النص المفهرس

صفحات 281-300

الباب الثاني
دراسة عن
الإمام القدوري ومختصره في الفقه
الفصل الأول : ترجمة الإمام القدوري.
الفصل الثاني : دراسة عن مختصر القدوري.
الفصل الثالث : شروح مختصر القدوري والأعمال
العلمية التي قامت عليه.

الفصل الأول
ترجمة الإمام الفقيه المحدِّث أبي الحسين
أحمد بن محمد القدوري
٣٦٢هـ - ٤٢٨ هـ
رحمه الله تعالى

٢٨٥
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
المبحث الأول
الإمام القدوري أبو الحسين أحمد بن محمد
اسمه :
هو أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان
القدوري البغدادي، ولد سنة ٣٦٢هـ، وتوفي في بغداد، يوم الأحد،
الخامس من رجب، وقيل: في منتصفه، سنة ٤٢٨هـ، وله ست
وستون سنة.
ودُفن رحمه الله من يومه الذي مات فيه في داره، بدرب أبي
خلف، نقله الخطيب والسمعاني(١)، وحكاه جماعةٌ منهم ابن
خلِّكان(٢)، وزاد: ثم نُقل إلى تُربةٍ في شارع المنصور، ودُفن هناك
بجنب الإمام أبي بكر الخوارزمي محمد بن موسى، الإمام الفقيه
الحنفي تلميذ أبي بكر الجصاص الرازي، المتوفى سنة ٤٠٣ هـ.
وهكذا عاش القدوري ستاً وستين سنة أمضاها بالعلم النافع،
والعمل الصالح، والنفع الخاص والعام.
(١) ينظر الجواهر المضية ٢٤٩/١.
(٢) وفيات الأعيان ٧٩/١.

٢٨٦
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
وقد اشتهر بلقب القدوري، إما نسبةً إلى: ((قُدور)): قريةٍ قريبة من
و
بغداد، أو محلة في بغداد، وإما نسبة لبيع القَدور: جمع: قِدْر، أو
صُنْعِها، وذلك إما لاشتغاله بتلك الصنعة، أو اشتغال أحد آبائه بها،
فنُسبوا إليها.
* وقد نشأ الإمام القدوري في بيت علمٍ وفضلٍ ودينٍ وصلاح،
فكان أبوه الشيخ محمد بن أحمد عالماً ومحدِّثّاً(١).
وهكذا تربى القدوري في كَنَف والده، وترقَّى علماً وقدراً ،
وأشرقت شمس علومه في فنونٍ عديدة، وبخاصة في الفقه والحديث.
* أما عن ذرية القدوري، فقد رزقه الله ولداً اسمه محمد أبو
بكر، سمع الحديثَ من أبي علي الحسن بن أحمد بن شاذان،
والقاضي أبي القاسم التنوخي، وغيرهما، ومات سنة ٤٤٠ هــ شاباً
قبل أوان الرواية، وقيل: أدرك الدراية(٢).
وقد جمع الإمام القدوري مختصره المشهور في الفقه لابنه هذا.
* وعن بغداد في زمن الإمام القدوري من منتصف القرن الرابع
وثلث القرن الخامس، فكانت تموج بحركةٍ علمية قوية نشطة، تمثّلتْ
مظاهرها في انتشار المدارس والمكتبات الحافلة، وانعقاد الحلقات
العلمية، والمناظرات الذهبية، وكثرة الأئمة الأعلام في شتى الفنون.
ولا شك أن هذا الجوَّ العلمي الزاخر بالعلم والعلماء يولِّد عالماً
(١) ينظر الجواهر المضية ٢٩/٣، والفوائد البهية ص ١٥٧.
(٢) الجواهر المضية ٦٤/٣ (١٢٠١)، ٢٤٨/١، الطبقات السنية (١٨٥٢).

٢٨٧
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
إماماً فَحْلاً مثل الإمام القدوري.
* وقد وقفتُ على خبرٍ مجملٍ عن نشأة الإمام القدوري
العلمية، وهو ما ذكره الإمام السخاوي(١) (ت٩٠٢هـ)، عند حديث:
((العلم في الصِّغر كالنَّقش في الحجر))(٢)، حيث قال:
((وهذا محمول على الغالب، وإلا فقد اشتغل أفرادٌ، كالقفَّال،
والقدوري، بعد كِبَرهم، ففاقوا في علمهم، وراقوا بمنظرهم)). اهـ
وذكر هذا الخبر أيضاً نقلاً عن السخاوي صاحب ((كشف
الخفاء)(٣).
- شيوخه :
ذكر مترجمو القدوري أهمَّ شيوخه، ولم يدوِّنوا إلا عدداً قليلاً
منهم، ومن هؤلاء الأعلام الذين تلقى عنهم:
١ - أبو الحسين عبيد الله بن محمد بن أحمد بن أحوى بن العوام
ابن حوشب الشيباني، المعروف بالحَوْشبي، المولود سنة ٢٩٤هـ،
والمتوفى سنة ٣٧٥هـ، رحمه الله تعالی.
كان إماماً محدِّثاً ثقة ثبتاً(٤)، وقد أخذ القدوريُّ الحديثَ عنه،
(١) في المقاصد الحسنة ص ٢٩٣ - ٢٩٥، برقم (٧٠٥).
(٢) وهو حديث ضعيف، كما ذكر السخاوي.
(٣) ٨٧/٢، برقم (١٧٥٧).
(٤) له ترجمة في تاريخ بغداد ١٠/ ٣٦٢.

٢٨٨
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
وروى عنه(١).
٢ - أبو بكر محمد بن علي بن سُوَيْد المؤدِّب، الإمام المحدِّث،
المتوفى سنة ٣٨١ هـ(٢)، وقد أخذ عنه القدوريُّ الحديثَ، وروى
عنه (٣)، وجزء القدوري في الحديث كله مرويٌّ عنه.
٣- أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني الحنفي،
نزيل بغداد، من كبار أئمة وفقهاء الحنفية، وهو من تلاميذ الإمام أبي
بكر الرازي الجصاص(٤)، وهو الذي تفقه عليه القدوري(٥)، وقد
توفي سنة ٣٩٨هـ رحمه الله تعالى، ودُفن إلى جانب قبر الإمام أبي
حنيفة.
- تلاميذه :
لا شك أنه تتلمذ على يد القدوري كثيرون، لكن لم تُدوِّن کتبُ
التراجم إلا أشهرهم، وعدداً يسيراً منهم، فكان ممن أخذ عنه، وكان
فيما بعدُ إماماً من الأئمة:
١ - الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي،
الإمام الفقيه الشافعي، المحدِّث الحافظ، المؤرِّخ المشهور، صاحب
(١) ينظر الجواهر المضية ٢٤٨/١.
(٢) له ترجمة في تاريخ بغداد ٨٩/٣.
(٣) الجواهر المضية ٢٤٨/١.
(٤) له ترجمة في الجواهر المضية ٣٩٨/٣.
(٥) كما في الجواهر المضية ٣٩٨/٣، ٢٤٧/١.

٢٨٩
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
التصانيف الكثيرة، وصاحب تاريخ بغداد، وأحد أعيان الشافعية،
المتوفى سنة ٤٦٣هـ (١).
٢- أبو نصر أحمد بن محمد بن محمد البغدادي، المعروف
بالأقطع، الإمام الفقيه الحنفي البارع، شارح مختصر القدوري،
المتوفى سنة ٤٧٤ هـ(٢).
٣- عبد الرحمن بن محمد السرخسي، الإمام الفقيه القاضي،
العابد الزاهد، وهو ممن تفقه على القدوري، ومن تصانيفه: تكملة
التجريد للقدوري، المتوفى سنة ٤٣٩هـ(٣).
٤- أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري، صاحب
التصانيف، وكان فقيهاً حنفياً، تفقّه على القدوري، وكان عَلَماً من
أعلام العربية والأنساب، المتوفى سنة ٤٥٦ هـ(٤).
٥- أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن
عبد الملك الدامغاني الكبير، قاضي القضاة، الإمام الفقيه الحنفي،
من كبار أعيان الحنفية، وقد انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه، وهو
(١) له ترجمة في سير أعلام النبلاء ٢٧٠/١٨، وينظر تاريخ بغداد ٣٧٧/٤،
فقد ترجم لشيخه القدوري، ونصَّ أنه كتب عنه.
(٢) له ترجمة في الجواهر المضية ٣١١/١، تاج التراجم ص ١٠، الفوائد البهية
ص ٤٠.
(٣) له ترجمة في الجواهر المضية ٣٩٧/٢، تاج التراجم ص ١٨٥، هدية
العارفين ١ /٥١٦.
(٤) الطبقات السنية ٤ /٤٠٠.

٢٩٠
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
شيخ ابن عقيل الحنبلي(١)، الإمام المشهور.
وكان وافر العقل، كامل الفضل، سديد الرأي، عفيفاً نزيهاً،
وكان يُنظَّر بأبي يوسف القاضي حِشمةً وجاهاً وسؤدداً وعقلاً.
ومن مصنفاته: شرح مختصر الحاكم، في الفقه الحنفي، توفي
رحمه الله سنة ٤٧٨ هـ.
٦- أبو الحارث محمد بن أبي الفضل محمد السرخسي، الإمام
الفقيه الكبير، روي أنه ذكر عند شيخه الإمام القدوري، فقال عنه:
((ما جاء من خراسان وعَبَرَ النهر أفقه منه)).
وهو من طبقة الدامغاني، ولم تُذكر سنة وفاته(٢).
٧- المفضّل بن مسعود بن محمد يحيى التنوخي القاضي الفقيه
النحوي، تفقه على القدوري، وله عدة مصنفات، منها: أخبار
النحويين، ورسالة في وجوب غسل الرِّجلين، توفي سنة ٤٢٣ هـ(٣).
(١) له ترجمة في الجواهر المضية ٢٦٩/٣، الفوائد البهية ص ١٨٢، تاريخ
بغداد ١٠٩/٣.
(٢) له ترجمة في الجواهر المضية ٣٠٤/٣.
(٣) له ترجمة في الجواهر المضية ٤٩٦/٣.

٢٩١
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
المبحث الثاني
مكانة القدوري العلمية وثناء العلماء عليه
اتفق كل مَن ترجم للإمام القدوري على أنه كان شيخَ الحنفية،
ورئيساً لهم في زمانه، كما أجمعوا على الثناء عليه، وأنه كان ثقة
صدوقاً، بل كلهم نَقَلَ في ترجمته كلمةً تلميذه الخطيب البغدادي
(ت٤٦٣ هـ) فيه، حيث أثنى عليه بقوله:
((لم يحدِّث إلا بشيءٍ يسير، وقد كتبتُ عنه، وكان صدوقاً، وكان
ممن أنجب في الفقه لذكائه، وانتهت إليه بالعراق رئاسة أصحاب أبي
حنيفة، وعَظُم عندهم قَدْرُه، وارتفع جاهُه))(١).
وأراد الخطيب البغدادي بقوله: (صدوقاً): أراد صيغة المبالغة،
ولم يُرِد المعنى الاصطلاحيَّ عند علماء الجرح والتعديل، من أنه
أدنى من الثقة، وأن حديثَه حَسَن، وهذا كما وصف ابنُ أبي حاتم
الإمامَ الشافعيَّ صاحبَ المذهب(٢)، بقوله: ((فقيه البدن، صدوق))،
(١) تاريخ بغداد ٣٧٧/٤، سير أعلام النبلاء ٥٧٥/١٧، الجواهر المضية
٢٤٨/١، وينظر النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٢٧/٥، وما علّق من كلام شديد
على الخطيب البغدادي.
(٢) مناقب الشافعي لابن أبي حاتم ص ٨٩، بتحقيق عبد الغني عبد الخالق،
=

٢٩٢
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
ولم يُرِد المعنى الاصطلاحيَّ عند المحدِّثين.
* وقال الإمام أمير كاتب الإتقاني الأترازي (ت٧٥١هـ)،
صاحب غاية البيان شرح الهداية(١):
((والشيخ أبو الحسن القدوري رحمه الله هو بحرٌ زخَّار في الفقه،
وغَيْثُ مدرارٌ في الحديث، وناهيك من الدلالة على غزارة علمه:
شرحه لمختصر الكرخي رحمه الله، فإذا طالعتَه عرفتَ أن محلَّه في
الفقه كان عند العَيُّوق(٢)، لا تناله يدُ كلُّ أحد، ويرجع طَرْف الناظر
إلى منزله من كَلاَلٍ ورَمَد)). اهـ
* وقال الإمام القرشي (ت٧٧٥هـ) في الجواهر المضية(٣):
((كان القدوري حَسَنَ العبارة في النظر، جريَّ اللسان، مُديماً
لتلاوة القرآن)». اهـ
* وقال الإمام ابن كثير (ت٧٧٤هـ) في البداية والنهاية(٤):
((كان إماماً بارعاً عالماً، وثَبْتاً مناظِراً، ... وهو صاحب المختصر
ونقل الذهبي كلام ابن أبي حاتم في سير أعلام النبلاء ٤٨/١٠.
(١) كما نقل عنه هذا الإمام العيني في البناية ٢٦/٥٪ (ط باكستان)، في كتاب
الحج، في الإفاضة من مزدلفة.
(٢) العَيُّوق: نجمٌ أحمر مضيء في طرف المجرَّة الأيمن، يتلو الثريا لا يتقدمها.
القاموس المحيط (عوق)، (عيق).
(٣) ٢٤٨/٢، وغيره.
(٤) ٢٦/١٢.

٢٩٣
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
الذي يُحفَظ)». اهـ
* وقال الإمام يوسف بن تَغْري بردي(١)، (ت٨٧٤هـ):
((هو الإمام العلامة ... ، وإنّ شأن هذا الإمام قد تجاوز الحدَّ في
العلم والزهد)». اهـ
* وكان للقدوري اهتمامٌ بالغ بطلب الحدیث وسماعه، لكنه لم
يحدِّث إلا بشيءٍ يسير، وقد روى عنه الحديثَ تلامذتُّه، مثل
الخطيب البغدادي، وغيره، وقد عدَّه الذهبي من حُفّاظ الحديث،
فترجم له في تذكرة الحفاظ (٢).
وعن مروياته يقول الإمام القرشي (٣): ((ووقع لي جزء من حديثه،
روايةَ قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، أخبرنا بجميعه المسندان
المعمَّران الإمامان ... )). اهـ، وساق السند.
* مناظرات القدوري مع علماء عصره :
كانت للإمام القدوري مجالسُ علميةً عامرة تجري فيها مناظراتٌ
علميةٌ بارزةٌ بينه وبين بعض أئمة عصره، كلٌ يُيدي فيها حُجَجه وأدلته
على قوله الذي توصل إليه وتبنّاه، مع كل محبة واحترامٍ وأدبٍ بين
الطرفين.
(١) النجوم الزاهرة ٢٧/٥.
(٢) ١٠٨٦/٣.
(٣) الجواهر المضية ٢٤٩/١.

٢٩٤
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
ومن تلك المجالس المنوّرة بالعلم، المزيَّنة بالأدب، مناظراتٌ
كانت تُعقد بين الإمام القدوري، والإمامين أبي الطيب الطبري
الشافعي، وأبي حامد الإسفراييني الشافعي، وكانت لأبي حامد مكانةً
كبيرةً عند القدوري(١).
وقد ذكر الإمام السبكي في طبقاته (٢)، في ترجمة القاضي أبي
الطيب الطبري، نصَّ مناظرةٍ كانت بين الإمام القدوري الحنفي،
والإمام أبي الطيب الشافعي في مسألة: هل يَلحقُ المختلَعةَ حالَ عدتها
الطلاقُ أم لا؟
فالقدوري يدلِّل على أنه يلحقها، وأبو الطيب يدلل على عدم
لحوقها، وقد جاء نص المناظرة في عشر صفحات باستعراض
شافعي.
(١) وفيات الأعيان ١/ ٧٣.
(٢) ٣٦/٥ - ٤٦، وينظر وفيات الأعيان ٧٩/١، الفوائد البهية ص ٣٠.

٢٩٥
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
المبحث الثالث
مصنَّفات الإمام القدوري
لقد بارك الله تعالى في جهود الإمام القدوري، وأعماله العلمية،
حيث صنّف عدة كتبٍ كبار في خلاف الفقهاء وأدلتهم، تدل على
إمامته وبراعته في علم الفقه والحديث وغيرهما.
كما أنه ألَّف مختصره المشهور في الفقه الحنفي، الذي وضع فيه
زبدة الفقه الحنفي وثمرته، وغالب رؤوس مسائله الفقهية، خالياً من
الأدلة، فمَن أراد العمل، ومعرفة الحكم دون الخوض في الأدلة
والمناقشات، فعليه بالمختصر، ففيه غُنية عظمى، وكفاية كبرى، إذ
حوى هذا المختصر اثنتا عشرة ألف مسألة فقهية، ومن أراد بَسْط
الأدلة، ووجوه الدلالة على تلك الفروع والمسائل، فعليه بكتبه
الكبيرة التي خصَّها لذلك.
وفيما يلي أذكر ما وقفتُ عليه من كتبه، مع بيان حالها ومزاياها:
١ - التجريد في مسائل الخلاف بين الحنفية والشافعية :
وهو مطبوعٌ محققٌّ في (١٢) مجلداً، وقد وصفه الإمام القرشي
بقوله :
((والتجريد في سبعة أسفار، اشتمل على مسائل الخلاف بين

٢٩٦
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
أصحابنا وبين الشافعية، شرع في إملائه سنة ٤٠٥ هـ))(١). اهـ
وقال الإمام ابن تغري بردي (ت ٨٧٤هـ) في الثناء على التجريد
ء
ما نصه :
((وأملى التجريدَ في الخلافيات، وأبان فيه عن حفظه لما عند
الدار قطني من أحاديث الأحكام وعللها)). اهـ
وقال عنه صاحب كشف الظنون(٢): ((التجريد للإمام القدوري في
مجلدٍ كبير، أفرد فيه ما خالف فيه الشافعي من المسائل، بإيجاز
الألفاظ، وأورد الترجيح، ليشترك المبتدىء والمتوسط في فهمه)). اهـ
وقال العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري (ت ١٣٧١هـ): ((ويدل
تجريده على سعته في الفقه))(٣).
* وقد جاء في مقدمة المؤلف ما نصُّه:
((ابتدأ الشيخ أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعفر البغدادي
القدوري رضي الله عنه بالإملاء يوم الأحد، الثالث والعشرين من ذي
القعدة، سنة خمس وأربعمائة، وقال:
اللهم اعصمنا من الزَّلَل، ووفقنا في القول والعمل، واجعلنا لك
طائعين، وبما يُرضيك متمسكين، وفيما عندك راغبين.
(١) الجواهر المضية ٢٤٨/١.
(٢) ٣٤٦/١.
(٣) التحرير الوجيز ص١٠٨، في إجازته لتلميذه الأستاذ أحمد خيري.

٢٩٧
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
قد أفردنا في هذا الكتاب ما خالف فيه الشافعي، بإيجاز الألفاظ،
واستيفاء معانيه، وأوردنا الترجيح، ليشترك المبتدىء والمتوسط في
فهمه، والانتفاع به، والله ولي التوفيق)). اهـ
وكان من منهج القدوري في كتابه التجريد، أنه بدأ كتابه بكتاب
الطهارة، وهكذا إلى تمام أبواب الفقه على الترتيب المعهود، ولا
يذكر في التجريد إلا المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية، فيبدأ
بذكر رأي الحنفية في المسألة، ثم يُتبع ذلك برأي الشافعية، ثم يعرض
أدلة الحنفية، وبعدها يذكر أدلة الشافعية، ومناقشاتهم لأدلة الحنفية،
ثم يناقشها واحداً واحداً، ثم يتوصَّل بعد ذلك إلى ترجيح رأي
الحنفية.
وعبارة الكتاب حسنة سهلة، وقد استعمل المؤلف الأسلوب
الهادئ في المحاورة والمناظرة بين الطرفين، مع الأدب الجمِّ الوافر
في الألفاظ والمناقشات.
وقد بدأ إملاءه سنة ٤٠٥ هـ، وكانت ستُّه آنذاك ٤٣ سنة، وهو
سن الكمال والنضج.
ويُعدُّ هذا الكتاب من أكبر كتب الفقه المقارن وأعظمها، وهو
غنيٌّ بالأدلة والمناقشات، التي تورث لدى طالب العلم مَلَكةً فقهيةً
قويّة، تدرِّبه وتؤهله لمرتبة الترجيح، والنظر في الأقوال وأدلتها.
كما يؤكد هذا الكتاب، وما فيه من عرضٍ لأدلة كل طرف، يؤكد
لطالب العلم أن لكل مذهبٍ وقولِ أدلته، ولكلّ وجهةٌ ومأخذ، مما
يورث لدى طالب العلم الأدبَ والاحترام والإنصاف لكل المذاهب

٢٩٨
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
الفقهية المعتبرة، وأن المذاهب الفقهية الأربعة كالأسرة الواحدة
المتماسكة الموصولة فيما بينها برَحِم الإسلام والعلم، المؤدي لكل
مودة ومحبة بين مقلدي هذه المذاهب الفقهية المعتبرة.
* وقد طبع الكتاب محققاً من قِبَل فريق ضمَّ نحواً من عشرين
محقّقاً، وصدر الكتاب في (١٢) مجلداً، وكان المشرف على التحقيق
أ. د/ محمد أحمد سراج، وأ. د/علي جمعة محمد، وصدرت الطبعة
عن دار السلام للطباعة والنشر بالقاهرة، سنة ١٤٢٥ هـ.
وقد اعتمد المحققون على عدة نسخ خطية، وهناك نسخٌ أخرى
ذكرها أصحاب الفهرس الشامل(١)، لم يذكرها المحققون، وبالجملة
فالطبعة مقبولة إلى حدٍّ كبيرٍ، ولا تخلو من استدراكات وأخطاء وقعت
في النص.
٢- شرح مختصر الكرخي :
مختصر الكرخي هو من تأليف الإمام أبي الحسن عبيد الله بن
الحسين الكرخي، مَن انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه، المتوفى
ببغداد سنة ٣٤٠هـ.
ويظهر من النصوص المنقولة عنه (٢) أن الكرخي لم يُخْلِه من ذكر
الأدلة كحال بقية المختصرات، كما أنه يسوق الحديث المستدل به
بسنده المتصل.
(١) ٢٧٨/٢.
(٢) ينظر البناية للعيني ١١ / ٣٧.

٢٩٩
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
وممن شرح هذا المختصر الإمام القدوري، ولم يوقّف على اسمٍ
لهذا الشرح، وقد بَسَطَ القدوري في شرحه هذا بسطاً واسعاً، مع
سَوْق الأدلة، وذكر الخلاف والمناقشات.
وقد أثنى على هذا الشرح الإمام أمير كاتب الإتقاني،
(ت ٧٥١هـ)، صاحب غاية البيان شرح الهداية، حيث قال(١):
((والشيخ أبو الحسن القدوري رحمه الله بحرٌ زخَّارٌ في الفقه،
وغيثَ مِدرارٌ في الحديث، وناهيك من الدليل على غزارة علمه:
شرحه لمختصر الكرخي رحمه الله، فإذا طالعتَه عرفتَ أن محلّه في
الفقه عند العَيُّوق(٢)، لا تناله يدُ كلُّ أحد، ويرجع طَرْف الناظر إلى
منزله من کلال ورمد». اهـ
ويقع هذا الشرح في عدة مجلدات كبار، ومنه نسخٌ عديدة في
تركيا وغيرها (٣)، وقد جاءت نسخة مكتبة ولي الله باسطنبول في
خمس مجلدات، يبلغ عدد أوراقها ألفي ورقة تقريباً، وكذلك بقية
النسخ تقع في نحو خمس مجلدات (٤).
(١) كما نقل عنه هذا الإمام العيني في البناية ١٢٦/٥ (ط باكستان)، في كتاب
الحج، في الإفاضة من مزدلفة.
(٢) العَيُّوق: نجمٌ أحمر مضيء في طرف المجرَّة الأيمن، يتلو الثريا لا يتقدمها.
القاموس المحيط (عوق)، (عيق).
(٣) ينظر الفهرس الشامل ٤٦٢/٥.
(٤) كما أفادني بهذا مشكوراً الأخ الكريم الفاضل سعادة الدكتور خليل قوتلاي،
حيث أرسل إليَّ ما سجَّله من معلومات عن نسخ هذا الكتاب في مكتبات اسطنبول.

٣٠٠
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
وهكذا سبحان مَن ألهم القدوريَّ أن يكتب هذا الشرح بهذا
البسط الكبير، وأن يكتب أيضاً ذلك المختصر المشهور مختصر
القدوري بذلك الحجم اللطيف، مع ما حواه من علمٍ غزير.
والكتاب يُحقّق في معهد القضاء في الرياض، من قِبَل طلاب
الدراسات العليا، ويعمل على إخراجه أيضاً أحد الأساتذة الكرام.
* وممن اختصر شرح القدوري على الكرخي: الإمام أبو المعالي
عبد الرب بن منصور الغزنوي، المتوفى في حدود سنة ٥٠٠هـ، كما
جاء في مقدمة الغزنوي نفسه لشرحه على مختصر القدوري المسمى:
(ملتمس الإخوان)، حيث قال:
(إني لمَّا وفّقني الله تعالى بفضله ورحمته ومَنِّه ورأفته أن
لخّصتُ شرح مختصر الكرخي، المصنّف من جهة الشيخ أبي الحسين
أحمد بن محمد القدوري ... وأنفقتُ أكثر عمري على تلخيصه
وتنقيحه، وأَرَّقتُ ما شيَّبني في ترصيفه وتوشيحه، واستحسن
مجهودي كلّ مَن وَقف عليه من الفقهاء والمحققين المميّزين ...
التمس إخواني ... أن أشرح لهم مختصر الشيخ القدوري ... ،
وسمَّيتُ هذا الكتاب من بين سائر الأسامي: ملتمس الإخوان
ومبتغى الأحباب والخِلاَّن .. )) (١). اهـ
(١) كما كتب إليَّ بذلك من اسطنبول مشكوراً الأخ الكريم الأستاذ محمد فاتح
قايا، فقد وقف على المخطوط بنفسه، ونقل منه هذه المقدمة، وسيأتي ذكر شرحه
هذا ضمن الفصل الثالث: (شروح مختصر القدوري) إن شاء الله تعالی.