النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب الكفالة
والمضمونُ بها : إحضارُ المکفول به.
وتنعقدُ إذا قال : تكفَّلتُ بنفس فلانٍ، أو: برقبته، أو : برُوْحِه،
أو : بجسده، أو: برأسه، أو : بنصفه، أو : بثلثه.
وكذلك إن قال: ضَمِنْتُه، أو: هو عليَّ، أو: إليّ،
* (والمضمونُ بها: إحضارُ المكفول به)؛ لأن الحضور لازمٌ على
الأصيل؛ فجاز أن يلتزم الكفيلُ إحضارَه، كما في المال.
[الألفاظ التي تنعقد بها كفالة النفس : ]
* (وتنعقد) كفالة النفس (إذا قال: تكفَّلتُ بنفس فلانٍ، أو:
برقبته، أو: برُوْحه، أو: بجسده، أو: برأسه)، أو: ببدنه، أو:
بوجهه، أو نحو ذلك مما يُعبَّر به عن الكل، حقيقةً أو عرفاً، على ما
مرَّ في الطلاق(١). ((هداية)).
(أو) قال: كَفلتُ (بنصفه، أو: بثلثه)، أو: بجزءٍ شائع منه؛ لأن
النفس الواحدة في حق الكفالة: لا تتجزأ؛ فكان ذكْر بعضها شائعاً:
کذکر کلها.
** (وكذلك إن قال: ضَمِنتُه، أو: هو عليَّ، أو: إليَّ)، أو:
(١) هذا كلام صاحب الهداية، وسبق التنبيه إلى أن ترتيب موضوعات الهداية
مغاير لترتيب القدوري، ففيها يأتي النكاح قبل البيوع، بخلاف القدوري.

٣٨٢
كتاب الكفالة
أو : أنا به زعيمٌ، أو : قَبِيلٌ به.
فإن شَرَطَ في الكفالة تسليمَ المكفول به في وقتٍ بعينه : لزمه
إحضارُه إذا طالبه به في ذلك الوقت.
فإن أحضره، وإلا : حَبَسَه الحاكم.
عندي؛ لأنها صِيَغُ الالتزام، (أو: أنا به زعيم): أي كفيل، (أو: قَبِيلٌ
به): هو بمعنى الزعيم.
** بخلاف ما إذا قال: أنا ضامنٌ بمعرفته؛ لأنه التزم المعرفة،
دون المطالبة. ((هداية)).
[الشروط في الكفالة بالنفس : ]
* (فإن شَرَطَ) الأصيلُ (في الكفالة تسليمَ المكفول به في وقتٍ
بعينه: لزمه): أي لزم الكفيلَ (إحضارُهُ): أي إحضارُ المكفول به (إذا
طالبه به) الأصيلُ (في ذلك الوقت)؛ وفاءً بما التزمه، كالدَّين المؤجّل
إذا حَلَّ.
(فإن أحضره): فبها؛ لأنه وَفَّى ما عليه، (وإلا): أي وإلا
يُحضره: (حَبَسَه الحاكم)؛ لامتناعه عن إيفاء حقٍّ مستَحَقِّ عليه،
ولكن لا يحبسه أول مرة؛ لعله لم يَدْرِ لماذا دُعي.
* ولو غاب المكفول بنفسه: أمهله الحاكم مدةَ ذهابه وإيابه، فإن
مضتْ ولم يُحْضِرْه: حَبَسَه؛ لتحقق الامتناع عن إيفاء الحق. ((هداية)).

٣٨٣
كتاب الكفالة
وإن أحضره، وسلَّمه في مكانٍ يَقْدِرُ المكفولُ له على محاكمته :
برىء الكفيلُ من الكفالة .
وإذا تكفَّل به على أن يسلِّمه في مجلس القاضي، فسلَّمه في
السوق : برئ.
(وإن أحضره، وسلَّمه في مكانٍ يقدر المكفول له على
محاكمته)، كالمصْر، سواء قَبِله أو لم يَقْبله: (برىء الكفيلُ من
الكفالة)؛ لأنه أتى بما التزمه، إذ لم يلتزم التسليم إلا مرة واحدة.
* (وإذا تكفَّل به على أن يسلِّمه في مجلس القاضي، فسلَّمه في
السوق: برئ) أيضاً؛ لحصول المقصود؛ لأن المقصود من شَرْط
التسليم في مجلس القاضي: إمكانُ الخصومة، وإثباتُ الحق، وهذا
حاصلٌ متى سلِّمه في المصر؛ لأن الناس يعاونونه على إحضاره إلى
القاضي، فلا فائدة في التقييد.
وقيل: لا يبرأ في زماننا (١)؛ لأن الظاهر المعاونةُ على الامتناع، لا
على الإحضار، فكان تقييده مُفيداً. ((هداية)).
وفي ((الدر)) عن ابن مَلَك: وبه يُفتى في زماننا(٢)؛ لتهاون
الناس. اهـ
(١) هذا كلام صاحب الهداية المتوفى سنة ٥٩٣ رحمه الله.
(٢) هذا كلام ابن مَلَك عبد اللطيف بن فِرْشِتَه، المتوفى سنة ٨٠١هـ رحمه الله.

٣٨٤
كتاب الكفالة
وإن سلَّمه في بَرِّيَّةٍ : لم يبرأ.
وإذا مات المكفولُ به : برىء الكفيلُ بالنفس من الكفالة.
* (وإن سلّمه في بَرِّيَّة: لم يبرأ)؛ لأنه لا يقدر على المخاصمة
فيها، فلم يحصل المقصود.
* وكذا إذا سلَّمه في سَوَادٍ (١)؛ لعدم قاضٍ يَفصل الحكم فيه.
* ولو سَلَّمه(٢) في مصرٍ آخر غيرِ المصر الذي كَفِل به: برئ عند
أبي حنيفة؛ للقدرة على المخاصمة فيه.
وعندهما: لا يبرأ؛ لأنه قد يكون شهودُه فيما عَّنه.
( ولو سلَّمه في السجن، وقد حَبَسَه غيرُ الطالب: لا يبرأ؛ لأنه لا
يقدر على المخاصمة(٣) فيه. ((هداية).
[موت المكفول به : ]
* (وإذا مات المكفول به: برئ الكفيل بالنفس من الكفالة)؛ لأنه
سَقَطَ الحضورُ عن الأصيل، فيسقط الإحضار عن الكفيل.
(١) أي في قرية. ينظر مختار الصحاح (سود).
(٢) في نسخ اللباب كلها، وكذلك في نسخ الهداية، والنقل عنها: ((سلَّم)).
(٣) في نسخ اللباب، ونسخة الهداية المضمَّنة مع فتح القدير ٢٨٩/٦، والنقل
عن الهداية: ((المحاكمة))، لكن في نسخة الهداية المفردة ٨٨/٣، والتي مع الشروح،
ومع البناية ١٢١/١١: ((المخاصمة))، كما هو في المسألة قبلها، والمعنى واحد.

٣٨٥
كتاب الكفالة
وإن تكفَّل بنفسه على أنه إن لم يُواف به في وقت كذا: فهو
و
ضامنٌ لما عليه، وهو ألفٌ، فلم يُحْضره في الوقت : لزمه ضمانَ
المال، ولم يبرأ من الكفالة بالنفس.
ولا تجوز الكفالةُ بالنفس في الحدود، والقصاص عند ..
.
: وكذا إذا مات الكفيل؛ لأنه لم يبق قادراً على تسليم المكفول
به بنفسه، ومالُه لا يصلح لإيفاء هذا الواجب، بخلاف الكفيل بالمال.
* ولو مات المكفول له: فللوصي أن يطالب الكفيلَ، وإن لم
يكن(١): فلوارثه؛ لقيامه(٢) مقام الميت. ((هداية)).
* (وإن تكفَّل بنفسه على أنه إن لم يُوافِ به في وقت كذا، فهو
ضامنٌ لِمَا عليه، وهو ألفٌ) مثلاً، (فلم يُحضره في) ذلك (الوقت)
المعيّن: (لزمه ضمان المال)؛ لأنه عَلَّقَ الكفالة بالمال بشَرْطٍ متعارَف:
فصح، (ولم يبرأ من الكفالة بالنفس)؛ لعدم التنافي.
[الكفالة بالنفس في الحدود : ]
: (ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود(٣)، والقصاص عند
(١) أي وإن لم يكن هناك وصي.
(٢) يجوز أن يكون الضمير في: («لقيامه)): راجعاً إلى كل واحدٍ من الوصي،
والوارث، لأن كلاً منهما يقوم مقام الميت. البناية ٦٥٩/٧ (ط بيروت).
(٣) أي في إحضارها، وصورة ذلك: ادعى على رجل حقاً في قَذْف، فأنكره،
=

٣٨٦
كتاب الكفالة
أبي حنيفة، وقالا : تجوز.
وأما الكفالة بالمال : فجائزةٌ، معلوماً كان المالُ المكفولُ به، ...
أبي حنيفة(١)). قال في ((الهداية)): معناه: لا يُجْبَر عليها عنده.
(وقالا: تجوز)(٢): أي يُجْبَر في حَدِّ القذف؛ لأن فيه حقَّ العبد،
بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى(٣). اهـ
قال في ((التصحيح)) - بعد ما ذكر عبارة ((الهداية)) -: فسَّرِه بذلك؛
لأن الإسبيجابي قال: المشهور من قول علمائنا: أن الكفالة بالنفس في
الحدود والقصاص جائزة في اختيار المطلوب، أما القاضي لا يُجبره
على إعطاء الكفيل، وقال أبو يوسف ومحمد: يؤخذ منه الكفيل
ابتداء، واختار قولَ الإمامِ: النسفيُّ، والمحبوبي، وغيرُهما. اهـ
[الكفالة بالمال : ]
* (وأما الكفالة بالمال: فجائزة، معلوماً كان المال المكفول به،
فسأل المدعي القاضي: أن يأخذ منه له كفيلاً بنفسه، فعند أبي حنيفة: لا يجيبه إلى
ذلك، ويخلي سبيله، وعندهما: يأمره أن يقيم له كفيلاً له بنفسه. الجوهرة ٣٧٥/١.
(١) لأن الكفالة للتوثُّق، وهو مأمورٌ بدرء الحدود، وتَرْك التوثق. الجوهرة
٣٧٥/١.
(٢) نقل الميداني قول الصاحبين عن الهداية ٨٩/٣، وفي بعض نسخ القدوري
أُثبت قولهما من المختصر هكذا: ((وقالا : يجوز)).
(٣) مثل حدِّ الشرب.

٣٨٧
كتاب الكفالة
أو مجهولاً، إذا كان دَيْناً صحيحاً عليه، مثلُ أن يقول : تكفَّلتُ عنه
بألفٍ، أو : بما لَكَ عليه، أو : بما يُدْرِكك في هذا البيع .
والمكفولُ له بالخيار : إن شاء طالَب الذي عليه الأصلُ، وإن شاء
طالَب كفيلَه.
أو مجهولاً)؛ لأن معنى الكفالة على التوسع؛ فتُتَحمَّل فيها الجهالة،
(إذا كان) المكفولُ به (دَيْناً صحيحاً عليه)، وهو: الذي لا يسقط إلا
بالأداء، أو الإبراء، واحترز به عن بدل الكتابة، وسيأتي(١).
وذلك (مثلُ أن يقول: تكفَّلتُ عنه بألفٍ)، مثالُ المعلوم.
ومثالُ المجهول: قوله: (أو: بما لَكَ عليه، أو: بما يُدْرِكك في
هذا البيع (٢))، ويسمَّى هذا: ضمان الدَّرَك.
* (والمكفول له بالخيار) في المطالبة: (إن شاء طالَب الذي عليه
الأصلُ)، ويسمى: الأصيل، (وإن شاء طالَب كفيله)؛ لأن الكفالة:
ضَمُّ ذمةٍ إلى ذمة في المطالَبة، كما مرَّ، وذلك يقتضي قيام الأول(٣)،
لا البراءة عنه.
(١) في نهاية كتاب الكفالة.
(٢) أي خشية استحقاق الشيء المشترى.
(٣) أي قيام الذمة الأولى. البناية ٧/ ٦٧٢.
٠٠٠

٣٨٨
كتاب الكفالة
ويجوز تعليقُ الكفالة بالشرط، مثلُ أن يقول : ما بايعتَ فلاناً:
فعليَّ، أو: ما ذاب لك عليه: فعليَّ، أو: ما غَصَبَك فلانٌ: فعليَّ.
* إلا إذا شَرَطَ فيه البراءة: فحينئذ ينعقد حوالَةً؛ اعتباراً للمعنى،
كما أن الحوالة بشَرْطِ: أن لا يبرأ بها المحيل: تكون كفالة، ولو طالَب
أحدهما: له أن يطالب الآخر، وله أن يطالبهما. ((هداية)).
[تعليق الكفالة بالشرط : ]
* (ويجوز تعليق الكفالة بالشرط) الملائم لها، وذلك بأن يكون
سبباً لثبوت الحق، (مثلُ أن يقول: ما) بمعنى: ((إن))، أو: ((موصولة))،
والعائدُ محذوف، أي: إن (بايعتَ)، أو: الذي بايعتَ به (فلاناً:
فعليَّ، أو: ما ذاب): أي: ثَبَتَ(١) (لك عليه: فعليَّ، أو: ما غَصَبَك
فلان: فعليّ).
* وكذا قوله لامرأة الغير: كَفَلتُ لك بالنفقة أبداً ما دامت
الزوجية. ((خانية)).
* أو يكون شرطاً لإمكان الاستيفاء، مثلُ: إِن قَدمَ فلان: فعليَّ ما
عليه من الدَّيْن.
(١) قال في مختار الصحاح: (ذوب): ذاب له عليه من الحق كذا: أي وَجَبَ
وثبت. اهـ

٣٨٩
كتاب الكفالة
وإذا قال : تكفَّلتُ بما لَكَ عليه، فقامت البينةُ بألف عليه : ضمنه
الكفيل .
* أو شرطاً لتعذّره، نحو: إن غاب عن المصر.
و
فهذه جملةُ الشروط التي يجوز تعليق الكفالة بها.
* ولا يصح تعليقها بغير الملائم، نحو: إن هبَّت الريح، أو: جاء
المطر، فتبطل الكفالة به؛ لأنه تعليقٌ بالخَطَر(١).
وما في ((الجوهرة)) تَبَعاً (للهداية)): من أنه تصح الكفالة(٢)،
ويجب المال حالاً. قال الزيلعي: هذا سهو، فإن الحكم فيه أن التعليق
لا يصح، ولا يلزمه؛ لأن الشرط غير ملائم، فصار كما لو علَّقه
بدخول الدار، ونحوه مما ليس بملائم. ذكره قاضيخان، وغيرُه. اهـ،
وكذا حقَّق المحقّق ابنُ الهمام.
* (وإذا قال) الكفيل: (تكفَّتُ بما لَك عليه، فقامت البينة بألف
عليه: ضمنه الكفيل)؛ لأن الثابت بالبينة: كالثابت مُعاينةً، فيتحقق ما
علیه، فصحَّ الضمان به.
(١) أي تعليقٌ بالمجهول، وبما لا تُعلم عاقبته من السلامة أو التلف، مما يؤدي
إلى القمار. ينظر المصباح المنير (خطر)، البناية ٦٦١/٧.
(٢) أي ويبطل الشرط.

٣٩٠
كتاب الكفالة
وإن لم تَقُم البينةُ : فالقولُ قولُ الكفيل مع يمينه في مقدار ما
يعترف به .
فإن اعترف المکفول عنه بأكثرَ من ذلك : لم يُصدّق على كفيله.
وتجوز الكفالةُ بأمر المكفول عنه، وبغير أمره.
فإن كَفَل بأمره : رجَعَ بما يؤدِّي علیه.
** (وإن لم تَقُم البينة: فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما
يَعترف به)؛ لأنه منكِرٌ للزيادة، والقول قول المنكر بيمينه.
* (فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك) الذي اعترف به
الكفيل: (لم يُصدَّق على كفيله)؛ لأنه إقرارٌ على الغير، ولا ولاية له
عليه، ويُصدّق في حق نفسه؛ لولايته عليها.
[الكفالة بغير أمر المكفول عنه : ]
* (وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه، وبغير أمره)؛ لأنه التزامُ
المطالبة، وهو تصرُّفٌ في حق نفسه، وفيه نَفْعٌ للطالب(١)، ولا ضرر
فيه على المطلوب بثبوت الرجوع(٢)، إذ هو (٣) عند أمره.
* (فإن) كان (كَفَل بأمره: رجَعَ) الكفيلُ (بما يؤدِّي عليه): أي
(١) أي صاحب المال المطالب.
(٢) أي بما كفل الكفيل.
(٣) أي الرجوع عند أمر المطلوبِ المكفولِ عنه.

٣٩١
كتاب الكفالة
وإن كَفَل بغير أمره : لم يرجع بما يؤدِّيه.
وليس للكفيل أن يطالب المكفولَ عنه بالمال قبل أن يؤدِّيَه عنه.
على الأصيل؛ لأنه قضىُ دَيْنه بأمره، وهذا إذا أدَّى مثل الذي ضمنه
قَدْراً وصفةً.
* أما إذا أدى خلافَه: رَجَعَ بما ضمن، لا بما أدَّى، كما إذا تكفَّل
بصِحَاحِ، أو جِيادٍ، فأدى مكسَّرة، أو زُيوفاً، وتجوَّزَ بها الطالب، أو
أعطاه دنانير، أو مكيلاً، أو موزوناً: رجع بما ضمن: أي بالصحاح أو
الجياد؛ لأنه مَلَكَ الدَّين بالأداء(١).
* بخلاف المأمور بقضاء الدَّيْن، حيث يرجع بما أدَّى؛ لأنه لم
يجب عليه شيء، حتى يَملكُ الدينَ بالأداء(٢). ((جوهرة)).
* (وإن) كان (كَفَل بغير أمره: لم يرجع بما يؤدِّيه)؛ لأنه متبرِّعٌ
بأدائه.
* (وليس للكفيل أن يطالب المكفولَ عنه بالمال) الذي كَفَله عنه
(قبل أن يؤدِّيَه عنه)؛ لأنه لا يملكه قبل الأداء، بخلاف الوكيل
بالشراء، حيث يرجع قبل الأداء، كما مرَّ.
(١) فنُزِّل منزلة الطالب، كما إذا ملكه بالهبة، أو الإرث. الهداية مع البناية
٦٧٩/٧.
(٢) وينظر البناية ٧ /٦٨٠.

٣٩٢
كتاب الكفالة
فإن لُوزِمَ بالمالِ : كان له أن يلازم المكفولَ عنه حتى يخلِّصه.
و
وإذا أبرأ الطالبُ المكفولَ عنه، أو استوفى منه : برىء الكفيل.
وإن أبرأ الكفيلَ : لم يبرأ المكفولُ عنه.
(فإن لُوزِمَ) الكفيلُ (بالمالِ(١)) المكفولِ به: (كان له أن يلازم
المكفولَ عنه).
* وإن حُبس به: كان له أن يحبسه (حتى يخلّصه)؛ لأنه لم يَلحقه
ما لَحِقَه إلا من جهته، فيجازی بمثله.
. (وإذا أبرأ الطالبُ المكفولَ عنه، أو استوفى منه: برئ
الكفيل(٢))؛ لأن براءة الأصيل: توجب براءة الكفيل.
: (وإن أبرأ) الطالبُ (الكفيلَ: لم يبرأ المكفول عنه)؛ لبقاء الدَّيْن
علیه.
* وكذا إذا أخَّر الطالبُ عن الأصيل: تأخر عن الكفيل، ولو أخَّر
عن الكفيل: لم يتأخر عن الأصيل. ((هداية)).
(١) وهذا فيمن كانت الكفالة بأمر المطلوب. ينظر الجوهرة ٣٧٧/١.
(٢) ويشترط قبول المكفول عنه بالبراءة، لأنها مثل الهدية والهبة، لا بدَّ من
قبولها، فإن ردَّها: ارتدَّت. ينظر الجوهرة ١ / ٣٧٧.

٣٩٣
كتاب الكفالة
ولا يجوز تعليقُ البراءةِ من الكفالة بشرطٍ .
وكلُّ حقٍّ لا يُمكن استيفاؤه من الكفيل : لا تصحُّ الكفالةُ به،
کالحدود، والقصاص.
* (ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرط (١))، كـ: إذا جاء
غَدٌ: فأنتَ بريء منها؛ لأن في الإبراء معنى التمليك (٢)، كالإبراء عن
الدین.
قال في ((الهداية)): ويُروى أنه يصح (٣)؛ لأن عليه المطالبة دون
الدَّين في الصحيح، فكان إسقاطاً مَحْضاً(٤)، كالطلاق؛ ولهذا لا يرتدُّ
إبراء الكفيل بالردِّ(٥)، بخلاف براءة الأصيل(٦). اهـ
* (وكلَّ حقٍّ لا يُمكن استيفاؤه من الكفيل: لا تصح الكفالة به،
كالحدود، والقصاص).
قال في ((الهداية)): معناه: بنفس الحدِّ، لا بنفس مَنْ عليه الحد؛
لأنه يتعذَّر إيجابُه عليه؛ لأن العقوبة لا تجري فيها النِّيابة. اهـ
(١) أي شرط غير متعارف. البناية ٦٨٦/٧.
(٢) والتمليك لا يتعلق بالشروط.
(٣) قال ابن الهمام في فتح القدير ٣١١/٦: وهذا أوجه.
(٤) والإسقاط المحض يصح التعليق فيه بالشروط. البناية ٦٨٦/٧.
(٥) إذ ليس فيه معنى التمليك.
(٦) ففيه معنى التمليك، ولذا فإنه يرتدُّ بالردِّ. البناية ٦٨٧/٧.

٣٩٤
كتاب الكفالة
وإذا تكفَّل عن المشتري بالثمن : جاز.
وإن تكفَّل عن البائع بالمبيع : لم تصح.
ومَن استأجر دابةً ليحمل عليها، فإن كانت الإجارة بعينها : لم
تصحّ الكفالة بالحَمْلِ .
· (وإذا تكفَّل عن المشتري بالثمن: جاز)؛ لأنه دَيْنٌ كسائر
الدیون.
* (وإن تكفَّل عن البائع بالمبيع: لم تصح)؛ لأنه مضمون بغيره،
وهو الثمن(١)، والكفالة بالأعيان المضمونة إنما تصح إذا كانت
مضمونةً بنفسها، كالمبيع فاسداً، والمقبوضِ على سَوْم الشراء،
والمغصوب.
[الكفالة بالحَمْل على الدابة: ]
* (ومَن استأجر دابةً لَيَحمِلَ عليها)، أو عبداً للخدمة، (فإن
كانت الإجارة) لدابة (بعينها)، أو عبدٍ بعينه: (لم تصح الكفالة
بالحَمْلِ) عليها، والخدمةِ بنفسه؛ لأن الكفيل يعجز عن ذلك عند
تعذّره بالموت، ونحوه.
(١) وهذا لأنه لو هلك المبيع قبل القبض في يد البائع: لا يجب على البائع
شيء، ويسقط حقه من الثمن، ولا يمكن حينئذ تحقيق معنى الكفالة. الجوهرة
٣٧٨/١.

٣٩٥
كتاب الكفالة
وإن كانت بغير عَيْنها : جازت الكفالة.
ولا تصحُّ الكفالةُ إلا بقَبول المكفول له في مجلس العقد، إلا في
مسألةٍ واحدةٍ، وهي : أن يقول المريضُ لوارثه : تكفّل عني بما عليَّ
من الدين، فتكفّل به عنه مع غيبة الغرماء : فتصحَّ.
(وإن كانت) لدابة (بغير عينها)، وعبدٍ بغير عينه: (جازت
الكفالة)؛ لأن المستَحَقَّ حينئذ مقدورٌ للكفيل.
[قبول المكفول له بالكفالة : ]
* (ولا تصح الكفالة) بنوعَيْها (إلا بقَبول المكفول له في مجلس
العقد(١)).
قال في ((التصحيح)): وهذا عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: يجوز إذا بَلَغَه، فأجاز.
والمختار قولهما عند المحبوبي، والنسفي، وغيرِهما.
* (إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي: أن يقول المريض) المليء
(لوارثه: تكفَّل عني بما عليَّ من الدين، فتكفَّل به) الوارثُ (عنه مع
غيبة الغرماء: فتصحُّ) اتفاقاً؛ استحساناً؛ لأن ذلك في الحقيقة وصيةً،
ولذا يصح وإن لم يسمِّ المكفولَ لهم، وشُرِط أن يكون مليئاً.
(١) لأن الكفالة عقد يتعلق به حق المكفول له، فوقف على رضاه وقبوله،
كالبيع، ولذا شرط مجلس العقد. ينظر الجوهرة ٣٧٨/١.

٣٩٦
كتاب الكفالة
وإذا كان الدَّينُ على اثنين، وكلُّ واحدٍ منهما كفيلٌ ضامِنٌ عن
الآخر، فما أدَّى أحدُهما : لم يرجع به على شريكه حتى يزيدَ ما يؤدِّيْه
على النصف، فيرجعُ بالزيادة.
وإذا تكفَّل اثنان عن رجل بألفٍ، على أن كلَّ واحد منهما كفيلٌ
عن صاحبه، فما أدَّاه أحدُهما : يرجع بنصفه على شريكه، قليلاً كان
أو كثيراً.
* قال في ((الهداية)): ولو قال المريضُ ذلك لأجنبي: اختلف
المشايخ فيه. اهـ. قال في ((الفتح)): والصحة أوجَه.
* (وإذا كان الدَّين على اثنين، وكلّ واحد منهما كفيلٌ ضامِنٌ عن
الآخر) بأمره، (فما أدَّى أحدُهما) من الدَّين الذي عليهما: (لم يرجع
به على شريكه حتى يزيدَ ما يؤدِّيْه على النصف)؛ لتحقق النيابة،
(فيرجعُ بالزيادة)؛ لأن الأداء إلى النصف قد تعارض فيه جهةُ
الأصالة، وجهةُ الكفالة، والإيقاع عن الأصالة: أَوْلى؛ لما فيه من
إسقاط الدَّين، والمطالبةِ جميعاً، بخلاف الكفالة، فإنه لا دَيْن على
الكفيل.
* (وإذا تكفّل اثنان عن رجل بألف، على أن كلّ واحد منهما
ود
كفيل عن صاحبه) الآخر، (فما أداه أحدهما: يرجع بنصفه على
شريكه، قليلاً كان) ما أدَّاه (أو كثيراً).
قال في ((الهداية)): ومعنى المسألة في الصحيح: أن تكون كفالةً

٣٩٧
كتاب الكفالة
ولا تجوز الكفالةُ بمال الكتابة : حُرٌّ تكفَّل به، أو عبدٌ.
وإذا مات الرجلُ، وعليه ديونٌ، ولم يترك شيئاً، فتكفَّل رجلٌ عنه
للغرماء : لم تصحَّ الكفالةُ عند أبي حنيفة، وقالا : تصحّ.
بالكل عن الأصيل، وبالكل عن الشريك؛ لأن ما أداه أحدُهما: وقع
شائعاً عنهما، إذ الكلّ كفالة، فلا ترجيحَ للبعض على البعض،
بخلاف ما تقدَّم. اهـ
* (ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة: حُرٌّ تكفَّل به، أو عبدٌ)؛ لما مرَّ
من أن شَرْط صحة الكفالة بالمال: أن يكون دَيْناً صحيحاً، وهو: ما لا
يسقط إلا بالأداء، أو الإبراء، والمكاتب لو عَجَزَ: سَقَطَ دينُه.
* (وإذا مات الرجل، وعليه ديون، ولم يترك شيئاً، فتكفَّل
رجلٌ) - وارثاً كان، أو غيره - (عنه للغرماء) بما عليه من الديون: (لم
تصحَّ الكفالة عند أبي حنيفة)؛ لأن الدَّيْنِ سَقَطَ بموته مفلساً، فصار
كما لو دَفَعَ المالَ، ثم کَفَل به إنسان.
(وقالا: تصحُ) الكفالة؛ لأنه كَفَل بدَيْن ثابتٍ، ولم يوجد
المُسْقِط، ولهذا يبقى في الآخرة(١).
(١) سبق في الجنائز ٢٨٩/٢ التنبيه إلى أن من مات وعليه دَيْن، وهو يريد
الأداء، لكنه عاجز عن ذلك، أن الله تعالى يُرضي غرماءه عنه في الآخرة.

٣٩٨
كتاب الكفالة
* ولو تبرع به إنسان: يصح.
قال في ((التصحيح)): واعتمد قولَ الإمامِ: المحبوبيُّ، والنسفي،
وصدرُ الشريعة، وأبو الفضل الموصلي، وغيرُهم. اهـ
* قيَّد بكونه لم يترك شيئاً؛ لأنه لو ترك ما يَفي ببعض الدَّيْن:
صحَّ بِقَدْره، كما في ابن مَلَك.

٣٩٩
كتاب الحوالة
كتاب الحوالة
الحوالةُ جائزةٌ بالدیون.
٠٠
وتصحُّ برضا المُحِيل،
كتاب الحوالة
* مناسبتها للكفالة: من حيث إن كلاً منهما التزامٌ بما على
الأصيل، ويُستعمل كلٌّ منهما موضعَ الآخر، كما مرَّ.
* (الحوالة) لغةً: النَّقْلُ، وشرعاً: نَقْلُ الدَّيْن من ذمة المُحِيل إلى
ذمة المُحَال عليه(١).
* وهي (جائزةٌ بالديون)، دون الأعيان؛ لأنها تُنْبىء عن النقل
والتحويلُ في الدَّيْن، لا في العين. ((هداية)).
[شروط عقد الحوالة : ]
* (وتصحُ) الحوالة (برضا المُحِيل)، وهو المديون؛ لأن ذوي
(١) ((المديون: محيل.
والدائن: محتال، ومحتال له، ومُحَال، ومُحَالٌ له.
ومَن يقبلها: محتال علیه، ومُحَال علیه.
والمال: محال به))، كما في الدر المختار مع ابن عابدين ٣٤٠/٥.

٤٠٠
كتاب الحوالة
والمحتالِ له، والمحالِ علیه.
وإذا تمَّت الحوالةُ : برىء المُحيلُ من الدّیْن، .
٠٠٠
المروءات قد يَستنكفون عن تحمُّل ما عليهم من الدين، (والمُحتال
له)، وهو الدائن؛ لأن فيه(١) انتقالَ حقه إلى ذمة أخرى، والذمم
متفاوتة، (والمُحال عليه)، وهو مَن يَقْبَلُ الحوالة؛ لأن فيها إلزامَ
الدين، ولا إلزامَ بلا التزام.
* ولا خلاف إلا في الأول. قال في ((الزيادات)): الحوالة تصح بلا
رضا المحيل(٢)؛ لأن التزام الدين من المحتال عليه: تصرُّفٌ في حق
نفسه، والمحيل لا يتضرر، بل فيه منفعة(٣)؛ لأن المحتال عليه لا
يرجع (٤) إذا لم يكن بأمره(٥). (درر)).
[براءة المحيل إذا تمت الحوالة : ]
* (وإذا تمّت الحوالة) باستيفاء ما ذُكر: (برئ المحيل من الدَّيْن)
على المختار.
(١) أي في عقد الحوالة، أو في رضاه بالحوالة.
(٢) وهو القول المختار، كما في الدر المختار مع ابن عابدين. ٣٤١/٥.
(٣) أي للمحيل.
(٤) أي بما دفع.
(٥) أي أمر المحيل.