النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
بل قال الشهاب المرجاني حين ذكر مختصرَ القدوري، واهتمامَ
الحنفية به قال:
((أُولعوا فيه حفظاً، ورواية ... )) (١). اهـ
* وممن كان يحفظه: ما ذكره الإمام القرشي صاحب الجواهر
المضية(٢) أن والده كان يحفظ هذا المختصر، وكذلك كان يحفظه
أخوه الشقيق(٣)، وكان يحفظه هو.
كما كان يحفظه الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد العباسي،
المتوفى سنة ٨٩٠ هـ، كما صرَّح هو في مقدمة كتابه: ((العقود
المفصَّلة في الجمع بين القدوري والتكملة))(٤).
بل عدَّ السخاويُّ في كتابه الضوء اللامع أكثر من أربعين مترجَماً
كان يحفظ مختصر القدوري.
* وهكذا كان الآباء يشجِّعون أبناءهم على حفظه، ويُكثرون لهم
العطاء والهدايا في مقابل ذلك.
فقد جاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي(٥)، في ترجمة مؤرِّخ
مدينة حلب الشهباء المحدِّث كمال الدين ابن العديم عمر بن أحمد
(١) ناظورة الحق ص ٥١.
(٢) ٣٣٦/٣.
(٣) الجواهر المضية ٣٥٢/٣.
(٤) مخطوط.
(٥) ٢٧/١٦.

٣٢٢
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
ابن هبة الله، المتوفى سنة ٦٦٠ هـ، قال ياقوت:
((حدثني كمال الدين - أدام الله معاليه - قال: قال لي والدي:
احفظ ((اللَّمَع)) (١) حتى أعطيك كذا وكذا، فحفظتُه، وقرأتُه على شيخ
حلب يومئذ، وهو الضياء بن دهن العصا.
ثم قال لي: احفظ: ((القدوريَ))، حتى أهَبَ لك كذا وكذا من
الدراهم، كثيرة أيضاً، فحفظتُه في مدة يسيرة)). اهـ
* وأعظم من هذا ما ذكره القرشيُ(٢) في ترجمة محمد بن يحيى
ابن مسلم القاضي المَرَاغي، المتوفى سنة ٥٦٣هـ، أنه كان يحفظ
شرح مختصر القدوري، للأقطع.
* ومثل هذا الخبر أيضاً ما جاء(٣) في ترجمة محمد بن الحسن
الحلبي، أحد فقهاء الحنفية في القرن الثامن الهجري، ولم يذكر سنة
وفاته، أنه حفظ كتاب ((الهداية)) للمرغيناني في صغره، وعَرَضه على
جماعة، منهم العلامة ابن الوردي الفقيه الشافعي، فاختبره به،
فأعجب به، وكتب له إجازة جيدة سنة ١٤٤ هـ.
* وكذلك ذكر السخاوي(٤) في ترجمة عبد الرحمن بن العلامة
(١) للإمام الشيرازي إبراهيم بن علي، (ت ٤٧٦هـ)، مختصر في علم أصول
الفقه، للسادة الشافعية.
(٢) الجواهر المضية ٣٩٧/٣.
(٣) الجواهر المضية ١٣٧/٣.
(٤) الضوء اللامع ٤ /٩١.

٣٢٣
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
عبيد الله الأردبيلي، المتوفى سنة ٨١١هـ، أنه كان يحفظ كتاب
(البديع)) في أصول الفقه لابن الساعاتي، و((الهداية)) للمرغيناني.
* إكرام الله تعالى للقدوري في سلامة مختصره من الخطأ :
قال الإمام العيني(١): ((سمعتُ من بعض الأساتذة الكبار يقول: إن
القدوريَّ رحمه الله لمَّا حجَّ أخذ المختصرَ معه، ولمّا فرغ من طوافه،
سأل الله سبحانه أن يُوقِفَه على خطأ فيه، أو سهوٍ منه وقع عن قلم.
ثم إنه فَتَحَ المختصر، وتصفَّحه ورقةً ورقةً إلى آخره، فوجد فيه
خمسةَ مواضع، أو ستةَ مواضع مَمْحُوَّة، وهذا يُعدُّ من كرامته)). اهـ
* ومن المرائي الصالحة المبشِّرة بعظيم شأن مختصر القدوري:
ما رآه الفقيه الحنفي سراج الدين أبو بكر ابن الفقيه الحنفي علي بن
موسى الهاملي اليمني (ت ٧٦٩ هـ)، ((رأى النبيَّ ◌َّهِ وأبا بكر وعمر
رضي الله عنهما قائمِين في حلقةٍ من الناس عند مسجد والده، فقال
النبي وَالثّ: يا أبا بكر، ويا عمر قوْما فقَبِّلا رأسَ الفقيه علي بن موسى،
فإني أحبُّه، فقاما وقبَّلا رأسَه، ثم طلب النبيُّ مَّ (كتابَ القدوري))،
فأحضرتُ له نسخةَ والدي، وقرأتُ بین یدیه منها)»(٢). اهـ
(١) في البناية ١٢٧/٥ (ط باكستان).
(٢) كما في إرغام أولياء الشيطان للمناوي ٤٧٧/٤، وتنظر ترجمة الهاملي
ووالده في هدية العارفين ٢٣٥/١، كشف الظنون ١٨٦٨/٢، الأعلام ٦٧/٢.
وقد وقفتُ على هذا الخبر بإفادة الأخ العزيز عبد الرحمن منير حجار، مشكوراً.

٣٢٤
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
المبحث الثالث
منهج الإمام القدوري وأسلوبه في مختصره
بيان أن القدوري لم يكتب مقدمةً لمختصره :
يغلب على الظن أن الإمام القدوري رحمه الله لم يكتب مقدمةً
لمختصره في الفقه، والتي كان يمكن من خلالها التعرف على خطة
عمله فيه، ومنهجه الذي سار عليه، والمصادر التي استقى منها
معلومات هذا الكتاب، ونحو هذا مما يذكره المؤلفون عادة في
مقدمات کتبهم.
ومن هنا لم نستطع التعرف على شيءٍ من ذلك إلا عن طريق
الدراسة، وما يلمحه الباحث المتأمِّل فيه.
وإن عدم وجود مقدمة لهذا المختصر مما أجمعتْ عليه نُسَخُ هذا
المختصر المخطوطة والمطبوعة، وذلك حسب استقرائي لعشرات
النسخ منه، ولعشراتٍ من شروحه التي ضمَّت هذا المختصر.
وهكذا، فالنُّسخُ كلها تبدأ بعد البسملة، وبعد عنوانٍ: (كتاب
الطهارة)، تبدأ بآية الوضوء التي افتتح بها القدوريُّ مختصرَه، ثم يأتي
ذكر فرائض الوضوء، وهكذا إلى تمام نهاية المختصر، دون أن تُذكر
له أيُّ مقدمةٍ.

٣٢٥
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
في حين أن صاحب كشف الظنون(١) ذكر أن أول المختصر يبدأ
بقوله: ((الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة على
رسوله محمد وآله أجمعين ... )). اهـ. هكذا.
قلتُ: ولعل ذلك من تصرُّفات النُّسَّاخِ.
ومع هذا، يبقى الاحتمال قائماً أن تكون هذه الافتتاحية هي من
كلام القدوري نفسه، والله أعلم.
* وأيضاً : ففي المطبوع من كشف الظنون، عند ذكره لمختصر
القدوري وشروحه، جاء فيه نصٌّ يفيد ظاهره أن القدوريَّ كَتَبَ مقدمةً
لمختصره، والصواب أنها ليست من كلام القدوري.
فبعد أن ذكر صاحب كشف الظنون(٢) أن الإمام حسام الدين
الرازي علي بن أحمد مكي، (ت ٥٩٨هـ)، قد عمل تكملةً لمختصر
القدوري، وأنه شرحها، نَقَلَ عن مقدمة شرحه للتكملة قولَه:
((قال القدوري (٣): هذا كتابٌ يجمع من فروع الفقه ما لم يجمعه غیرُه.
(١) ١٦٣١/٢.
(٢) ١٦٣٣/٢.
(٣) هكذا في كشف الظنون، والصواب والله أعلم: (قال الرازي)، لأن الكلام
السابق لهذا الذي ذكره صاحب كشف الظنون، هو من كلام الرازي حسام الدين وهو
يتحدث عن تكملة القدوري وشرحه لها، وأنه جمع في التكملة ما شذّ من المختصر
من المسائل المنثورة في المختصرات، كالجامع الصغير، ومختصر الطحاوي،
والإرشاد، وموجز الفرغاني، فقال: ((هذا كتاب يجمع من فروع الفقه ما لم يجمع
غيره)). اهـ
=

٣٢٦
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
وقد كان أبو علي الشاشي(١) يقول: مَن حَفِظَ هذا الكتاب: فهو
أحفظ أصحابنا، ومَنْ فهمه: فهو أفهم أصحابنا.
وهو كتابٌ مختلفُ الترتيب؛ لأنه ابتدأه على أن يكون كتاباً
صغيراً، ثم زاد فيه بعد مضيِّ العبادات، فلما تجاوز (الرهن)، بَسَطَ
بسطاً مستوفياً.
وقد عمدتُ على إملاء كتابٍ جامع في شرحه، أعتمد فيه بيان
الفروع والروايات، وأُورد فيه من مسائل الخلاف ما يحصل (يستقل)
وهذا الخطأ هو الذي جعل البعض يقول إن القدوري كتب مقدمة لمختصره،
ومنها هذه الجملة في الثناء على المختصر.
(١) ترجم صاحب الجواهر المضية ٢٦٢/١ لأحمد بن محمد أبي علي
الشاشي، تلميذ الكرخي، وأنه توفي سنة ٣٤٤هـ، وقد وُلد القدوري سنة ٣٦٢هـ،
وعلى هذا فقد وُلد بعد وفاة الشاشي هذا بنحو ١٨ سنة، وعليه يبعد تماماً أن يقول
الرازي هذا ما تقدم من الثناء على مختصر القدوري.
وقد جعل كثيرون خطأً هذه المقولة في الثناء على مختصر القدوري، مع أن
الشاشي المذكور هو قبل القدوري.
ومما يؤكد أن هذه المقولة ليست في مختصر القدوري، أن صاحب كشف
الظنون ٥٦١/١ حين ذكر كتاب ((الجامع الصغير))، للإمام محمد بن الحسن، ذكرها
في الثناء عليه، فقال: ((وكان علي الرازي يقول: مَن فهم هذا الكتاب: فهو أفهم
أصحابنا، ومَن حفظه: كان أحفظ أصحابنا، وأن المتقدمين من مشايخنا كانوا لا
يقلِّدون أحداً القضاء حتى يمتحنوه، فإن حَفِظه: قلَّدوه، وإلا أمروه بالحفظ. اهـ.
ويظهر أن حسام الدين الرازي قال هذا الثناء أيضاً في شرحه على الجامع الصغير
كما قالها الشاشي، وزاد عليها، وفي الأعلام ٢٥٦/٤ أن لعلي الرازي هذا شرحاً
على الجامع الصغير، وأن منه جزءاً أو قطعة في شستربتي (٣٣١٦).

٣٢٧
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
به مزيد بَسْطٍ ؛ لأني استوفيتُ ذلك في كتاب: ((التجريد))، وأُلحق
بفروعه ما يليق بها، ليعتدل أول الكتاب وآخره في الاستيفاء، ثم
أُلحِقَ به ما أغفله من الكتب، وأستوفيَ شَرْحَ جميعه، وأُقدِّمَ على
ذلك مسألةً في تقديم قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى في الجملة على
سائر فقهاء الأمصار ... الخ)). اهـ من كشف الظنون.
فهذا الكلام في تكملة القدوري وشرحها، للرازي، كما بيَّنْتُ
أسفلَ في الحاشية، لا في مختصر القدوري، والله أعلم.
* أما عن عمل القدوري في المختصر، ومنهجه الذي سار عليه،
فقد جَمَعَ الإمام القدوري في مختصره هذا المسائلَ المحتاجَ إليها،
واستوعب ما يكثُر وقوعه، مع ذكره القولَ المعتمد فيها، المختارَ
للفتوى، وبذا صار مختصره خالياً عن الزوائد المُملَّة، والاختصارات
المُخلَّة.
كما ضمَّ هذا المختصر أبوابَ الفقه كلَّها، وخَتَمَها القدوري
بالفرائض وأحكام المواريث.
ويُذكَّر هنا، أن الإمام المرغيناني صاحب الهداية، لما جَمَعَ بين
مختصر القدوري والجامع الصغير في بداية المبتدي، اعتمد ترتيب
الجامع الصغير وأبوابَه، ولم يعتمد ترتيبَ القدوري، ولمّا كان الجامع
الصغير خالياً من كتاب المواريث، خلا كتاب بداية المبتدي منه،
وكذلك أيضاً جاء كتاب الهداية شرح بداية المبتدي خالياً منه أيضاً.
- وهكذا كان من عمل القدوري في مختصره أنه عَرَض الخلافَ
بين أئمة المذهب: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وأحياناً يذكر

٣٢٨
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
خلاف زفر، ولا يتعرَّض لذكر خلاف المذاهب الأخرى إلا نادراً.
- وهو مختصرٌ خالٍ من الأدلة إلا ما افتتح به مختصَرَه من ذكره
الآية الوضوء تبرُّكاً بالقرآن الكريم، ثم ذكره لحديثٍ واحد فقط، وهو
حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في وضوء النبي صلى الله عليه
وسلم، مع إيمائه في عباراته أحياناً للدلائل إيماء.
- وقد كانت عناية القدوري في هذا المختصر متوجهةً لذكر ثمرة
المذهب الحنفي، وزبدة أحكامه، حيث ذكر فيه مسائل فقه المذهب
الحنفي المحتاج لها، دون ذکرٍ لدلائلها.
ومعلومٌ أن ذِكْر هذه الثمرة بهذا الاختصار الشديد أمرٌ ليس
بالسهل، بل البسطُ في الكتابة أسهل وأيسر.
وهذه الثمرة التي ذكرها القدوري في مختصره، هي التي يسعى
إليها المسلم المقلَّد المتفقِّه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ليقوم
بتطبيقها، والالتزام بها، فيعرفَ الشروطَ والأركانَ والفرائضَ والسننَ
وهكذا، ويعرفَ المبطلات والمفسدات، وكيفيةَ الأعمال، وحكمَ كل
فعل، من حلال أو حرام أو مكروه، وهكذا.
وأما البحث عن الأدلة التي أوصلتْ إلى هذه الأحكام، وكيف تمّ
استنباطها، ووَجْه دلالتها، فهذا أمرٌ مهمٌّ ومفيدٌ جداً، ومن أهم
فوائده أنه يُورِث في نفس المسلم المقلَّدِ لإمامه طمأنينةً وسكينةً لما
يفعله ويقوم به، وما يعتمده من أحكام، وأن مصدرها التشريعي كذا
و کذا، ووجه دلالتها كذا وكذا.
ولكن في الوقت نفسه، فإن الدخول في باب الأدلة ودلالتها أمرٌ

٣٢٩
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
عظيم، ومَهْيَعٌ خطير، لا يقدر على الدخول فيه إلا مَن كان أهلاً
لذلك، وهو شأن المختصين، بل خاصة المتخصصين، وليس هو من
شأن عامة الناس المشغولين بطلب المعاش، والسعي على العيال.
ومن هنا ألَّف القدوري هذا المختصر العظيم المبارك ليستفيد منه
کل مسلم، ویقطف ثمرته بیُسر دون عناء.
وأما مَن أراد البسط في الأدلة، وبيان وجه دلالتها، مع مناقشة
أدلة غيره، فقد ألّف له القدوري كتاب ((التجريد)» في ١٢ مجلداً، كما
أَلَّف شرح مختصر الكرخي في خمس مجلدات كبارٍ مخطوطة، تكون
بالطباعة الحديثة في عشرين مجلداً، وقد بَسَط فيه الأدلة أيَّما بسط،
مع المناقشات والأخذ والردِّ.
وهكذا مَن أراد التوسط في ذلك، فهناك مؤلفاتٌ كثيرة في
المذهب، تفي بالرغبات المتنوعة لكل طالب محتاج، والأمر واسعٌ،
والعلم في هذا بحرٌ لا ساحل له، عَرَفه مَن عَرَفه، وجَهِله مَن جَهِله.
* أما أسلوب القدوري في مختصره :
فقد ساق الإمام القدوريُّ مسائلَ المذهب الحنفي في مختصره،
ورَصَفَها ورتَّبها بعبارةِ شاملةٍ حسنةٍ رفيعة، قويةٍ رصينة، سهلة
واضحة، وأسلوبٍ جميل، ((مع حُسن الإيجاز، ولُطف الإعجاز،
وجَوْدة المعاني، ومتانة المباني، وبألفاظِ فصيحة متَّفقٍ عليها))(١).
(١) من مقدمة ((حل مشكلات القدوري)) (مخطوط)، كما أني انتقيت أوصاف
=

٣٣٠
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
كما أنه أجاد في عرضه وترتيبه لأقوال أئمة المذهب، وذكره
للخلاف الحاصل بينهم.
وبهذا كله غدا مختصراً معتبراً لطيفاً، من أجمل الكتب وأحسنها،
وأتمِّها فائدةً وأكملها، ليشترك فيه المبتدىء والمتوسط في فهمه
والانتفاع به، ولا يستغني المنتهي من مراجعته ومطالعته.
أسلوبه المتقدمة من عدد من شروح القدوري المخطوطة.

٣٣١
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
المبحث الرابع
مصادر القدوري في مختصره
لم يصرِّح الإمام القدوري بأيِّ مصدرٍ استقى منه المسائل التي
دوَّنها في هذا المختصر، والمتوقّع أنه استفاد من المختصرات التي
أُلَّفت في المذهب قبله، مثل مختصر الطحاوي، (ت٣٢١هـ)،
ومختصر (الكافي) للحاكم الشهيد، (ت٣٣٤هـ)، وله مختصرٌ آخر
سمَّاه: (المنتقى)، ومختصر الكرخي، (ت٣٤٠هـ)، وغيرها.
ومن قبل هؤلاء كتبُ أصول المذهب، التي هي كتب ظاهر
الرواية، للإمام محمد بن الحسن الشيباني: الأصل، والجامع الكبير،
والجامع الصغير، والسير الكبير، والسير الصغير، والزيادات.
وأيضاً ما كُتب عليها من شروح لعلماء المذهب وأئمته.
وقد تقدم أن للقدوري كتاباً سمَّاه: (التقريب))، ذكر فيه المسائل
الخلافية بين أئمة المذهب الحنفي.
وهكذا استطاع الإمام القدوري ببراعته، وتقدّمه الرفيع في
المذهب، وإمامته في الفقه الحنفي، واطلاعه على كتب مَن سبقه،
استطاع أن يختار أقوى الروايات في المذهب، ويُثبت المعتمدَ الراجحَ
منها، ويصوغها ويقدِّمها منسَّقة مرتبةً في هذا المختصر المبارك.

٣٣٢
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
المبحث الخامس
أثر مختصر القدوري فيمَن بعده
ومدی اعتمادهم عليه
لقد بارك الله تعالى في مختصر القدوري بركةً عظيمة، وكَتَبَ له
القبول العظيم عند علماء المذهب وطلابه، وقد تقدم شيء من هذا
عند الكلام على ثناء العلماء على المختصر.
وكان من أثره فيمَن أَلَّف بعده من أئمة المذهب، أنهم اعتمدوه
كلّ الاعتماد فيما كتبوه في فقه المذهب، حيث ضمَّنوه في كتبهم،
وأودعوه في مؤلفاتهم، حتى صار مختصر القدوري أمَّ كتب المذهب
التي تلته، وأساسَها وعمدتَها.
فقد ضمَّنْه وزاد عليه كلّ من السمر قندي في تحفة الفقهاء،
والمرغيناني في بداية المبتدي، والنسفي في الوافي، والكنز، وابن
الساعاتي في مجمع البحرين، والحلبي في مجمع الأبحر، وغيرهم.
كما قامت عليه شروح كثيرة، منها المبسوط، ومنها المختصر،
ودلَّلوا لمسائله وأصَّلوا لها، وهكذا قامت أعمال علمية كثيرة عليه،
بلغت ١٢٣ عملاً، كلها تدل على أثره الكبير فيمن جاء بعده، وسيأتي
قريباً إن شاء الله بيان تلك الأعمال العلمية التي قامت على مختصر

٣٣٣
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
القدوري، في فصل خاص موسّع .
* ومن أثره فيمن بعده، ما كتبه الله له من الانتشار الكبير العجيب
في البلاد الإسلامية، وتداول العلماء والطلبة له في كل مكان، مما
يدل على أثره الكبير الواضح في المذهب الحنفي، بل في أتباع
المذاهب الأخرى، حيث اقتنوه، واعتمدوه، ونقلوا عنه، وهذا كله
من فضل الله، والله يؤتي الفضل من يشاء.
* تاريخ تأليف القدوري لمختصره :
تقدم أن القدوري جمع هذا المختصر لولده محمد، وكانت وفاة
ولده سنة ٤٤٠ هـ، وهو شابٌّ قبل أوان الرواية، وإذا كان سن
الشباب إلى الثالثة والثلاثين(١)، فلتكن ولادته سنة ٤١٠ هـ تقريباً.
هذا، وليكن جَمْع القدوري لمختصره وعُمر ولده عشر سنين،
فيكون تاريخ تأليف المختصر تقريباً سنة ٤٢٠ هـ، أي في أواخر عمر
الإمام القدوري، حيث توفي سنة ٤٢٨هـ، والله أعلم.
(١) ينظر القاموس المحيط (كهل).

٣٣٤
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
المبحث السادس
اختلاف نُسَخ مختصر القدوري
مسألة اختلاف نُسَخ القدوري مسألةٌ مهمةٌ انتبهتُ إليها بفضل الله
وتوفيقه في خلال عملي في تحقيق اللباب، وتحقيق أصله مختصر
القدوري، وما وجدته من اختلافٍ كبير في نسخه.
وقد لاحظت أن صاحب الهداية الذي ضمَّن القدوريَّ في بداية
المبتدي أصل الهداية، يشير في الهداية في مواضع كثيرة إلى وجود
اختلافٍ في نُسَخ القدوري في لفظ كذا، أو في جملة كذا.
وهکذا جاء بعده شُرَّاح الهداية يؤكدون ذلك، بل زادت عندهم
الأمثلة على ذلك، وراحوا يجتهدون في بيان اللفظ الصحيح منها
والخطأ، وبيان الصحيح والأصح.
كما كان لهم اهتمامٌ ظاهر في بيان هل هذا الاختلاف من أصل
كلام القدوري، أو بسبب نُسَّاخ المختصر؟
وكذلك كان حال شرَّاح مختصر القدوري، بدءاً بأقدمهم تلميذ
القدوري أبي نصرٍ الأقطع، ومَن بعده كالزاهدي في المجتبى،
والحدادي في السراج والجوهرة، وغيرهم، مما يدل على أن ذكر
اختلاف نسخ القدوري قديمٌ عهده، إذ كانت وفاة الأقطع تلميذ
القدوري سنة ٤٧٤ هـ، ووفاة القدوري سنة ٤٢٨هـ.

٣٣٥
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
وقد صرَّح الأقطعُ بهذه الاختلافات في خاتمة شرحه قائلاً:
( ... وقد وجدتُ في أكثر نُسَخ الأصل خللاً في بعض المسائل،
وهو خطأ من الناسخ، وقد أصلحتُ جميعَ ذلك على ما يقتضيه
مذهب أصحابنا رحمهم الله تعالی)). اهـ
وهذه الفوارق والاختلافات التي وقفتُ عليها بين نسخ
القدوري، منها ما أمره سهلٌ، وليس له أثرٌ ذو بال على النص، ومنها
ما هو مهمٌّ جداً، وله أثرٌ كبير، إما في تغيير المعنى، أو تغيير الحكم
الشرعي، ومنها ما بين ذلك في الأهمية، ومنها ما يتعلق بزيادة شرط
في المسألة، أو في زيادة مسألة كاملة، وسقوطها من أخرى، أو
تتعلق بنسبة الأقوال لأئمة المذهب، ونحو هذا.
وهذه الفوارق المهمة أيقظتْ انتباه علماء المذهب، من شُرَّاح
القدوري، وشرَّاح الهداية، وأولَوْها رعايةً كبيرة، وعنايةً بالغة.
وقد بلغ الحدُّ في اختلاف هذه النسخ وتغييرها للحكم، أن
صاحب الهداية وهو مَن هو في المذهب: إمامةً وعلماً واعتماداً، قد
وقع منه في الهداية اعتمادٌ لنُسَخِ خاطئة من القدوري، فيها خطأ في
الحكم، وجرى على ذلك، وفاتَه التنبُّه إليه، لكن الله حافظُ دينه
وشرعه، فقد هيأ سبحانه مِن بعد صاحب الهداية مَن جاء من شرَّاح
الهداية ونَبَّهوا إلى ذلك، وأعادوا الأمور إلى نصابها، وبيَّنوا
الصواب، كما هو في مسألة إقرار الزاني بالزنا، وهل يشترط أن يسأل

٣٣٦
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
متىُ زنى أم لا(١)؟
وقد يستغرب طالب العلم أن يقع من الإمام المرغيناني مثل هذا،
والجواب: أن هذا لا ينافي جلالة قدره، وغزارة علمه، فالكمال لله
وحده، وأبى أن يصح كتابٌ غير كتاب الله.
وسأذكر فيما يلي شواهد على ما تقدم، معزوَّةً إلى مكانها،
وقائلها، ليقف عليها القارئ الكريم، ولنوقِن تمام اليقين، كيف هيَّأ
الله لهذا الدين العظيم علماءَ أُمناءَ مخلصين جهابذة، أفنَوْا أعمارهم
في خدمته وبيانه وتحريره، وكيف أن الله حفظ دينه وأحكامه، وأن ما
فات فلاناً فإن الله يهيئ غيرَه للاستدراك عليه، وبيان الصواب في
الأمر.
وهكذا، فهم سبيكةٌ ذهبيةٌ متصلةٌ مُحكَمةٌ من ورَّاث النبوة،
موصولون من الله تعالى بحبلٍ متين، يكمِّل بعضهم بعضاً.
* ولعل من أهم أسباب اختلاف نسخ القدوري: كثرتها، بسبب
صغر حجمه، وانتشارها الكبير في مشارق الأرض ومغاربها، وفي
هؤلاء النسَّاخِ المُتَقِنُ وغيرُ المتقن، والضابطُ وغير الضابط، وبين
ذلك كثيراً.
ويبعد جداً احتمال أن القدوري نفسَه حين ألّف المختصر وانتشر
عنه، أنه كان يعدِّل فيه ويغيِّر، وأن يده كانت تعمل فيه دائماً، ومنه
انتشرت عنه النسخ المختلفة، فيبعد هذا، بل كان القدوري متنبِّهاً
(١) ينظر الهداية ٩٥/٢، وسيأتي بعد قليل في الأمثلة التي ذكرتها.

٣٣٧
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
لذلك كلَّ التنبه، خائفاً أن يقع في مختصره خطأ أو زلل.
ولهذا، ((فإنه لما فَرَغَ من تصنيف مختصره، حجَّ، وأخذ
المختصر معه، ولما فَرَغَ من طوافه: سأل اللهَ سبحانه أن يوقِفَه على
خطأ فيه، أو سهوٍ منه وَفَعَ عن قلم.
ثم إنه فتح المختصر، وتصفَّحه ورقةً ورقةً إلى آخره، فوجد فيه
خمسةَ مواضعَ، أو ستةَ مواضع ممحوَّة، وهذا يُعدَّ من كرامته)) (١).
* وفيما يلي أذكر سبعة عشر مثالاً ونموذجاً مهمًّاً من ذلك:
١- المثال الأول: قال الإمام المرغيناني في الهداية (٢)، في كتاب
الحدود، وهو يتكلم عن إقرار الزاني:
((فإذا تمّ إقرارُه أربع مرات: سأله عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟
وأين زنى؟ وبمَن زنى؟ فإذا بيَّن ذلك: لزمه الحدُّ ...
ولم يذكر السؤالَ فيه عن الزمان، وذَكَره في الشهادة؛ لأن تقادم
العهد يمنع الشهادة دون الإقرار.
وقيل: لو سأله: جاز، لجواز أنه زنى في صباه ... )). اهـ
قال العيني في البناية (٣): ((ولم يذكر: أي القدوريُّ السؤالَ فيه، أي
في الإقرار عن الزمان، أي زمان الزنا ... )). اهـ
(١) تقدم ذكر هذا الخبر نقلاً عن أحد الأساتذة الكبار للإمام العيني. ينظر البناية
١٢٧/٥ (ط باكستان).
(٢) ٢/ ٩٦.
(٣) ٣٢٩/٨ (ط بيروت).

٣٣٨
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
قلت: ونقل هذا عن الهداية الميدانيّ في اللباب(١)، ولم يذكر
شيئاً عن اختلاف النسخ، وهكذا أيضاً شرَّاح الهداية(٢)، لم يذكروا
عن اختلاف النسخ في هذا الموضع شيئاً، وكذلك العلامة قاسم في
تصحيح القدوري.
وقول صاحب الهداية: ((قوله: لم يذكر القدوري السؤالَ فيه عن
الزمان)): فهذا بحسب اطلاعه، وإلا فالواقع أنه ذكر هذا السؤال في
نسخٍ قديمةٍ للمختصر هي عندي، وهي نسخة ٦١١هـ، ونسخة
٦٤٩ هـ، ومطبوعة ١٣٠٩ هـ، وذكر في النسخة التي هي مع شرح
الزاهدي ((المجتبى))، نسخة ١١٢٧ هـ، وذكر في شرح القدوري،
لابن حامد ((حَدَق العيون))، مخطوط، لوحة ١١٦.
ولهذا كله أثبتُّ هذه الزيادة: (ومتى زنى؟) في مختصر القدوري،
في تحقيقي له، ولكتاب اللباب، وسبحان الفتّاح الوهاب.
وهذا مثالٌ مهمٌّ جداً، وشاهدٌ على عدم وقوف صاحب الهداية
على هذه النُّسخ من مختصر القدوري، فقد فاته ذلك، مما جعله
ينصُّ في الهداية على عدم سؤال المقِرِّ عن الزمان، فكان الحكم
ناقصاً، وتابعه شرَّاح الهداية على ذلك، ولم يتنبهوا إلى هذه النسخ،
في حين أن نسخاً عديدة من المختصر، وكذلك بعض شروحه ذكرت
السؤال عن الزمان، كما تقدم آنفاً.
(١) ٣/ ١٨٣.
(٢) ينظر فتح القدير وشروح الهداية ١٢/٥، وشرح الهداية للكنوي ٥٠٨/١.

٣٣٩
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
وقد نصَّ شرَّاح الكنز(١)، وغيرُهم، على أن الأصح أن يسأله عن
الزمان.
٢- المثال الثاني: جاء في الهداية(٢) في مسألة الإفاضة من مزدلفة
إلىُ مِنَىَّ قوله:
((قال: فإذا طلعت الشمسُ أفاض الإمامُ والناسُ حتى يأتوا مِنىَ.
قال العبد الضعيف عَصَمه الله: هكذا وَقَعَ في نُسَخ المختصر، وهذا
غَلَطْ، والصحيح: إذا أسفر: أفاض الإمامُ والناس)). اهـ من الهداية.
قال الإمام العيني في البناية(٣) نقلاً عن الإمام أمير كاتب الإتقاني
الأترازي، صاحب غاية البيان شرح الهداية:
((قال الأترازي: هذا الذي قال صاحب الهداية رحمه الله
صحيحٌ(٤)، لكن الغلط وَقَعَ من الكاتب، لا من القدوري رحمه الله
نفسه، ألا ترى أن الشيخ أبا النصر البغدادي - الأقطع - رحمه الله،
وهو من تلامذة الشيخ أبي الحسين القدوري رحمه الله، قد أثبت لفظ
القدوري في هذا الموضع في شرحه(٥) بقوله:
(١) ينظر تبيين الحقائق ١٦٧/٣.
(٢) ١ / ١٤٦ - ١٤٧.
(٣) ١٢٦/٥ (ط باكستان).
(٤) أي أنه يفيض قبل طلوع الشمس عند الإسفار.
(٥) وكذلك هو في شرح القدوري للأقطع من النسخة التي هي عندي.

٣٤٠
الفصل الثانى: دراسة عن مختصر القدوري
قال: ثم يُفيض الإمام من مزدلفة قبل طلوع الشمس والناسُ معه
حتى يأتيَ مِنىٍّ.
وأثبتَ الإمام أبو الحسين القدوري رحمه الله في شرحه لمختصر
الكرخي مثل هذا أيضاً، فقال: ((ويُفيض الإمام قبل طلوع الشمس،
فيأتي منى))(١).
فعُلم أن ما ذكر صاحبُ الهداية منقولاً عن مختصر القدوري
رحمه الله، فذلك سَهْوٌ من الكاتب، لا من القدوري.
والشيخ أبو الحسين القدوري رحمه الله أجلُّ منصباً من أن تَزِلَّ
قدمهُ في هذا القدر، وهو بحرٌ زخَّارٌ في الفقه، وغَيْثٌ مِدرارٌ في
الحديث، وناهيك من الدليل على غزارة علمه شرحه لمختصر
الكرخي رحمه الله، فإذا طالعتَه عرفتَ أن محلَّه في الفقه كان عند
العَيُّوق(٢)، لا تناله يدُ كلِّ أحد، ويرجع طَرْفُ الناظر إلى منزله من
کَلال ورمَد. انتهى.
قلتُ - القائل هو العيني -: هذا كله لا ينافي وقوع السهو منه؛ لأن
الجواد له كَبْوة، والعالِمَ له زَلَّة، وقد وقع من أكابر العلماء ممن
تقدَّموه من السهو والخطأ، ومع هذا، وقوع السهو لا ينافي جلالة
(١) وهكذا كما ذكر الإتقاني الأترازي هو حال نسخ القدوري التي هي عندي
المخطوطة والمطبوعة، وكذلك التي هي مع شرح الجوهرة، وزاد الفقهاء
للإسبيجابي، وخلاصة الدلائل، وغيرها، فقد جاءت على الوجه الصحيح.
(٢) العُّق: نجمٌ أحمر مضيءٌ في طَرَف المجرَّة الأيمن، يتلو الثريًّا لا يتقدّمها.
القاموس المحيط (عوق)، (عيق).