النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ کتاب الصَّرْف کتاب الصَّرْف ءِ الصَّرْفُ هو: البيعُ إذا كان كلّ واحدٍ من عِوَضَيْه من جنس الأثمان . فإن باع فضةً بفضة، أو ذهباً بذهب: لم يَجُزْ إلا مِثْلاً بمِثْل وإن اختلفا في الجَوْدة والصياغة، ولا بدَّ من قَبْض العوضين قبل الافتراق. کتاب الصَّرْف لمَّا كان البيعُ بالنظر إلى المبيع أربعة أنواع: بيعَ العينِ بالعين، والعينِ بالدَّيْن، والدَّيْنِ بالعين، والدَّيْنِ بالدَّيْن، وبيَّن الثلاثةَ الأُوَل، شَرَع في بيان الرابع، فقال: ءِ * (الصَّرْفُ هو: البيعُ إذا كان كلّ واحدٍ من عِوَضَيْه من جنس الأثمان): الذهب والفضة، (فإن باع فضةً بفضة، أو ذهباً بذهبٍ: لم يجز إلا مِثْلاً بمِثْل): أي متساوياً وزناً (وإن اختلفا في الجَوْدة والصياغة)؛ لما مرَّ في الربا، من أن الجودة إذا لاقتْ جنسَها فيما يثبت فيه الربا: لا قيمة لها. * (ولا بدَ) لبقائه على الصحة (من قَبْض العوضين قبل الافتراق) بالأبدان، حتى لو ذهبا عن المجلس يمشيان معاً في جهة واحدة، ١٢٢ كتاب الصَّرْف وإذا باع الذهبَ بالفضة : جاز التفاضلُ، ووَجَبَ التقابضُ. وإن افترقا في الصرف قبل قَبْض العِوضَين، أو أحدِهما : بطل العقد . ولا يجوز التصرُّفُ في ثمن الصرف قبل قبضه. أو ناما في المجلس، أو أُغمي عليهما: لا يبطل الصرف (١). ((هداية)). * (وإذا باع الذهبَ بالفضة: جاز التفاضل)؛ لاختلاف الجنس، (ووَجب التقابض)؛ لحرمة النّساء. [الافتراق في الصرف قبل القبض : ] * (وإن افترقا في الصرف قبل قَبْض العوضَيْن، أو أحدهما: بطل العقد)؛ لفوات شرط الصحة، وهو القبض قبل الافتراق. ولهذا لا يصح شَرْط الخيار فيه؛ لأنه لا يبقى القبض مستَحَقاً، ولا الأجل(٢)؛ لفوات القبض. * فإن أَسقط الخيارَ، أو الأجلَ مَنْ هو له قبل الافتراق: عاد جائزاً؛ لارتفاعه قبل تقرُّر الفساد، بخلافه بعد الافتراق؛ لتقرره. ** (ولا يجوز التصرُّف في ثمن الصرف قبل قبضه)؛ لما مرَّ أن (١) لأنهما ليسا بمفترقَيْن. الجوهرة ٢٧٠/١. (٢) أي ولا يصح شرط الأجل. ١٢٣ کتاب الصَّرْف ويجوز بيعُ الذهب بالفضة مجازفةً. ومَن باع سيفاً محلّىَّ بمائة درهم، وحِلْيْتُه خمسون درهماً، فدَفَع من ثمنه خمسين درهماً : جاز البيعُ، وكان المقبوضُ حصةَ الفضة وإن لم یبیِّن ذلك. وكذلك إن قال : خُذْ هذه الخمسينَ من ثمنهما . القبض شَرْطُ لبقائه على الصحة، وفي جواز التصرف فيه قبل قبضه: فواتُه. * (ويجوز بيع الذهب بالفضة مجازفةً)؛ لأن المساواةَ فيه غيرُ مشروطة، لكنْ بشرط التقابض في المجلس. [باع سيفاً محلىّ بفضة بدراهم : ] * (ومَن باع سيفاً محلّىٍ) بفضة، (بمائة درهم) فضة، (وحِلْيْتُه خمسون درهماً، فَدَفَع) المشتري (من ثمنه خمسين درهماً: جاز البيع، وكان المقبوضُ حصةَ(١) الفضة) التي هي الحِلْية (وإن لم يبيِّن) المشتري (ذلك)؛ لأن قَبْضَ حصتها في المجلس واجب؛ لكونه بدلَ الصرف، والظاهر من حاله أنه يأتي بالواجب. * (وكذلك إن قال: خُذْ هذه الخمسين من ثمنهما)؛ تحرِّياً (١) وفي بعض نسخ القدوري: ((من حصة)). ١٢٤ كتاب الصَّرْف فإن لم يتقابضا حتى افترقا : بطل العقدُ في الحِلْية للجواز (١)؛ لأنه يُذْكَر الاثنان، ويُراد به الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿ يَخْرُ مِنْهُمَا (٢) اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْحَابُ﴾(٣). * وكذا لو قال: هذا المعجَّلُ حصةُ السيف؛ لأنه اسمٌ للحلية أيضاً، لدخولها في بيعه تبعاً. * ولو زاد: ((خاصة)): فَسَد البيع؛ لإزالته(٤) الاحتمال، كما في ((الهداية))(٥). * (فإن لم يتقابضا حتى افترقا: بطل العقد في الحلية)؛ لأنه صرفٌ، وشَرْطه: التقابض قبل الافتراق. (١) فيُحمل تصرُّف المسلم على الصحة بقدر الممكن. خلاصة الدلائل ص ١٠٥. (٢) أي من البحرين العذب والمالح حين يلتقيان، وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من المالح، وإنما قال تعالى: ﴿مِنْهُمَا﴾، مع أن الخروج من أحدهما، لأنهما حين يلتقيان: يكون العذب كاللقاح للمالح، كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى. الجوهرة النيرة ١ / ٢٧٠، وينظر تفسير القرطبي ١٧ / ١٦٣. (٣) سورة الرحمن / ٢٢. (٤) هكذا: ((لإزالته)): في مخ، ص، أ، ن، م، وفي ج، د: ((لإزالة)). (٥) هكذا: ((الهداية)): في نسخ اللباب كلها، ولعل الصواب: ((العناية))، إذ النص غير موجود في الهداية بطبعاتها المتعددة، وقريب من هذا النص الذي ذكره الشارح موجود في العناية ٢٦٦/٦. ١٢٥ كتاب الصَّرْف والسيفِ جميعاً إذا كان لا يتخلَّصُ إلا بضررٍ . وإن كان يتخلَّصُ بدون ضررٍ : جاز البيعُ في السيف، وبَطَل في الحلية . * (و) كذا (١) في (السيف جميعاً إذا كان لا يتخلَّص إلا بضرر)؛ لأنه لا يمكن تسليمه بدون الضرر، ولهذا لا يجوز إفراده بالعقد، كالجذع في السقف. * (وإن كان يتخلّص بدون ضرر: جاز البيع في السيف)؛ لأنه أمكن إفراده بالبيع، فصار كالطَّوْق والجارية. * وهذا إذا كانت الفضة المفروزة(٢) أزيدَ من الحلية، فإن كانت مثلَها، أو أقلّ، أو لا يُدْرَى: لا يجوز البيع، (وبَطَل في الحلية)؛ لعدم التقابض الواجب. [ضابط فقهي في حكم بيع النقد مع غيره :] * والأصل في ذلك: أنه متى بِيْع نقدٌ مع غيره، كمُفضَّض، ومُزَرْكَش بنقدٍ من جنسه: يشترط زيادة الثمن والتقابض، وإن بغير جنسه: شُرِط التقابض فقط. (١) أي يبطل. (٢) أي المفردة، التي هي الثمن. ينظر تبيين الحقائق ٢٣٨/٤. ١٢٦ کتاب الصَّرْف ومَن باع إناءَ فضةٍ، ثم افترقا وقد قَبَض بعضَ ثمنه : بَطَلَ العقدُ فيما لم يَقبض، وصحَّ فيما قَبَض، وكان الإناء مُشْتَرَكاً بينهما . وإن استُحِقَّ بعضُ الإناء : كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن شاء ردَّه. وإن باع قطعةَ نُقْرَةٍ، فاستُحِقَّ بعضُها: أَخَذَ ما بقي بحصته، ولا خیار له. * (ومَن باع إناء فضةٍ، ثم افترقا وقد قَبَض) البائع (بعضَ ثمنه: بَطَلَ العقد فيما لم يَقبض) فقط، (وصحَّ فيما قَبَض، وكان الإناء مُشْتَرَكاً بينهما)؛ لأن الإناء كلَّه صَرْف، فصحَّ فيما وُجد شَرْطه، وبَطَل فيما لم يوجد، والفساد طارئ؛ لأنه يصح ثم يبطل بالافتراق، فلا یشیع. ((هدایة)). * (وإن استُحِقَّ بعضُ الإناء) بالبرهان: (كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن شاء ردَّه)؛ لتَعُّبہ بغیر صُنْعه؛ لأن الشركة عيب. والفرق بين هذه، والتي قبلها: أن الشركة في الأولى من جهة المشتري، وهنا: كانت موجودة مقارنة للعقد. عيني. * (وإن باع قطعةَ نُقْرة): أي فضة غير مضروبة، (فاستُحق بعضُها: أَخَذَ ما بقي بحصته، ولا خيارَ له)؛ لأنها لا يَضُرُّها التبعيض. ١٢٧ كتاب الصَّرْف ومَن باع درهمين وديناراً، بدينارين ودرهمٍ : جاز البيعُ، وجُعِلُ كلُّ واحدٍ من الجنسين بالجنس الآخر. ومَن باع أحدَ عشرَ درهماً بعشرة دراهمَ ودينارٍ : جاز البيعُ، و کانت العشرةُ بمثلها، والدینارُ بالدرهم. * (ومَن باع درهمين وديناراً، بدينارين ودرهم)، أو كُرَّ بُرٍّ وكُرَّ شعير، بكُرَّيْ بُرٍّ وكُرَّيْ شعير: (جاز البيع، وجُعل كلّ واحدٍ من الجنسين بالجنس الآخر)؛ لأنه طريقٌ متعيِّن للصحة، فيُحمل عليه؛ تصحيحاً لتصرُّفه. [قاعدة فقهية في العقود : ] ( والأصل: أن العقد إذا كان له وجهان: أحدهما يصحِّحه، والآخرُ يُفسده: حُمِل على ما يصحِّحه. ((جوهرة)). * (ومَن باع أحدَ عشر درهماً) فضةً، (بعشرة دراهم) فضةٍ (ودينارٍ) ذهباً: (جاز البيع، وكانت العشرة بمثلها، والدينارُ بالدرهم)؛ لأن شَرْط البيع في الدراهم: التماثل؛ فالظاهر أنه أراد به ذلك، فيبقى الدرهم بالدينار، وهما جنسان ولا يعتبر التساوي فيهما. ولو تبايعا فضةً بفضة، أو ذهباً بذهب، وأحدُهما أقل، ومع أقلُّهما شيء آخر تبلغ قيمته قيمةَ باقي الفضة: جاز البيع من غير ١٢٨ کتاب الصَّرْف ويجوز بيعُ درهمين صحيحين ودرهمٍ غَلّةٍ، بدرهمٍ صحيح ودرهمين غَلَّة . وإذا كان الغالبُ على الدراهم الفضةَ : فهي في حُكْمِ الفضة. وإذا كان الغالبُ على الدنانير الذهبَ : فهي في حُكْمٍ الذهب. كراهة، وإن لم تبلغ(١): فمع الكراهة. : وإن لم تكن له قيمة، كالتراب: لا يجوز البيع؛ لتحقّق الربا، إذ الزيادة لا يقابلها عوض. ((هداية)). * (ويجوز بيع درهمين صحيحين، ودرهم غَلَّة) - بفتح أوله، وتشديد ثانيه: فضةٍ رديئة، يردُّها بيتُ المال، ويَقبلُها التجَّار - (بدرهمٍ صحيح، ودرهمين غَلَّة)؛ للمساواة وزناً، وعدم اعتبار الجودة. * (وإذا كان الغالبُ على الدراهم) المغشوشة: (الفضةَ: فهي) كلها (في حكم الفضة. * و) كذا (إذا كان الغالبُ على الدنانير) المغشوشة: (الذهب: فهي) كلها (في حكم الذهب. (١) كأن يضع معه كفَّاً من زبيب، أو فَلسَيْن، أو بيضة، ونحو هذا، فيكره، لأنه احتيال لإسقاط الربا، كبيع العينة، أو أن الكراهة لِمَا يُفضي ذلك أن يألف الناس التفاضل، ويستعملوه فيما لا يجوز. ينظر فتح القدير ٢٧١/٦. ١٢٩ كتاب الصَّرْف ويُعتبر فيهما من تحريم التفاضل، ما يُعتبر في الجياد . وإن كان الغالبُ عليهما الغشَّ: فليسا في حُكْم الدراهم والدنانير، وهما في حُكم العروض، فإذا بيعت بجنسها متفاضلاً: جاز البيع . * ويُعتبر فيهما من تحريم التفاضل، ما يُعتبر في الجياد)؛ لأن النقود لا تخلو عن قليل غشٍّ خلقةً، أو عادة؛ لأجل الانطباع، فإنها بدونه تتفتّت، وحيث كان كذلك: اعتُبر الغالب؛ لأن المغلوب في حُكْم المستهلك. * (وإن كان الغالبُ عليهما الغشَّ: فليسا في حكم الدراهم، والدنانير)؛ اعتباراً للغالب، (وهما في حكم العروض). * (فإذا) اشترى بها فضةً خالصةً، فهي على الوجوه التي ذكرت في حِلْية السيف(١). * وإذا (بيعت بجنسها متفاضلاً: جاز البيع)، بصرف الجنس لخلافه؛ لأن الغش الذي بها: معتبرٌ؛ لكونه غالباً، والذهب والفضةَ معتبرٌ أيضاً، فكان لكل واحد منهما حُكْم نفسه، بشَرْط التقابض؛ لوجود القدر. (١) المذكورة في أول كتاب الصرف. ١٣٠ كتاب الصَّرْف وإذا اشترى بها سلعةً، ثم كَسَدت، فَتَرَك الناسُ المعاملةَ بها قبل القبض : بَطَل البيعُ عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف : عليه قيمتُها يوم البيع . وقال محمدٌ : عليه قيمتُها آخرَ ما تعامل الناسُ بها . (كساد الدراهم النافقة التي تمَّ الشراء بها : ] * (وإذا اشترى بها): أي بالدراهم الغالبة الغش، وهي نافقةٌ، (سلعةً، ثم كَسَدت) تلك الدراهم قبل التسليم إلى البائع، (فَتَرَك الناسُ المعاملة بها قبل القبض)، في جميع البلاد، - فلو راجت في بعضها: لم يبطل البيع، ولكن يخيّر البائع لتعيِّبها -، أو انقطعت عن أيدي الناس: (بَطَل البيع عند أبي حنيفة)؛ لأن الثمنية بالاصطلاح، ولم يبق، فبقي البيع بلا ثمن، فيبطل. * وإذا بطل: وَجَبَ ردُّ المبيع إن كان قائماً، وقيمتُه إن كان هالكاً، كما في البيع الفاسد. ((فيض)). (وقال أبو يوسف: عليه قيمتُها يوم البيع)؛ لأن العقد قد صح، إلا أنه تعذّر التسليم بالكساد، وهو لا يوجب الفساد، وإذا بقيَ العقد: تجب القيمة يوم البيع؛ لأن الضمان به. (وقال محمد: عليه قيمتُها آخرَ ما تعامل الناس بها)؛ لأنه أوان الانتقال إلى القيمة. وبه يُفتى كما في ((الخانية))، و(الخلاصة))، و((الفتاوى الصغرى))، ١٣١ کتاب الصَّرْف ويجوز البيعُ بالفلوس النافقة وإن لم تُعَيِّن . وإن كانت كاسدةً : لم يجز البيعُ بها حتى يعيِّنَها . وإذا باع بالفلوس النافقة، ثم كَسَدت قبل القبض : بطل البيعُ عند أبي حنيفة . و((الكبرى))، و((الحقائق)) عن ((المحيط))، و((التتمة))، وعزاه في ((الذخيرة)) إلى الصدر الشهيد. [غلاء أو رُخْص العملة التي تمّ الشراء بها :] * وكثير من المشايخ قيَّد بالكساد؛ لأنها إذا غَلَت، أو رَخُصت قبل القبض: كان البيع على حاله إجماعاً، ولا خيار لواحد منهما، ويطالَب بنقد ذلك المعيار الذي كان وقتَ البيع، كما في ((الفتح)). * (ويجوز البيع بالفلوس) مطلقا؛ لأنها مالٌ معلومٌ، لكن (النافقة) يجوز البيع بها (وإن لم تُعَيَّن)؛ لأنها أثمانَ بالاصطلاح، فلا فائدة في تعیُّنها. * (وإن كانت كاسدةً: لم يجز البيع بها حتى يعيِّنها) بالإشارة إليها؛ لأنها سِلَعٌ، فلا بدَّ من تعيُّنها. [كساد الفلوس النافقة التي باع بها : ] * (وإذا باع بالفلوس النافقة، ثم كَسَدت)، أو انقطعت (قبل القبض: بطل البيع عند أبي حنيفة)، خلافاً لهما، وهو نظير الخلاف الذي بيَّنَّاه. ((هداية)). ١٣٢ کتاب الصَّرْف [كساد الفلوس المستقرضة : ] * وفيها(١): ولو استقرض فلوساً نافقةً، فكسدت: عند أبي حنيفة عليه مثلُها؛ لأنه إعارةٌ، وموجَبُها: ردُّ العين معنىً، والثمنيةُ فَضْلٌ فیه، إذ القرض لا يختص به. وعندهما: تجب قيمتها؛ لأنه لما بطل وَصْف الثمنية: تعذَّر ردُّها كما قَبَض، فيجب ردُّ القيمة، كما إذا استقرض مثلياً، فانقطع. لكن عند أبي يوسف: يومَ القبض، وعند محمد: يومَ الكساد، على ما مرَّ من قبل. اهـ [خلاصة رسالة ابن عابدين في كساد النقود وغلائها ورُخْصها : ] * قال شيخنا في رسالته(٢): ((اعلم أن الظاهر من كلامهم، أن جميع ما مرَّ إنما هو في الفلوس والدراهم التي غَلَب غِشَّها، كما يظهر بالتأمل، ويدل عليه: اقتصارهم في بعض المواضع على الفلوس، وفي بعضها ذِكْر العَدالى معها، فإن العدالى - كما في ((البحر)) -: الدراهم المنسوبة إلى العَدْل، وكأنه اسم مَلِكِ يُنسَب إلیه درهمٌ فیه غش. (١) أي في الهداية للمرغيناني ٨٦/٣. (٢) المسماة: ((تنبيه الرقود على مسائل النقود من رُخْص وغلاء وكساد وانقطاع))، المطبوعة ضمن رسائل ابن عابدين ٥٨/٢ - ٦٧، وهذا النص ص ٦١ - ٦٣ باختصار. ١٣٣ كتاب الصَّرْف ومَن اشتریُ شيئاً بنصف درهم فلوساً : جاز البيعُ، ولم يظهر حُكم النقود الخالصة، أو المغلوبة الغش، وكأنهم لم يتعرَّضوا لها؛ لندرة انقطاعها أو كسادها، لكن يكثر في زماننا غلاؤها ورُخْصها، فيُحتاج إلى بيان الحكم فيها، ولم أر مَن نبَّه عليها. نعم، يُفهم من التقييد: أن الخالصة، أو المغلوبة الغش، ليس حُكْمها كذلك، والذي يغلب على الظن، ويميل إليه القلب: أن الدراهم المغلوبة الغش، أو الخالصة، إذا غلت أو رَخُصت: لا يفسد البيع قطعاً، ولا يجب إلا ما وَقَعَ عليه العقد من النوع المذكور فيه، فإنها أثمانٌ عُرفاً، وخِلقة، والغشُّ المغلوب كالعدم، ولا يجري في ذلك خلاف أبي يوسف. على أنه ذَكَر بعضُ الفضلاء، أن خلاف أبي يوسف إنما هو في الفلوس فقط، وأما الدراهم التي غلب غشُّها، فلا خلاف له فيها. وبهذا يحصل التوفيق بين حكاية الخلاف تارة، والإجماع تارةً أخرى، كما تدل عليه عباراتهم. فحيث كان الواجب: ما وقع عليه العقد في الدراهم التي غلب غشها إجماعاً، ففي الخالصة ونحوها أَوْلی))، وتمامُه فيها. * (ومَن اشترى شيئاً بنصف درهم) مثلاً (فلوساً: جاز البيع) بلا ١٣٤ کتاب الصَّرْف وعليه ما يباع بنصف درهم من الفلوس. ومَن أعطىُ لصيرفيَّ درهماً، فقال: أعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه نصفاً إلا حَبَّةً: فَسَد البيعُ في الجميع عند أبي حنيفة . وقالا : جاز البيعُ في الفلوس، وبطل فيما بقي. بيان عددها، (وعليه): أي المشتري(١): (ما يباع بنصف درهم من الفلوس)؛ لأنه عبارة عن مقدارٍ معلوم منها. * (ومَن أعطى لصيرفيّ درهماً، فقال: أعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه) الآخر (نصفاً(٢) إلا حَبَّةَ: فَسَد البيع في الجميع عند أبي حنيفة)؛ لأن الصفقة متحدة، فيشيع الفساد. (وقالا: جاز البيع في الفلوس، وبطل فيما بقي)؛ لأن بيع نصف درهم بالفلوس: جائز، وبيع النصف بنصفٍ إلا حبة: ربا، فلا يجوز. * ولو كرَّر لفظ الإعطاء(٣): كان جوابه(٤) كجوابهما، وهو (١) هكذا: ((المشتري)): في مخ، ن، م، لكن في: ص، أ، ج، د: ((البائع))، وهو خطأ، ينظر البناية ٦٤٥/٧. (٢) وفي نسخة القدوري (٨٦٢ هـ): ((وبنصفه درهماً صغيراً وزنه نصف درهم إلا حبة)). (٣) بأن قال: أعطني فلوساً، وأعطني بنصفه الآخر نصفاً إلا حبة. البناية ٦٤٧/٧. (٤) أي جواب الإمام أبي حنيفة رحمه الله. ١٣٥ كتاب الصَّرْف ولو قال: أعطني نصفَ درهم فلوساً، ونصفاً إلا حبة : جاز البيعُ، وكانت الفلوسُ والنصفُ إلا حبة : بدرهم. الصحيح؛ لأنهما بيعان(١). ((هداية)). * (ولو قال: أعطني) به (٢) (نصفَ درهم فلوساً، ونصفاً إلا حبةً: جاز البيع، وكانت الفلوسُ والنصفُ إلا حبة، بدرهم)؛ لأنه قابَلَ الدرهمَ بما يباع من الفلوس بنصف درهم، وبنصف درهم إلا حبة، فيكون نصف درهم إلا حبة بمثله، وما وراءه بإزاء الفلوس. ((هداية)). (١) يعني بتكرر لفظ: ((الإعطاء))، فتتفرق الصفقة، وفساد أحد البَيْعَيْن: لا يوجب فساد الآخر. البناية ٧ /٦٤٧. (٢) أي بالدرهم. ١٣٦ كتاب الرهن كتاب الرَّهْن الرَّهْنُ ينعقدُ بالإيجاب والقبول، ويَتِمُّ بالقبض. . فإذا قَبَضَ المُرَتِهِنُ الرهنَ مَحُوزاً، كتاب الرهن * مناسبتُه للبيع ظاهرةٌ؛ لأن الغالب أنه يكون بعده. (الرَّهنُ) لغةً: الحَبْسُ، وشرعاً: حَبْسُ شيءٍ بحقٍّ، يمكن استیفاؤه منه. ** و(ينعقد بالإيجاب والقبول)؛ اعتباراً بسائر العقود، غير أنه لا يتمُّ بمجرد ذلك، (و) إنما (يتمُّ) ويلزم (بالقبض)، وهذا إشارة إلى أن القبض شرطُ لزومه، كما في الهبة، وهو خلافُ ما صحَّحه في ((المجتبى)) من أنه شرطُ الجواز. * قال في ((الهداية)): ثم يُكتَفَى فيه بالتخلية في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف: أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل، والأول: أصح. اهـ [شروط عقد الرهن : ] * (فإذا قبض المرتهنُ الرهنَ) حال كونه (مَحُوزاً): أي مجموعاً، احتَرز به عن المتفرِّق، كالثمر على رؤوس النخل، والزرع في ١٣٧ كتاب الرهن مُفرَّغاً، مميّزاً : تمّ العقد فيه. وما لم يقبضه : فالراهن بالخيار : إن شاء سلِّمه إليه، وإن شاء رجع عن الرهن. فإذا سلَّمه إليه، وقبضه : دخل في ضمانه. الأرض بدون النخل والأرض، كما في ((المجتبى)). * (مُفرَّغاً): أي غير مشغول بحق الراهن، احترازاً عن النخل المشغول بالثمرة، والأرض المشغولة بالزرع، بدون الثمر والزرع. ** (مميّزاً): أي غيرَ مُشَاعٍ، كما في ((المجتبى، و((غاية البيان)). * وهذه المعاني هي المناسبة لهذه الألفاظ، لا ما قيل: إن الأول احترازٌ عن المُشَاعِ، والثالثَ عن الثمر على شجرٍ، دون الشجر، كما لا يخفى على أهل النظر. كذا في ((الدرر))(١). (تمَّ العقد فيه)، ولزم؛ لحصول الشرط. * (وما لم يقبضه) المرتهن: (فالراهن بالخيار: إن شاء سلَّمه إليه، وإن شاء رجع عن الرهن)، كما في الهبة. * (فإذا سلَّمه إليه): أي إلى المرتهن، (وقَبَضه: دخل في ضمانه)؛ لتمامه بالقبض. (١) ٢٤٩/٢. ١٣٨ كتاب الرهن ولا يصحُّ الرهنُ إلا بدیْنٍ مضمون. وهو مضمونٌ بالأقلِّ من قيمته، ومن الدَّيْن، فإذا هلك الرهنُ في يد المرتهن، وقیمتُه. ٠ ٠ * (ولا يصح الرهن إلا بدَيْنٍ مضمون(١))؛ لأنه شُرِعَ استيثاقاً للدَّين، والاستيثاق فيما ليس بمضمونٍ: لَغْوٌ. [ضمان الرهن : ] * (وهو): أي الرهن الذي دخل في ضمانه، (مضمونٌ بالأقلِّ): أي بما هو أقلَّ (من قيمته، ومن الدَّيْن). فإن كان الدين أقلّ من القيمة: فهو مضمون بالدين. وإن كانت القيمة أقلّ من الدين: فهو مضمونٌ بالقيمة، فتكون: ((مِنْ))؛ لبيان الأقل، الذي هو القيمةُ تارة، والدَّينُ أخرى. صدر الشريعة. * (فإذا هلك الرهنُ في يد المرتهن، وقيمتُه) يومَ الرهن، (١) قوله: ((مضمون)): قَيْدٌ وقع للتأكيد، وإلا فجميع الديون مضمونة، وقد احترز به عن ضمان الرهن بالدَّرَك؛ فإنه لا يصح، وهو عبارة عن ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، مثل أن يقول: ما بايعتَ فلاناً: فعليَّ ثمنه، فأخذ من القائل رهناً بذلك قبل المبايعة: لم يجز، فالرهن بالدَّرَك باطل. ينظر الجوهرة ٢٧٥/١، البناية ٥٥٨/١١. ١٣٩ كتاب الرهن والدَّينُ سواءً : صار المرتهنُ مستوفياً لدَيْنه حُكْماً. وإن كانت قيمة الرهن أكثرَ من الدَّيْن : فالفضلُ أمانةٌ في يده. وإن كانت قيمةُ الرهن أقلّ من ذلك : سقط من الدين بقَدْرها، ورجع المرتهنُ بالفضل . ولا يجوز رهنُ المُشَاعِ. (والدَّينُ سواء: صار المرتهن مستوفياً لدَيْنِه حُكْماً)؛ لتعلّق قيمة الرهن بذمته، وهي مثلُ دَيْنه الذي على الراهن، فتقاصًّا. * (و) كذلك (إن كانت قيمة الرهن أكثرَ من الدَّيْن: فالفضل أمانةٌ في يده): أي غيرَ مضمون، ما لم يتعدَّ. ((قنية)). * (وإن كانت قيمةُ الرهن أقلّ من ذلك: سقط من الدين بقَدْرها، ورجع المرتهن بالفضل) على الراهن؛ لأن الاستيفاء بقَدْر المالية. [ما لا يجوز رهنه : ] * (ولا يجوز رهن المُشَاعُ(١))، سواء كان يحتمل القسمة أوْ لا، من شريكه أو غيره. ثم الصحيح: أنه فاسدٌ، يُضْمَن بالقبض، كما في ((الدر(٢)). (١) أي غير المميّز، كما تقدم في شروط الرهن أن يكون مميّزاً. (٢) الدر المختار مع الحاشية ٤٩٠/٦. ١٤٠ کتاب الرهن ولا رهنُ ثمرةٍ على رؤوس النخل، دون النخل. ولا زرع في أرضٍ دون الأرض. ولا يجوز رهنُ النخل والأرض، دونهما. ولا يصح الرهنُ بالأمانات، كالودائع، والمضاربات، ومالِ الشركة. ويصحُّ الرهنُ برأس مال السَّلَم، وثمنِ الصرف، والمسلَم فيه . * (ولا) يجوز (رهنُ ثمرةٍ على رؤوس النخل دون النخل. * ولا) رهنُ (زرعٍ في أرضٍ دون الأرض)؛ لما مرَّ من أنه غيرُ مَحُوز، ولأن المرهون متصل بما ليس بمرهون خلْقةً؛ فكان بمعنى المشاع. * (و) كذا (لا يجوز) العكسُ، وهو (رهنُ النخل والأرض، دونهما)، أي الثمرة والزرع؛ لأن الاتصال من الطرفين. * (ولا يصح الرهنُ بالأمانات، كالودائع، والمضاربات، ومال الشركة)؛ لكونها غير مضمونة، فللراهن أن يأخذه، ولو هَلَكَ في يد المرتهن قبل الطلب: هَلَكَ بلا شيء، كما في صدر الشريعة. [ما يصح الرهن به : ] * (ويصح الرهن برأس مال السَّلَم (١)، وثمن الصرف، والمسلَم فيه)؛ (١) قال في الجوهرة ٢٧٩/١: ((فإن رهن برأس مال السلم - أي قبل قبضه -، ==