النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
باب مَن يجوز دفع الزكاة إليه
وهم : آلُ عليٍّ، وآلُ عباسٍ، وآلُ جعفر، وآلُ عقيلٍ، وآلُ الحارثِ بن
عبد المطلب، ومواليهم.
ولمَّا كان المراد من بني هاشم الذين لهم الحكم المذكور: ليس
كلهم، بَيَّن المرادَ منهم بعددهم، فقال:
* (وهم آلُ عليٍّ، وآلُ عباسٍ، وآلُ جعفرٍ، وآلُ عقيلٍ، وآلُ
الحارثِ بن عبد المطلب(١))، فخرج أبو لهبٍ بذلك، حتى يجوزُ
الدفع إلى مَن أسلم من بنيه؛ لأن حرمة الصدقة على بني هاشم كرامةً
من الله تعالى لهم ولذرِّيتهم، حيث نصروه صلى الله عليه وسلم في
جاهليتهم وإسلامهم، وأبو لهبٍ كان حريصاً على أذى النبيِّ صلى الله
عليه وسلم، فلم يستحقّها(٢) بنوه.
* (و) لا تُدفع أيضاً إلى (مواليهم): أي عتقائهم؛ فأرِقًّاؤهم
ابن عابدين ١٠٩/٦، البحر الرائق ٢٦٦/٢، جامع الرموز ٣٣١/١، غنية ذوي
الأحکام للشرنبلاني على درر الحكام ١/ ١٩١.
(١) إن الأبَ الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم هو: عبد مَنَاف، وقد أعقب
أربعةً، وهم: هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس، ثم إن هاشماً أعقب أربعةً،
انقطع نسل الكل إلا نسل عبد المطلب جدِّ النبي صلى الله عليه وسلم المباشر، فإنه
أعقب اثني عشر ولداً، تُصرف الزكاة إلى أولاد كلٍّ إذا كانوا مسلمين فقراء، إلا
أولاد: العباس، والحارث، وأولاد أبي طالب من علي، وجعفر، وعقيل: فلا تدفع
إليهم. اهـ من ابن عابدين ١٠٧/٦، نقلاً عن القهستاني في جامع الرموز ٢٠٨/١.
(٢) أي هذه الكرامة.

٣٦٢
باب من يجوز دفع الزكاة إليه
وقال أبو حنيفة ومحمد : إذا دفع الزكاةَ إلى رجلٍ يظنُّه فقيراً، ثم
بان أنه غنيٌّ، أو هاشميٌّ، أو كافرٌ، أو دَفَع في ظُلْمٍ إلى فقيرٍ، ثم بان
أنه أبوه، أو ابنُه : فلا إعادة عليه .
وقال أبو يوسف : عليه الإعادة.
ولو دفع إلى شخصٍ، ثم عَلِم أنه عبدُه،
بالأَوْلى؛ لحديث: ((مولى القوم منهم)»(١).
[مَن دفع لمن ظنه فقيراً، فبان غنياً :]
* (وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا دفع الزكاةَ إلى رجلٍ يظنه فقيراً،
ثم بان أنه غنيٌّ، أو هاشميٌّ، أو كافرٌ، أو دَفَع في ظلمةٍ إلى فقيرٍ، ثم
بان أنه أبوه، أو ابنُه)، أو امرأتُه: (فلا إعادة عليه)؛ لأن الوقوف على
هذه الأشياء بالاجتهاد دون القطع، فُيُبنى الأمر فيها على ما يقع عنده.
(وقال أبو يوسف: عليه الإعادة)؛ لظهور خطئه بيقين، مع إمكان
الوقوف على ذلك.
قال في ((التحفة)): والأول جواب ظاهر الرواية، ومشى عليه
المحبوبي، والنسفي، وغيرهما. اهـ ((تصحیح)).
* (ولو دفع إلى شخصٍ) يظنه مصرفاً، (ثم عَلِم أنه عبدُه،
(١) في صحيح البخاري ٤٨/١٢ (٦٧٦١) بلفظ: ((مولى القوم من أنفسهم))،
وأما بلفظ: ((مولى القوم منهم))، فهو عند النسائي في السنن ٥ /١٠٧ (٢٦١٢).

٣٦٣
باب مَن يجوز دفع الزكاة إليه
أو مكاتبُه : لم يَجُزْ في قولهم جميعاً.
ولا يجوز دفعُ الزكاة إلى مَن يملك نصاباً من أيِّ مالٍ كان.
ويجوز دفعُها إلىُ مَن يملكُ أقلّ من ذلك وإن كان صحيحاً
مكتسباً.
ويكره نَقْلُ الزكاة من بلدٍ إلى بلد آخر، وإنما تُفرَّق صدقةُ كلِّ قومٍ
فیھم،
أو مكاتبُه: لم يجز في قولهم جميعاً)؛ لانعدام التمليك.
* (ولا يجوز دفع الزكاة إلى مَن يملك نصاباً من أيِّ مالٍ كان)؛
لأن الغِنى الشرعيَّ مقدَّر به، والشرط أن يكون فاضلاً عن الحاجة
الأصلية.
* (ويجوز دفعها إلى مَن يملك أقلّ من ذلك وإن كان صحيحاً
مكتسباً)؛ لأنه فقيرٌ، والفقراء هم المصارف، ولأن حقيقة الحاجة لا
يوقَف عليها، فأُدير الحكم على دليلها، وهو فَقْدُ النصاب.
[نقل الزكاة إلى بلد آخر : ]
* (ويكره (١) نَقْلُ الزكاة من بلد إلى بلد آخر، وإنما تُفرَّق صدقةٌ
كلَ قومٍ فيهم)؛ لحديث معاذ (٢)، ولما فيه من رعاية حق الجوار.
31
(١) قال ابن عابدين ١٢٠/٦: ((والمتبادَر منه أن الكراهة تنزيهية. تأمَّل)) اهـ،
لكن قال الطحطاوي على المراقي ص ٥٩٤ : ((وكره نقلها: أي تحريماً)).
(٢) تقدَّم ص ٣٥٨.

٣٦٤
باب من یجوز دفع الزكاة إليه
إلا أن يَنقلَها الإنسانُ إلى قرابته، أو إلى قومٍ هم أحوجُ إليها من
أهل بلده.
(إلا أن يَنقلَها الإنسانُ إلى قرابته)؛ لما فيه من الصلة، بل في
((الظهيرية)): لا تُقبل صدقة الرجل وقرابتُه محاويج حتى يبدأ بهم،
فَيَسُدَّ حاجتَهم(١)، (أو) يَنقَلَها (إلى قومٍ هم أحوجُ إليها من أهل
بلده)؛ لما فيه من زيادة دفع الحاجة.
* ولو نَقَلها إلى غيرهم: أجزأه وإن كان مكروهاً؛ لأن المصرف
مطلق الفقير بالنص (٢). ((هداية)).
(١) رُوي قريب من هذا اللفظ مرفوعاً عند الطبراني في الأوسط (٨٨٢٨): ((قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أمة محمد، والذي بعثني بالحق، لا يقبل الله
صدقةً من رجل وله قرابة محتاجون إلى صلته، ويصرفها إلى غيرهم، والذي نفسي
بيده: لا ينظر الله إليه يوم القيامة)).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٧/٣: ((فيه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو
ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالمتروك، وبقية رجاله ثقات)).
(٢) أي نص آية مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ .... ﴾

٣٦٥
باب صدقة الفطر
باب صدقة الفطر
صدقةُ الفطر واجبةٌ على الحرِّ المسلم، إذا كان مالكاً لمقدار
النصاب، فاضلاً عن مسكنِه، وثيابِه، وأثاثِه، وفرسِه، وسلاحِهِ،
وعبيده للخدمة.
باب صدقة الفطر
· من إضافة الشيء إلى سببه، ومناسبتُها للزكاة ظاهرةٌ.
* (صدقةُ الفطر واجبةٌ(١) على الحرِّ المسلم)، ولو صغيراً، أو
مجنوناً (إذا كان مالكاً لمقدار النصاب)، من أيِّ مالٍ كان، (فاضلاً
عن مسكنه، وثيابه، وأثاثه): هو متاع البيت، (وفرسِه، وسلاحه،
وعبيده للخدمة)؛ لأنها مستَحقَّةٌ بالحاجة الأصلية، والمستَحقُّ
بالحاجة الأصلية كالمعدوم، ولا يُشترط فيه النُّمُوُ(٢).
(١) أُريدَ بالواجب هنا: كونه بين الفرض والسنة. الجوهرة النيرة ١٦٢/١.
(٢) نموُّ المال المشتَرَط في الزكاة هو: توالده وتناسله بالتجارات، ولو تقديراً
بالتمكُّن من الزيادة، ولا يشترط في النصاب لوجوب صدقة الفطر أن يكون نامياً،
ولذا تجب على مَن ملك نصاباً من ثياب البِذْلة الممتهنة بالخدمة ما يساوي مائتي
درهم، فاضلاً عن حاجته الأصلية، ولا يتحقق النماء بثياب البذلة.
ولو كانت له دارٌ واحدة يسكنها، ويفضل عن سكناه منها ما يساوي نصاباً:
وجبت عليه الفطرة، وكذا في الثياب والأثاث.
ينظر البناية ٢١٩/٤ (ط باكستان)، الجوهرة النيرة ١٦٣/١، حاشية الطحطاوي
على مراقي الفلاح ص ٥٩٥.

٣٦٦
باب صدقة الفطر
يُخرِجُ ذلك عن نفسه، وعن أولاده الصغار، وعن مماليكه
للخدمة .
ولا يؤدِّي عن زوجته.
* ويَتَعلَّق بهذا النصاب: حرمانُ الصدقة، ووجوبُ الأضحية،
والفطرةٍ(١). ((هداية)).
:(يُخرِجُ ذلك(٢)): أي الذي وجبت عليه الصدقة (عن نفسه،
وعنٍ أولاده الصغار)، والمجانين الفقراء، (وعن مماليكه للخدمة)؛
لتحقق السبب، وهو: رأسٌ يَمُونه، ویلي علیه.
· قيَّدنا الصغارَ والمجانين بالفقراء؛ لأن الأغنياء تجب في مالهم.
قال في ((الهداية)): هذا (٣) إذا كانوا لا مالَ لهم، فإن كان لهم مال:
يُؤدِّي من مالهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد، ورَجَّح
صاحب ((الهداية)) قولَهما، وأجاب عما يُتمسَّك به لمحمد، ومشى
على قولهما المحبوبيُّ، والنسفي، وصدرُ الشريعة. اهـ (تصحيح)).
: واحتُرز بعبيد الخدمة: عن عبيد التجارة، كما يأتي.
* (ولا يؤدِّي): أي لا يجب عليه أن يؤدِّيَ (عن زوجته،
(١) ونفقة الأقارب أيضاً. ينظر مصادر الحاشية السابقة.
(٢) أي مقدار الفطرة الذي سيُذكر قريباً. وينظر البناية ٢١٩/٤.
(٣) أي يُخرج عن نفسه، وعن أولاده الصغار إذا كانوا لا مال لهم.

٣٦٧
باب صدقة الفطر
ولا عن أولاده الكبار وإن كانوا في عياله.
ولا يُخرِجُ عن مكاتَبه، ولا عن مماليكه للتجارة.
والعبدُ بين الشريكين : لا فطرةَ علىُ واحدٍ منهما.
ولا عن أولاده الكبار وإن كانوا في عياله)؛ لانعدام الولاية، ولو أدى
عنهم بغير أمرهم: أجزأهم استحساناً؛ لثبوت الإذن عادة. ((هداية)).
* (ولا يُخرج عن مكاتبه)؛ لعدم الولاية، ولا المكاتَب عن
نفسه؛ لفقره.
* وفي المدبّر، وأمّ الولد ولايةُ المولى ثابتة: فيُخرِج عنهما.
* (ولا عن مماليكه للتجارة)؛ لوجوب الزكاة فيها، ولا تجتمع
الزكاة، والفطرة.
* (والعبدُ بين الشريكين: لا فطرةَ علىُ واحدٍ منهما)؛ لقصور
الولاية والمؤنة في كل منهما.
* وكذا العبيد بين الاثنين عند أبي حنيفة، وقالا (١): على كل
واحدٍ ما يخصُّه من الرؤوس، دون الأشقاص(٢). ((هداية)).
(١) قال ابن عابدين ٦ /١٥٤: وفي المحيط ذكر أبا يوسف مع أبي حنيفة، وهو
الأصح، كما في الحقائق، والفتح. اهـ، وفي تصحيح القدوري ص١٢٩ : وأبو
يوسف مع أبي حنيفة. اهـ، وكذلك في العناية ٢٢٢/٢.
(٢) أي الأنصباء، فالأشقاص: جمع: شِقْص، وهو النصيب، يعني لو كان
العبيد تسعة: تجب في الثمانية، ولا تجب في التاسع، وهكذا تجب في الزوج دون
الفرد. البناية ٢٢٥/٤.

٣٦٨
باب صدقة الفطر
ويؤدِّي المولىُ المسلمُ الفطرةَ عن عبده الكافر .
والفطرةُ نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعٌ من تمرٍ، أو زبيبٍ، أو
شعیرٍ .
* (ويؤدِّي المولى المسلمُ الفطرةَ عن عبده الكافر)؛ لأن السبب
قد تحقق، والمولى من أهل الوجوب.
[قدر صدقة الفطر : ]
: (والفطرةُ نصف صاعٍ من بُرٍّ)، أو دقيقه، أو سَوِيقه، أو زبيبٍ.
((هداية))، (أو صاعٌ من تمرٍ، أو زبيبٍ (١)، أو شعيرٍ).
وقال أبو يوسف ومحمد: الزبيب بمنزلة الشعير(٢)، وهو روايةٌ
عن أبي حنيفة، والأولُ (٣) روايةُ ((الجامع الصغير)). ((هداية))، ومثله في
(١) الزبيب فيه روايتان عن الإمام أبي حنيفة: إحداهما رواية الجامع الصغير:
يكفي منه نصف صاع، ورجحها في الهداية، وقال الإسبيجابي: هي ظاهر الرواية،
كما في تصحيح القدوري ص ١٢٩، والأخرى: صاع، كقول الصاحبين، ((وصححها
البهنسي وغيره، وفي الحقائق والشرنبلالية عن البرهان: وبه يفتى))، كما في الدر ٦/
١٥٧، ونقل ابن عابدين ٦ / ١٥٧ تصحيحها عن أبي اليسر، وأن ابن الهمام رجحها
من جهة الدليل، ثم قال: والأَوْلى: أن يراعى في الزبيب القدر والقيمة، بأن يكون
نصف الصاع منه يساوي قيمة نصف صاع بر. اهـ باختصار، وينظر الهداية ١١٦/١.
(٢) أي المجزئ منه صاع كامل.
(٣) أي القول المذكور أولاً في الهداية حسب ترتيب نصها، وهو أن المجزئ
من الزبيب نصف صاع: هو رواية الجامع الصغير. ينظر الهداية ١١٦/١.

٣٦٩
باب صدقة الفطر
والصاعُ عند أبي حنيفة ومحمد : ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقي.
وقال أبو يوسف : خمسةُ أرطالٍ وثلثُ رِطْلٍ.
((التصحيح)) عن الإسبيجابي(١).
[قدر الصاع : ]
(والصاعُ عند أبي حنيفة ومحمد: ثمانيةُ أرطالِ بالعراقي)،
وتقدَّم أن الرِّطل مائةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهماً(٢).
(وقال أبو يوسف): الصاعُ (خمسةُ أرطالٍ وثلثُ رِطْلٍ).
قال الإسبيجابي: الصحيح قول أبي حنيفة ومحمد، ومشى عليه
المحبوبي، والنسفي، وصدر الشريعة.
لكن في الزيلعي، و((الفتح)): اختلف في الصاع، فقال الطرفان(٣):
ثمانية أرطال بالعراقي، وقال الثاني(٤): خمسة أرطال وثلث.
(١) وينبه هنا إلى أن دفع القيمة من الدراهم أو الدنانير أفضل من دفع العين،
على المذهب المفتى به، لأنه أعون على دفع حاجة الفقير، وهذا في السعة، وأما في
الشدة: فدفع العين أفضل، كما في الدر مع ابن عابدين ١٦٣/٦، ونقل ابن عابدين
قولاً آخر، بأن دفع الحنطة أفضل في الأحوال كلها.
(٢) الرطل العراقي يساوي: (٤٥٥) غ، كما حرَّره الشيخ عبد العزيز عيون السود
رحمه الله، وعليه يكون الصاع: ٨×٤٥٥ = ٣٦٤٠غ، وأما الصاع فيساوي بالليتر:
(٤,١٢٧)، كما فى تحقيقات د / محمد الخاروف على ((الإيضاح والتبيان)) ص ٨٧.
(٣) أبو حنيفة ومحمد.
(٤) أبو يوسف.

٣٧٠
باب صدقة الفطر
وقيل: لا خلاف؛ لأن الثاني قدَّره برِطْل المدينة؛ لأنه ثلاثون
إستاراً(١)، والعراقي عشرون، وإذا قابلتَ ثمانيةً بالعراقي بخمسة وثلث
بالمديني: وجَدْتَهما سواء، وهذا هو الأشبه؛ لأن محمداً لم يذكر خلاف
أبي يوسف، ولو كان: لذَكَر؛ لأنه أعرف بمذهبه. اهـ، وتمامه في ((الفتح)).
قال شيخنا (٢): ثم اعلم أن الدرهم الشرعي أربعة عشر قيراطاً،
والمتعارَفُ الآن: ستة عشر، فإذا كان الصاع ألفاً وأربعين درهماً
شرعياً: فيكونُ بالدرهم المتعارف: تسعمائةٍ وعشرة.
وقد صرَّح العلائي في شرحه على ((الملتقى))، في باب زكاة
الخارج، بأن الرطل الشامي: ستمائة درهم، وأن المَدَّ الشامي:
صاعان، وعليه فالصاع بالرطل الشامي: رطلٌ ونصف، والمُدُّ: ثلاثة
أرطال، ويكون نصف الصاع من البُرِّ: ربع مُدٍّ شامي، فالمدُّ الشامي
يُجزئ عن أربع.
وهكذا رأيتُه (٣) محرَّراً بخط شيخ مشايخنا إبراهيم السائحاني،
وشيخ مشايخنا منلا علي التركماني، وكفى بهما قدوة، لكني حرَّرتُ
نصفَ الصاع في عام ستُّ وعشرين بعد المائتين، فوجدتُه ثُمُنَّةً (٤)
(١) قال ابن عابدين ١٥٩/٦: الإستار: بكسر الهمزة: بالدراهم: ستة ونصف،
وبالمثاقيل: أربعة ونصف.
(٢) أي ابن عابدين.
(٣) القائل هو ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(٤) هكذا: ((ثُمُنِيَّةٍ)): في طبعات رد المحتار، والنقل عنها، وكذلك في نسخ =

٣٧١
باب صدقة الفطر
ووجوبُ الفطرة يتعلّقُ بطلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، فمَن
مات قبل ذلك : لم تجب فطرتُه.
ونحو ثلثي ثُمُنِيَّة، فهو تقريباً ربع مُدِّ ممسوح من غير تكويم.
ولا يخالف ذلك ما مرَّ؛ لأن المُدَّ في زماننا أكبر من المُدِّ
السابق، وهذا على تقدير الصاع بالماش، أو العدس، أما على
تقديره بالحنطة، أو الشعير - وهو الأحوط -: فيزيد نصفُ الصاع
على ذلك، فالأحوط إخراج ربع مُدٌّ شامي على التمام من الحنطة
الجيدة. اهـ
أقول(١): والآن - وهي سنة إحدى وستين بعد المائتين - قد زاد
المدُّ الشامي عما كان في أيام شيخنا؛ لأنه بعد ذهاب الدولة المصرية
من البلاد الشامية التي أبطلت المدَّ الشامي، واستعملت الربع
المصري، جعلوا كلّ ربعين مُدّاً، وقد ذكر الطحطاويُّ أن بعض
مشايخه قدَّر نصفَ الصاع بثلث الربع، وعليه فالمُدُّ الشامي الآن
يكفي عن ستة، والله أعلم.
* (ووجوبُ الفطرة يتعلق بطلوع الفجر الثاني من يوم الفطر،
فمَن مات)، أو افتقر (قبل ذلك): أي طلوع الفجر: (لم تجب فطرته،
اللباب، و((الثُّمُنِية)): من الثُّمُن، وهي وحدةٌ كيلية كانت معروفة في زمانهم، وقد
بحثتُ عنها كثيراً، وسألتُ، فلم أظفر ببيان قدرها.
(١) القائل هو المصنّف الميداني صاحب اللباب رحمه الله تعالى.

٣٧٢
باب صدقة الفطر
ومَن أسلم، أو وُلد بعد طلوع الفجر: لم تجب فطرتُه.
ويُستحب للناس أن يُخرِجوا الفطرةَ يوم الفطر قبل الخروج إلى
المصلّى.
فإن قدَّموها قبل يوم الفطر : جاز.
وإن أخَّروها عن يوم الفطر : لم تسقط، وكان
و) كذا (مَن أسلم، أو وُلد)، أو اغتنى (بعد طلوع الفجر: لم تجب
فطرته)؛ لعدم وجود السبب في كلّ منهما.
* (ويُستحب للناس أن يُخرجوا الفطرةَ يوم الفطر قبل الخروج
إلى المصلَّى)؛ ليتفرغ بال المسكين (١) للصلاة.
* (فإن قدَّموها): أي الفطرة (قبل يوم الفطر: جاز)، ولو قبل
دخول رمضان، كما في عامة المتون والشروح، وصحَّحه غيرُ واحد،
ورجَّحه في ((النهر))، ونَقَل عن الولوالجي أنه ظاهر الرواية.
* (وإن أخَّروها عن يوم الفطر(١): لم تسقط) عنهم، (وكان)
(١) ويُذكَّر هنا أن مصارف صدقة الفطر كمصارف الزكاة. ينظر ابن عابدين
١٧٢/٦.
(٢) ويكره التأخير تنزيهاً، لا تحريماً. ابن عابدين ١٦٨/٦، ويذكَّر هنا بما رواه
جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((صوم شهر رمضان معلّق بين السماء والأرض، ولا يُرفع إلا بزكاة الفطر))، رواه أبو
حفص ابنُ شاهين - عمر بن أحمد البغدادي، ت ٣٨٥ هـ ـ في فضائل رمضان،
وقال: حديث غريب جيد الإسناد، كما في الترغيب والترهيب للمنذري ١٥٢/٢.

٣٧٣
باب صدقة الفطر
عليهم إخراجُها .
واجباً (عليهم إخراجُها)؛ لأنها قُربةً مالية معقولة المعنى، فلا تسقط
بعد الوجوب إلا بالأداء، كالزكاة.

٣٧٤
كتاب الصوم
كتاب الصوم
الصومُ ضربان : واجبٌ، ونفلٌ.
كتاب الصوم
عقّب الزكاةَ بالصوم اقتداء بالحديث، كما مرَّ(١)
.
* (الصومٌ) لغةً: الإمساكُ مطلقاً، وشرعاً: الإمساكُ عن
المُفَطِّرات حقيقة، أو حُكماً(٢)، في وقت مخصوص، بنيةٍ من أهلها.
[أقسام الصوم : ]
* وهو (ضربان: واجبٌ، ونفلٌ).
قد يُطلق الواجب ويُراد به ما يقابل النفلَ، كما هنا، وقد يُطلَق
ويراد به ما يقابل الفرضَ والنفلَ معاً، فيكون واسطةً بينهما، كما يأتي
في قوله(٣): ((صوم رمضان فريضةً، وصوم المنذور واجبٌ)).
(١) أي في فاتحة كتاب الزكاة ص ٣١٦.
(٢) حكماً: أي كمن أكل أو شرب ناسياً، فإنه ممسكٌ حكماً، لحكم الشارع
بعدم اعتبار ذلك من المفطرات. ينظر ابن عابدين ١٨١/٦، وسيأتي مثله قريباً في
كلام الشارح.
(٣) لعله أراد قول صاحب الهداية، إذ هذا النص: ((صوم رمضان فريضة ... )):
منقول عنها باختصار. ينظر الهداية ١١٨/١، ومع شروحها ٢٣٣/٢، وكأن الميداني
نقل هذا النص عن أحد شروح الهداية، لكن لم أقف عليه.

٣٧٥
كتاب الصوم
فالواجب ضربان : منه ما يتعلَّقُ بزمانٍ بعَيْنه، كصوم رمضان،
والنذرِ المعيَّن، فيجوز صومُهُ بنيَّةٍ من الليل.
فإن لم ينوٍ حتى أصبح : أجزأتْه النيةُ ما بينه وبين الزوال.
والضربُ الثاني : ما يثبت في الذمة،
* (فالواجب ضربان: منه ما يتعلّق بزمانٍ بعينه)، وذلك (كصوم
رمضان، والنذرِ المعيَّن) زمانُه، (فيجوز صومُه بنيةٍ من الليل)، وهو
الأفضل، فلا تصح قبل الغروب، ولا عنده.
* (فإن لم ينوِ حتى أصبح: أجزأته النية ما بينه): أي الفجر،
(وبين الزوال)، وفي ((الجامع الصغير)): قبل نصف النهار، وهو
الأصح؛ لأنه لا بدَّ من وجود النية في أكثر النهار.
ونصفُه من وقت طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى(١)، لا
إلى وقت الزوال (٢)، فتُشترط النية قبلها، لتتحقّق في الأكثر.
ولا فرق بين المسافر والمقيم، خلافاً لزفر. ((هداية)).
* (والضربُ الثاني: ما يَثبت في الذمة) من غير تقييدٍ بزمان،
(١) ((النهار الشرعي هو من طلوع الفجر إلى الغروب، ونصف النهار من طلوع
الفجر إلى الضحوة الكبرى)). اهـ من البناية ٢٥٤/٤، وينظر لتحديد منتصف النهار
بساعاتنا اليوم، فيما تقدم عند الكلام عن أوقات الصلاة المنهي عنها ص ١٩٧، وهي
قبل الزوال أي الظهر بنحو خمسين دقيقة.
(٢) قوله: ((لا إلى وقت الزوال)): مثبتٌ في الهداية، والنقل عنها.

٣٧٦
كتاب الصوم
كقضاء رمضان، والنذرِ المطلَق، والكفارات، فلا يجوز صومُه إلا
بنَّةٍ من الليل .
والنفلُ كلُّه يجوز بنيَّةٍ قبل الزوال.
وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من
شعبان، فإن رأَوْه : صاموا.
وإن غُمَّ عليهم : أكملوا عِدَّةَ شعبان ثلاثينَ
وذلك (كقضاء رمضان)، وما أفسده من نفلٍ، (والنذرِ المطلق، و)
صومٍ (الكفارات، فلا يجوز صومُه إلا بنيةٍ) معيَّنة (من الليل)؛ لعدم
تعيين الوقت، والشرطُ: أن يَعلَم بقلبه أيَّ صومٍ يصومه.
* ثم رمضان يتأدَّى بمطلَق النية، وبنية النفل، وواجبٍ آخر.
* (والنفلُ كلُّه) - مستحبُّه ومكروهُه - (يجوز بنيةٍ قبل الزوال):
أي قبل نصف النهار، كما مرَّ.
[التماس هلال رمضان : ]
* (وينبغي للناس): أي يجب (١). ((جوهرة))، (أن يلتمسوا الهلال
في اليوم التاسع والعشرين من شعبان)، وكذا هلالَ شعبان؛ لأجل
إكمال العدّة.
: (فإن رأَوْه: صاموا، وإن غُمَّ عليهم: أكملوا عِدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ
(١) وجوب كفاية، فتح القدير ٢٤٢/٢.

٣٧٧
كتاب الصوم
يوماً، ثم صاموا.
ومَن رأى هلالَ رمضان وحدَه: صام وإن لم يَقبَلِ الإمامُ شهادتَه.
وإذا كان في السماء عِلَّةٌ : قَبِلَ الإمامُ شهادةَ الواحدِ العَدْلِ في
رؤية الهلال، رجلاً كان أو امرأةً، حرَّاً كان أو عبداً.
يوماً، ثم صاموا)؛ لأن الأصل بقاء الشهر، فلا يُنتقل عنه إلا بدليلٍ،
ولم يوجد.
* (ومَن رأىُ هلالَ رمضان وحدَه: صام وإن لم يَقبل الإمامُ
شهادتَه)؛ لأنه متعبَّدٌ بما عَلمه، وإن أفطر: فعليه القضاء، دون
الكفارة؛ لشبهة الردِّ.
* (وإذا كان في السماء عِلَّةٌ): من غَيْمٍ أو غبارٍ ونحوه: (قَبِلَ
الإمامُ شهادةَ الواحدِ العَدْلِ)، وهو الذي غَلَبتْ حسناتُه سيئاته.
* والمستورِ(١)، في الصحيح، كما في ((التجنيس))، و((البزازية))،
قال الكمال: وبه أَخَذَ شمسُ الأئمة الحَلواني.
(في رؤية الهلال، رجلاً كان أو امرأة، حرًّاً كان أو عبداً)؛ لأنه
أمرٌ ديني، فأشبه روايةَ الأخبار؛ ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة.
* وتُشترط العدالة؛ لأن قول الفاسق في الديانات غيرُ مقبول.
(١) أي وقَبِل الإمام شهادةَ المستور أيضاً، والمستورُ هو: العدل في الظاهر، غير
معروف العدالة في الباطن، أما العدل: فهو معروف العدالة ظاهراً وباطناً. ينظر البناية
٦٢٥/٣.

٣٧٨
كتاب الصوم
فإن لم يكن في السماء عِلّة: لم تُقبَلِ الشهادةُ حتى يراه جَمْعٌ
کثیرٌ، يقعُ العلمُ بخبرهم.
وتأويل قول الطحاوي: ((عدلاً، أو غير عدل)): أن يكون مستوراً.
* وفي إطلاق جواب ((الكتاب)) (١): يدخل المحدودُ في القذف
بعد ما تاب، وهو ظاهر الرواية؛ لأنه خبرٌ ديني.
وعن أبي حنيفة: أنه لا تُقبل؛ لأنها شهادة من وجه. اهـ ((هداية)).
* (فإن لم يكن في السماء عِلَّةٌ: لم تُقبل الشهادة حتى
يراه)، ويشهدَ به (جَمْعٌ كثيرٌ يقع العلمُ) الشرعيُّ، وهو غلبة الظن
(بخبرهم)؛ لأن المَطْلَعَ مَّحدٌ في ذلك المحل، والموانعَ منتفيةٌ،
والأبصارَ سليمة، والهِمَمَ في طلب الهلال مستقيمةٌ، فالتفرُّدُ بالرؤية
من بين الجَمِّ الغفير - مع ذلك -: ظاهرٌ في غَلَط الرأي.
* قال في ((التصحيح)): لم يُقدَّر الجمعُ الكثيرُ في ظاهر الرواية،
واختلف فيه:
قال بعضُهم: ذلك مفوَّضٌ إلى رأي الإمام، والقاضي.
وفي ((زاد الفقهاء)) للإسبيجابي: الصحيح أن يكونوا من نواحٍ
شتی. اهـ
(١) أي قول القدوري في مختصره: ((قَبِل الإمام شهادة الواحد العدل))، ينظر
العناية ٢٥٠/٢، وينظر البناية ٢٧١/٤ (ط باكستان).

٣٧٩
كتاب الصوم
ووقتُ الصوم : من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
والصومُ هو : الإمساكُ عن الأكلِ، والشربِ، والجِماعِ نهاراً، مع النية.
وذكر الشرنبلاليّ وغيرُه تَبَعاً ((للمواهب)): أن الأصح رواية:
تفويضُه إلى رأي الإمام.
وروى الحسنُ بن زياد عن أبي حنيفة: أنه تُقبل فيه شهادة
رجلين، أو رجلٍ وامرأتين وإن لم يكن في السماء علة.
قال في ((البحر)): ولم أرَ مَن رجَّح هذه الرواية، وينبغي العمل
عليها في زماننا؛ لأن الناس تكاسلوا عن ترائي الأهلة، فكان التفرُّد
غيرَ ظاهرٍ في غلط. اهـ
* (ووقتُ الصوم من حين طلوع الفجر الثاني)، الذي يقال له
الصادق، (إلى غروب الشمس)؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَّبَيَّنَ
لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اٌلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾(١)، إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَتِّقُواْ
الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾، والخَيْطان: بياضُ النهار، وسوادُ الليل.
[تعريف الصوم شرعاً : ]
* (والصومُ) شرعاً: (هو الإمساك) حقيقةً أو حكماً (عن)
المُفْطُّرات: (الأكلِ، والشربِ، والجماعِ، نهاراً، مع النية) من أهلها،
ےے
كما مرَّ.
(١) البقرة / ١٨٧.

٣٨٠
كتاب الصوم
فإن أكل الصائمُ، أو شربَ، أو جامَعَ ناسياً: لم يُفْطِر، ولا قضاء
عليه، ولا كفارة.
فإن ظنَّ ذلك يُفسِدُ صومَه، فأكل بعد ذلك متعمِّداً: فعليه
القضاءُ، ولا كفارةَ عليه.
وإن نام فاحتلم، أو نَظَرَ إلى امرأةٍ فأنزل، أو ادَّهن، أو احتجم،
أو اکتحل،
[ما لايُفطر : ]
* (فإن أكل الصائم، أو شرب، أو جامع ناسياً: لم يُفْطِر، ولا
قضاء عليه، ولا كفارة)؛ لأنه ممسكٌ حُكْماً؛ لأن الشارع أضاف
الفعل إلى الله تعالى، حيث قال للذي أكل وشرب: (تِمَّ على
صومك، فإنما أطعمك الله وسقاك))(١)، فيكون الفعل معه معدوماً من
العبد، فلا ينعدم الإمساك.
* (فإن ظنَّ(٢) ذلك يُفسد صومه، فأكل بعد ذلك متعمِّداً: فعليه
القضاء، ولا كفارة علیه.
* وإن نام فاحتلم، أو نَظَرَ إلى امرأةٍ)، أو تفكّر بها - وإن
أدامهما - (فأنزل، أو ادَّهن، أو احتَجم، أو اكتَحل) - وإن وجد طعمَه
(١) صحيح البخاري ١٥٥/٤ (١٩٣٣)، صحيح مسلم ٨٠٩/٢ (١١٥٥)،
بلفظ: ((من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليُتَمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه))،
وينظر لألفاظه ورواياته: نصب الراية ٤٤٥/٢.
(٢) هذه المسألة: ((فإن ظنَّ ... )): مثبتة في القدوري: (٨٩٢ هـ، ١٣٠٩ هـ).