النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كتاب الوكالة كتاب الوِكالة كتاب الوكالة * وَجْهُ المناسبة بينها وبين المضاربة ظاهر؛ لأن الوكالة من أحكامها. * وهي لغة: اسمٌ من التوكيل، وهو: التفويض(١)، وشرعاً: إقامةُ الغير مقامَ نفسه في تصرُّفٍ معلوم(٢). جوهرة(٣). (١) أي تفويض التصرُّف إلى الغير. شرح الكنز لمنلا مسكين ٩٠/٣. (٢) أنقل هنا فائدة لطيفة فيها لفتةٌ موقِظَة، ذكرها الإمام ابن الهمام في فتح القدير ٥٥٣/٦ في الأوراق الأخيرة من المكان الذي وصل إليه في كتابه العظيم: فتح القدير، وهو كتاب الوكالة، وتوفي رحمه الله قبل إتمامه، حيث قال: ((وأما الوكيل: فهو القائم بما فُوِّض إليه من الأمور، فإذا كان قويًّاً على الأمر، قادراً عليه، نَصوحاً: تمَّ أَمْر الموكِّل، فإذا رضيَ سبحانه وتعالى أن يكون وكيلاً عنك، واعتمدتَ على غيره: فهو الحِرمان العظيم، فكيف إذا أوجبه عليك، لتحقق مصلحتك، فضلاً منه؟ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿رَّبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، المزمل/ ١٠، وعلى هذا استمرار إحسانه وبرِّه، لا إله غيره)). اهـ (٣) نَقَلَ الشارح الميداني عن الجوهرة المعنى الشرعي فقط، أما اللغوي فمن غيرها. ينظر الجوهرة ٣٥٨/١، فتح القدير ٥٥٣/٦. ٣٤٢ كتاب الوِكالة كلّ عقدٍ جاز أن يَعقده الإنسانُ بنفسه : جاز أن يوكِّل به غيرَه. ءِ ويجوز التوكيل بالخصومة في سائر الحقوق، وبإثباتها . [ما يصحّ فيه التوكيل : ] وقد صدَّر المصنِّف بضابطٍ ما يصح فيه التوكيل، فقال: * (كلُّ عقدٍ جاز أن يعقده الإنسان بنفسه: جاز أن يوكِّل به غيرَه)؛ لأنه ربما يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال، فيحتاج أن يوكّل غيرَه، فيكون بسبيلٍ منه؛ دفعاً لحاجته. * (ويجوز التوكيل بالخصومة(١)) - من غير استيفاء(٢) - (في سائر الحقوق، و) كذا (بإثباتها): أي إثبات سائر الحقوق(٣)؛ تمكيناً له من استيفاء حقوقه. قال الإسبيجابي: وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يجوز في إثبات الحدِّ، والقصاصِ، والخصومةِ فيه. (١) أي بالدعوى الصحيحة، أو الجواب الصريح. الجوهرة ٣٥٨/١. (٢) سيأتي بعد قليل الكلام عن الاستيفاء، وقد جاء الشارح بهذا القيد من باب التذكير، والله أعلم. (٣) ويقيد هذا الإطلاق: بأن التوكيل في إثبات حد الزنى لا يصح اتفاقاً، لأنه لا حقّ لأحدٍ فيه، وكذا لا يصح التوكيل في إثبات السرقة من أجل القطع، لكن من أجل المال: يصح. فتح المعين لأبي السعود ٩١/٣. ٣٤٣ كتاب الوِكالة ويجوز التوكيل بالاستيفاء إلا في الحدود والقصاص، فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غَيْبة الموكّل عن المجلس. وقال أبو حنيفة : لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم، إلا أن يكون الموكِّلُ مريضاً،. ٠ وقولُ محمد مضطربٌ، والأظهر أنه مع أبي حنيفة، والصحيحُ قولُهما. «تصحیح)). * (ويجوز التوكيل) أيضاً (بالاستيفاء)، والإيفاء لسائر الحقوق، (إلا في الحدود والقصاص، فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما (١) مع غَيْبة الموكِّل عن المجلس (٢))؛ لأنها تندرى بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة حال غيبته، بخلاف حالة الحضرة؛ لانتفاء الشبهة. * (وقال أبو حنيفة: لا يجوز): أي لا يلزم(٣) (التوكيل بالخصومة)، سواء كان من قِبَل الطالب أو المطلوب، (إلا برضا الخصم)، ويستوي فيه الشريفُ والوضيع، والرجل والمرأة، والبِكر والثّيِّب، (إلا أن يكون الموكِّل مريضاً) لا يمكنه حضورُ مجلس (١) وفي نسخٍ من القدوري: ((باستيفائها)). (٢) وفي القدوري (٩٨٠ هـ، ١٣٠٩ هـ) زيادة: ((إلا بحضور الموكِّل». (٣) قال في الهداية ١٣٦/٣: ((لا خلاف في الجواز - أي جواز التوكيل بالخصومة -، إنما الخلاف في اللزوم، يعني: هل ترتد الوكالة بردِّ الخصم؟ عند أبي حنيفة: نعم، وعندهما: لا، ويُجبر)). اهـ، وينظر البناية ٢٧٠/٨، الجوهرة ٣٥٩/١. ٣٤٤ كتاب الوكالة أو غائباً مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ فصاعداً. وقالا : يجوز التوكيل بغير رضا الخصم. الحكم بقدمَيْه(١). ابن كمال، (أو غائباً مسيرةَ ثلاثة أيام فصاعداً)، أو مريداً سفراً، أو مُخَدَّرةٍ(٢) لم تَجْرِ عادتُها بالبروز وحضورِ مجلس الحکم. «هدایة)». قال في ((التصحيح)): واختار قولَه المحبوبيُّ، والنسفي، وصدر الشريعة، وأبو الفضل الموصلي، ورُجِّح دليله في كل مصنَّف. اهـ (وقالا: يجوز التوكيل بغير رضا الخصم)، وبه أخذ أبو القاسم الصَّفَّار، وأبو الليث، وفي فتاوى العَثَّابي: إنه المختار. وفي ((مختارات النوازل)) لصاحب ((الهداية)): والمختار في هذه (١) أي فلا يشترط رضا الخصم. (٢) أي التي لا يراها غيرُ المحارم من الرجال، ولا تُعرف بالخروج، ومخالطة الرجال في الحوائج، فلها أن توكل ولو لم يرض الخصم، لأنها لم تألف خطاب الرجال، فإذا حضرت مجلس الحاكم: انقبضت، فلم تنطق بحجتها؛ لحيائها، وربما یکون ذلك سبباً لفوات حقها. ولفظ: المخدَّرة: مأخوذ من الخِدْر، بالكسر، وهو ناحية في البيت، يُترك عليها ستْر، فتكون فيه الجارية البكر، والتخدير: لزوم البنت الخدر. ينظر الجوهرة ٣٥٩/١، البناية ٢٧٢/٨، فتح المعين لأبي السعود ٩٢/٣، النهاية لابن الأثير ١٣/٢، القاموس المحيط (خدر). ٣٤٥ كتاب الوكالة ومِن شَرْطِ الوكالةِ: أن يكون الموكِّلُ ممَّن يملك التصرُّفَ، وتَلزمُه الأحكامُ. المسألة: أن القاضي إذا عَلِمَ التعنُّتَ من الآبي: يقبل توكيله من غير رضاه، وإذا عَلِمَ أن الموكِّل قَصَد إضرار خصمه: لا يقبل. اهـ ومثلُه في قاضيخان عن شمس الأئمة السرخسي، وشمس الأئمة الحلواني، وفي ((الحقائق)): وإليه مال الأَوْزجندي. كذا في ((التصحيح)) ملخَّصاً، وفي ((الدرر)): وعليه فتوى المتأخرين. [شروط صحة الوكالة : ] ١ - (ومن شَرْط) صحة (الوكالة: أن يكون الموكّل ممن يملك التصرف(١))؛ لأن الوكيل إنما يملك التصرف من جهته(٢)؛ فلا بدَّ من كونه(٣) مالكاً لما يُملِّكه لغيره. ٢- (وتَلزمه الأحكامُ). قال في ((العناية)): يحتمل أحكامَ ذلك التصرف، وجنس (٤) الأحكام: (١) أي التصرف الذي وكَّل به. البناية ٢٧٣/٨. (٢) أي جهة الموگِّل. (٣) أي الموكِّل. (٤) أي ويحتمل جنس الأحكام مطلقاً. ٣٤٦ كتاب الوكالة والوكيلُ ممن يعقلُ العقدَ، ويَقصِدُه. فالأول: احترازٌ عن الوكيل إذا وَكَّل(١)، فإنه يملك التصرف، دون التوكيل به؛ لأنه لم تلزمه (٢) الأحكام، وهي الملك، وعلى هذا يكون في الكلام شرطان (٣). والثاني(٤): احترازٌ عن الصبي(٥)، والمجنون، ويكون ملْكُ التصرف، ولزومُ الأحكام شرطاً واحداً، وهذا أصح؛ لأن الوكيل إذا أُذِن له بالتوکیل: صحَّ، ولم تلزمه أحکام ذلك التصرف. ٣- (و) أن يكون (الوكيل ممن يعقلُ العقد): أي يعقل معناه، من أنه سالِبٌ بالنسبة إلى كلٌّ من المتعاقدين، وجالِبٌ له، فيَسلب عن البائع مِلْكَ المبيع، ويَجْلِب له مِلْكَ البدل، وفي المشتري العكس. ٤ - (و) أن يكون بحيث (يقصدُه) لفائدته من السَّلْب، والجَلْب، حتى لو كان صبياً لا يعقل، أو مجنوناً: كان التوكيل باطلاً. (١) أي إذا وكَّل غيره. (٢) أي لم تلزم الوكيل الأحكام، بل تلزم الموكِّل، فلو وكَّله بالشراء: يلزم الملك للموكّل، لا للوكيل. (٣) وهما: ملك التصرف، ولزوم الأحكام. (٤) أي الاحتمال الثاني لمعنى قول القدوري السابق: ((وتلزمه الأحكام)). (٥) أي المحجور عليه، لأنه هو والمجنون إذا اشتريا شيئاً: لا يملكانه، فلذلك لم يصح توكيلهما. البناية ٨/ ٢٧٤. ٣٤٧ كتاب الوِكالة وإذا وكَّل الحرُّ، البالغُ، أو المأذونُ مثلَهما : جاز. وإن وكَّلا صبياً محجوراً يعقلُ البيع والشراءَ، أو عبداً محجوراً : جاز. ولا تتعلق بهما الحقوق، وتتعلق بموكِّلَيْهما. * وما قيل من أن قوله: ((ويقصدُه)): احترازٌ عن الهازل: ردَّه ابنُ الهمام. [ما يتفرَّع على شروط صحة الوكالة :] * ثم فرَّع على ما أصَّله بقوله: (وإذا وكَّل الحرُّ البالغُ، أو المأذونُ): عبداً كان أو صغيراً، (مثلَهما: جاز)؛ لأن الموكُّل مالكٌ للتصرف، والوكيل من أهل العبارة. : (وإن وكَّلا): أي الحرُّ البالغُ، أو المأذونُ (صبياً محجوراً)، وهو (يعقل البيعَ والشراء، أو عبداً محجوراً: جاز) أيضاً؛ لما قلنا، (و) لكن (لا تتعلق بهما الحقوق)؛ لأنه لا يصح منهما التزام العهدة، لقصور أهلية الصبي، وحقِّ سيد العبد. (و) إنما (تتعلق بموكِّلَيْهما)؛ لأنه لمَّا تعذَّر رجوعُها إلى العاقد: رجعت إلى أقرب الناس إلى هذا التصرف، وهو الموكِّل، إلا أن الحقوق تلزم العبد بعد العتق؛ لأن المانع حقُّ المولى، وقد زال، ولا يلزم الصبيَّ بعد البلوغ؛ لأن المانع حقّه، وحقُّ الصبي لا يبطل بالبلوغ، كذا في ((الفيض)). ٣٤٨ كتاب الوِكالة والعقودُ التي يعقدها الوكلاءُ على ضربين : فكلُّ عقدٍ يُضيفُه الوكيل إلى نفسه، مثلُ البيع والشراء، والإجارة : فحقوقُ ذلك العقد تتعلق بالو کیل، دون الموكل. [تعلّق حقوق العقود التي يجريها الوكيل : ] * (والعقود التي يعقدها الوكلاء على ضربين:) - وفي بعض النسخ: (والعقدُ الذي يعقده الوكلاء): أي جنس العقد، كذا في ((غاية البيان))(١) _؛ لأن(٢) الوكيل يُضيف بعضَ العقود إلى نفسه، وبعضها إلى موكِّله. * (فكلّ عقدٍ يُضيفه الوكيل إلى نفسه): أي يصح إضافته إلى نفسه، ويستغني عن إضافته إلى الموكّل، (مثلُ البيع، والشراء، والإجارة)، ونحوها: (فحقوق ذلك العقد تتعلق بالوكيل، دون الموكِّل)؛ لأن الوكيل في هذا الضرب هو العاقد حقيقةً؛ لأن العقد يقوم بكلامه، وحُكماً؛ لأنه يستغني عن إضافة العقد إلى موكِّله. * وحيث كان كذلك: كان أصيلاً في الحقوق، فتتعلق به، (١) هذه المغايرة بين نسخ القدوري، ذكرها أيضاً صاحب نتائج الأفكار ١٥/٧ نقلاً عن غاية البيان، وأما واقع ما لدي من النسخ : فكلها توافق العبارة الأولى. (٢) تعليلٌ لقوله: (( العقود على ضربين)). ٣٤٩ كتاب الوكالة فيسلَّمُ المبيعَ، ويَقبضُ الثمنَ، ويطالَبُ بالثمن إذا اشترىُ، ويَقبضُ المبيعَ، ويخاصمُ في العيب. وكلَّ عقدٍ يُضيفُه الوكيلُ إلى موكِّله، كالنكاح، والخلع، والصلح من دم العمد : فإن حقوقَه تتعلَّق بالموكِّل، دون الو کیل . فلا يُطالَبُ وكيلُ الزوج بالمهر، ولا يَلزمُ وكيلُ المرأة تسليمَها . (فيسلِّم المبيعَ، ويَقبض الثمنَ) إذا باع، (ويطالب بالثمن إذا اشترىُ، ويَقبض المبيعَ)؛ لأن ذلك من الحقوق، والملكُ يثبت للموكِّل خلافةً عنه؛ اعتباراً للتوكيل السابق. (و) كذا (يخاصم في العيب) إن كان المبيع في يده، أما بعد التسليم إلى الموكِّل، فلا يملك ردَّ إلا بإذنه. * (وكلّ عقد يُضيفُه الوكيلُ إلى موكِّله): أي لا يستغني عن الإضافة إلى موكِّله، حتى لو أضافه إلى نفسه: لا يصح، كذا في (المجتبى))، وذلك (كالنكاح، والخلع، والصلح من دم العمد)، ونحو ذلك: (فإن حقوقه تتعلَّق بالموكِّل)؛ لإضافة العقد إليه، (دون الوكيل)؛ لأنه في هذا الضرب سفيرٌ مَحْضٌ، ولذا لا يستغني عن إضافة العقد إلى الموگِّل، فکان کالرسول. * وفرَّع على كونه سفيراً محضاً بقوله: (فلا يُطالَب وكيلُ الزوج بالمهر، ولا يَلزم وكيلُ المرأة تسليمَها) للزوج؛ لما قلنا من أنه سفير. ٣٥٠ كتاب الوِكالة وإذا طالب الموكّلُ المشتريَ بالثمن : فله أن يمنعه إياه. فإن دفعه إليه : جاز، ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانياً. ومَن وكَّل رجلاً بشراء شيءٍ : فلا بدَّ من تسمية جنسه، وصفتِه، أو جنسِه ومبلَغ ثمنه، . 31 * (وإذا طالب الموكّل) بالبيع (المشتري بالثمن: فله): أي المشتري، (أن يمنعه إياه)؛ لأنه (١) أجنبي عن العقد وحقوقه؛ لأن الحقوق إلى العاقد(٢). * (فإن دفعه): أي دفع المشتري الثمنَ (إليه): أي الموكِّل: (جاز)؛ لأن نفس الثمن المقبوض حقّه، (ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانياً)؛ لعدم الفائدة؛ لأنه لو أَخَذَ منه: لوجب الإعادة. [ما يُشترط في الوكالة بالشراء : ] * (ومَن وكَّل رجلاً بشراء شيءٍ: فلا بدَّ) لصحة وكالته (من تسمية جنسه): أي جنس ما وكَّله به، كالجارية، والعبد، (وصفته): أي نوعه، كالتركي، والحبشي، (أو جنسِه، ومبلَغ ثمنه)؛ ليصير الفعل الموكَّلُ به معلوماً؛ فيمكنه الائتمار. (١) أي الموكِّل. (٢) أي الوكيل. ٣٥١ كتاب الوِکالة إلا أن يوكِّله وكالةً عامةً، فيقولَ : ابتَعْ لي ما رأيتَ. (إلا أن يوكِّله وكالةً عامةً، فيقول: ابتَعْ لي ما رأيتَ)؛ لأنه فوَّض الأمر إلى رأيه، فأيَّ شيء يشتريه: يكون ممتثلاً. * والأصل: أن الجهالة اليسيرة تُتَحمَّل في الوكالة، كجهالة الوصف؛ استحساناً؛ لأن مبنى التوكيل على التوسعة؛ لأنه استعانة(١). ((هدایة)). [أنواع الجهالة في التوكيل : ] * ثم الجهالة في التوكيل ثلاثة أنواع: ١ - فاحشة، وهي جهالة الجنس، كالثوب، والدابة، والرقيق، وهي تمنع صحة الوكالة وإن بيَّن الثمن؛ لأن الوكيل لا يقدر على الامتثال؛ لأن بذلك الثمن يوجد من كل جنس. ٢- وجهالة يسيرة، وهي جهالة النوع، كالحمار، والفرس، والثوب الهَرَوي، وهي لا تمنع صحة الوكالة وإن لم يبين الثمن. ٣- وجهالة متوسطة بين الجنس والنوع، كالعبد، والأمة، والدار، فإن بَيَّن الثمن، أو النوع: تصح، وتَلْحَق بجهالة النوع. (١) هنا في نسخ اللباب كلها زيادة فيها تكرارٌ لما جاء في أول الجملة، وهي: ((فتُتَحمل الجهالة اليسيرة))، وهذه غير ثابتة في الهداية، والنقل عنها. ٣٥٢ كتاب الوكالة وإذا اشترى الوكيل، وقَبَض المبيعَ، ثم اطلع على عيبٍ : فله أن يَرُدَّه بالعیب ما دام المبيعُ في يده. فإن سلَّمه إلى الموكِّل: لم يَردَّه إلا بإذنه. ويجوز التوكيلُ بعقد الصرف، والسَّلَم. وإن لم يبيِّن واحداً منها: لا تصح، وتَلْحَق بجهالة الجنس. ((فيض)) عن ((الكافي)). [حق الوكيل في ردِّ المبيع بالعيب : ] * ويؤخذ من كلام المصنّف: (وإذا اشترى الوكيلُ) ما وُكِّل بشرائه، (وقَبَض المبيعَ): أي المشتري، (ثم اطلع على عيبٍ) فيه: (فله): أي للوكيل (أن يردّه بالعيب ما دام المبيع في يده)؛ لتعلق الحقوق به. * (فإن سلَّمه إلى الموكِّل: لم يَردَّه إلا بإذنه)؛ لانتهاء حكم الوكالة بالتسليم [التوكيل بالصرف، والسَّلَم : ] * (ويجوز التوكيل بعقد الصرف، والسَّلَم)؛ لأنه عقدٌ يملكه بنفسه، فيملك التوکیل به، على ما مرَّ. ٣٥٣ كتاب الوكالة فإن فارق الوكيلُ صاحبَه قبل القبض : بَطَل العقدُ، ومرادُه: التوكيل بالإسلام(١)، دون قبول السَّلَم؛ لأن ذلك لا يجوز، فإن الوكيل(٢) يبيع طعاماً في ذمته على أن يكون الثمن لغيره(٣)، وهذا لا يجوز (٤). ((هداية)). * ثم العبرة بمفارقة الوكيل، (فإن فارق الوكيلُ صاحبَه قبل القبض) لبدله: (بَطَل العقد)؛ لوجود الافتراق من غير قبض، (١) أي يصح أن يكون وكيلاً عن المسلِم (ربِّ السلم)، ولا يصح أن يكون وكيلاً عن المسلَم إليه، بأن وكله المسلَم إليه أن يقبل له السلم، أي أن يستلم له الثمن، وهو رأس مال السلم. ينظر فتح المعين ٩٩/٣. (٢) أي عن المسلَم إليه. (٣) وهو الموكِّل أي المسلَم إليه. (٤) ((لأن من باع ملك نفسه من الأعيان، على أن يكون الثمن لغيره: لا يجوز، فكذلك في الديون. نصَّ على ذلك الإمام محمد في: ربِّ الوكالة بالسلم، من البيوع، وإذا بطل التوكيل من المسلَم إليه بقبول عقد السلم: كان الوكيل عاقداً لنفسه، فيجب الطعام في ذمته، ورأس المال مملوك له، فإذا سلَّمه إلى الآمر على وجه التمليك منه: كان قرضاً له عليه. كذا في المبسوط وغيره)). اهـ من نتائج الأفكار ٣٣/٧، وينظر العناية ٣٢/٧، البناية ٢٩٢/٨. وفي هذا الجواب مناقشات، فمنهم من لم يرتضه، وجعل الوكيل عن المسلَم إليه، كالوكيل بالشراء، وقد بُسطت هذه المناقشات في الشروح. ٣٥٤ كتاب الوكالة ولا تعتبر مفارقةُ الموكِّل. وإذا دَفَعَ الوكيلُ بالشراء الثمنَ من ماله، وقَبَضَ المبيعَ : فله أن يرجع به على الموكِّل. فإن هلك المبيعُ في يده قبل حَبْسه : هَلَكَ من مال الموكِّل، ولم يَسقط الثمنُ. وله أن يحبسَه حتى يستوفي الثمنَ. (ولا تعتبر مفارقة الموكّل)، ولو حاضراً، كما في ((البحر))، خلافاً للعیني؛ لأنه ليس بعاقد. * (وإذا دَفَعَ الوكيلُ بالشراء الثمن من ماله) من غير صريحِ إذنٍ الموكِّل، (وَقَبَضَ المبيعَ: فله أن يرجع به على الموكّل)؛ لوجود الإذن دلالة؛ لأن الحقوق لمَّا كانت إلى العاقد، وقد علمه الموكّل: فیکون راضياً بدفعه. * (فإن هلك المبيعُ في يده): أي الوكيل (قبل حَبْسه: هَلَكَ من مال الموكّل، ولم يسقط الثمن)؛ لأن يده كيد الموكِّل. * (وله): أي للوكيل بالشراء (أن يحبسه): أي المبيعَ (حتى يستوفي الثمن) وإن لم يكن دَفَعَه؛ لأنه مع الموكل بمنزلة البائع. ٣٥٥ كتاب الوكالة فإن حَبَسَه، فهلك في يده : كان مضموناً ضمانَ الرهن عند أبي یوسف . وضمانَ المبيع عند محمد . * (فإن حَبَسَه) لاستيفاء الثمن، (فهلك في يده: كان مضموناً) عليه (ضمانَ الرهن(١) عند أبي يوسف)، فيضمن الأقلّ من قيمته، ومن الثمن. وضمانَ الغصب(٢) عند زفر، فيجب مثلُه، أو قيمته بالغةً ما بلغت. (وضمانَ المبيع(٣) عند محمد)، وهو قول أبي حنيفة أيضاً، (١) فهو مضمونٌ عليه بالحبس، مع ثبوت حق الحبس له، فأشبه الرهن، وضمانُ الرهن يعتبر فيه الأقل من قيمته ومن الثمن، كما إذا كان الثمن خمسة عشر، وقيمة المبيع عشرة: يرجع الوكيل بخمسة على الموكّل. الجوهرة ٣٦٣/١. (٢) لأنه مَنَع بغير حق على أصل زفر: أنه ليس له أن يحبسه، فهو بحبسه متعدّ، فكان عليه ضمان التعدي، وهو أن تُحسب قيمته بالغةً ما بلغت، فيرجع الوكيل على الموكل إن كان ثمنه أكثر، ويرجع الموكل على الوكيل إن كانت قيمته أكثر. الجوهرة ٣٦٣/١. (٣) لأنه بمنزلة البائع منه، فكان حبسه منه لاستيفاء الثمن، فيسقط بهلاكه، قلَّ أو كثُر. الجوهرة ١ /٣٦٣. ٣٥٦ كتاب الوكالة وإذا وكَّل رجلَيْن : فليس لأحدهما أن يتصرَّفَ فيما وُكِّلا فيه، دون الآخر ، فيسقط الثمن قليلاً كان أو كثيراً (١). قال في ((التصحيح)): ورجَّح دليلَهما في ((الهداية))، واعتمده المحبوبي، والنسفي، والموصلي، وصدر الشريعة. * (وإذا وكَّل) موكِّلٌ (رجلين) معاً، بأن قال: وكَّلتُكما، سواء كان الثمن مسمَّىَّ أَوْ لا: (فليس لأحدهما أن يتصرف فيما وكِّلا فيه دون الآخر). قال في ((الهداية)): وهذا في تصرُّفٍ يُحتاج فيه إلى الرأي، كالبيع، والخلع وغيرهما؛ لأن الموكِّل رضيَ برأيهما، لا برأي أحدهما، والبدل وإن كان مقدَّراً(٢)، ولكن التقدير لا يمنع استعمال الرأي في (١) وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا كان الثمن خمسة عشر مثلاً، وقيمة المبيع عشرة: فعند أبي يوسف: يرجع الوكيل على الموكل بالفضل، وهو الخمسة، فتظهر فائدة ضمان الغصب في عكس هذا، وهو أن تكون قيمة المبيع خمسة عشر، والثمن عشرة، فيرجع الموكّل على الوكيل بخمسة. وعند زفر: يرجع الموكل على الوكيل بمثله إن كان مثلياً، وبقيمته بالغةً ما بلغت. وعند محمد: لا يتفاوت الحال بين أن يكون الثمن كثيراً، أو قليلاً، لأنه يسقط بهلاك المبيع، فلا يجب شيء أصلاً. ينظر البناية ١٢ / ٣٧ (ط باكستان). (٢) أي حال تسمية الموكِّل للثمن، وتقديره لهما، وهذا جوابٌ عما يقال: إذا قدَّر الموكل البدل، فلا يحتاج إلى رأيهما، فيجوز أن يتصرف أحدهما، والجواب: = ٣٥٧ كتاب الوِكالة إلا أن يوكِّلَهما بالخصومة، أو بطلاق زوجته بغير عوض، أو بعِثْق عبده بغير عوض، أو بردٌّ وديعةٍ عنده، أو بقضاء دَيْنٍ عليه . الزيادة (١)، واختيار المشتري(٢). اهـ * وأشار المصنّف إلى ذلك بقوله: (إلا أن يوكلهما بالخصومة)؛ لأن الاجتماع فيها متعذّرٌ، للإفضاء إلى الشَّغَب في مجلس القضاء، والرأيُ يُحتاج إليه سابقاً لتقويم الخصومة (٣). * (أو بطلاق زوجته بغير عوض، أو بعِثْق عبده بغير عوض، أو بردِّ وديعة عنده، أو بقضاء دَيْنِ عليه)؛ لأن هذه الأشياء لا يُحتاج فيها إلى الرأي، بل هو تعبيرٌ محضٌ، وعبارة المَثْنى والواحد سواء. ((هداية)). ** قيَّدنا بالمعيَّة؛ لأنه لو وكّلهما على التعاقب: جاز لكل واحد منهما الانفراد؛ لأنه رضيَ برأي كل واحد منهما على الانفراد وقتَ أنه لا يصح إلا برأيهما معاً. ينظر البناية ٣٤٥/٨. (١) أي أن يزداد الثمن حال توكيلهما بالبيع، وذلك عند اجتماع الرأي، لذكاء أحدهما، ومعرفته التامة. البناية ٣٤٥/٨. (٢) أي حال توكيلهما بالبيع، ففي اجتماع رأيهما في اختيار المشتري، يكون أنفع للموكل، لأن من المشترين من يماطل في أداء الثمن إن كان مؤجلاً، فيختار مَن لا يماطل. ينظر البناية ٣٤٥/٨. (٣) أي اجتماع الرأيين يحصل في تقويم الخصومة سابقاً عليها. البناية ٣٤٦/٨. ٣٥٨ كتاب الوِكالة وليس للوكيل أن يوكِّلَ فيما وُكُّل به، إلا أن يأذن له الموكِّلُ، أو يقولَ له : اعمَلْ برأيك. توكيله، فلا يتغير بعد ذلك. ((مِنَح)). * وقيَّد الطلاقَ، والعتقَ بغير عوض؛ لأنه لو كان بعوض: لا ينفرد أحدُهما به؛ لأنه يُحتاج إلى الرأي. ((درر)). ** وقيَّد بردِّ الوديعة؛ لأنه لو بقَبْضها: لا ينفرد، كما في ((الذخيرة))؛ لأن حفظ الاثنين أنفع؛ فلو قبض أحدُهما بدون إذن الآخر: ضمن. * وقَيَّد بقضاء الدين؛ لأنه باقتضائه(١): لا ينفرد، كما في ((الجوهرة))؛ لاحتياج الاستيفاء إلى الرأي. [توكيل الوكيل غيرَہ: ] * (وليس للوكيل أن يوكِّل) غيرَه (فيما وُكِّل به)؛ لأنه فُوِّض إليه التصرف، دون التوكيل به؛ لأنه إنما رضيَ برأيه، والناسُ يتفاوتون في الآراء، فلا يكون راضياً بغيره، (إلا أن يأذن له الموكل) بالتوكيل، (أو) يفوِّض له، بأن (يقول له: اعمَلْ برأيك)، أو: اصنَعْ ما شئت؛ لإطلاق التفويض إلى رأيه. (١) أي أَخْذ ما لَه من دين على آخر. ٣٥٩ كتاب الوِكالة فإن وگَّل بغير إذن موكِّله، فعَقَدَ و کیلُه بحضرته : جاز. وإن عَقَدَ بغير حضرته، فأجازه الوكيلُ الأولُ : جاز. وللموكِّل أن يَعزلَ الوكيلَ عن الوكالة. وإذا جاز في هذا الوجه - يعني الذي جاز التوكيل فيه -: يكون الثاني وكيلاً عن الموكل(١)، حتى لا يملكُ الأول(٢) عَزْلَه، ولا ينعزل بموته، وينعزلان بموت الأول(٣). ((هداية)). * (فإن وكَّل بغير إذن موكله، فعَقَد وكيله): أي الوكيل(٤) (بحضرته): أي الوكيل الأول: (جاز)؛ لانعقاده برأيه. * (و) كذا (إن عَقَدَ بغير حضرته، فأجازه الوكيل الأول: جاز) أيضاً؛ لنفوذه برأيه. [عَزْل الوكيل : ] * (وللموكِّل أن يعزل الوكيلَ عن الوكالة) متى شاء؛ لأن الوكالة حقّه؛ فله أن يُبطله، إلا إذا تعلَّق به حقُّ الغير، بأن كان وكيلاً (١) أي الأول. (٢) أي الوكيل الأول. (٣) أي الموكل الأول. (٤) أي الوكيل الثاني. ٣٦٠ كتاب الوكالة فإن لم يبلغه العزلُ: فهو على وكالته، وتصرُّفُه جائزٌ حتى يَعلم. بالخصومة بطلبٍ من جهة الطالب؛ لما فيه من إبطال حق الغير. ((هداية)). * ثم إنما ينعزل الوكيل إذا بلغه ذلك، (فإن لم يبلغه العزل: فهو): أي الوكيلُ (على وكالته، وتصرُّفُه جائزٌ حتى يَعلم (١))؛ لأن في العزل إضراراً به من حيث إبطال ولايته(٢)، أو من حيث رجوع الحق إليه، فيتضرَّر به(٣). * ويستوي الوكيل بالنكاح وغيرُه؛ للوجه الأول، وقد ذكرنا(٤) (١) لأن العزل نهي، والأوامر والنواهي لا يثبت حكمها إلا بعد العلم. الجوهرة ٣٦٦/١. (٢) لأن الوكيل يتصرف لموكله على ادعاء أن له ولاية ذلك بالوكالة، وفي عزله من غير علمه: تكذيبٌ له فيما ادعاه، لبطلان ولايته بالعزل، وتكذيب الإنسان فيما يقول: ضرر عليه لا محالة. نتائج الأفكار ١٣٠/٧. (٣) أي من حيث رجوع الحقوق إلى الوكيل، فإنه ينفذ من مال الموكل إن كان وكيلاً بالشراء، ويسلِّم المبيع إن كان وكيلاً بالبيع، فإذا كان معزولاً: كان التصرف واقعاً له بعد العزل، فيضمنه، فيتضرر به، والضرر مدفوع شرعاً. ينظر العناية ١٣٠/٧، ومعه نتائج الأفكار ١٣٠/٧. (٤) القائل هو صاحب الهداية، أي تقدم ذكر ما يُشترط في المخبر بعزل الوكيل، وذلك في كتاب القضاء، فصلٌ في القضاء بالمواريث، الهداية ١١٤/٣، ومع البناية ١١٠/٦، ومن المعلوم أن ترتيب موضوعات كتاب الهداية، على غير =