبُه، وهو ملك
(١) أي صنيع صاحب الهداية بتأخير دليل الإمام على دليلهما: صريحٌ في
ترجيح قول الإمام، إذ هذا هو منهجه في الكتاب، كما تقدَّم.
وفي تصحيح القدوري ص ٣١٤: ((واختار قولَ الإمام: المحبوبيُّ، والنسفي،
والموصلي، وصدر الشريعة)). اهـ
(٢) أي المولى. ينظر البناية ١٠ / ١٨٤.

٥٥٩
كتاب المأذون
وإذا باع العبدُ المأذونُ من المولى شيئاً بمثل قيمته : جاز.
فإن باعه بنقصانٍ : لم يجز.
وإن باعه المولىُ شيئاً بمثل القيمة، أو أقلّ : جاز البيع.
رقبته، ولهذا يملك إعتاقه.
قال في ((الينابيع)): يريد به: لم يَعتِقوا في حق الغرماء، فلهم أن
يبيعوهم، ويستوفوا ديونهم، أما في حق المولى: فهم أحرار
بالإجماع(١). اهـ
قال في ((التصحيح)): واختار قولَ الإمامِ: المحبوبيَّ، والنسفي،
والموصلي، وصدر الشريعة.
[بيع المأذون وشراؤه من المولى :]
* (وإذا باع العبدُ المأذونُ) المديونُ (من المولى شيئاً بمثل
قيمته)، أو أكثر: (جاز) البيع؛ لعدم التهمة، (فإن باعه بنقصان) ولو
يسيراً: (لم يجز) البيع؛ لتمكّن التهمة.
* (وإن باعه المولى شيئاً بمثل القيمة، أو أقلّ: جاز البيع)؛ لعدم
التهمة، وظهور النفع.
(١) ولذا لو أبرأ الغرماءُ العبدَ من الدين، أو باعوه من المولىُ: فإنه حُرٌّ. ينظر ابن
عابدين ١٦٨/٦، نقلاً عن التتارخانية عن الينابيع.

٥٦٠
كتاب المأذون
فإن سلَّمه إليه قبل قبض الثمن : بطل الثمنُ.
وإن أمسكه في يده حتى يستوفي الثمنَ : جاز.
وإن أعتق المولى العبدَ المأذونَ، وعليه ديونٌ: فعِتْقُه جائزٌ،
والمولی ضامنٌ لقيمته للغرماء،
(فإن سلَّمه): أي سلَّم المولى المبيعَ (إليه): أي المأذونِ (قبل
قبض الثمن) منه، والثمنُ دَيْنٌ: (بطل الثمن)؛ لأنه بالتسليم: بطلت
يدُ المولىُ في العين؛ ولا يجب للمولى على عبده دين.
* قيَّدنا بكون الثمن دَيْناً(١)؛ لأنه لو كان عَرْضاً: لا يبطل، وكان
المولى أحقَّ به من الغرماء؛ لتعلق حقه بالعين.
* (وإن أمسكه): أي أمسك المولىُ المبيعَ (في يده حتى يستوفي
الثمن: جاز)؛ لأن البائع له حقُّ الحبس في المبيع، وجاز أن يكون
للمولى حقٌّ في الدين إذا كان يتعلق بالعين. ((هداية)).
* (وإن أعتق المولى العبدَ المأذونَ، و) كان (عليه): أي المأذونِ
(ديونٌ) ولو محيطةً برقبته: (فعتْقه جائز)؛ لأن مِلْكَه فيه باقٍ،
(والمولى ضامنٌ لقيمته للغرماء)؛ لأنه أتلف ما تعلّق به حقهم بيعاً
واستيفاء من ثمنه.
(١) أي دنانير أو دراهم.