النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ كتاب الإجارة وإذا استأجر داراً شهراً بدرهم، فسَكَنَ شهرين : فعليه أجرةَ الشهر و الأول، ولا شيء عليه من الشهر الثاني. ((الكتاب)) هو القياس، وقد مال إليه بعضُ المشايخ، وظاهرُ الرواية: أن يبقى الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر الثاني ويومها؛ لأن في اعتبار الأول بعض الحرج. ((هداية)). وفي ((التصحيح)): قال في ((الجواهر)) (١)، و(التبيين)): هذا قول البعض، أما ظاهر الرواية: لكل واحد منهما الخيار في الليلة الأولى من الشهر ويومها، وبه يُفتى، قال القاضي: وإليه أشار في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى(٢). اهـ * (وإذا استأجر داراً شهراً بدرهم، فسكَنَ شهرين: فعليه أجرة الشهر الأول، ولا شيء عليه من الشهر الثاني (٣). (١) في نسخ اللباب كلها: ((الجوهرة))، لكن في تصحيح القدوري ص ٢٢٨، والمخطوط أيضاً، والنقل عنه هكذا: ((الجواهر))، وأيضاً فهذا النص غير موجودٍ في الجوهرة بطبعتَيْها: ٣٢٧/١، و٣٤٧/١ (ط مع اللباب). (٢) وينظر ابن عابدين (ط البابي) ٥٠/٦. (٣) هذه المسألة مثبتةٌ في نسخة (٨٤٧هـ، ١٣٠٩ هـ)، وقد ذكرها صاحب الدر المختار ٨٤/٦ (ط البابي) نقلاً عن الخانية، مع زيادة كما يلي: ((وفي الخانية: استأجر داراً أو حمَّاماً أو أرضاً شهراً، فسكن شهرين. هل يلزمه أجر الثاني؟ إن مُعَدَّاً للاستغلال: نعم، وإلا: لا، وبه يفتى)). اهـ، وينظر الطحطاوي على الدر ٤٥/٤. ٢٤٢ كتاب الإجارة وإذا استأجر داراً سنةً بعشرة دراهمَ : جاز وإن لم يُسمِّ قِسْطَ كلَّ شهرٍ من الأجرة. وإذا استأجر داراً سنةً بعشرة دراهم) مثلاً: (جاز)، وتُقَسَّط على الأشهر بالسوية (وإن لم يُسمِّ قِسْط كل شهر من الأجرة)؛ لأن المدة معلومة بدون التقسيم. * ثم يعتبر ابتداء المدة مما سمَّى. * وإن لم يسمِّ: فمن وقت العقد. * ثم إن كان العقد حين يُهلّ الهلال: فشهور السنة كلَّها بالأهلة؛ وِ لأنها الأصل. وإن كان في أثناء الشهر: فالكل بالأيام عند الإمام، وقال محمد: الشهر الأول بالأيام، والباقي بالأهلة، وعن أبي يوسف: روايتان. أما نصها في الخانية ٣٠٢/٢ ((فتاوى قاضي خان)) فكما يلي: ((رجل استأجر داراً شهراً، فسكنها شهرين: ذكر في الأصل: أنه لا يلزمه أجر الشهر الثاني، ولم يفصل بين المعدِّ للاستغلال وغيره، فإنه ذكر المسألة في الحمَّام، وأجاب كما ذكر في الدار والحمام معدّاً للاستغلال، وفي بعض الروايات قال: يلزمه أجر الشهر الثاني، ومِن أصحابنا مَن فرَّقوا بين الروايتين، فقالوا: إذا لم يكن معدًّاً للاستغلال: لا يلزمه أجر الشهر الثاني، كما قال في ((الكتاب))، وإن كان معدّاً للاستغلال: يلزمه أجر الشهر الثاني، سواءٌ استأجر حماماً أو داراً أو أرضاً، وعليه الفتوى)». اهـ ٢٤٣ كتاب الإجارة ويجوز أخْذُ أجرة الحَمَّامِ، والحَجَّامِ. [أجرة الحَمَّام، والحجَّام : ] * (ويجوز أخذ أجرة الحَمَّامِ(١))؛ لتعارف الناس، ولم تُعتبر الجهالةُ(٢)؛ لإجماع المسلمين(٣)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما رآه المسلمون حَسَناً: فهو عند الله حَسَنٌ)) (٤). ((هداية)). ** (والحَجَّامِ(٥))؛ لما روي أنه عليه الصلاة والسلام ((احتجم، (١) أي يجوز أخذ الحمَّامي أجرة الحمام. ابن عابدين ٥١/٦. (٢) أي جهالة الماء المستعمل عند الاغتسال، وجهالة الزمن، ونحو هذا، ((ولا اعتبار لهذه الجهالة، لأنها لاتفضي إلى المنازعة)). حاشية منلا مسكين على شرح الكنز ٢٤٤/٣. (٣) ذكر هذا الإجماع صاحب الهداية ٢٣٩/٢، المتوفى سنة ٥٩٣، وتابعه على نقل هذا الإجماع شراح الهداية وغيرهم، ونقل هذا الإجماع عن ابن المنذر: ابنُ قدامة في المغني ٢٢/٦. (٤) روي موقوفاً بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد ٣٧٩/١، والمستدرك للحاكم ٧٨/٣ وغيرهما، كما في الدراية لابن حجر ١٨٧/٢، وينظر نصب الراية ١٣٣/٤، وهذا من الموقوف الذي له حكم الرفع. قال العيني في البناية ٣٣٦/٩: رَفْعُه غير صحيح، وإنما هو موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه، ونَقَلَ عن ابن عبد الهادي أنه روي مرفوعاً لکن بإسناد ساقط، وقال ابن حجر في الدراية ١٨٧/٢ : لم أجده مرفوعاً، وينظر المقاصد الحسنة ص ٣٦٨، كشف الخفاء ٢٤٥/٢ (٢٢١٤). (٥) أي وتجوز أجرة الحجّام. ٢٤٤ كتاب الإجارة ولا يجوز أَخْذُ أجرة عَسْب التَّيْس . ولا يجوز الاستئجارُ على الأذان، والإقامةِ، والحجِّ، وتعليم القرآنِ، وأعطى الحَجَّامِ الأجر))(١)؛ ولأنه استئجارٌ على عملٍ معلوم، بأجر معلوم. ((هدایة)). [أجرة عسب التَّيْس: ] * (ولا يجوز أَخْذُ أجرة عَسْب التَّيْس): أي ضِرَابِهِ. [الاستئجار على الطاعات : ] * (ولا يجوز الاستئجار على) الطاعات، مثلُ (الأذان، والإقامةِ)، والإمامةِ، (والحجِّ، وتعليم القرآن)، والفقه. قال في ((التصحيح)): ((هذا جواب المتقدِّمين، وأجازه المتأخرون، فقال في ((الهداية)): وبعضُ مشايخنا استحسنوا الاستئجار على الطاعات، كتعليم القرآن، وعليه الفتوى، واعتمده النسفي. وقال في ((المحيط)): ولا يجوز الاستئجار على الطاعات، كتعليم القرآن، والفقه، والإمامة، والحجِّ عنه، وبعضُ أصحابنا المتأخرين جوَّزوا ذلك؛ لكسل الناس، ولحاجتهم. (١) صحيح البخاري ٤٥٨/٤ (٢٢٧٨)، صحيح مسلم ١٢٠٤/٣ (١٥٧٧)، ووجه الدلالة ظاهر. ٢٤٥ كتاب الإجارة والغِنَاءِ، والنَّوْحِ. ولا تجوز إجارةُ المُشَاع عند أبي حنيفة إلا من الشريك، . وفي ((الذخيرة)): ومشايخُ بَلْخٍ جوَّزوا الاستئجار لتعليم القرآن إذا ضُرِب لذلك مدة، وأفتَوْا بوجوب المسمَّى، وإذا كان بدون ذكر المدة: أفتَوْا بوجوب أجرة المثل، وكذلك يُفتى بجواز الاستئجار على تعلیم الفقه. وقال صدر الشريعة: ولم يصحَّ للعبادات، كالأذان، والإقامة، وتعليم القرآن، ونُفتي اليوم بصحتها)). اهـ [الاستئجار على المعاصي :] * (و) لا على المعاصي، مثلُ (الغِنَاء، والنَّوْح)، وكذا سائر الملاهي؛ لأنه استئجارٌ على المعصية، والمعصيةُ لا تُستَحق بالعقد. [إجارة المُشَاع : ] * (ولا تجوز إجارة المُشَاعِ) الأصلي، سواء كان يقبل القسمة أوْ لا، (عند أبي حنيفة)؛ لعدم القدرة على التسليم؛ لأن تسليم الشائع وحدَه لا يُتصوَّر (إلا من الشريك)؛ لحدوث المنفعة كلها على ملكه، فلا شيوع، والاختلاف في النسبة لا يَضُرُّ. ((هداية)). * وفي ((جامع الكرخي)): نصَّ أبو حنيفة أنه إذا آجر بعضَ ملكه، أو آجر أحدُ الشريكين نصيبه من أجنبي: فهو فاسد، سواء فيما يُقْسَم، وما لا يقسم. اهـ ٢٤٦ كتاب الإجارة وقالا : إجارة المشاع جائزةٌ . : وكذا من أحد الشريكين، كما في ((العمادية)). * (وقالا: إجارة المشاع جائزة)؛ لأن له منفعةً، ولهذا يجب أجر المثل، والتسليم ممكنٌ بالتخلية، أو بالتهايؤ(١)، فصار كما إذا آجر من شریکه، أو من رجلین. قال في ((التصحيح)): وفي ((الفتاوى الصغرى))، و(تتمة الفتاوى))، و((الحقائق)): الفتوى على قول أبي حنيفة، واعتمده النسفي، والمحبوبي، وصدر الشريعة. قال في ((شرح الكنز)): وفي ((المغني)): الفتوى في إجارة المشاع على قولهما. قلت(٢): هو شاذٌ مجهول القائل، فلا يعارِض ما ذكرناه. اهـ قيَّدنا الشيوعَ بالأصلي؛ لأن الشيوع الطارئ: لا يُفسد اتفاقاً، وذلك كأن آجر الكلّ، ثم فَسَخَ في البعض، أو آجَرَا لواحدٍ، فمات أحدُهما، أو بالعكس. (١) أي الاتفاق والتراضي. (٢) أي العلامة قاسم بن قطلوبغا صاحب التصحيح، ص ٢٣٠ (ط دار البشائر)، وينظر ما نقله محقق التصحيح عن حاشيةٍ كُتبت على نسخة مخطوطة من التصحيح، فيها مناقشة عن ابن الشحنة لكلام العلامة قاسم في قوله بشذوذ هذا الترجيح. ٢٤٧ كتاب الإجارة ويجوز استئجارُ الظَّئْر بأجرةٍ معلومة، ويجوز بطعامها، وكِسْوتِها. وليس للمستأجر أن يمنع زوجها من وطئها . فإن حَبِلت : كان لهم أن يفسخوا الإجارةَ إذا خافوا على الصبيِّ من لبنها . [استئجار المرضع : ] * (ويجوز استئجار الظَئر) - بالكسر، والهمزة: المرضعة - (بأجرةٍ معلومة)؛ لتعامل الناس، بخلاف بقية الحيوانات؛ لعدم التعارف. * (ويجوز) أيضاً (بطعامها، وكسْوتها)؛ استحساناً عند أبي حنيفة. وقالا: لا يجوز؛ لأن الأجرة مجهولة. وله: أن الجهالة لا تُفْضِي إلى المنازعة؛ لأن العادة التوسعةُ على الأظار(١)؛ شفقةً على الأولاد. * (وليس للمستأجر أن يَمنع زوجَها من وطئها)؛ لأن ذلك حقه. * (فإن حبلت: كان لهم): أي أولياء الصغير (أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على الصبي من لبنها)؛ لأن لبن الحامل يُفسد (١) جمع: ظِئْر، وتجمع على: ظُؤار: بالضم، كفُعَال، وتُجمع علىُ: ظُؤُر، كفُلوس. مختار الصحاح (ظأر). ٢٤٨ كتاب الإجارة وعليها أن تُصلح طعامَ الصبيُّ. الصبي ٠ (١) * ولهذا كان لهم الفسخ إذا مرضت أيضاً. * (وعليها): أي الظئر (أن تُصلح طعامَ الصبي)؛ لأن العمل عليها. * والحاصل أنه يُعتبر فيما لا نَصَّ(٢) عليه: العرفُ في مثل هذا (١) ففي سنن أبي داود ٣٢٨/٤ (٣٨٨١)، وسكت عنه، وصحيح ابن حبان (الإحسان) ٣٢٢/١٣ (٥٩٨٤): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقتلوا أولادَكم سِرّاً، فإن الغَيْلِ يُدرك الفارسَ فَيُدَعثِرُه عن فرسه)». والغَيْل: قيل: أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وقيل: أن تُرضع المرأة الولدَ وهي حامل، فإن المرضع إذا حملت فسد لبنُها، والمراد: أن الغيل مؤثِّرٌ ولا بدَّ، ولو لم يظهر أثره في أول عُمُر الولد، فإنه سيُظهِر فيه ضعفاً وهزالاً وفساد طبيعة ولو بلغ مبلغ الرجال الفرسان، فكان ذلك كالقتل له غير أنه سِرٌّ لا يُرى ولا يُعرف. وقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك؛ خوفاً على الولد الرضيع، والعرب تتقي لبن الحامل وتكرهه، لأن اللبن لم يعد صالحاً للشرب، وأطباؤهم يعتبرون ذلك اللبن داء. ينظر شرح صحيح مسلم للنووي ١٥/١٠، الخطابي على مختصر أبي داود ٢١١/٤. وأذكر في مقابل هذا بما رواه مسلم في صحيحه (١٤٤٢): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة، حتىُ ذَكرتُ أن الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضرُّ أولادهم». (٢) هكذا: ((لا نصَّ))، كما في الهداية ٢٤١/٣، والنقل عنها، وفي نُسخ اللباب كلها: ((لا يُنص)). ٢٤٩ كتاب الإجارة وإن أرضعته في المدة بلبنٍ شاةٍ : فلا أُجرةَ لها . وكلّ صانعٍ لعمله أثرٌ في العين، كالقصَّار، والصبَّاغ: فله أن يَحبس العينَ بعد الفراغ من عمله حتى يستوفي الأجرة. الباب، فما جرى عليه العرف، من غَسل ثيابِ الصبي، وإصلاحِ الطعام، وغير ذلك: فهو على الظئر. ((هداية)). * (وإن أرضعته في المدة بلبنِ شاة: فلا أجرةَ لها)؛ لأنها لم تأت بالعمل المستَحَق عليها، وهو الإرضاع؛ لأن إرضاعه بلبن الشاة إيجار(١)، وليس بإرضاع، فاختلف العمل، فلم يجب الأجر، كما في ((الهداية)). [حَبْس العين لتحصيل الأجرة : ] * (وكلّ صانعٍ لعمله أثرٌ)، بحيث يُرى ويُعاين (في العين)، ءِ وذلك (كالقصَّار، والصبَّاغ: فله أن يَحبس العين بعد الفراغ من عمله حتى يستوفي الأجرة) المشروطة؛ لأن المعقود عليه وَصْفٌ قائم في (١) الإيجار: من وَجر، وأوجر، والوَجور، بوزن: رسول: هو الدواء يُصبّ في الحلق، وأوجرت المريض إيجاراً: فعلتُ به ذلك، والمراد هنا: أنها صَبَّت لبن الشاة، وسقته الطفل، وهذا ليس بإرضاع، بل لا بد لاستحقاقها الأجر: أن ترضعه من ثديها، مع القيام بعمل ما يتبع الإرضاع. ينظر الكفاية ١٨/٨، المصباح المنير (وجر). ٢٥٠ كتاب الإجارة ومَن ليس لعمله أثرٌ في العين : فليس له أن يَحبِسَها بالأجرة، کالحمَّالِ، والملاح. وإذا اشتَرَط على الصانع أن يعمل بنفسه : فليس. الثوب، فله حق الحبس لاستيفاء البدل، كما في البيع. * ولو حَبَسه، فضاع: لا ضمان عليه عند الإمام(١)؛ لأنه غير متعدٍّ في الحبس، فبقي أمانةً، كما كان عنده، ولا أجر له؛ لهلاك المعقود عليه قبل التسليم. * (ومَن ليس لعمله أثرٌ في العين: فليس له أن يَحبِسَها بالأجرة)، وذلك (كالحمَّالِ) على ظهره، أو دابةٍ، (والملاّح) صاحبِ السفينة؛ لأن المعقود عليه نفسُ العملِ، وهو غيرُ قائم في العين؛ فلا يُتصوَّر حبسه، فليس له ولاية الحبس. * وغسل الثوب نظير الحَمْل. ((هداية))، قال في ((المجتبى)): أي لتطهيره، لا لتحسینه، فليحفظ. [شرط المستأجر على الصانع العملَ بيده : ] * (وإذا اشترط) المستأجر (على الصانع أن يعمل بنفسه، فليس (١) وعندهما يضمن، ويخيَّر بين أن يضمِّنه قيمته غير معمول، ولا أجرة له، وبين أن يضمنه معمولاً، وله الأجرة. الجوهرة ٣٣٠/١، وينظر ما تقدم في ضمان الأجير المشترك، وذكر الخلاف في المفتى به. ٢٥١ كتاب الإجارة له أن يستعمل غيره. وإن أطلق له العملَ : فله أن يستأجر مَن يَعْمَلُه. وإذا اختلف الخيَّطُ وصاحبُ الثوب، فقال صاحبُ الثوب: أمَرْتُكَ أن تعملَه قَبَاءً، وقال الخيَّاطُ: قميصاً، أو قال صاحبُ الثوب للصبَّاغ: أمرتُك أن تَصِغَه أحمرَ، فصبغتَه أصفرَ : . له): أي الصانع (أن يستعمل غيرَه)؛ لأنه لم يَرْضَ بعمل غيره. * (وإن أطلق له العملَ: فله أن يستأجر مَن يَعْمَلُه)؛ لأن المستحَقَّ عملٌ في ذمته، ويمكن إيفاؤه بنفسه، وبالاستعانة بغيره، بمنزلة إيفاء الدين، والعادةُ جاريةٌ أن الصنَّاع يعملون بأنفسهم، وبأجرائهم. [اختلاف المؤجر والمستأجر في صفة الصنعة، أو في الأجرة : ] * (وإذا اختلف الخيَّاطُ (١) وصاحبُ الثوب) في صفة الصنعة المستأجر عليها، أو في قدر الأجرة، (فقال صاحب الثوب: أمرتُك أن تعمله قَبَاء) - بالفتح -، (وقال الخيَّاط): أمرتَني أن أعمله (قميصاً) مثلاً، (أو قال صاحب الثوب للصبَّاغ: أمرتُك أن تَصبغه أحمرَ، فصبغتَه أصفرَ)، وهو خلاف ما أمرتُك، وقال الصبَّاغ: بل أمرتَني بهذا (١) وجاء في القدوري (١٣٠٩ هـ) هكذا بزيادة: ((الخياط والصباغ ... )). ٢٥٢ كتاب الإجارة فالقولُ قولُ صاحب الثوب مع يمينه . وإذا حَلَف : فالخياط ضامِنٌ . وإذا قال صاحبُ الثوب للصانع : عملتَه لي بغير أجرة، وقال الصانعُ: لا، بل بأجرةٍ : فالقولُ قولُ صاحب الثوب مع يمينه عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف : إن كان حَرِيفاً .. الأصفر، أو قال صاحبُ الثوب: الأجرةُ عشرةٌ، وقال الأجير: عشرون: ٠ (فالقول قولُ صاحب الثوب مع يمينه)؛ لأن الإذن مستفادٌ من جهته، ألا يُرى أنه لو أنكر أصلَ الإذن: كان القولُ قولَه، فكذا إذا أنكر صفتَه، لكن يُحلَّف؛ لأنه أنكر شيئاً لو أقرَّ به: لزمه. ((هداية)). * (وإذا حَلَف: فالخياط ضامِنٌ)؛ لتصرُّفه في ملك الغير بغير إذنه، لكنَّ صاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضَمَّنْه، وإن شاء أخذه، وأعطاه أجرَ مثله. * (وإذا قال صاحبُ الثوب للصانع: عملتَه لي بغير أجرة، وقال الصانعُ: لا بل) عملتُه (بأجرة: فالقول قولُ صاحب الثوب) أيضاً (مع يمينه عند أبي حنيفة)؛ لأنه ينكر الضمان، والصانع يَدَّعيه، والقولُ قول المنكر. (وقال أبو يوسف: إن كان) صاحب الثوب (حَرِيفاً) أي معامِلاً ٢٥٣ كتاب الإجارة له: فله الأجرة، وإن لم يكن حَرِيفاً له : فلا أجرةَ له. وقال محمد : إن كان الصانعُ معروفاً بهذه الصنعة أنه يَعملُ بالأجرة : فالقولُ قولُه مع يمينه بأنه عَمِله بأجرة. (له): أي للصانع، بأن كان بينهما معاملةٌ من أَخْذٍ وإعطاء: (فله الأجرة)؛ لأن سَبْقَ ما بينهما من المعاملة يُعيِّن جهةَ الطلب بأجرٍ، جرياً على معتادهما. ((هداية))، (وإن لم يكن حَرِيفاً له: فلا أجرةَ له. وقال محمد: إن كان الصانع معروفاً بهذه الصنعة أنه يعمل بالأجرة(١))، وقِيَامَ حاله بها: (فالقولُ قولُه مع يمينه بأنه عَمِله بأجرة)؛ عملاً بشهادة الظاهر. قال في ((التصحيح)): ورجح دليل الإمام في ((الهداية))، وأجاب على دليلَيْهما، واعتمده الإمامُ المحبوبي، والنسفي، وصدر الشريعة. وجعل خُواهَر زاده الفتوى على قول محمد. اهـ، ونقله(٢) في ((الدر)) عن الزيلعي. (١) وفي نسخ أخرى عديدة من القدوري: ((إن كان الصانع مبتدئاً لهذه الصنعة بالأجرة: فالقول قوله ... )). (٢) أي أن الفتوى على قول محمد، وكذلك قال صاحب الجوهرة ٣٣١/١: ((القياس ما قاله أبو حنيفة، وقولهما استحسان، والفتوى على قول محمد)). اهـ، وينظر ابن عابدين ٧٥/٦ (ط البابي). ٢٥٤ كتاب الإجارة والواجبُ في الإجارة الفاسدة : أجرُ المِثْل، لا يُتُجاوَز به المسمَّىُّ. وإن قَبَضَ المستأجرُ الدارَ : فعليه الأجرةُ وإن لم يسكنها . [ما يجب في الإجارة الفاسدة : ] * (والواجب في الإجارة الفاسدة: أجرُ المثل، لا يُتجاوَز به المسمَّى)؛ لرضاهما به، ويُنْقَص عنه؛ لفساد التسمية. وهذا لو الفسادُ لشرطٍ فاسدٍ ، أو شيوعٍ مع العلم بالمسمَّى، وإنْ لجهالة المسمَّى، أو عدم التسمية أصلاً، أو تسميةٍ (١) خمرٍ أو خنزيرٍ: وَجَبَ أجر المثل بالغاً ما بلغ؛ لعدم ما يُرجَع إليه. [وجوب الأجرة بقبض الدار المستأجرة : ] * (وإن قبض المستأجر الدارَ: فعليه الأجرة وإن لم يسكُنْها)؛ لأن تسليم عين المنفعة لا يُتصوَّر؛ فأقيم تسليم المحل مقامه؛ إذ التمكن من الانتفاع يثبت به. * وهذا لو الإجارة صحيحة، أما في الفاسدة: فلا تجب الأجرة إلا بحقيقة الانتفاع، كما في ((العمادية)). (١) هكذا: ((تسمية))، كما أثبتُّ في مخ، ص، أ، ب، م، لكن في نسخة ج: ((أو المسمى خمراً، أو خنزيراً))، وفي نسخة د، أضيف مقدَّرٌ محذوف، كما يلي: ((أو [كان] المسمى خمراً أو خنزيراً)». ٢٥٥ كتاب الإجارة فإن غَصَبها غاصبٌ من يده : سقطت الأجرةُ. وإن وَجَدَ بها عيباً يَضُرُّ بالسكنى : فله الفسخ. فإن خَرِبت الدارُ، أو. . * (فإن غَصَبها غاصبٌ من يده: سقطت الأجرة)؛ لأن تسليم المحل إنما أُقيم مقام تسليم المنفعة؛ للتمكّن من الانتفاع، فإذا فات التمكن: فات التسليم، وانفسخ العقد، فيسقط الأجر. * وإن وُجِدَ الغصب في بعض المدة: سَقَطَ الأجر بقدره، إذ الانفساخ في بعضها. ((هداية)). [الأسباب المبيحة لفسخ الإجارة : ] * (وإن وَجَدَ) المستأجرُ (بها): أي الدارِ المستأجرة (عيباً يَضُرُّ بالسكنى)، بحيث لا تفوت به المنفعة، كترك تطيينها، وإصلاحٍ منافعها: (فله الفسخ)؛ لأن المعقود عليه المنافع، وإنها توجد شيئاً فشيئاً، فكان هذا عيباً حادثاً قبل القبض، فيوجب الخيار، كما في البيع. * ثم المستأجر إذا استوفى المنفعة: فقد رضيَ بالعيب، فلزمه جميع البدل، كما في البيع. * وإن أزال المؤجر العيبَ: بطل خيار المستأجر؛ لزوال سببه. [انهدام الدار المستأجرة : ] * (فإن) فاتت المنفعة بالكلية، بأن (خَرِبت الدار) كلّها، (أو ٢٥٦ كتاب الإجارة انقطع شِرْبُ الضَّيْعة، أو انقطع الماءَ عن الرَّحَى : انفسخت الإجارة، ولزمه بقدر ما سكنَ، أو استعمل الرحى. انقطع شِرْبُ الضَّيْعة): أي الأرض كلَّه، (أو انقطع الماءَ) جميعُه (عن و الرَّحَى: انفسخت الإجارة)؛ لأن المعقود عليه قد فات قبل القبض، فشابَهَ فوتَ المبيع قبل القبض، وموتَ العبد المستأجر. ومن أصحابنا مَن قال: إن العقد لا ينفسخ؛ لأن المنافع فاتت على وجهٍ يُتُصوَّرِ عَوْدُها، فأشبه الإباقَ في البيع. ((هداية)). ومثله في ((شرح الأقطع))، ثم قال: والصحيح هو الأول(١)، وتَبِعَه في ((الجوهرة))، لكن عامة المشايخ على الثاني(٢)، وهو الصحيح، كما في ((الذخيرة))، و(التتارخانية))، و(الاختيار))، وغيرها. وفي ((الغاية)) للإتقاني، نقلاً عن إجارات شمس الأئمة: إذا انهدمت الدار كلّها: فالصحيح أنه لا تنفسخ، لكن سقط الأجر، فَسَخَ أوْ لا. (ولزمه بقدر ما سكَنَ، أو استعمل الرَّحی(٣). (١) أي تنفسخ. (٢) أي لا تنفسخ. (٣) جملة: ((ولزمه بقدر ... )): مثبتة في القدوري (١٣٠٩ هـ). ٢٥٧ كتاب الإجارة وإذا مات أحدُ المتعاقدَيْن وقد عَقَدَ الإجارةَ لنفسه : انفسخت الإجارةُ. وإن كان عَقَدها لغيره : لم تنفسخ الإجارة. ويصح شَرْطُ الخيار في الإجارة كما في البيع. [موت أحد العاقدين في الإجارة : ] * وإذا مات أحدُ المتعاقدين) عَقْدَ الإجارة، (وقد) كان (عَقَدَ الإجارةَ لنفسه: انفسخت الإجارة)؛ لأنها لو بقيت: تصير المنفعة المملوكة، أو الأجرة المملوكة لغير العاقد مستحقةً بالعقد؛ لانتقالها إلى الوارث، وهو لا يجوز. ((درر)). * (وإن كان عَقَدها لغيره)، بأن كان وكيلاً، أو وصيّاً، أو متولياً: (لم تنفسخ الإجارة)؛ لبقاء المستَحِق، حتى لو مات المعقود له: بطلت. · وتنفسخ بموت أحد المستأجِرَيْن، أو المؤجِرَيْن في حصته فقط، وتبقى في حصة الحي. [شرط الخيار في الإجارة : ] * (ويصح شَرْط الخيار في الإجارة كما في البيع)؛ لأنه عقدُ معاوَضة، لا يلزم فيه القبض في المجلس؛ فجاز اشتراط الخيار کالبيع. ٢٥٨ كتاب الإجارة وتُفْسَخُ الإجارةُ بالأعذار، كمَن استأجر دكاناً في السوق ليتَّجر فيه، فذهب مالُه، وكمَن آجر داراً، أو دكاناً، ثم أفلس، فلزمَتْه ديونٌ لا يقدر على قضائها إلا من ثمن ما آجر: فَسَخَ القاضي العقدَ، وباعها في الدین. [الأعذار التي تجيز فسخ الإجارة : ] * (وتُفسَخ الإجارة بالأعذار) الموجِبَة ضرراً لم يُستَحَق بالعقد، وذلك (كمَن استأجر دكاناً في السوق ليتَّجر فيه، فذهب مالُه)، أو طبَّاخاً ليطبخ للوليمة، فاختلعت منه الزوجة؛ لأنه في المضيِّ عليه: إلزامُ ضررٍ زائدٍ لم يُسْتَحَق بالعقد. * (وكمَن آجَرَ داراً أو دكاناً، ثم أفلس، فلزمَتْه ديونٌ) بعَيَانِ أو برهان، وكان (لا يقدر على قضائها إلا من ثمن ما آجر: فُسَخَ القاضي العقدَ) بينهما، (وباعها في الدين): أي لأجل قضائه. * وفي قوله: ((فَسَخَ القاضي)»: إشارةٌ إلى أنه يُفتقر إلى قضاء القاضي في النَّقْض، وهكذا ذكر في ((الزيادات)) في عُذْرِ الدَّيْن. وقال في ((الجامع الصغير)): ((وكلُّ ما ذكرنا أنه عذرٌ: فإن الإجارة فيه تَنْتَقض)): وهذا يدل على أنه لا يُحتاج فيه إلى قضاء القاضي. ومنهم مَن وَفَّق(١) فقال: إذا كان العذر ظاهراً: لا يُحتاج فيه إلى (١) هكذا: ((وفَّق)): في نسخ اللباب كلها، وكذلك في الهداية، والنقل عنها، = ٢٥٩ كتاب الإجارة وكمَن استأجر دابةً ليسافر عليها، ثم بدا له من السفر : فله أن يفسخَ الإجارةَ، فهو عُذْرٌ. وإن بدا للمُكَاري من السفر : فليس ذلك بعُذْرٍ . القضاء؛ لظهور العذر، وإن كان غيرَ ظاهر، كالدَّيْن: يُحتاج إلى القضاء؛ لظهور العذر. ((هداية)). * (وكمن استأجر دابةً ليسافر عليها، ثم بدا له من السفر: فله أن يَفْسِخَ الإجارة، فهو عُذْرٌ)؛ لأنه لو مضى على موجَب العقد: يلزمه ضررٌ زائد؛ لأنه ربما يريد الحجَّ، فيفوت وقتُه، أو طلبَ غريمٍ، فَيَحْضُرُ، أو التجارةَ، فيفتقر. * (وإن بدا للمُكَاري من السفر: فليس ذلك بعُذْرٍ)؛ لأن خروجه غيرُ مُستَحقٍّ عليه، ويمكنه أن يقعد، ويبعثَ الدوابَّ على يد أجيره. * ولو مرض المؤجر، فقَعَد: فكذا الجواب على رواية ((الأصل)). وروى الكرخي: أنه عذر؛ لأنه لا يَعْرى عن ضرر؛ فُيُدْفَع عنه عند الضرورة، دون الاختيار. ((هداية)). قال في ((الدر))(١): وبالُولى يُقتى. وهو الصحيح، وجاء في نسخة د: ((فرَّق)). (١) الدر المختار (مع ابن عابدين ط البابي) ٦ / ٨٢ ٢٦٠ كتاب الشُّفْعة كتاب الشُّفْعة الشُّفْعة واجبةٌ للخليط في نفس المبيع . ثم للخليط في حق المبيع، كالشِّرْب والطريقِ . ثم للجارِ . كتاب الشُّفْعة (الشُّفْعة) لغةً: الضمُّ، وشرعاً: تملّك العقار جَبْراً على المشتري، بما قام عليه. [ترتيب الشفعاء : ] و * وهي (واجبةً) أي ثابتة (للخليط) أي الشريك (في نفس المبيع. ** ثم) إذا لم يكن، أو كان وسَلَّم(١): تثبت (للخليط في حق المبيع، كالشِّرب): أي النصيب من الماء، (والطريقِ) الخاصَّيْن. * (ثم) إذا لم يكونا، أو كانا وسلَّما: تثبت (للجارٍ) الملاصِق، ولو بابه في سكّة(٢) أخرى. (١) أي سلَّم بالبيع، ولم يطالب بحقه في الشفعة. (٢) أي زقاقٍ أخرى. البناية ٣٤٠/١٠.