النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الطهارة
كلّ ما خَرَجَ من السبيلين .
والدمُ، والقيحُ والصديدُ إذا خرج من البدن، فتجاوَزَ إلى موضعٍ
يَلحقُهُ حُكمُ التطهير.
المقصود بها:
١- (كلُّ ما) أي: شيء (خَرَجَ من السبيلين) أي: مَسْلَكَيْ البول
والغائط، أعم من أن يكون معتاداً أوْ لا، نجساً أوْ لا، إلا ريح القُبُل؛
لأنه اختلاجٌ، لا ریح.
والمراد بالخروج من السبيلين: مجردُ الظهور؛ لأن ذلك الموضع
ليس بموضع النجاسة، فيُستدل بالظهور على الانتقال، بخلاف
الخروج في غيرهما، فإنه مقيّدٌ بالسيلان، كما صرح به بقوله:
٢ - (والدمُ.
٣ - والقيحُ)، وهو: دمٌ نَضَجَ حتى ابيضَّ وخَثَر.
٤ - (والصديدُ)، وهو: قيحٌ ازداد نُضجاً حتى رقَّ، (إذا خرج من
البدن، فتجاوز) عن موضعه (إلى موضعٍ يَلحقُه حُكْمُ التطهير(١))؛ لأنه
بزوال القشرة: تظهر النجاسة في محلها، فتكون باديةً، لا خارجة.
ثم المعتبر هو: قوة السيلان، وهو: أن يكون الخارج بحيث
(١) فلا ينقض دمٌ سال في داخل العين إلى جانب آخر منها؛ لأنه لا يلزم تطهير
ذلك الموضع. ينظر مراقي الفلاح ص ١٦.

٢٢
كتاب الطهارة
يتحقق فيه قوة أن يسيل بنفسه عن المخرج إن لم يمنع منه مانع، سواء
وُجد السيلان بالفعل، أو لم يوجد، كما إذا مسحه بخرقة كما (١)
خرج، ثم، وثم ... .
* قيَّد بـ: ((الدم، والقيح))؛ احترازاً من سقوط لحم من غير
سيلانِ دم، كالعِرْق المَدَنَيِّ(٢): فإنه لا ينقض.
وأما الذي يسيل منه: إن كان ماءً صافياً: لا يَنقض. قال في
((الينابيع)): الماء الصافي إذا خرج من النَّفِطة (٣): لا ينقض.
** وإن أدخل أصبعَه في أنفه، فدَمِيَتْ أصبعُه: إن نزل الدم من
قَصَبة الأنف: نقض، وإلا: لم ينقض.
* ولو عضَّ شيئاً، فوجد فيه أثرَ الدم، أو استاك، فوجد في
السواك أثرَ الدم: لا ينقض ما لم يتحقق السيلان.
· ولو تخلّل بعود، فخرج الدم على العود: لا يَنقض، إلا أن
(١) أي كلَّما خرج.
(٢) ((نسبة إلى المدينة الشريفة، لكثرته بها، وهي بَثْرة تظهر في سطح الجلد،
تنفجر عن عرق يخرج كالدودة شيئاً فشيئاً، وسببه فضولٌ غليظة.)) اهـ من الطحطاوي
على مراقي الفلاح ص ٧٤.
وهذا العِرق يخرج في البلاد الحارة، وأكثر ما يكون في الساقين، حيث يحصل
التهابٌ، ثم ينفط الموضع، ویخرج منه عرقٌ کأنه أصل نبات أو حيوان.
(٣) النَّفْطة: بكسر النون وفتحها، ككَلِمَة: بَثْرة تخرج في اليد من العمل، ملأى
ماء، يكون بين الجلد واللحم. المغرب ٣١٩/٢، المصباح المنير (نفط).

٢٣
كتاب الطهارة
والقيء إذا كان مِلء الفم.
والنومُ مضطجعاً، أو متكئاً، أو مستنداً
يسيل بعد ذلك، بحيث يغلب على الريق. اهـ ((جوهرة)).
٥- (والقيءَ) سواء كان طعاماً، أو ماءً، أو عَلَقاً، أو مرَّةً(١).
بخلاف البلغم: فإنه لا ينقض، خلافاً لأبي يوسف في الصاعد من
الجوف، وأما النازل من الرأس: فغير ناقض اتفاقاً.
(إذا كان مِلء الفم). قال في ((التصحيح)): قال في ((الينابيع)):
وتكلَّموا في تقدير مِلء الفم، والصحيح: إذا كان لا يقدر على
إمساكه. وقال الزاهدي: والأصح ما لا يُمكنه الإمساك إلا بكَلَفة. اهـ
: ولو قاء متفرِّقاً، بحيث لو جُمع: يملأ الفم: فعند أبي يوسف:
يعتبر اتحاد المجلس، وعند محمد: اتحاد السبب، أي الغثيان، وهو
الأصح؛ لأن الأحكام تضاف إلى أسبابها، كما بسطه في ((الكافي)).
٦- ولمَّا ذَكَر الناقضَ الحقيقي، عقّبه بالناقض الحُكمي، فقال:
(والنومُ)، سواء كان النائم (مضطجعاً)، وهو: وَضْعِ الجَنْب على
الأرض، (أو متكئاً)، وهو: الاعتماد على أحد وَرِكَيْه، (أو مستنداً
(١) المِرَّة: بكسر الميم، وتشديد الراء المهملة : وهو أحد أخلاط البدن
الأربعة، وهي: الدم، والمِرَّة السوداء، والمِرَّة الصفراء، والبلغم. ابن عابدين ١ /٤٥٦
نقلاً عن غاية البيان، وفي مراقي الفلاح (مع الطحطاوي) ص٧١: (( العَلَق: هو سوداء
محترقة، والمِرَّة: أي الصفراء)). اهـ. وينظر فتح المعين على منلا مسكين ٤٤/١.

٢٤
كتاب الطهارة
إلى شيءٍ لو أُزيل لسَقَط .
والغلبةُ على العقل بالإغماء، والجنونُ.
ء
إلى شيءٍ)، أي معتمداً عليه، لكنه بحيث (لو أُزيل) ذلك الشيء
المستند إليه (لسَقَط) النائم؛ لأن الاسترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من
الاستناد، غير أن السَّنَدَ يَمنع من السقوط.
* بخلاف النوم (١) حالةَ القيام، والقعودِ، والركوعِ، والسجودِ في
الصلاة وغيرها، هو الصحيح؛ لأن بعض الاستمساك باقٍ، إذ لو زال
لسقط، فلم يَتِمَّ الاسترخاء. ((هداية)).
وفي ((الفتح)): وتَمكّنُ المقعدة مع غاية الاسترخاء: لا يَمنع
الخروج؛ إذ قد يكون الدافع قوياً، خصوصاً في زمننا (٢)، لكثرة
الأكل، فلا يمنعه إلا مُسْكة (٣) اليقظة اهـ
٧- (والغلبةُ على العقل بالإغماء)، وهو: آفةً تعتري العقلَ،
وتغلبه.
٨- (والجنونُ) وهو: آفةٌ تعتري العقلَ، وتسلُبه.
وهو (٤) مرفوعٌ بالعطف على الغلبة، ولا يجوز خفضه بالعطف
(١) أي لا ينقض النوم في هذه الحالات. البناية ٢١٩/١.
(٢) توفي ابن الهمام رحمه الله سنة ٨٦١ هـ.
(٣) بضم الميم: أي بقية. البناية ٢١٨/١.
(٤) أي لفظ: ((الجنون)).

٢٥
كتاب الطهارة
والقَهقَهةُ في كل صلاةٍ ذاتٍ ركوع وسجود .
وفَرْضُ الغُسْلِ :
على الإغماء؛ لأنه عكسه.
٩- (والقَهقَهة)، وهي: شدة الضحك، بحيث يكون مسموعاً له،
ولجاره(١)، سواء بَدَتْ أسنانُه أوْ لا، إذا كانت من بالغ يقظان، (في
کل صلاة) فریضة أو نافلة، لکن (ذات ركوع وسجود).
9
بخلاف صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة: فإنه لا ينتقض وضوءه،
وتبطل صلاته (٢)، وسجدته، وكذا الصبي(٣)، والنائم.
[فرائض الغُسل : ]
(وفَرْضُ الغُسْلِ): أراد بالفرض: ما يَعُمُّ العمليّ(٤).
٠
والغُسلُ - بالضم -: تمام غَسْل الجلد كله، والمصدر: الغَسْل -
بالفتح -، كما في ((التهذيب)).
وقال في ((السراج)): يقال: غُسْل الجمعة، وغُسل الجنابة، بضم
(١) أما الضحك، فهو: ما يكون مسموعاً له، دون جاره، فيُفسد الصلاة، دون
الوضوء، وأما التبسُّم فهو: ما لا يكون مسموعاً له، فلا يفسدهما، ينظر الهداية،
ومعها البناية ٢٣٥/١.
(٢) أي صلاته على الجنازة.
(٣) أي تبطل صلاة الصبي فقط، دون وضوئه، وكذلك لو قهقه النائم في
صلاته، فتبطل صلاته، دون وضوئه، ينظر الجوهرة النيرة ١/ ١١.
(٤) تقدم في حاشية ص ١٠ أن المراد بالفرض العملي: ما يَفُوْتُ الجواز بفوته.

٢٦
كتاب الطهارة
المضمضةُ، والاستنشاقُ، وغَسْلُ سائرِ البدن.
وسَنَّةُ الغُسْلِ: أن يبدأ المغتسِلُ فَيَغسِلَ يديه، وفَرْجَه، ويُزِيلَ
نجاسةً إن كانت على بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، ...
الغَيْن، وغَسْلُ الميت، وغَسْلُ الثوب، بفتحها، وضابطه: أنك إذا
أضفتَ إلى المغسول: فتحتَ، وإلى غيره: ضممتَ اهـ
(المضمضةُ، والاستنشاقُ، وغَسْلُ سائر البدن) أي: باقيه، مما
يمكن غَسله من غير حرج، كأُذنِ، وسُرَّةٍ، وشاربٍ، وحاجبٍ،
وداخلٍ لحيةٍ، وشعرٍ رأس، وخارج فرج، لا ما فيه حرج، كداخل
عين، وثقبِ انضمَّ، وكذا داخل قُلْفة، بل يندب على الأصح. قاله
الكمال.
[سنن الغُسل : ]
* (وسُنَّةُ الغُسْلِ: أن يبدأ المغتسلُ): أي مريدُ الاغتسال، (فَيَغسِلَ)
أولاً (يديه) إلى الرسغين، كما تقدم في الوضوء، (وفَرْجَه) وإن لم يكن
به خَبَثٌ، (ويزيلَ نجاسةً)، وفي بعض النُّسَخ(١): (النجاسة): بالتعريف،
والأُولىُ أَوْلى، (إن كانت على بدنه)؛ لئلا تشيع.
* (ثم يتوضأ وضوءه): أي كوضوئه (للصلاة)، فيمسح رأسَه
وأُذْنَيْه ورقبته (إلا رجليه)، فلا يغسلهما، بل يؤخِّر غَسلَهما إلى تمام
(١) أي نُسَخ مختصر القدوري، وكذلك الحال فيما لديَّ من النسخ.

٢٧
كتاب الطهارة
ثم يُفيضَ الماءَ على رأسه، وسائرٍ جسده ثلاثاً، ثم يتنحَّى عن ذلك
المكان فيَغسِلَ رِجليه .
وليس على المرأة أن تَنقضَ
الغُسْل، وهذا إذا كان في مُستَنْقَع الماء، أما إذا كان على لوح، أو
قُبْقَاب، أو حَجَر: فلا يؤخر غسلَهما. جوهرة.
وفي التصحيح: الأصح أنه إذا لم يكن في مستنقع الماء: يُقدِّم
غَسلَ رِجلیه. اهـ
* (ثم يُفيضَ الماءَ على رأسه، وسائر جسده ثلاثاً) مستوعباً في
كل مرة، بادئاً بعد الرأس بشِقَه الأيمن، ثم الأيسر.
وقيل: يَختم بالرأس، وفي ((المجتبى))، و((الدرر)): وهو الصحيح.
لكن نَقَلَ في ((البحر)): أن الأول(١) هو الأصح، وظاهرُ الرواية،
والأحاديثُ، قال: وبه يُضَعَّف تصحيح ((الدرر))(٢).
* (ثم يتنحَّى عن ذلك المكان) إذا كان في مستنقع الماء،
(فيغسل رجليه) من أثر الماء المستعمل، وإلا: فلا يُسن إعادة
غسلهما.
* (وليس) بلازم (على المرأة أن تَنقضَ): أي تَخُلُّ ضَفْرَ
(١) أي أن يبدأ بالرأس.
(٢) أي أن يختم بالرأس. ينظر الدرر والغرر مع حاشية الشرنبلالي ١٨/١.

٢٨
كتاب الطهارة
ضفائرَها في الغُسْل إذا بلغ الماءُ أصولَ الشعر.
والمعاني الموجبةُ للغُسل : إنزالُ المنيِّ .
(ضفائرِها في الغُسْل)، حيث كانت مضفورةً وإن لم يبلغ الماء داخل
الضفائر.
قال في ((الينابيع)): وهو الأصح، ومثله في ((البدائع)).
وفي ((الهداية)): وليس عليها بَلّ ذوائبها (١)، وهو الصحيح، وفي
((الجامع الحسامي)): وهو المختار، وهذا (إذا بلغ الماء أصولَ
الشعر)، أي منابته.
و
* قيّد بـ: المرأة؛ لأن الرجل يلزمه نَقْضُ ضفائره وإن وصل الماء
أصولَ الشعر.
أ وبـ: الضفائر؛ لأن المنقوض يلزم غَسْلُ كله.
* وبما: إذا بلغ الماءَ أصولَ الشعر؛ لأنه إذا لم يبلغ: يجب
النقض.
[موجبات الغُسْل : ]
* (والمعاني الموجبة للغُسل:
١ - إنزالُ) أي انفصال (المنيِّ)، وهو: ماء أبيضُ خائر، ينكسر منه
(١) الذؤابة: هي الضفيرة، وهي الخصلة من الشعر. ينظر المغرب ١١/٢
(صفر)، مراقي الفلاح مع الطحطاوي ص ٨٢.

٢٩
كتاب الطهارة
على وجه الدَّفْق والشهوةِ من الرجل والمرأة.
الذكر عند خروجه، تُشبه رائحته رائحةَ الطَّلْعِ(١) رَطْباً، ورائحةَ البيض
يابساً، (على وجه الدَّفْق) أي الدفع، (والشهوةِ): أي اللذة عند
انفصاله عن مقرِّه وإن لم يخرج من الفرج كذلك، وشَرَطه أبو يوسف.
* فلو احتلم وانفصل منه بشهوة، فلما قارب الظهورَ، شدَّ على
ذَكَرَه حتى انكسرت شهوتُه، ثم تركه، فسال بغير شهوة: وَجَبَ الغُسْلُ
عندهما، خلافاً له.
* وكذا إذا اغتسل المجامعُ قبل أن يبول أو ينام، ثم خرج باقي
منّيِّه بعد الغُسل: وجب عليه إعادة الغسل عندهما، خلافاً له.
وإن خرج بعد البول أو النوم: لا يعيد إجماعاً(٢).
(من الرجل والمرأة)، حالة النوم واليقظة.
(١) الطَّلْعِ: ما يطلع من النخل، وهو الكِمُّ قبل أن ينشقَّ، ويقال لِمَا يبدو من
الكِمِّ: طَلْع أيضاً، وهو شيء أبيض يُشبَّه بلونه الأسنان، وبرائحته المنيُّ. اهـ المغرب
٢٤/٢، والكِمُّ: بالكسر: وعاء الطلع. المصباح المنير (كم)، وفي القاموس المحيط
(طلع): الطَّلْع من النخل: شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود،
والطرف محدّد، أو: ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها، وقشره يسمىُ: الكُفُرَّى، وما
في داخله: الإغريض، لبياضه. اهـ.
(٢) أي بين أئمة المذهب، وعلَّل ذلك الزيلعي في تبيين الحقائق ١٦/١ بقوله:
((لأن النوم والبول والمشي يقطع مادة الزائل عن مكانه بشهوة، فيكون الثاني زائلاً عن
مكانه بلا شهوة، فلا يجب الغسل اتفاقاً))، ونقله عنه ابنُ عابدين ٥٣٤/١.

٣٠
كتاب الطهارة
والتقاء الخِتانَيْن من غير إنزالٍ .
٩
والحيضُ، والنفاسُ.
وسَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغُسْلَ للجمعة، والعيدين،
والإحرامِ، وعَرَفَةَ .
٢ - (والتقاء الختانَيْن): تثنية: ختان، وهو: موضع القطع من
و
الذَّكر، والفرج، أي محاذاتهما، بغيبوبة الحشفة.
قال في ((الجوهرة)): ولو قال: ((بغيبوبة الحشفة في قُبُل، أو دُبُرٍ))،
كما قال في ((الكنز))؛ لكان أحسنَ وأعمَّ، لأن الإيلاج في الدبر:
یوجب الغسل، ولیس ختانان يلتقيان.
* ولو كان مقطوعَ الحشفة: يجب الغُسل بإيلاج مقدارها من
الذكر. اهـ
ولو (من غير إنزال)؛ لأنه سببٌ للإنزال، وهو متغيبٌ عن
البصر، فقد يخفى عليه لقلته، فيُقام مقامه، لكمال السببية.
٣ - (والحيضُ.
٤ - والنفاسُ): أي الخروج منهما، فما داما باقيَيْن: لا يصح الغسل.
* (وسَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغُسْلَ للجمعة(١).
والعيدين، والإحرام) بحج أو عمرة، (و) كذا يوم (عَرَفَة) للوقوف.
(١) صحيح البخاري (٨٧٧)، وينظر نصب الراية ٨٥/١.

٣١
كتاب الطهارة
وليس في المَذْي، والوَدْيِ غُسْلٌ، وفيهما الوضوء.
قال في ((الهداية)): وقيل: هذه الأربعة مستحبة.
* وقال: ثم هذا الغُسل للصلاة عند أبي يوسف، وهو الصحيح؛
لزيادة فضيلتها على الوقت، واختصاص الطهارة بها، وفيه خلاف
الحسن(١) اهـ
* (وليس في المَذْي)، وهو: ماءٌ أبيضُ رقيقٌ، يخرج عند
الملاعبة، وفيه ثلاث لغات: الأَولىُ: سكونُ الذال، والثانية: كسرُها
مع التثقيل، والثالثة: الكسرُ مع التخفيف، ويُعرَب في الثالثة إعرابَ
المنقوص. ( مصباح)).
(والوَدْي)، وهو: ماء أصفر غليظ، يخرج عقيب البول، وقد يسبقه،
يُخفَّف، ويُثقَّل. ((مصباح)): (غُسْلَ، و) لكن (فيهما الوضوء)، كالبول.
(١) أي: ابن زياد اللؤلؤي، تلميذ الإمام أبي حنيفة، (ت ٢٠٤ هـ)، فإنه يقول:
غُسل الجمعة لليوم؛ إظهاراً لفضيلته، وهو قول محمد، ورواية أخرى عن أبي
يوسف، كما في البناية ٢٨٧/١.
وقد رجَّح ابن عابدين معتمداً على بحثٍ نفيس للشيخ عبد الغني النابلسي
وغيره، بأن الغُسل للنظافة، لا للطهارة، وأن الحكمة هي قطع الرائحة، فلو تخلل
الحدث: لا يضر في تحصيل الفضل.
وتظهر ثمرة الخلاف، فيمن اغتسل، ثم أحدث وتوضأ، وصلى به الجمعة: لا
يكون له فضل غسل الجمعة عند أبي يوسف، ولا يكون مقيماً للسُّنَّة عنده، وعند
الحسن: يكون مقيماً للسنة. ينظر فتح القدير والكفاية ٥٩/١، ابن عابدين ١/ ٥٦٢
(ط دمشق).

٣١
كتاب الطهارة
والطهارةُ من الأحداث جائزةٌ بماء السماء، والأوديةِ، والعيونِ،
والآبارِ، والبحارِ .
[الماء الذي يُتْطهّر به : ]
* (والطهارةُ من الأحداث)، (أل): فيه للعهد، أي الأحداثِ
التي سبق ذكرها من الأصغر والأكبر، وكذا الأنجاس بالأَوْلى، فقَيْد:
(الأحداث): اتفاقيٌّ، وليس للتخصيص، إلا أنه لما ذَكَر الطهارتين،
احتاج إلى بيان الآلة التي يحصلان بها.
ود
(جائزة بماء السماء)، من مطرٍ وثلجٍ وبَرَد مذابَيْن، (والأودية):
جَمْع: وادٍ، وهو: كل منفرجٍ بين جبال، أو آكام، يجتمع فيه السيل،
(والعيونِ): جمع: عَيْن، وهو لفظ مشترك بين حاسة البصر،
واليَنْبوع، وغيرهما، والمراد هنا: اليَنْبوع الجاري على وجه الأرض،
(والآبارِ): جمع: بئر، وهو: الينبوع المجتمع تحت الأرض،
(والبحارِ): جمع: بحر، قال في ((الصحاح)): البحر: خلاف البَرِّ،
سمي بحراً؛ لعُمقه واتساعه، والجمعُ: أبحر، وبحار، وبحور، وكل
نهر عظيم: بحرٌ. اهـ.
ولعل المصنِّفَ جَمَعه ليشمل ذلك، ولكن إذا أُطلق البحر: يراد
به البحر الملح.

٣٣
كتاب الطهارة
ولا تجوز الطهارةُ بما اعتُصر من الشجر، والثمر.
[ما لا يُتْطهّر به :]
* (ولا تجوز): أي لا تصح (الطهارةُ بما (١) اعتُصر): بقصر:
(ما)، على أنها موصولة، قال الأكمل: هكذا المسموع، (من
الشجر، والثمر).
* وفي تعبيره بـ: الاعتصار: إيماء بمفهومه إلى الجواز بالخارج
من غير عصر (٢)، كالمتقاطر من شجر العنب، وعليه جرى في
((الهداية)). قال: لأنه خرج بغير علاج، ذكره في ((جوامع أبي
يوسف))، وفي ((الكتاب)) إشارةً إليه، حيث شَرَط الاعتصار. اهـ
وأراد بـ: ((الكتاب)): هذا المختصر.
لكن صرَّح في ((المحيط)» بعدمه(٣)، وبه جزم قاضيخان، وصوَّبِه
في ((الكافي)) بعد ذِكْر الأول بـ: قيل، وقال الحلبي: إنه الأوجه، وفي
((الشُّرُ تْبِلالِيَّة)) عن ((البرهان)): وهو الأظهر، واعتمده القُهُسْتاني(٤).
(١) وفي نسخ عديدة من القدوري: ((بماءٍ)): بالهمز.
(٢) سيأتي بعد قليل نقل الشارح وتصويبه عدم الجواز بما سال من نفسه من غير
عصر.
(٣) أي بعدم الجواز.
(٤) وذكر ابن عابدين ٦٠٤/١ (ط دمشق) أن مَن راجع كتب المذهب، وجد
أكثرها على عدم الجواز.

٣٤
كتاب الطهارة
ولا بماءٍ غَلَب عليه غيرُه، فأخرجه عن طَبْع الماء، كالأشربة، ..
[عدم جواز الطهارة بماءٍ غلب عليه غيره : ]
* (ولا بماء) - بالمدِّ - (غَلَب عليه غيرُهُ) من الجامدات الطاهرة،
(فأخرجه) ذلك المخالطُ (عن طَبْع الماء)، وهو الرِّقّة والسيلان، أو
أحدث له اسماً على حدة.
* وإنما قيَّدتُ المخالط بـ: الجامد؛ لأن المخالط إذا كان مائعاً:
فالعبرة في الغلبة: إن كان موافقاً في أوصافه الثلاثة، كالماء
المستعمل: فبالأجزاء(١)، وإن كان مخالفاً فيها، كالخل: فبظهور
أكثرها، أو في بعضها: فبظهور وَصْف، كاللّبن يخالف في اللون
والطعم، فإن ظَهَرا أو أحدُهما: مَنَع، وإلا: لا.
[عدم جواز الطهارة بنبيذ التمر ونحوه :]
* وزدْتُ: أو أحدث له اسماً على حدَة؛ لإخراج نبيذ التمر
ونحوه، فإنه لا تجوز الطهارة به ولو كان رقيقاً، مع أن المخالط
جامد، فاحرِصْ على هذا الضابط، فإنه يَجمع ما تفرَّق من فروعهم.
وقد مثَّل المصنّف للأصلين اللذين ذَكَرَهما على الترتيب،
فقال: (كالأشربة): أي المتَّخذَة من الأشجار والثمار، كشراب
(١) فإن كان الماء المطلَق أكثر من النصف: جاز التطهير بالكل، وإن كان
المطلق أقلَّ أو مساوياً: لا يجوز. حاشية ابن عابدين ٦٠٨/١ (ط دمشق).

٣٥
كتاب الطهارة
والخَلِّ، وماءِ الباقلاء، والمَرَقِ، وماءِ الزَّرْدَج.
وتجوز الطهارةُ بماءٍ خالطه شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحدَ
الريباس(١)، والرمان، وهو مثالٌ لما اعتُصر.
* وقوله: (والخَلِّ): صالحٌ للأصلين؛ لأنه إن كان خالصاً: فهو
مما اعتُصر من الثمر، وإن كان مخلوطاً: فهو مما غلب عليه غيرُه،
بحدوث اسمٍ له على حِدَة.
(وماء الباقلاء): تُشدَّد فتُقصر، وتُخفَّف فتُمدُّ، وهي الفول: أي
إذا طُبخت بالماء، حتى صار بحيث إذا بَرَدَ: ثَخُن.
(والمَرَقِ)؛ لحدوث اسمٍ له على حِدَة.
(وماءِ الزَّرْدَج) - بزايٍ معجمة، وراءٍ، ودالٍ مهملتين، وجيم -،
وهو: ما يخرج من العُصفر المنقوع، فيُطرح ولا يُصبغ به. ((مغرب)).
قال في ((التصحيح)): والصحيح أنه بمنزلة ماء الزعفران، نصّ
عليه في ((الهداية))، وهو اختيار الناطفيِّ، والسرخسي اهـ
[حكم التطهُّر بماءٍ خالطه طاهرٌ جامد : ]
* (وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء) جامدٌ (طاهرٌ، فغيَّر أحدَ
(١) الريباس: نبات معمّر، ينبت في البلاد الباردة، والجبال ذوات الثلوج،
تؤكل ضلوعه وتُربَّب، ويُعصر منه شراب الريباس. اهـ المعجم الوسيط ٣٨٥/١،
وطعمه حامض إلى حلاوة، ويطفئ حِدَّة الحارِّين، ويهضم ويقوِّي، وشرابه نافع
للقلق، كما في تذكرة داود الأنطاكي ١٥٨/١، في الطب.

٣٦
كتاب الطهارة
أوصافه، كماء المَدِّ، والماء الذي يختلط به الأَشنانُ، والصابونُ،
والزعفران.
أوصافه) الثلاثة(١)، ولم يُخرِجْه عن طبع الماء.
قال في ((الدراية)): في قوله: ((فغيَّر أحدَ أوصافه)): إشارةٌ إلى أنه إذا
غيَّر اثنين أو ثلاثة: لا يجوز التوضؤ وإن كان المغيِّر طاهراً، لكن
صحّت الرواية بخلافه، کذا عن الکرْدري. اهـ
(٢) : لا يجوز
وفي ((الجوهرة)): فإن غيَّر وصفَيْن: فعلى إشارة الشيخ (١)
الوضوء، لكن الصحيح: أنه يجوز، كذا في ((المستصفى)).
وذلك (كماء المَدِّ): أي السيل، فإنه يختلط بالتراب والأوراق
و
والأشجار، فما دامت رِقّة الماء غالبة: تجوز به الطهارة وإن (٣) تغيَّرت
أوصافه كلها، وإن صار الطينُ غالباً: لا تجوز.
(والماء الذي يختلط به الأُشنانُ، والصابونُ، والزعفرانُ) ما دام
باقياً على رِقَته وسيلانه؛ لأن اسم الماء باقٍ فيه، واختلاطُ هذه
الأشياء لا يمكن الاحتراز عنه.
** فلو خرج عن طَبْعه، أو حَدَث له اسمٌ على حِدَة، كأن صار
و
ماءَ الصابون، أو الأشنان ثخيناً، أو صار ماءَ الزعفران صبْغاً: لا تجوز
(١) الطعم، واللون، والرائحة.
(٢) أي الإمام القدوري صاحب المختصر، والله أعلم.
(٣) (إن): هنا وصلية.

٣٧
كتاب الطهارة
وكلُّ ماءٍ وقعت فيه نجاسةٌ: لم يَجُز الوضوءُ به: قليلاً كان أو
كثيراً.
لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بحفظ الماء من النجاسة، فقال
عليه الصلاة والسلام : ((لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماء الدائم، ولا يَغتسِلنَّ
فيه من الجنابة)».
به الطهارة.
[حكم الماء الذي وقعت فيه نجاسة : ]
* (وكلّ ماءِ وقعت فيه نجاسةٌ: لم يَجُز الوضوء به)؛ لتنجِّسه،
(قليلاً كان) الماء (أو كثيراً)، تغيَّرت أوصافه أوْ لا، وهذا في غير
الجاري، وما في حكمه كالغَدير العظيم (١)؛ بدليل المقابل؛ (لأن
النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بحفظ الماء من النجاسة)، بنهيه عن
ضده؛ لأن النهي عن شيء: أمرٌ بضدِه.
(فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماء الدائم):
يعني الساكن، (ولا يَغتسلنَّ فيه من الجنابة))(٢)).
(١) وسيأتي بيانه بعد قليل.
(٢) بلفظ قريب جداً عند البخاري في صحيحه (مع الفتح) ٣٤٦/١ (٢٣٩)،
صحيح مسلم ٢٣٥/١ (٢٨٢)، وباللفظ المذكور: عند أبي داود ١/ ١٨٢ (٧١)،
وفيه: ((ولا يغتسل)).

٣٨
كتاب الطهارة
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا استيقظ أحدكم من مَنامه، فلا
يَغْمِسَنَّ يدَه في الإناء حتى يَغْسِلَها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتتْ يدُه)).
وأما الماء الجاري
* وقد استدل القائلون(١) بنجاسة الماء المستعمل بهذا الحديث،
حيث قَرَنَ الاغتسالَ بالبول.
وأُجيب: بأن الجُنب لمّا كان يغلب عليه نجاسة المنيِّ عادة،
جُعِل كالمتيقَّن.
(وقال صلى الله عليه وسلم) أيضاً: ((إذا استيقظ أحدكم من
مَنَامه، فلا يَغمِسَنَّ يدَه في الإناء حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين
باتت يدُ))(٢)): يعني لاقتْ محلاً طاهراً أو نجساً، ولولا أن الماء
ينجس بملاقاة اليد النجسة: لم تظهر للنهي فائدة.
[حكم الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة : ]
* (وأما الماء الجاري)، وهو: ما لا يتكرر استعماله، وقيل: ما
يَذْهب بتِبْنِه. ((هداية))، وقيل: ما يعدُّه الناس جارياً، قيل: هو الأصح.
((فتح)).
(١) وهم بعضُ الحنفية. ينظر الجوهرة النيرة ١٩/١، لكن المعتمد في المذهب
أنه طاهر، وهو ظاهر الرواية، كما سيأتي، وينظر أيضاً لقول القائلين بنجاسة الماء
المستعمل: فتح الباري لابن حجر ٣٤٧/١.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٢٣٣ (٢٧٨).

٣٩
كتاب الطهارة
إذا وقعت فيه نجاسةً: جاز الوضوء منه إذا لم يُرَ لها أثرٌ؛ لأنها لا
تَستقرُّ مع جَریان الماء .
.
والغَديرُ العظيمُ الذي لا
* وفيه: وألحقوا بالجاري: حوضَ الحَمَّام إذا كان الماء ينزل من
أعلاه، والناسُ يغترفون منه، حتى لو أُدخلت القصعةُ، أو اليدُ
النجسة فيه: لا يَنْجُس. اهـ
(إذا وقعتْ فيه نجاسةً: جاز الوضوء منه إذا لم يُرَ لها): أي
للنجاسة (أثرٌ)، من طعمٍ أو لونٍ أو ريحٍ؛ (لأنها لا تستقرُّ مع جريان
الماء).
* قال في ((الجوهرة)): وهذا إذا كانت النجاسة مائعةً.
أما إذا كانت دابَّةً ميتة: إن كان الماء يجري عليها، أو على
أكثرها، أو نصفها: لا يجوز استعماله.
وإن كان يجري على أقلها، وأكثرُه يجري على موضعٍ طاهر،
وللماء قوةً: فإنه يجوز استعماله إذا لم يوجد للنجاسة أثرٌ. اهـ
[بيان حدُّ الماء الكثير : ]
(والغَديرُ): قال في ((المختار)): هو القطعة من الماء، يغادرها
السيل. اهـ، ومثله الحوضُ (العظيم): أي الكبير، وهو: (الذي لا

٤٠
كتاب الطهارة
يتحرَّك أحدُ طَرَفَيْه بتحريك الطرفِ الآخر،
يتحرَّك أحدُ طرفَيْه بتحريك الطرف الآخر)، وهو قول العراقيين(١).
* وفي ظاهر الرواية: يُعتبر فيه أكبر رأي المبتلَى.
قال الزاهدي: وأصحُّ حدِّه: ما لا يَخلُص بعضُه إلى بعض في رأي
المبتلَىُ واجتهاده، ولا يناظرُ المجتهدُ فيه، وهو الأصح عند
الكرخي، وصاحب ((الغاية))، و((الينابيع))، وجماعة. اهـ
وفي ((التصحيح)): قال الحاكم في ((المختصر)): قال أبو عصمة:
كان محمد بن الحسن يوقّت في ذلك بعَشْرٍ في عشر، ثم رجع إلى
قول أبي حنيفة، وقال: لا أوقُّتُ فيه شيئاً، فظاهر الرواية أَوْلى. اهـ.
ومثله في ((فتح القدير))، و((البحر)) قائلاً: إنه المذهب، وبه يُعمَل،
وإن التقدير بعشر، لا يَرجع إلى أصلٍ يُعتمد عليه.
لكن في ((الهداية)): وبعضُهم قدَّر بالمساحة عَشْراً في عَشْر، بذراع
الكرْباس (٢)، توسعةً للأمر على الناس، وعليه الفتوى. اهـ.
(١) المراد بالعراقيين، ومشايخ العراق، وفقهاء العراق: أي أئمة المذهب
المتقدمين من أهل العراق، كالإمام الجصاص، والقدوري، والكرخي، والصيمري،
ونحوهم. ينظر الفوائد البهية ص ٢٣٩، الجوهرة النيرة ٢٢٥/١.
(٢) الكرباس: بالكسر: ثوب من القطن الأبيض، معرَّب. اهـ القاموس المحيط
(كربس)، وأما قدر ذراع الكرباس، فقد توسّع في بيان قدره ابنُ عابدين في حاشيته
٦٥١/١ (ط دمشق)، لكن بالمصطلحات القديمة، وأنه ست قبضات أو سبع، ونحو =