النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
باب المسح على الخُفَّيْن
الجوربين إذا كانا فَخِينَيْن لا يَشِفَّان الماءَ .
ولا يجوز المسحُ على العِمامة، والقَلَتْسُوةِ، والبُرقعِ،
الجوربَيْن)، سواء كانا مجلّدَيْن أو منعَّلَيْن، أوْ لا، (إذا كانا ثخينَيْن)،
بحيث يستمسكان على الرِّجل من غير شدِّ، و(لا يَشِفَّان الماءَ) إذا
مَسَح عليهما: أي لا يجذبانه، ويُنفذانه إلى القدمين، وهو تأكيدٌ
للثخانة.
قال في ((التصحيح)): وعنه: أنه رجع إلى قولهما، وعليه الفتوى.
((هداية)). اهـ
وحاصله، كما في ((شرح الجامع))، لقاضيخان، ونصُّه:
ولو مسح على الجوربَيْن، بأن كانا ثخينَيْن منعَّلَيْن: جاز بالاتفاق.
وإن لم يكونا ثخينَيْن منعَّلَيْن: لا يجوز بالاتفاق.
وإن كانا ثخينَيْن غير منعَّلَيْن: لا يجوز في قول الإمام، خلافاً
لصاحبيه، وروي أن الإمام رجع إلى قولهما في المرض الذي
مات فیه. اهـ
[عدم جواز المسح على العمامة :]
* (ولا يجوز المسح على العِمامة، والقَلَنْسُوة): بفتح القاف،
وضم السين، وهي في الأصل: ما يجعله الأعاجم على رؤوسهم،
أكبر من الكُوفيَّة، ثم أُطلق على ما تُدار عليه العمامة، (والبُرقع): ما

٨٢
باب المسح على الخُفَّيْن
والقُفَّازَيْنِ.
ويجوز المسحُ على الجبائر وإن شَدَّها على غير وضوء.
فإن سقطت عن غير بُرءٍ : لم يبطل المسحُ.
تجعله المرأة على وجهها، (والقُفَّازينِ): تثنيةُ: قُفَّاز- كمُكَّاز -: ما
يُجعل على اليدين، له أزرارٌ تُزَرُّ على الذراعَيْن، يُلبسان من شدة
البرد، ويتخذه الصيَّد من جلدٍ أو لُبَد، يغطي به الكفَّ والأصابع؛
اتقاءً مخالب الصقر.
وذلك لأن المسح على الخف ثبت بخلاف القياس، فلا يُلحَق به
غيره.
[المسح على الجبيرة :]
(ويجوز المسح على الجبائر): جمع: جبيرة، وهي: عيدانٌ تُلفُّ
بِخِرَقٍ، أو ورق، وتُربط على العضو المنكسر (وإن(١) شَدَّها على
غير وضوء)، أو جنباً؛ لأن في اشتراط الطهارة في تلك الحال حرجاً،
وهو مدفوع؛ ولأن غَسْل ما تحتها قد سقط، وانتقل إليها، بخلاف
الخف.
* (فإن سقطت عن غير بُرء: لم يبطل المسح)؛ لأن العذر قائم،
والمسحُ عليها كالغَسل لما تحتها ما دام العذر باقياً.
(١) (إن): هنا وصلية.

٨٣
باب المسح على الخُفَيْن
وإن سقطت عن بُرءٍ : بَطَلَ المسحُ.
* (وإن سقطت عن بُرء: بَطَلَ المسحُ)؛ لزوال العذر.
* وإن كان في الصلاة: استقبل؛ لأنه قَدَر على الأصل قبل
حصول المقصود بالبدل. ((هداية)).

٨٤
باب الحَيْض
باب الحَيْض
أقلُّ الحيضِ ثلاثةُ أيامٍ ولياِيْها.
باب الحيض
ءِ
* لما ذَكَرَ الأحداثَ التي يكثرُ وقوعُها، عقّبها بذكر ما يقلّ،
وعَنْونَ بالحيض؛ لكثرته وأصالته، وإلا فهي ثلاثة: حيضٌ، ونفاسٌ،
واستحاضة.
* فالحيض لغةً: السيلان، وشرعاً: دمٌ من رَحِمِ امرأةٍ سليمةٍ عن
داء.
ءِ
* (أقلّ الحيض: ثلاثة أيام، ولياليْها) الثلاث، فالإضافة لبيان
العدد المقدَّر بالساعات الفَلَكية (١)، لا للاختصاص؛ فلا يلزم كونها
ليالي تلك الأيام، فلو رأته في أول النهار، تُكمِّل كلّ يوم بالليلة
المستقبلة.
(١) ((وهي اثنتان وسبعون ساعة، والفلكية هي التي كلّ ساعة منها: خمس عشرة
درجة، وتسمى المعتدلة أيضاً، واحترز به عن الساعات اللغوية، ومعناها: الزمان
القليل، وعن الساعات الزمانية، التي كل ساعة منها جزء من اثني عشر جزءاً من
اليوم، الذي هو من طلوع الشمس إلى غروبها، فتارة تساوي الفلكية، وتارة تزيد،
وتارة تنقص، حسب أيام السنة)). اهـ ابن عابدين ٢٤٩/٢ باختصار.

٨٥
باب الحیض
وما نَقَصَ عن ذلك : فليس بحيضٍ، وهو استحاضةٌ.
وأكثرُ الحيضِ عشرة أيامٍ ولياليها، وما زاد على ذلك : فهو استحاضةٌ.
* (وما نَقَصَ عن ذلك: فليس بحيض، و) إنما (هو استحاضةٌ)؛
ءِ
لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أقلّ الحيض للجارية البكر والثيب:
ثلاثةُ أيامٍ ولياليها، وأكثره: عشرة أيام))(١).
وعن أبي يوسف: يومان، وأكثرُ الثالث؛ إقامةً للأكثر مقام الكل.
قلنا: هذا نقصٌ عن تقدير الشرع. ((هداية)).
* (وأكثرُ الحيض: عشرة أيام، و) عَشْرُ (لياليْها، وما زاد على
ذلك: فهو استحاضةً)؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به.
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ٢١٨/١، وبيَّن ضعفه، وأخرجه الطبراني في
الكبير والأوسط، كما في مجمع الزوائد ٢٨٠/١، وينظر نصب الراية ١٩١/١، وقد
وردت عدة أحاديث بذلك، من طرق عدة، بيَّن ضعفها الكمالُ ابن الهمام في فتح
القدير ١٤٣/١ ثم قال: ((فهذه عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، متعددة
الطرق، وذلك يرفع الضعيف إلى الحسن، والمقدَّرات الشرعية مما لا تُدرك بالرأي،
فالموقوف فيها: حكمُه الرفع، بل تسكن النفس بكثرة ما روي فيه عن الصحابة
والتابعين إلى أن المرفوع مما أجاد فيه ذلك الراوي الضعيف، وبالجملة فله أصل في
الشرع)». اهـ
وقال العيني في البناية ٦١٧/١: ((له طرق مختلفة كثيرة، وإن كان كل واحد
ضعيفاً، لكن يحدث عند الاجتماع، ما لا يحدث عند الانفراد، على أن بعض طرقها
صحيحة، ويقوِّي ذلك الآثار المنقولة عن الصحابة رضي الله عنهم في هذا الباب)).
اهـ باختصار.

٨٦
باب الحيض
وما تراه المرأةُ من الحُمرة، والصُّفْرةِ، والكُدْرةِ في أيام الحيض :
فهو حيضٌ حتى ترى البياضَ الخالص.
والحيضُ يُسقِطُ عن الحائض الصلاةَ، ويُحَرِّمُ عليها الصومَ.
وتَقضي الصومَ، ولا تقضي الصلاةَ.
* (وما تراه المرأة من الحُمرة)، والسوادِ إجماعاً، (والصُّفرة،
والكُدْرَةِ)، والتُّرْبِيَّةِ(١)، على الأصح (في أيام الحيض: فهو حيضٌ
حتى ترى البياضَ الخالص).
قيل: هو شيء يُشبِه المُخَاط، يخرج عند انتهاء الحيض.
وقيل: هو القُطْن الذي تختبر به المرأةُ نفسَها، إذا خرج أبيضَ:
فقد طَهُرت. (جوهرة)).
[سقوط الصلاة بالحيض : ]
* (والحيضُ يُسقط عن الحائض الصلاة)؛ لأن في قضائها
حَرَجاً؛ لتَضَاعُفِها.
[ما يحرم فعلُه على الحائض ونحوها : ]
: (ويُحَرِّمُ عليها الصومَ)؛ لأنه ينافيه، ولا يُسقطه؛ لعدم الحرج
في قضائه، ولذا قال: (وتَقضي) أي الحائضُ والنفساء (الصومَ، ولا
و
تقضي الصلاة.
(١) الكُدرة: لون الماء الكَدِر، والتُّربَيَّة: نوع من الكدرة، على لون التراب،
بتشديد الياء وتخفيفها. ابن عابدين ٢/ ٢٦٢.

٨٧
باب الحيض
ولا تدخلُ المسجدَ، ولا تطوفُ بالبيت، ولا يأتيها زوجُها .
ولا يجوز لحائضٍ، ولا جُنُبٍ قراءةُ القرآن.
ولا يجوز لمُحْدِثٍ مسُّ المصحف إلا أن يأخذه بغلافه.
* ولا تدخل) الحائضُ، وكذا النفساء، والجنبُ (المسجدَ، ولا
تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجُها)؛ لحرمة ذلك كله.
* (ولا يجوز لحائضٍ)، ولا نفساءَ، (ولا جُنُبِ قراءة القرآن).
وهو بإطلاقه يعمُّ الآيةَ وما دونها، وقال الطحاوي: يجوز لهم ما
دون الآية، والأول أصح، قالوا: إلا أن لا يقصد بما دون الآية
القراءةَ، مثل أن يقول: الحمد لله: يريد الشكر، أو: بسم الله: عند
الأكل أو غيره، فإنه لا بأس به؛ لأنهما لا يمنعان من ذكر الله.
(جوهرة)).
* (و) كذا (لا يجوز) لهم، ولا (المُحدِثِ مسُّ المصحف)، ولا
حَمْلُه، (إلا أن يأخذه بغِلافه) المتجافي، كالجِرَاب(١) والخَرِيطة(٢)،
بخلاف المتصل به، كالجلد المشرَّز(٢)، هو الصحيح.
(١) الجراب: بالكسر: الوعاء، وقيل: هو وعاء من إهاب الشاء، لا يوعى فيه إلا
يابس. تاج العروس (جرب).
(٢) الخريطة: شبه كيس، يُشرَج من أديم وخِرَق، والجمع: خرائط. المصباح
المنير (خرط).
(٣) المشدود بعضه إلى بعض، المضموم طرفاه. تاج العروس. (شرز).

٨٨
باب الحيض
وإذا انقطع دمُ الحيض لأقلّ من عشرة أيام: لم يَجُز وطؤها حتى
تغتسلَ،
وكذا لا يجوز له وَضْع الأصابع على الورق المكتوب فيه؛ لأنه
تَبَعٌ له، وكذا مسُّ شيء مكتوبٍ فيه شيء من القرآن، من لوحٍ، أو
درهم، أو غير ذلك، إذا كان آيةً تامة، إلا بصُرَّته.
وأما كتب التفسير: فلا يجوز له مسُّ موضع القرآن منها، وله أن
يمسَّ غيرَه، بخلاف المصحف؛ لأن جميع ذلك تَبَعٌ له، والكل من
((الجوهرة)).
* (وإذا انقطع دمُ الحيض لأقلّ من عشرة أيام)، ولو لتمام
عادتها: (لم يَجُز): أي لم يحلّ (وطؤها حتى تغتسلَ)، أو تتيمَّم
بشرطه وإن لم تُصَلُّ به (١)، في الأصح (٢). ((جوهرة).
(١) أي وإن لم تصلُّ بهذا التيمم.
(٢) قوله: ((في الأصح)). جوهرة)): لم أجده بهذه الصياغة في طبعتَيْ الجوهرة
٣٦/١، ٤٠/١ (ط بهامشها اللباب)، بل فيها نصان، أحدهما يفيد أن للزوج قربانها
وإن لم تصلُّ بهذا التيمم، نقلاً عن النهاية، والثاني: ليس له حتى تصلي بهذا التيمم،
نقلاً عن شرح الخُجندي.
وأما كتب المذهب، فقد نقل الإسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي (مخطوط
٣١/١) الإجماع في المذهب على أن له قربانها وإن لم تصلٌّ، ونقل قوله هذا صاحب
النهر الفائق ١٣٥/١، والبحر الرائق ٢١٤/١، وعلى عدم اشتراط الصلاة، جرى
الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق ٥٩/١ نقلاً عن التجنيس.

٨٩
باب الحیض
أو يمضيَ عليها وقتُ صلاةٍ كامل.
فإن انقطع دمُها لعشرة أيام : جاز وطؤها قبل الغُسل.
(أو يمضيَ عليها وقتُ صلاةٍ كامل)، بأن تجد من الوقت زمناً
يسع الغُسلَ، ولُبْسَ الثياب، والتحريمةَ، وخَرَجَ الوقت ولم تصلَ؛
31
لأن الصلاة صارت دَيْناً في ذِمتها، فطَهُرت حُكماً.
* ولو انقطع الدم لدون عادتها فوق الثلاث: لم يَقْرَبْها، حتى
تمضيَ عادتُها وإن اغتسلت؛ لأن العود في العادة غالبٌ، فكان
الاحتياط في الاجتناب. ((هداية)).
: (فإن انقطع دمها لعشرة أيام: جاز وطؤها قبل الغُسْل)؛ لأن
الحيض لا مزيد له على العشرة، إلا أنه لا يُستحب قبل الغُسل؛
لكن صاحب البحر الرائق لم يرتض هذا، ونقل عن السرخسي في المبسوط أن
الإجماع عن أئمة المذهب هو اشتراط الصلاة، وأنه الأصح، وعلى هذا جرى
الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح ص ١١٧، وابن عابدين في حاشيته
٢٨٠/٢.
وهكذا، فالخلاف في التصحيح بين أئمة المذهب حاصل، والشارح هنا يصرِّح
بعدم الاشتراط، وشيخُه ابن عابدين وغيره يصرحون بالاشتراط.
قال ابن عابدين ٢٨٠/٢: ((ولعل وجه شرطهم الصلاة به: هو أن من شروط
التيمم: عدم الحيض، فإذا صلَّت به، وحكم الشرع بصحة صلاتها، يكون حكماً
بصحة تيممها، وبأنها تخرج به من الحيض)). اهـ، وتمامه فيها.

٩٠
باب الحيض
والطُّهْرُ إذا تخلَّل بين الدمَيْن في مدة الحيض : فهو كالدم
الجاري.
للنهي في القراءة بالتشديد (١). (هداية)).
(والطَّهْر إذا تخلَّل بين الدمَيْن في مدة الحيض: فهو كالدم
الجاري) المتوالي(٢)، وهذا إحدى الروايات عن أبي حنيفة، ووجهه:
أن استيعاب الدم مدة الحيض، ليس بشرط بالإجماع؛ فيعتبر أوله
وآخره، كالنصاب في الزكاة.
وعن أبي يوسف - وهو رواية عن أبي حنيفة، وقيل: هو آخر
أقواله -: أن الطهر إذا كان أقلّ من خمسة عشر يوماً: لا يَفْصل(٣)،
(١) أي في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَطْهُرْنَ﴾ البقرة / ٢٢٢، ففي قوله
تعالى: ﴿يَطْهُرْنَ﴾: قراءتان متواترتان: بالتخفيف : بسكون الطاء، وضم الهاء،
وبالتشديد: بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، ينظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
٨٨/٣، والنشر في القراءات العشر ٢٢٧/٢.
(٢) فلو رأت معتادةٌ الدمَ أول يوم من عادتها، ثم طهرت ثمانية أيام، ثم رأت
العاشر دماً، وعادتها عشرة: فهذه الأيام الثمانية تعتبر حيضاً. ينظر الجوهرة ١ / ٣٧.
(٣) أي لا يفصل بين الدمين، بل يجعل كالدم المتوالي، ومقتضى هذا القول:
جواز افتتاح الحيض واختتامه بالطهر، بشرط إحاطة الدم لطرفي الطهر المتخلل، فلو
رأت المعتادة قبل عادتها يوماً دماً، وعشرة ظهراً، ويوماً دماً، فالعشرة التي لم تر فيها
الدم: حيض إن كانت عادتها عشرة أيام، وإلا رُدَّت إلى أيام عادتها.
وعلى الرواية الأولى: لا يجوز بداءة الحيض، ولا ختمه بالطهر، وينظر لتفصيل
ذلك، والاطلاع على أمثلة عديدة مفترضة لذلك: فتح القدير مع الهداية ١٥٣/١،
وينظر معه العناية والكفاية، وحاشية ابن عابدين ٢٦٤/٢.

٩١
باب الحيض
وأقلُّ الظُّهر خمسةَ عشر يوماً، ولا غايةً لأكثره.
ودمُ الاستحاضة : هو ما تراه المرأةُ أقلّ من ثلاثة أيام، أو أكثرَ من
عشرة أيام :
وهو كله كالدم المتوالي؛ لأنه طُهْرٌ فاسد؛ فيكون بمنزلة الدم،
والأخذ بهذا القول أيسر. ((هداية)).
قال في ((السراج)): وكثيرٌ من المتأخرين أفتَوْا به؛ لأنه أسهل على
المفتي، والمستفتي(١)، وفي ((الفتح)): وهو الأولىُ.
: (وأقلّ الطّهر) الفاصل بين الحيضتين، أو النفاس والحيض:
Eb
ءِ
(خمسةَ عشر يوماً)، وخمسَ عشرة ليلة.
وأما الفاصلُ بين النفاسَيْن: فهو نصف حول، فلو كان أقلّ من
13
ذلك: كانا توأمين، والنفاسُ من الأول فقط.
* (ولا غايةَ لأكثره) وإن استغرق العُمُرُ. قُهُسْتاني.
[أحكام المستحاضة :]
* (ودمُ الاستحاضة)، و(هو: ما تراه المرأة أقلّ من ثلاثة أيام، أو
أكثرَ من عشرة أيامٍ) في الحيض، أو أكثرَ من أربعين في النفاس، وكذا
ما زاد على العادة وجاوز أكثرَهما، كما يأتي بعده.
وما تراه صغيرةٌ، وحاملٌ، وآيسةٌ مخالفاً لعادتها قبل الإياس:
(١) لأن في الرواية الأولى تفاصيل يشق ضبطها. العناية ١٥٣/١ مع فتح القدير.

٩٢
باب الحیض
فحُكْمه حكم الرُّعاف، لا يَمنعُ الصومَ، ولا الصلاةَ، ولا الوطء.
وإذا زاد الدمُ على عشرة أيام، وللمرأة عادةً معروفةٌ: رُدَّت إلى
أيام عادتها، وما زاد على ذلك : فهو استحاضةٌ.
وإنِ ابتدأت مع البلوغ مستحاضةً :
(فحُكْمه حكم الرُّعاف) الدائم، (لا يمنع الصومَ، ولا الصلاةَ، ولا
الوطء)؛ لحديث: ((توضَّئَي وصلَّي وإن قَطَر الدمُ على الحصير))(١).
* وإذا عُرف حكم الصلاة: عُرف حكم الصوم، والوطء
بالأَوْلى؛ لأن الصلاة أحوج إلى الطهارة.
* (وإذا زاد الدمُ على عشرة أيام، وللمرأة عادة معروفةٌ: رُدَّت
إلى أيام عادتها) المعروفة، (وما زاد على ذلك: فهو استحاضةٌ)،
فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة.
* قيَّد بـ: الزيادة على العشرة؛ لأنه إذا لم يتجاوز العشرة: يكون
المرئيُّ كله حيضاً، وتنتقل العادة إليه.
* (وإن ابتدأت) المرأةُ (مع البلوغ مستحاضةً)، واستمرَّ بها الدمُ:
(١) أصل الحديث في صحيح البخاري ٤٠٩/١ (٣٠٦)، وبهذا اللفظ عند ابن
ماجه ٢٠٤/١ (٦٢٤)، سنن الدار قطني ٢١٣/١، سنن البيهقي ٣٤٤/١، مسند أحمد
٤٢/٦، وقد قوَّى الحديث ابنُ التركماني في الجوهر النقي، وله شواهد عدة، ينظر
نصب الراية ١/ ٢٠٠، الدراية لابن حجر ٨٨/١، التلخيص الحبير ١٦٧/١.

٩٣
باب الحيض
فحيضُها عشرةُ أيامٍ من كل شهر، والباقي استحاضةٌ.
(فحيضُها عشرة أيامٍ من كل شهر)، من أول ما رأت، (والباقي): أي
عشرون يوماً (استحاضةٌ)، وهكذا دأبها: عشرةٌ حيضٌ، وعشرون
استحاضةٌ، وأربعون نفاسٌ، حتى تطهر، أو تموت.
قال السرخسي في ((المبسوط)): المبتَدَأة: حيضُها من أول ما رأت:
عشرة، وطُهْرُها: عشرون، إلى أن تموت، أو تطهر. اهـ، ومثله في
عامة المعتبرات، ونَقَلَ العلامة نوح أفندي الاتفاقَ عليه؛ فما نَقَله
الشرنبلالي في ((شرح مختصره)»(١): خلافُ الصحيح، فتنبّه.
وإن كانت الممتدةُ الدمَ معتادةً: رُدَّت لعادتها: حيضاً وطهراً،
إلا إذا كانت عادتُها في الطهر ستةَ أشهر، فأكثر: فتُردُّ إلى ستة أشهر
إلا ساعة؛ فرقاً بين الطهر والحبَل.
وإن نسيتْ عادتَها: فهي المُحَيَّرةُ، والكلامُ عليها مستوفى في
المطولات، وقد استوفينا الكلامَ عليها في رسالتنا في الدماء، المسماة
بـ: ((المَطالبُ المستطابةُ في الحيض والنفاس والاستحاضة))، فمن رام
استيفاءَ الكلام، وشفاءَ الأُوام(٢)، فعليه بها، فإنها وافيةٌ بالمَرام.
(١) من أن طهرها يقدر بخمسة عشر يوماً، كما في إمداد الفتاح ص ١٣٩،
ومراقي الفلاح ص ١١٢ (مع الطحطاوي)، وقد نبَّه إلى هذا ابن عابدين في حاشيته
٢٥٤/٢ (ط دمشق).
(٢) الأُوام: كغُراب: العطش، أو: حرُّه. القاموس المحيط (أوم).

٩٤
باب الحيض
والمستحاضةُ، ومَن به سَلَسُ البولِ، والرُّعافُ الدائمُ، والجُرْحُ
الذي لا يرقأ: يتوضؤون لوقت كل صلاة، فيصلّون بذلك الوضوء في
الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافلٍ .
فإذا خرج الوقتُ: بَطَلَ وضوءُهم، وكان عليهم استئنافُ الوضوءِ
لصلاة أخرى.
* (والمستحاضةُ ومَن) بمعناها، كمَن (به سَلَسُ البول، والرُّعافُ
الدائم، والجُرْحُ الذي لا يَرقأ) دمُه: أي لا يسكن، واستطلاقُ البطن،
وانفلاتُ الريح، ودَمْعُ العين إذا كان يَخرج عن علة، وكذا كلّ ما
يخرج عن علة، ولو من أُذنٍ أو ثدي أو سُرَّة: (يتوضؤون لوقت كل
صلاة) مفروضةٍ، حتى لو توضأ المعذورُ لصلاة العيد: له أن يصليَ
الظهرَ به عندهما (١)، وهو الصحيح. ((هداية)).
* (فيصلَّون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض)
والواجبات، أداء وقضاء، (والنوافلِ.
فإذا خرج الوقت: بَطَلَ وضوءهم): أي ظهر الحدث السابق،
(وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى).
٩
ولا يَبطل وضوءهم قبل خروج الوقت، إلا إذا طرأ حدثٌ آخر
مخالفٌ لعذرهم.
(١) أي أبي حنيفة ومحمد، حيث جوَّزًا تقديمَ الوضوء على الوقت، وما قالا
بالانتقاض بالدخول. اهـ البناية ٦٨٦/١، وينظر تصحيح القدوري ص٥٧، الجوهرة ٣٩/١.

٩٥
باب الحيض
* وإنما قلنا: ظَهَرَ الحدث السابق؛ لأن خروج الوقت ليس
بناقضٍ، لكن لما كان الوقت مانعاً من ظهور الحدث؛ دفعاً للحرج،
فإذا خرج: زال المانع، فظهر الحدث السابق، حتى لو توضأ المعذور
على انقطاعٍ، ودام إلى خروج الوقت: لم يبطل؛ لعدم حدثٍ سابق.
* ثم يُشترط لثبوت العذر: أن يستوعبه العذر تمامَ وقت صلاةٍ
مفروضة، وذلك بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ ويصلي فيه
خالياً عن العذر، ولو بالاقتصار على المفروض.
وهذا شرطُ ثبوت العذر: في الابتداء، ويكفي في البقاء: وجودُه
في كل وقت، ولو مرة، وفي الزوال: يشترط استيعاب الانقطاع وقتاً
کاملاً، بأن لا يوجد في جزء منه أصلاً.
* تنبيه: لا يجب على المعذور غَسل الثوب ونحوه، إذا كان
بحالٍ لو غَسَله: تنجَّس قبل الفراغ من الصلاة.
* خاتمة: يجب ردُّ عُذْر المعذور إن كان يرتد، وتقليله بقدر
الإمکان إن کان لا يرتد.
قال في ((البحر)): ومتى قَدَرَ المعذور علىُ ردِّ السيلان برباط أو
حَشْو، أو كان لو جلس لا يسيل، ولو قام سال: وَجَب ردُّه، وخرج
عن أن يكون صاحبَ عذر.
ويجب عليه أن يصليَ جالساً بالإيماء إن كان يسيل بالميلان؛ لأن
تَرْك السجود: أهونُ من الصلاة مع الحدث. اهـ

٩٦
باب الحيض
والنِّفاسُ هو : الدمُ الخارجُ عَقِيبَ الولادة.
والدمُ الذي تراه الحاملُ، وما تراه المرأةُ في حال ولادتها قبل
خروج الولد : استحاضةٌ.
ءِ
وأقلّ النفاس : لا حدَّ له، وأكثرُه: أربعون يوماً،
[أحكام النفاس : ]
* (والنّفاسُ هو: الدمُ الخارج عَقِيبَ الولادة)، ولو بخروج أكثر
الولد، ولو متقطعاً عضواً عضواً.
(والدمُ الذي تراه) المرأةُ (الحاملُ، وما تراه المرأةُ في حال
ولادتها قبل خروج الولد)، أو أكثره: (استحاضةٌ)، فتتوضأ إن
قدرت، أو تتيمم، وتومئ بصلاةٍ، ولا تؤخِّر، فما عُذْرُ الصحيح
القادر؟. ((در)).
ءِ
: (وأقلّ النفاس: لا حدَّ له)؛ لأن تقدُّم الولد علامةَ الخروج من
الرحم، فأغنى عن امتدادٍ يُجعل عَلَماً عليه، بخلاف الحيض.
* (وأكثرُه: أربعون يوماً)؛ لحديث الترمذي (١)، وغيرِه.
(١) في سننه ٢٥٦/١ (١٣٩) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((كانت النُّفَساء
تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً)). قال الترمذي : هذا
حديث غريب. اهـ ورواه أبو داود في سننه ٣٠٢/١ (٣١٥)، وابن ماجه ٢١٣/١
(٦٤٨)، والحاكم في المستدرك ١٧٥/١، وحسَّنه النووي في المجموع ٥٢٥/٢،
وينظر لطرقه وشواهده: نصب الراية ٢٤/١، التلخيص الحبير ١٧١/١.

٩٧
باب الحیض
وما زاد على ذلك : فهو استحاضةٌ.
وإذا تجاوز الدمُ الأربعينَ، وقد كانت هذه المرأةُ ولدتْ قبلَ
ذلك، ولها عادةً معروفةٌ في النفاس: رُدَّت إلى أيام عادتها .
وإن لم تكن لها عادةً : فابتداء نفاسها أربعون يوماً.
ومَن وَلَدت ولدَيْن في بطنٍ واحد : فنفاسُها ما خرج من الدم
عَقِيب الولدِ الأولِ عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
: (وما زاد على ذلك: فهو استحاضةٌ) لو مبتدأةً.
* وأما المعتادة، فحكمها كما ذكره بقوله: (وإذا تجاوز الدمُ
الأربعين، وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك، ولها عادةً معروفة
في النفاس: رُدَّت إلى أيام عادتها)، فتقضي ما تركتْ من الصلاة بعد
العادة، كما مرَّ في الحيض.
* (وإن لم تكن لها عادة) معروفة: (فابتداء نفاسها أربعون يوماً)؛
لأنه ليس لها عادةٌ تُردُّ إليها، فأُخِذَ لها بالأكثر؛ لأنه المتيقّن.
* (ومن وَلَدت ولدَيْنٍ) أو أكثر، (في بطنٍ): أي حَمْلٍ (واحدٍ)،
وذلك بأن يكون بينهما أقلّ من ستة أشهر.
ولو ولدت أولاداً، بين كل ولدين أقلَّ من ستة أشهر، وبين
الأول والثالث أكثر: جَعَله بعضُهم من بطنٍ واحد، منهم أبو علي
الدقاق. قُهُسْتاني. قال في ((الدر)): وهو الأصح -: (فنفاسُها ما خرج
من الدم عَقِيب الولد الأول، عند أبي حنيفة وأبي يوسف)؛ لأنه ظهر

٩٨
باب الحیض
وقال محمدٌ وزفر : نفاسُها ما خرج من الدم عَقِيبَ الولدِ الثاني.
انفتاح الرحم، فكان المرئيُّ عَقِيبَه نفاساً.
ثم ما تراه عَقِيبَ الثاني: إن كان قبل الأربعين: فهو نفاسٌ للأول؛
لتمامها، واستحاضة بعدها؛ فتغتسل وتصلي، وهو الصحيح. (بحر))
عن ((النهاية)).
(وقال محمد وزفر) رحمهما الله: (نفاسُها ما خرج من الدم عَقِيبَ
الولد الثاني)؛ لأن حكم النفاس عندهما تعلّق بالولادة، كانقضاء
العدة، وهي بالأخير اتفاقاً.
قال في ((التصحيح)): والصحيح هو القول الأول، واعتمده الأئمةُ
المصحّحون.

٩٩
باب الأنجاس
باب الأنجاس
تطهيرُ النجاسة واجبٌ من بَدَن .
باب الأنجاس
لما فَرَغَ من بيان النجاسة الحُكمية، والطهارةِ عنها، شَرَع في
بيان الحقيقية، ومُزيلها، وتقسيمِها، ومقدارِ المعفوِّ عنه منها، وكيفية
تطهير محلُّها.
وقُدِّمت الأولى؛ لأنها أقوى؛ إذ بقاء القليل منها يمنع جواز
الصلاة بالاتفاق.
* والأنجاسُ: جَمْعُ: نَجِس، بكسر الجيم، كما ذكره تاج
الشريعة، لا جَمْعُ: نَجَس، بفتحتين، كما وَقَعَ لكثيرٍ؛ لأنه لا يُجْمَع.
قال في ((العُباب)): النجَس ضدُّ الطاهر، والنجاسة ضدُّ الطهارة،
وقد نَجُس ينجُّس، كسَمِع يسمَع، وكَرُمُ يَكُرُم.
وإذا قلتَ: رجلٌ نَجِس: بكسر الجيم: ثَّيتَ، وجَمَعتَ،
وبفتحها: لم تُثَنِّ، ولم تجمع، وتقول: رجلٌ، ورجلان، ورجالٌ،
وامرأةٌ، ونساءَ نجِسٌ. اهـ، وتمامه في ((شرح الهداية))، للعيني(١).
* (تطهيرُ النجاسة): أي مَحَلَّها (واجبٌ): أي لازمٌ، (من بَدَن
(١) البناية ٥٨٩/١ (ط باكستان).

١٠٠
باب الأنجاس
المصلِّي، وثوبِهِ، والمكانِ الذي يصلِّي عليه .
ويجوز تطهيرُ النجاسةِ بالماء المطلَق، وبكلَ مائعٍ طاهرٍ يمكن
إزالتها به، كالخَلِّ، وماءِ الورد، والماءِ المستعمَل.
وإذا أصابت الخُفَّ نجاسةٌ لها جِرٌْ،
المصلِي، وثوبِهِ، والمكانِ الذي يصلِّي عليه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَابَكَ
فَطَهِرْ﴾(١)، وإذا وجب تطهير الثوب: وجب في البدن، والمكان؛ لأن
الاستعمال في حالة الصلاة يشمل الكل.
[ما يجوز به تطهير النجاسة :]
* (ويجوز تطهيرُ النجاسة بالماء المطلَق، وبكلِّ مائعٍ): أي سائلٍ
(طاهرٍ) قالع للنجاسة، كما عبّر عنه بقوله: (يُمكن إزالتها به)، بأن
يَنْعصر بالعصر، وذلك (كالخَلِّ، وماء الورد، والماءِ المستعمَل)،
ونحوِ ذلك كالمستخرج من البُقُول؛ لأنه قالعٌ ومُزيلٌ، والطهورية:
بالقلع والإزالة للنجاسة المجاورة، فإذا انتهت أجزاء النجاسة: يبقى
طاهراً، بخلاف نحو لبنٍ، وزيتٍ؛ لأنه غير قالع.
(وإذا أصابت الخُفَّ) ونحوَه، كنَعْلٍ، (نجاسةٌ لها جرْمٌ):
بالكسر: الجسد، والمراد به كل ما يُرى بعد الجَفَاف، كالروث،
والعَذِرَة، والمنيِّ، ولو من غيرها(٢)، كخمرٍ، وبول أصابه ترابٌ، به
(١) المدثر / ٤.
(٢) أي ولو كان الجرم المرئي من غير النجاسة. ابن عابدين ٣٣٠/٢(ط دمشق).