النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب الهبة بنصف العوض . وإن استُحقَّ نصفُ العوض: لم يرجع في الهبة، إلا أن يردَّ ما بقي 31 من العوض، ثم يرجعُ في كلَ الهبة. ولا يصحُّ الرجوعُ في الهبة إلا بتراضيهما، أو بحكم الحاكم. (بنصف العوض)؛ لأنه لم يَسْلَم ما يقابل نصفه. * (وإن استُحق نصفُ العوض: لم يرجع) الواهبُ (في الهبة) بشيءٍ منها؛ لأن الباقي يصلح عوضاً للكل في الابتداء، وبالاستحقاق ظَهَرَ أنه لا عوض إلا هو. (إلا) أنه يتخيَّر؛ لأنه ما أسقط حقَّه في الرجوع: إلا ليَسْلَم له كلّ ءِ العوض، ولم يَسْلَم له، فكان له (أن يردّ ما بقيَ من العوض، ثم یں يرجع في كل الهبة)؛ لبقائها بغير عوض. [عدم صحة الرجوع في الهبة إلا بالتراضي أو القضاء :] * (ولا يصح الرجوع في الهبة إلا بتراضيهما، أو بحكم الحاكم(١))؛ (١) أورد العيني في البناية ٢٣٢/٩ (ط بيروت)، ٥٢٨/١٢ (ط باكستان) إشكالاً فيما إذا كان الرجوع بقضاء القاضي، أنه كيف يسوغ للقاضي الإعانة على مثل هذه المعصية، إذ الرجوع لا يحل؟ وقد أجاب عن هذا قاضي زاده في نتائج الأفكار ٥٠٢/٧، فقال: الذي كان مكروهاً: هو نفس الرجوع عن الهبة، لا جواز الرجوع عنها، والذي يكون محلاً للقضاء: إنما هو جواز الرجوع عنها، لا نفس الرجوع. اهـ باختصار. ٤٤٢ كتاب الهبة وإذا تلفت العينُ الموهوبة، واستحقَّها مستَحِقٌّ، فضمَّن الموهوب له : لم یرجع. للاختلاف فيه (١)، فَيَضْمَن بمَنْعه بعد القضاء، لا قَبْله. [٧- هلاك الموهوب :] ** (وإذا تلفت العينُ الموهوبة) في يد الموهوب له، (واستحقّها مستَحقٌّ، فضمَّن) المستحقُّ (الموهوبَ له: لم يرجع) الموهوب له (١) أي للاختلاف بين الفقهاء في جواز الرجوع بالهبة. ينظر البناية ٢٤٤/٩. وقد تقدَّم أنه يجوز الرجوع مع الكراهة التحريمية عند الحنفية، وأما المالكية والشافعية والحنابلة، فقالوا: لا يجوز الرجوع في الهبة إلا للأب فيما وهب لولده، وزاد الشافعية بإلحاق سائر الأصول بالأب في جواز الرجوع، وألحق المالكية الأم بالأب بشرط أن يكون الابن غير يتيم، وظاهر كلام الخرقي من الحنابلة إلحاق الأم بالأب. ينظر القوانين الفقهية لابن جزي ص ٢٤١، شرح الخرشي على خليل ١١٤/٧، مغني المحتاج ٤٠٢/٢، المغني لابن قدامة ٢٧٠/٦، الإنصاف للمرداوي ١٤٥/٧. * وذكر العيني في البناية ٢٤٣/٩ (ط بيروت)، ٥٤٠/١٢ (ط باكستان) أسباباً أخرى لعدم الصحة، فقال: ((اختلف المشايخ في معنى قولهم: لا يصح الرجوع إلا بقضاء أو تراضٍ، فمنهم من قال: لأنه مختَلَف فيه، كما ذكره المصنف، ومنهم من قال: لأن الموهوب له مَلَكَ الهبة بالقبض رقبة وتصرفاً، فلا يثبت إلا بهما، ومنهم من قال: إن الواهب في الرجوع مستوفٍ بدل حقه، ولا يكون إلا بقضاء، أو رضاء. اهـ باختصار. ٤٤٣ كتاب الهبة على الواهب بشيء . وإذا وَهَبَ بشرط العوض : اعتُبر التقابضُ في العوضين جميعاً. فإذا تقابضا : صحَّ العقدُ، وكان في حكم البيع : يُرَدُّ بالعيب، وخيارِ الرؤية، وتجبُ فيها الشفعةُ. (على الواهب بشيء)؛ لأنه عَقْدُ تبرُّعٍ، فلا يستحق فيه السلامة(١). * (وإذا وَهَبَ بشرط العوض) المعيَّن: (اعتُبر) فيه شروط الهبة، وهي: (التقابض في العوضين جميعاً)، والتمييزُ، وعدمُ الشيوع؛ لأنه هبةٌ ابتداءاً، باعتبار التسمية. * (فإذا تقابضا) العوضين: (صحَّ العقد، وكان في حكم البيع) انتهاء؛ لوجود المعاوضة، فهو (يُرَدُّ بالعيب، وخيارِ الرؤية، وتجبُ فيها الشفعة). * وهذا إذا قال: وهبتُك على أن تعوِّضني كذا، أما لو قال: وهبتُك بكذا - بالباء -: كان بيعاً ابتداء وانتهاءً، كما في ((الدر))، و ((الدرر)). * قيدنا العوض بالمعيَّن؛ لأنه لو كان مجهولاً: لا يبطل اشتراطُه، فيكون هبة ابتداء وانتهاء. (١) أي سلامة الموهوب. ٤٤٤ كتاب الهبة والعُمْرَىُ جائزةٌ للمُعْمَر له في حال حياته، ولورثته من بعده. والرُّقْبی باطلةٌ عند أبي حنيفة ومحمد، [العُمْرِىُ والرُّقْبِىُ : ] * (والعُمْرَى)، وهي: أن يجعل دارَه له عُمُرَه (١)، وإذا مات(٢): تُرَدُّ عليه(٣). * وهي (جائزة للمُعْمَر له في حال(٤) حياته، ولورثته من بعده)؛ لصحة التمليك، وبطلان الشرط؛ لأن الهبة لا تبطل بالشرط الفاسد. * (والرُّقْبى)، وهي أن يقول له: ((أرقبتُك هذه الدار))، أو: ((هذه الدار لكَ رُقْبِى))، ومعناه: إن مِتُّ قبلَك: فهي لك، وإن متَّ قبلي: عادت إلي. * وهي (باطلة عند أبي حنيفة، ومحمد)؛ لأنه تعليقُ التمليك (١) وصورتها: أن يقول له مثلاً: ((داري لك مدة حياتك، فإذا متَّ: فهي ردٌّ عليَّ)، أو يقول: ((لك ولعقبك))، أو يقول: ((جعلتُ داري هذه لك عمري))، أو: ((جعلتها لك عمرك))، فهذه الألفاظ كلها هبة، فيصح التمليك، ويبطل الشرط، وهي للمعمَر له، ولورثته. ينظر الجوهرة النيرة ١٨/٢. (٢) أي من جُعلت له، وهو المُعْمَر له. (٣) أي على المعمر. (٤) في بعض نسخ القدوري: ((حال))، بدون: ((في)). ٤٤٥ كتاب الهبة وقال أبو يوسف : جائزةً. ءُ ومَن وهب جاريةً إلا حَمْلَها : صحَّت الهبةُ، وبطل الاستثناء. بالخَطَر (١). فإذا سلَّمها إليه على هذا: تكون عاريةً، له أَخْذُها متى شاء. * (وقال أبو يوسف): هي (جائزة)؛ لأن قوله: ((داري لك)): تمليكٌ، وقوله: ((رُقْبی)): شرطٌ فاسد، فيبطل كالعمرى. قال في ((التصحيح)): قال الإسبيجابي: والصحيح قولهما. [الاستثناء في الهبة : ] * (ومَن وهب جاريةً إلا حَمْلَها)، أو: على أن يردَّها عليه، أو: يُعتقها، أو: يستولدها: (صحَّت الهبة)؛ لأنها لا تبطل بالشروط الفاسدة، (وبطل الاستثناء) في الحمل؛ لأنه إنما يَعمل في المحل الذي يعمل فيه العقد؛ وهبةً الحمل: لا تجوز، فلا يجوز استثناؤه، وكذا يبطل الشرط؛ لمخالفته مقتضى العقد، وهو ثبوتُ الملك ء مطلقاً. (١) أراد بالخطر موتَ المالك قبله. البناية ٢٦٣/٩، نتائج الأفكار ٥١٥/٧. ٤٤٦ كتاب الهبة والصدقةُ كالهبة، لا تصح إلا بالقبض. ولا تجوز الصدقةُ في مُشَاعٍ يحتمل القسمة . وإذا تصدَّق على فقيرَيْن بشيءٍ : جاز. ولا يصحُّ الرجوعُ في الصدقة بعد القبض. [أحكام الصدقة : ] : (والصدقةُ) على الفقير (كالهبة)؛ لجامع التبرع؛ ولذا (لا تصح إلا بالقبض)؛ لأنها تبرعٌ كالهبة. و * (ولا تجوز الصدقةَ في مُشَاعٍ يحتمل القسمة)؛ لما (١) مرّ(١). * (و) لكن (إذا تصدَّق على فقيرَيْن بشيء) يحتمل القسمة: (جاز)؛ لأن المقصود في الصدقة هو الله تعالى، وهو واحدٌ، والفقير نائب عنه في القبض، كالساعي في الزكاة. * (ولا يصح الرجوع في الصدقة)، ولو على غني؛ استحساناً. (هداية))، (بعد القبض)؛ لأن المقصود هو الثواب، وقد حَصَل. (١) لأنه عقد تبرع، فلا يتم إلا بالقبض، والشيوع مانعٌ منه. خلاصة الدلائل ص ١٥٣. ٤٤٧ كتاب الهبة ومَن نَذَرَ أن يتصدق بماله : لزمه أن يتصدَّق بجنس ما تجب فيه الزكاة . ومَن نَذَرَ أن يتصدَّق بمِلْكه : لَزِمَه أن يتصدَّق بالجميع، [النذر بالتصدق بكل المال : ] (ومَن نَذَرَ أن يتصدق بماله: لزمه أن يتصدَّق بجنس ما تجب فيه الزكاة(١))؛ استحساناً. والقياسُ: أن يلزمه التصدق بجميع ماله؛ لأن المال اسمٌ لما يُتْموَّل، وهو شاملٌ لما تجب فيه الزكاة، وغيرِه. وَجْه الاستحسان: أن إيجاب العبد يُعتبر بإيجاب الله تعالى، فينصرف إيجابه إلى ما أوجب الشارع فيه الصدقة من المال؛ ولأن الظاهر التزامُ الصدقة من فاضلٍ ماله، وهو مالُ الزكاة. ((هداية)). * (ومَن نَذَرَ أن يتصدَّق بمِلْكه: لَزِمَه أن يتصدَّق بالجميع)؛ لأنه أعم من لفظ المال؛ لأن المال مقيَّد بإيجاب الشارع، ولا تخصيص في لفظ الملك، فبقيَ على العموم. (١) ((فيتصدَّق بالنقدين، وعروض التجارة، والسوائم، والغلة، والثمرة العشرية، ولا يتصدق بغير ذلك من الأموال، لأنها ليست بأموال الزكاة)). البناية ٩ / ٢٦٥. ٤٤٨ كتاب الهبة ويُقال له : أمسِك منه مقدارَ ما تُنفِقُه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالاً، فإذا اكتسبتَ مالاً: تصدَّقْ بمثل ما أمسكتَ. والصحيح أنهما (١) سواء؛ لأن الملتَزَمَ باللفظين: الفاضلُ عن الحاجة، على ما مرّ(٢). ((هداية)). * (و) إذا لم يكن له مال سوى ما دخل تحت الإيجاب: (يُقال له: أمسك منه): أي من المال الذي وَجَبَ التصدق به، (مقدارَ ما): أي شيئاً (ثُنفقه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالاً) غيرَه، (فإذا اكتسبتَ مالاً: تصدَّقْ بمثل ما أمسكتَ)؛ لأن حاجته مقدَّمةٌ؛ لئلا يقع في الضرر. (١) أي أن المسألتين سواء، وهما: التصدق بماله، والتصدق بملكه، فلفظ المال، ولفظ الملك: سواء، وأنهما يختصان بالأموال الزكوية. ينظر البناية ١٠٦/٨، ٢٦٦/٩. (٢) ذكر صاحب الهداية هاتين المسألتين في موضعين: الأول: في كتاب القضاء، فصل: مسائل شتى من كتاب القضاء: (فصل في القضاء بالمواريث) ١١٤/٣، ونَقْل الميداني هنا من هذا الموضع، كما ذكرهما صاحب الهداية في آخر كتاب الهبة ٢٣١/٣. ويريد بقوله: ((على ما مرَّ): إشارة إلى ما ذَكَر من وجه الاستحسان بقوله: ((إن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى))، كما نقله العيني في البناية ١٠٦/٨ عن الكاكي، لكن لم يرتضه العيني، وقال: (لعله إشارة إلى قوله: ((ولأن الظاهر التزام الصدقة من فاضل ماله))). اهـ ٤٤٩ كتاب الهبة * ولم تُقدَّر (١)؛ لاختلاف أحوال الناس. وقيل: المحترِفُ يُمسك قوتَه ليومٍ، وصاحبُ الغَلَّةِ(٢): لشهر، وصاحبُ الضِّياع: لسنةٍ، على حسب التفاوت في مدة وصولهم إلى المال. وعلى هذا: صاحب التجارة يُمْسِك بقَدْر ما يرجع إليه مالُه. ((هداية)). (١) أي النفقة. (٢) أي صاحب الدُّور والحوانيت والبيوت التي يؤجرها. البناية ١٠٧/٨ (ط بیروت). ٤٥٠ كتاب الوقف كتاب الوقف لا يزولُ ملْكُ الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة، إلا أن يحكم به الحاکمُ، ٠٠ کتاب الوقف ** مناسبتُه للهبة: من حيث إن كلاً منهما تبرُّعٌ بالملك، وقُدِّمت الهبة؛ لأنها تبرُّعٌ بالعين والمنفعة جميعاً. : وهو لغةً: الحَبْس، وشرعاً: حَيْس العين على مِلْك الواقف، والتصدُّقُ بالمنفعة عند الإمام. وعندهما هو: حَبْسُهما على حُكْم مِلْكِ لله تعالى. ((هداية)). * (لا يزول ملْكُ الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة): أي لا يلزم، فيصح الرجوع عنه، ويجوز بيعه، كما في ((التصحيح)) عن ((الجواهر))، (إلا) بأحد أمرين: (أن يحكم به الحاكم) الموَلَّى؛ لأنه مجتهدٌ فيه. وصورة الحكم: أن يسلِّم الواقفُ وقفَه إلى المتولِّي، ثم يريد أن يرجع بعِلّة عدم اللزوم، فيختصمان إلى القاضي، فيقضي باللزوم، كما في ((الفيض)). ٤٥١ كتاب الوقف أو يعلِّقَه بموته، فيقولُ: إذا مِتُّ فقد وقَفْتُ داري على كذا. وقال أبو يوسف : يزول الملك بمجرد القول. وقال محمد : لا يزول الملكُ حتى يَجْعلَ للوقف وليّاً، ويسلِّمَه إليه . : قيَّدنا بالمولَّى؛ لأن المحكَّم بتحكيم الخصمين: لا يرفع الخلاف، على الصحيح. (أو يعلِّقَه بموته، فيقول: إذا مِتُّ فقد وقفتُ داري) مثلاً (على كذا)، فالصحيح أنه كوصيةٍ، يلزم من الثلث بالموت، لا قَبْله، كما في ((الدر)). (وقال أبو يوسف: يزول الملك بمجرد القول) في المشاع وغيره، سُلِّم إلى المتولِّي أَوْ لا، ذَكَرَ جهةً لا تنقطع، أوْ لا، كما في ((التصحيح)) عن (الجواهر)). (وقال محمد: لا يزول الملك حتى) يستوفي أربعةَ شرائط، وهي: ١ - أن (يَجْعل للوقف وليّاً): أي متولِّياً، (ويسلِّمَه إليه). ٢ - وأن يكون مُفْرَزاً. ٣- وأن لا يشترط لنفسه شيئاً من منافع الوقف. ٤- وأن يكون مؤَّداً، بأن يجعل آخرَه للفقراء. ٤٥٢ كتاب الوقف فإذا استُحِقَّ الوقفُ على اختلافهم : خَرَجَ كما في ((التصحيح)) عن (التحفة))، و((الاختيار))، ثم قال(١): قلت: الثالث ليس فيه روايةٌ ظاهرةٌ عنه، وسيأتي. اهـ ثم نَقَل أن الفتوى على قولهما في جواز الوقف (٢) عن ((الفتاوى الصغرى))، و((الحقائق))، و((التتمة))، و((العيون))، و((مختارات النوازل))، و((الخلاصة))، و((مُنية المفتي))، وغيرِها. [المفتى به في اشتراط تسليم الوقف : ] * ثم قال: ثم إن مشايخَ بَلْخ اختاروا قولَ أبي يوسف (٣)، ومشايخَ بخارى اختاروا قولَ محمد(٤)، وقد صُحِّح كلا القولين، وأفتى به طائفةٌ ممن يُعوَّل على تصحيحهم وإفتائهم. * (فإذا استُحقَّ) - بالبناء للمجهول - أي ثبت، وفي بعض النُّسَخِ: ((صَحَ) (٥) (الوقف على اختلافهم) المارِّ في صحته: (خَرَجَ) (١) أي العلامة قاسم في تصحيح القدوري. (٢) أي في خروجه عن ملك الواقف، وليست الفتوى على قول الإمام في عدم زوال ملك الواقف. (٣) أي في عدم اشتراط التسليم. (٤) أي في اشتراط التسليم. (٥) أي وفي بعض نُسَخ القدوري: ((فإذا صحَّ))، بدل: ((فإذا استُحِقٍ))، وهكذا واقع ما لدي من النُّسَخ. ٤٥٣ كتاب الوقف من ملك الواقف، ولم يدخل في ملك الموقوف عليه. ووَقْفُ المُشَاعِ جائزٌ عند أبي يوسف، وقال محمد : لا يجوز. الوقف (من ملك الواقف)، وصار حبيساً على حكم ملك الله تعالى، (ولم يدخل في ملك الموقوف عليه)؛ لأنه لو مَلَكه: لما انتقل عنه بشرط الواقف، كسائر أملاكه، مع أنه ينتقل بالإجماع. قال في ((الهداية)): وقوله: ((خرج من ملك الواقف)): يجب أن يكون(١) قولَهما، على الوجه الذي سبق تقريره. اهـ [وقف المشاع : ] * (ووَقْفُ المُشَاعِ) القابل للقسمة (جائزٌ عند أبي يوسف (٢))؛ لأن القسمة من تمام القبض، والقبضُ عنده ليس بشرط؛ فكذا تتمته. (وقال محمد: لا يجوز)؛ لأن أصل القبض عنده شرطٌ، فكذا ما يَتمُّ به. * قيدنا بالقابل للقسمة؛ لأن ما لا يحتمل القسمة: يجوز مع (١) أي يجب أن يكون هذا القول، وهذا الحكم، وهو الخروج عن ملك الواقف، على قول الصاحبين، وهو المفتى به كما تقدم، لا على قول الإمام، إذ الوقف عند الإمام لا يخرج عن ملك الواقف. وينظر البناية ٧/ ٨٠. (٢) وفي القدوري (١٣٠٩ هـ): ((عند أبي حنيفة وأبي يوسف)). ٤٥٤ كتاب الوقف الشيوع عند محمد أيضاً؛ لأنه يعتبره بالهبة(١). قال في ((التصحيح)): أكثرُ المشايخ أخذوا بقول محمد(٢). وفي ((الفتح)) (٣) عن ((المنية)) (٤): الفتوى على قول أبي يوسف، وفيه عن ((المبسوط)): وكان القاضي أبو عاصم يقول: قولُ أبي يوسف من حيث المعنى أقوى، إلا أن قولَ محمد أقرب إلى موافقة الآثار. اهـ ولما كَثُر المصحِّحُ من الطرفين، وكان قولُ أبي يوسف فيه (١) أي لجواز الهبة. البناية ٨١/٧ (ط بيروت)، ٦٠٨/٩ (ط باكستان). (٢) إلى هنا ينتهي النقل عن التصحيح للعلامة قاسم، ينظر تصحيح القدوري ص ٢٨٥، وفتح القدير ٤٢٤/٥. (٣) جاء هذا النص في فتح القدير ٤٢٤/٥ في المسألة التي هي قبل مسألة وقف المشاع، وهي: هل يشترط التسليم في الوقف؟ وهو قول محمد، أم يكفي القول؟ وهو قول أبي يوسف، ولما كانت مسألة وقف المشاع مبنية على هذا الخلاف، نقل الميداني هذا النص هنا في مسألة وقف المشاع. (٤) أي: ((منية المفتي))، في فروع الحنفية، ليوسف بن أبي سعيد بن أحمد السجستاني (الجستاني) نزيل سيواس، وله: غنية الفقهاء، (ت ٦٦٦هـ)، كما في حاشيةِ مخطوطةٍ لتاج التراجم ص ٣١٩ من المطبوع، وقيل: سنة (٦٣٨ هـ)، كما في هدية العارفين ٥٥٤/٢، وسماه: الجستاني، وينظر كشف الظنون ١٨٨٧/٢، وقد ذكرت هذا هنا، لئلا يظن أنها: ((منية المصلي))، للكاشغري (ت ٧٠٥)، حيث إن هذه الأخيرة في أحكام الصلاة فقط، والنقل هنا في الوقف. ٤٥٥ كتاب الوقف ترغيبٌ للناس في الوقف، وهو جهة برٍّ: أطبق المتأخِّرون من أهل المذهب على أن القاضي الحنفيَ المقلَّدَ يُخيَّر بين أن يحكم بصحته، وببطلانه، وإن كان الأكثر على ترجيح قول محمد، وبأيِّهما حكَمَ: صحَّ حكمه، ونَفَذَ، فلا يسوغ له، ولا لقاضٍ غيرِه أن يحكم بخلافه، کما صرَّح به غيرُ واحد. * وقال في ((البحر)): وصَحَّ وقفُ المشاع إذا قُضِيَ بصحته؛ لأنه قضاء في مجتَهَدٍ فيه، ثم قال(١): أطلق(٢): ((القاضي))، فشَمِلَ الحنفيَّ وغيرَه؛ فإن للحنفي المقلَد أن يحكم بصحة وقف المشاع، وببطلانه؛ لاختلاف الترجيح، وإذا كان في المسألة قولان مصحَّحان: فإنه يجوز القضاء والإفتاء بأحدهما، كما صرَّحوا به. اهـ ونحوُهُ في ((النهر))، و((المِنَح))، و(الدر))، وغيرِها، لكن صرَّح بعضُهم: بأنه ينبغي للقاضي - حيث كان مخيَّراً - أن يميل إلى قول أبي يوسف، ويحكمَ بالصحة؛ أخذاً من قولهم: يختار في الوقف ما هو الأنفع والأصلح للوقف، ومَن أحَبَّ مزيدَ الاطلاع، فعليه برسالتنا: (لَذَّة الأسماع في حكم وقف المُشاع))(٣). (١) أي ابن نجيم صاحب البحر الرائق. (٢) أي أطلق صاحب كنز الدقائق النسفي، فقال: ((ومُشَاع قُضي بجوازه)). الكنز مع البحر ٢١٨/٥، فلم يقيد: ((قضي)): بمذهب معيَّن، وجعلها مطلقة. (٣) وذكرها البيطار في حلية البشر ٨٦٨/٢ في ترجمة الميداني، ونَسَبَها له. ٤٥٦ كتاب الوقف ولا يتمُّ الوقفُ عند أبي حنيفة ومحمد حتى يَجعل آخرَه لجهةٍ لا تنقطع أبداً. وقال أبو يوسف : إذا سمَّى فيه جهةً تنقطع : جاز، وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمِّهم . [اشتراط التأبيد في الوقف : ] * (ولا يَتمُّ الوقف عند أبي حنيفة ومحمد حتى يَجعل آخرَه لجهة لا تنقطع أبداً)، بأن يجعل آخرَه للفقراء؛ لأن شَرْط جوازه عندهما أن يكون مؤبداً، فإذا عَيَّن جهةً تنقطع: صار مؤقتاً معنىً؛ فلا يجوز. (وقال أبو يوسف: إذا سمَّى فيه جهةً تنقطع: جاز، وصار) وَقْقاً مؤبَّداً وإن لم يذكر التأبيد؛ لأن لفظ الوقف والصدقة مُنْبىءٌ عنه، فيُصرف إلى الجهة التي سمَّها مدةَ دوامها، ويُصرَف (بعدها للفقراء وإن لم يُسمِّهم). ولذا قال في ((الهداية)): وقيل: إن التأبيد شَرْطٌ بالإجماع، إلا أن عند أبي يوسف: لا يُشترط ذِكْر التأبيد؛ لأن لفظة الصدقة والوقف منبئة عنه. ثم قال: ولهذا قال في ((الكتاب))(١) في بيان قوله(٢): ((وصار بعدها (١) أي مختصر القدوري. (٢) أي قول أبي يوسف. ٤٥٧ کتاب الوقف ويصحُّ وقفُ العقار. ولا يجوز وقفُ ما يُنقَل ويُحَوَّل. وقال أبو يوسف : إذا وقف ضَيْعةً ببقرها، وأَكَرَتِها، وهم عبيدُه : جاز. للفقراء وإن لم يسمَّهم)): وهذا هو الصحيح، وعند محمد ذكْر التأبيد شرطٌ. اهـ * (ويصح وقفُ العقار) اتفاقاً؛ لأنه متأبِّد. [وقف المنقول : ] * (ولا يجوز وقف ما يُنقَل ويُحوَّل)؛ لأنه لا يبقى؛ فكان توقيتاً معنىً، وقد ذكرنا أن شَرْط صحته التأبيد. قال في («الهداية»: وهذا على الإرسال - أي الإطلاق - قولُ أبي حنيفة. (وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعةً ببقرها، وأَكَرَتِها) - جمع أكَّار: بالتشديد: الفلاَّح -: أي عُمَّالها، (وهم): أي الأكَرَةُ (عبيدُه: جاز)، وكذا سائر آلات الحراثة؛ لأنه تَبَعٌ للأرض في تحصيل ما هو المقصود، وقد يَثبت من الحكم تَبَعاً: ما لا يثبت مقصوداً، كالشِّرْب في البيع، والبناء في الوقف. ٤٥٨ كتاب الوقف وقال محمد : يجوز حَبْسُ الكُرَاعِ، والسلاحِ. ومحمدٌ معه فيه(١)؛ لأنه لما جاز إفراد بعض المنقول عنده بالوقف، فلأنْ يجوز الوقف فيه تبعاً أَوْلى. ((هداية)). * (وقال محمد: يجوز حَبْس الكُرَاعِ): أي الخيل(٢)، كما في ((الغاية)) عن ((ديوان الأدب))، (والسلاح). * قال في ((الهداية)): وأبو يوسف معه(٣) فيه، على ما قالوا، وهذا استحسان، ووجهه(٤): الآثار المشهورة(٥) فيه (٦). اهـ * قال في ((الجواهر)): تخصيص أبي يوسف في الضيعة ببقرها، ومحمدٍ في الكُرَاع: باعتبار أن الرواية جاءت عن أبي يوسف في الضيعة، وعن محمد في الكُرَاع نصًّاً، لا أنَّ ذِكْرَ أبي يوسف لأجل (١) أي محمدٌ مع أبي يوسف في جواز وقف المنقول تبعاً. (٢) أي وَقْفه في سبيل الله. الهداية ومعها البناية ٨٧/٧. (٣) أي أبو يوسف مع محمد في جواز حبس الكراع والسلاح. (٤) أي وجه الاستحسان. (٥) منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((وأما خالد قد احتبس أدراعه وأعتُدَه في سبيل الله))، صحيح البخاري ٣٣١/٣ (١٤٦٨)، صحيح مسلم ٦٧٦/٢ (٩٨٣)، وينظر نصب الراية ٤٧٨/٣، فتح القدير ٤٣٠/٥. (٦) أي في جواز حبس الكراع والسلاح. البناية ٨٨/٧. ٤٥٩ كتاب الوقف وإذا صحَّ الوقفُ: لم يجُزْ بيعُه، ولا تمليكُه إلا أن يكون مشاعاً عند أبي يوسف، فيَطلبُ الشريكُ القسمةَ، فتصحُّ مقاسمتُه. خلاف محمد، وذِكرَ محمدٍ لأجل خلاف أبي يوسف(١). اهـ [بيع الوقف : ] * (وإذا صحَّ الوقفُ: لم يجُزْ بيعُه، ولا تمليكُه)؛ لخروجه عن ملكه، (إلا أن يكون) الوقف (مشاعاً)؛ لجوازه (عند أبي يوسف)، كما مرَّ. (فَيَطلبُ الشريكُ) فيه (القسمةَ، فتصحُّ مقاسمتُه)؛ لأنها تمييزٌ، وإفرازٌ(٢)، غاية الأمر: أن الغالب في غير المكيل والموزون: معنى المبادلة(٣)، إلا أنا في الوقف جعلنا الغالب: معنى الإفراز؛ نظراً للوقف (٤)؛ فلم يكن بيعاً ولا تمليكاً. * ثم إنْ وقَفَ نصيبَه من عقارٍ مشترك: فهو الذي یقاسم شریکَه؛ (١) انتهى: أي من ((الجواهر))، وهذا النقل بواسطة التصحيح ص ٢٨٧، ثم قال العلامة قاسم: ((وقد علمتَ أن الفتوى في الوقف على قولهما)». اهـ أي جواز وقف المنقول. (٢) أي تمييز للحقوق، وإفراز كل نصيب منه، والممنوع: التمليك، لا الإفراز. البناية ٩٣/٧ (ط بيروت). (٣) مثل العقار، والعروض، والحيوانات، فإن الإفراز فيها هو الغالب. (٤) أي في حق الفقراء ومصلحتهم. البناية ٦٢٣/٩ (ط باكستان). ٤٦٠ كتاب الوقف والواجبُ أن يُبْدَأ من رَيْعِ الوقف بعِمَارته، . . لأن الولاية إلى الواقف، وبعد الموت إلى وصيِّه. * وإن وَقَفَ نصفَ عقارٍ خالصٍ له: فالذي يقاسمه القاضي، أو يبيعُ نصيبَه الباقي من رجلٍ، ثم يقاسمه المشتري، ثم يشتري ذلك منه؛ لأن الواحد لا يجوز أن يكون مقاسماً ومقاسَماً. * ولو كان في القسمة فَضْلُ دراهم (١): إن أعطىُ(٢) الواقفَ: لا يجوز؛ لامتناع بيع الوقف. وإن أعطى الواقفُ(٣): جاز، ويكون بقَدْر الدراهم شراء. (هداية)). [إصلاح الوقف من غَلَّته : ] * (والواجب أن يُبدَأ من رَيْع(٤) الوقف): أي غَلَّته (بعِمَارته) بقدر (١) بأن يكون أحد النصيبين أجودَ من الآخر، فيجعل بدل الجودة: دراهم معينة. ينظر البناية ٩٣/٧ (ط بيروت). (٢) أي أعطى المشتري الواقفَ. الكفاية ٥ /٤٣٣، البناية ٩٣/٧. (٣) أي وإن أعطىُ الواقفُ الشريكَ. ينظر البناية ٩٣/٧. وقد سقطت كلمة: ((الواقف)) من نسخ اللباب كلها، وهي مثبتة في الهداية بنسخها المتعددة، والنقل عنها. (٤) هكذا: ((يُبْدَأ من رَيْع)): في نسخ اللباب كلها، لكن في غالب نسخ القدوري، والهداية، والجوهرة، وخلاصة الدلائل، وزاد الفقهاء: ((يُبْتَدأ من ارتفاع الوقف))، وفي القدوري (١٣٢٤ هـ): ((من ارتفاق الوقف)).