النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب المبحث الأول التعريف بكتاب : ((اللباب في شرح الكتاب)) وبيان عمل المؤلف ومنهجه فيه اللباب هو شرحٌ لمختصر الإمام القدوري أبي الحسين أحمد بن محمد، المتوفى سنة ٤٢٨ هـ، وهو مختصرٌ في الفقه الحنفي، ويسمىُ: بـ ((الكتاب))، وهو مَتْنٌ متين معتمدٌ في المذهب الحنفي، وعليه شروح كثيرة، وسیأتي فصل خاص للكلام عنه. وقد طُبع ((اللباب)) عدة طبعات في حياة المؤلف، وبعده، والطبعة المتداولة الآن في أربعة أجزاء، كل جزء منها يقع في حدود ٢٣٠ صفحة. وقبل الكلام عن عمل المؤلف فيه، وبيان منهجه وطريقته، أنقل مقدمته ليرى القارئ من خلالها ما نصَّ عليه هو في ذلك، حيث قال: * (( ... أما بعد: فإن الكتاب المبارك للإمام القدوري، قد شاعتْ بركتُه حتى صارت كالعِلم الضروري، ولذا عكفتِ الطلبةُ على تفهُّمه وتفهيمه، وازدحموا على تعلَّمه وتعليمه، وكنتُ ممن عَكَفَ عليه الأيام الكثيرة، ودَأَبَ على التردُّد إليه حتى أسرَّ إليه ضميرَه، فرأيتُ ١٤٢ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب بعضَ جواهره قد خَفِيَتْ في معادِنها، وبعضَ لطائفه قد استَتَّرَت في مکامنها. وكان كثيراً ما يخطر لي أن أتطفَّل عليه بجَمْع بعضِ عباراتٍ تكون كالشرح إليه، لتفصيل مُجْمَلِه، وتقييد مُطْلَقِه، وإيضاحِ مَعانيه على وجه التوسُّط، مع الإيضاح بحيث يكون مُعيناً لمُعَانِيه، إلا أنه كان يمنعني أني لستُ من أهل هذا الشان، وقصيرُ الباع في هذا الميدان، ثم جرَّأني على اقتحام هذا المقام، رجاء الانتساب بالخدمة لذلك الإمام، تشبُّئاً بأذیال بركته، وتیمُّناً بخدمته. فاستخرتُ الله تعالى، وجمعتُ من كلامهم ما يدلُّ على مقصودهم ومَرَامهم، مع زيادة ما يَغلبُ على الظن أنه يُحتاج إليه، وتحرِّي ما هو المعتمَد والفتوى عليه، وضمِّ ما جَمَعَه العلامةُ قاسم في كتابه: ((التصحيح))، من اختيارات الأئمة لِمَا هو الأرجح والصحيح. ولم آلُ جُهداً في التهذيب والتحرير، وتحرِّي ما هو الأظهر والأوضح في التعبير ... )). اهـ وهكذا من خلال مقدمة المؤلف هذه، ومن مصاحبتي الطويلة لكتاب اللباب، وخدمتي له وتحقيقي لنصه، يمكن أن أبيِّن عمل المؤلف فيه، ومنهجه وطريقته في النقاط التالية: ١ - اللباب هو شرحٌ مَزْجِيٌّ بين عبارته وعبارة مختصر القدوري، مع براعةٍ تامةٍ في هذا المزج، فما يشعر القارئ في الغالب وهو يقرأ في اللباب إلا بتسلسلٍ تامٍّ، وانسجامٍ مرتّبٍ منظّم بين عبارات المختصر والشرح، دون أي انقطاع، أو عدم ائتلاف، وهذا يحتاج ١٤٣ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب وُ إلى تمكّنٍ قويٍّ في التعبير الذي أُوتِيَه الشيخ الميداني، وما اكتسبه من علوم متنوعة ساعدته على ذلك. س ـ ٢- اللباب شرحٌ متوسط، كما صرَّح بهذا مؤلّفُه في المقدمة، وهو في توسطه أقرب إلى الاختصار منه إلى الإطالة. ٣- يتحرَّى الشارحُ فيه ما هو الأظهرُ والأوضحُ في التعبير، ولذا كان هذا الشرح من أوضح الشروح وأسلسها. ٤ - كان من منهج الشارح الميداني أنه زاد مسائلَ وفروعاً فقهيةً كثيرةً على مختصر القدوري، رأى الحاجة إلى إضافتها، ويأتي بها في الغالب الأكثر من ((الهداية))، ومن ((الجوهرة النيرة))، و ((الدرر والغرر)). ٥- يهتم الشارح الميداني بذكر مناسبات لطيفة لعناوين الكتب والأبواب الفقهية الموجودة في مختصر القدوري، ويربط بعضَها ببعض، مبيّناً من غير إطالةٍ سببَ تقديم هذا على هذا، وتأخير ذلك على غيره، وهو ما يسمى مناسبات ترتيب الموضوعات. ٦- يبيِّن الشارح الميداني المعنى اللغوي لعنوان الكتاب الذي يشرحه، ثم يذكر المعنى الاصطلاحي الشرعي له. ٧- يهتم بضبط الكلمات المشكلة، ويشرح الألفاظَ الغريبة الواردة في النص، بشكلٍ لطيف مختصر. وأنِّّه هنا، إلى أن الميداني حين يُدخل ألفاظَ شرحه بين ألفاظ مختصر القدوري بطريقة الشرح المزجي، يؤدي هذا أحياناً كثيرة إلى ١٤٤ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب تغيُّر ضبط ألفاظ مختصر القدوري وإعرابها، وذلك بسبب تغيُّر موقع الكلمة، مثل قول القدوري: ((والسَّتْرُ أفضلُ))، وقد جاءت في اللباب هكذا: ((لكنَّ السترَ أفضلُ))، ونحو هذا، مما يجعل أحياناً ضبط المختصر المثبت أعلى يختلف عن ضبط المختصر المنثور في اللباب. ٨- صرَّح الشارح في المقدمة أنه يهتم بتفصيل مُجْمَله ، وتقييد مُطْلَقه، وإيضاح مَعانيه على وجه التوسُّط، وهو في ذلك كله لم يألُ جُهداً في تهذيب العبارات وتحريرها وتنقيحها. ٩- اهتمّ الشارحُ بالتدليل لمسائل مختصر القدوري، بأدلة نقلية وعقلية، أو ما يسمى بالرواية والدراية، لكن كان اهتمامه الأكثر الغالب بذكر الأدلة العقلية، فإنه حين ينقل من الهداية شرحَ المسألة وبعضَ أدلتها، تراه ينقل في الأكثر الغالب الأدلة العقلية دون النقلية، في حين أن صاحب الهداية الذي نَقَلَ عنه المؤلف كثيراً، كان يهتم بالجانبَيْن معاً، فيقوِّي صاحبُ الهداية الروايةَ بالدراية، وبالعكس. وقد فكَّرتُ كثيراً، وبحثتُ عن وجهة نظر الشارح الميداني في هذا، فلم أجد تعليلاً لذلك، والله تعالى أعلم. وإن التأسيس بالأدلة النقلية، ثم دَعْمَها بالأدلة العقلية، هو ما استحسنه الإمامُ العينيُّ، وحثَّ عليه، كما صرَّح بذلك في مقدمة كتابه البناية، حيث قال(١): (١) ٢٣/١ (ط / باكستان). ١٤٥ الفصل الثانى: دراسة عن اللباب ( .... ألا ترى إلى أكثر شُرَّاح هذا الكتاب - الهداية - وغيرهم من شُرَّاح غيره في هذا الباب، قد ملؤوا تصانيفَهم بقولهم: ((لأن))، وحَشَوْها بـ ((إنما))، و((لكن))، ... ، وإنما يَحْسُن هذا بعد التأسيس بالخبر، والتنصيص بالأثر ... )). اهـ * وعلى هذا، فما يذكره صاحبُ اللباب، وهكذا غيرُه من شُرَّاح الكتب من أدلة للحنفية، إنما هو بعضٌ من أدلتهم، فلا يُقتصر عليها عند الاستدلال للحنفية، ومَن أراد التتبع والاستقصاء، فكتُب الحنفية المطوّلة من المطبوع والمخطوط مشحونة بالأدلة، من الكتاب والسنة والإجماع وغيرها، مع بيان وجه الدلالة من الدليل، وغير هذا من بيان قواعد استنباط الأحكام من الأدلة. * وأيضاً فإن ما يُذكَر في كتب الفقه من أدلةٍ لأقوال إمام المذهب، فإنا لا نستطيع الجزم بأن هذا هو دليله الذي استدل به، وأن هذه هي وجهة نظره في الاستنباط، فقد يكون هذا، وقد يكون مما استدلَّ له به، وهذا کثیرٌ. * وكذلك فإن ما يُذكر من بعضِ الأدلة للقول، إنما هو الإيناس المكلّف المقلِّد لهذا المذهب، وإلقاء الطمأنينة في قلبه لما يفعله ويقوم به من أحكام، وليعلم في نفسه علمَ اليقين، أن هذه الأحكام مأخوذة من مصادر التشريع المتنوعة، التي لها قُدْسيتها وحُجِّيتها واعتبارها، وأنه ما من حكمٍ لإمامٍ من الأئمة المعتبرين المتبوعين إلا وله دليلٌ، ووجهُ دلالة، عَرَفه مَن عَرَفه، وجَهِلَه مَن جهله، وبذلك يندفع عن المقلِّد تشكيك المشكِّكين، وفِتَن الجاهلين. ١٤٦ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب * وهكذا مسألة الاستدلال مسألةٌ عريضةٌ جداً، تحتاج لإفرادها بتأليفِ خاص، وبخاصة أن لكل إمامٍ مجتهدٍ قواعدَ في الاستنباط تختلف عن غيره. * وكذلك تصحيح الأحاديث المستدَلِّ بها وتضعيفُها مسألةٌ اجتهادية، تختلف فيها أنظار المحدِّثين. وطريقة الفقهاء في قبول الأخبار وردِّها غير طريقة المحدِّثين، وقد نصَّ على هذا الإمام أبو بكر الرازي الجصاص في شرح مختصر الطحاويِّ، وغيرُه كابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم، بل يقول الإمام الجصاص(١): (( ولا نعلم أحداً من الفقهاء رجع إليهم في قبول الأخبار وردِّها، ولا اعتبر أصولَهم)). اهـ وهكذا أمورٌ وأمورٌ في الاستدلال، فالمسألة ليست بالأمر السهل، ومن هنا يأتي العجب كل العجب، مما يفعله البعضُ في الأبحاث الفقهية المقارنة، أو في بعض المؤلِّفات الفقهية المقارنة، من ذِكره لبعض الأدلة لقولٍ ما، دون ذكر بقية الأدلة، ويتسرع بالحكم عليها بالضعف، ومن ثمّ يقضي بشرطة قلمٍ، وبدون أمانة علمية بالرجحان للقول الآخر؟ !! وكذلك يُتعجَّب مما يُجعل من عناوين عريضةٍ لكتبٍ فيها بعض الأدلة، كالفقه الإسلامي وأدلته، أو: الفقه المالكي وأدلته، وهكذا. (١) شرح مختصر الطحاوي (أول كتاب النكاح) ٢٤٤/٤. ١٤٧ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب ١٠ - اهتمَّ صاحبُ اللباب كثيراً، بل تحرَّى ذِكْرَ الأصح والأقوى، والمعتمَدِ المختار للفتوى، وذلك حالَ وجود خلافٍ بين أئمة المذهب في المسائل المذكورة، كما صرَّح بذلك في مقدمته. وكان اعتماده الأول في ذلك على كتاب العلامة قاسم بن قطلوبغا: ((تصحيح القدوري))، وقد صرَّح الميدانيّ في مقدمة اللباب ءِ بضمِّ ما جَمَعَه العلامة قاسم من اختيارات الأئمة لما هو الراجح والصحيح. وهذا العمل الذي قام به العلامة قاسم عملٌ عظيمٌ جليلٌ، خَدَم به المذهبَ خدمة جليلة. وهذا الضمّ والاحتواء من الميداني لتصحيح القدوري، يختلف قدره من مسألةٍ لأخرى، فأحياناً يورد الميدانيَّ نصَّه كما هو، وأحياناً كثيرة يختصره، وفي أحيانٍ قليلة يترك ذكره، مع كونه مهماً في تلك المسألة. وبهذه المناسبة أُشير إلى أني قد حاولتُ جاهداً إتمامَ مسيرة الميداني في بيان المعتمد المفتى به في المذهب فيما فاته، أو فيما فيه استدراكٌ، أو اختلافُ تصحيح، وذلك من ((تصحيح القدوري))، ومن غيره من كتب المذهب، المهتمة ببيان هذا الجانب. كما اعتمد الميداني أيضاً على كتاب ((الهداية)) في بيان المفتى به، وعلى ما سجَّله شيخُه العلامة ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار، فيأتي الميدانيّ بخلاصاتٍ مما ذكره. وهكذا كان يعتمد على كتاب ((الجوهرة النيرة))، وعلى كتاب ١٤٨ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب ((درر الحكّام شرح غرر الأحكام)) لمنلا خسرو، وغيرها من كتب المذهب. وأما ما في اللباب من نَقْل تصحيحاتٍ وترجيحاتٍ عن النسفي وبرهان الشريعة وصدر الشريعة، فهي بالواسطة عن طريق تصحيح القدوري للعلامة قاسم. * وبهذه المناسبة، أُنّبِّه هنا إلى أن مسألةَ بيانِ الراجح في المذهب، ومعرفةِ المفتى به والمعتمَدِ حالَ اختلاف أقوال أئمة المذهب، مسألةٌ شائكة عريضةٌ مهمة، وفيها وجهات نظرٍ مختلفةٌ لأئمة المذهب، من المتقدمين والمتأخرين، متباينةٌ تأصيلاً وتفريعاً. فمنهم مَن يجعل قول الإمام هو المقدَّم دائماً، ومنهم مَن يرجِّح قولَ أحد أصحابه وخاصة الصاحبين، وهؤلاء منهم مَن يجعل سببَ الترجيح قوة الدليل، وبذا يكون المرجِّحُ قد نصَبَ نفسَه حَكَماً بينهم، أو يكون الترجيح للتيسير، أو لاختلاف الزمان والمكان، أو اتباعاً لترجيح مرجِّحٍ من أئمة المذهب ... ، وهكذا يحتاج الأمر إلى كتابةٍ مفردة دقيقة محرَّة، مع كل ما كتب فيها. وكذلك مسألة أخرى مهمة تتصل بها، وهي: كيف دخلتْ أقوال الأصحاب أبي يوسف ومحمد وزفر في المذهب، ونُسبتْ إليه، وسُمِّي الجميع مذهب أبي حنيفة؟ أسأل الله تعالى أن ييسر لي إتمام الكتابة في بيان ذلك، وتحريره وتنقيحه، مع السداد والتوفيق. ١١ - صرَّح الشارح الميداني في مقدمة اللباب أنه جَمَعَ فيه ١٤٩ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب عبارات تكون كالشرح على مختصر القدوري، مع زيادات مستحسنة يضيفها من عنده. وكان من منهجه رحمه الله في ذلك عَزْو ما نقله لقائله، إلا أحياناً قليلة، وأحياناً يكون العزو بالواسطة، وليس بشكل مباشر. ١٢ - من أهم المصادر التي اعتمدها الميداني في اللباب لشرح عبارة القدوري: كتاب ((الهداية)) للمرغيناني، بتصريحٍ في الأغلب، وبغير تصريحٍ في مواضع كثيرة. وقد أكثر الميداني من النقل عن الهداية جداً، والسبب في ذلك أن كتاب الهداية من أهم الكتب المعتمدة عند الحنفية، وقد جمع صاحبُ الهداية في كتابه: ((بداية المبتدي)) بين مختصر القدوري، والجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن الشيباني، ثم شَرَحَ ذلك في الهداية، ولذا يُعتبر كتاب الهداية من شروح القدوري. وقد اعتمد صاحبُ الهداية ترتيبَ الجامع الصغير، دون ترتيب القدوري، كما أن المرغيناني أسقط من بداية المبتدي والهداية كتاب الفرائض والمواريث، لعدم وجوده في الجامع الصغير، مع أنه موجودٌ في مختصر القدوري. وهذه النقول عن الهداية أحياناً يوردها الميداني بالنص، وأحياناً كثيرة جداً يختصرها ليفيد القارئ بالمراد، لكن هذا الاختصار كان يسبِّب في بعض الأحيان إشكالاً، أو صعوبة في فهم النص، وأحياناً قليلة جداً يجعل خللاً في النص، كما حصل في مسألة تطهير الخُف إذا أصابته نجاسة، ومسائل أخرى، مما سيراه ١٥٠ الفصل الثانى: دراسة عن اللباب القارىء في موضعه. وأيضاً فقد أكثر الميدانيّ النقل عن ((الجوهرة النيرة)) شرح القدوري، للحدادي، بتصريح في العزو إليه، وبدون تصريح. ١٣ - كتاب اللباب خاصٌّ بذكر المذهب الحنفي دون غيره، ولا يتعرَّض لذكر الفقه المقارن بين المذاهب الأربعة المشتهرة، لكن الميداني في مواطن قليلة معدودة يذكر خلاف بقية المذاهب الأربعة، مع أدلة لطيفة بدون توسع، مثل مسألة لُقَطة الأنعام من البقر والإبل، في كتاب اللقطة. وأحياناً يكون الخلاف مذكوراً أصلاً في مختصر القدوري، وليس ضمن المذاهب الأربعة فحسب، بل بأوسع، وهو نادر قليل، مثل مسألة توريث الخنثى، حيث ذكر القدوري أن قول الصاحبين هو قول الإمام الشعبي. ١٤ - بالنسبة لبيان ما هو واقعٌ من اختلافٍ في نُسَخ القدوري، فقد كان من عمل الشارح الميداني ومنهجه أنه يذكر أحياناً ما وقع له من خلافٍ بين النسخ، ثم يبيِّن أَوْلى النسخ بالصواب والصحة، وليس هذا باطراد، فنُسَخُ القدوري فيها اختلافات كثيرة جداً، وعددٌ كبيرٌ من هذه المغايرات جوهريٌّ، ولا يشير إلى كلها، ومسألة اختلاف نسخ القدوري مسألة مهمة، وقد أفردتها في فصل خاص، سيأتي إن شاء الله تعالى. ١٥١ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب المبحث الثاني مزايا اللباب للميداني ١ - اللباب شرحٌ لمتنٍ متقدِّمٍ متينٍ معتبَرٍ في المذهب الحنفي، معتمَدٍ كلَّ الاعتماد عند الحنفية. ٢ - إن شروح القدوري كثيرة جداً، لكن يمتاز اللباب بأنه شرحٌ دقيقٌ، واضحٌ إلى حدٍّ كبير، متوسِّطٌ في حجمه بالنسبة للشروح، وفيه من الفوائد ما لا تجده في غيره، وفيه فروعٌ كثيرة جاءت زائدة على ما في القدوري، وإذا كان عدد مسائل القدوري يبلغ (١٢٠٠٠) مسألة، فإن عدد مسائل اللباب مع أصله يبلغ نحو خمسين ألف مسألة تقريباً. ٣- من مزايا كتاب اللباب أنه يهتمُّ كثيراً بذكر الراجح المفتى به المعتمَدِ في المذهب. ٤- إن تضمين الميداني لكتاب ((تصحيح القدوري)) للعلامة قاسم، يوقِفُ طالب العلم القارئ على أسماء كثير من كتب المذهب الحنفي، وأسماء مصنِّفيها، وبذلك تتكون لديه ذخيرة كبيرة، وحصيلة عظيمة في هذا الجانب المهم من المعلومات عن المذهب، مما يجعل القارئ متصلاً بأئمة مذهبه ومصنَّفاتهم، وتكونُ له بذلك صلة وَصْلٍ ومعرفةٍ بين الطالب والكتاب. ١٥٢ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب ٥ - كتاب اللباب شرحٌ ليس بالسهل ولا بالصعب، وإلى الوضوح أقرب، ويمكن أن يستفيد منه طلاب المذهب الحنفي في كافة مراحلهم، وكل منهم يأخذ منه على حسب حاله، وقَدْر علمه. ٦- من مزايا كتاب اللباب كثرة مصادره المتنوعة، التي التقط منها 93 الميدانيّ غُرَرَ الفوائد العِظام، ودُرَرَ الأحكام، مما لا تجده مجموعاً في غير هذا المقام. ٦ - إن اهتمام صاحبِ اللباب بذكر المصدر الذي نَقَلَ عنه، يورِثُ ثقةً كبرى لدى القارئ بما حواه اللباب من معلوماتٍ وأحكامٍ، مع العلم بأن صاحبه ثقةٌ وفوق الثقة فيما ينقله ويحكيه، حتى إذا ما أراد القارئُ التأكَّدَ منها ليطمئنَّ قلبُه فهي أمامه. وأيضاً فإن ذكر المصدر يُدرِّبُ القارىءَ على هذا المنهج العلمي المبارك الدقيق الرَّصِين فيما ينقله أو يحكيه من أحكامٍ فقهيةٍ، التي يُشترط في نقلها الدقةُ البالغة، فرُبَّ تغيير حرفٍ واحدٍ يغيِّر الحكم. وأيضاً فإن ((مِن شُكْر العلم أن تستفيد الشيءَ، فإذا ذُكر لكَ؟ قلتَ: خَفِيَ عليَّ كذا وكذا، ولم يكنْ لي به علمٌ حتى أفادني منه فلانٌ كذا وكذا، فهذا شُكْرُ العلم)). اهـ من كلام الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام(١)، المتوفى سنة ٢٢٤ هـ. ٧- جَمَعَ اللباب بين جلال نصوص المتقدِّمين وأنوارِها، وبين (١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ١٥٤/٢، ((أبو عبيد القاسم بن سلام))، لكاتب هذه الحروف ص٥٩. ١٥٣ الفصل الثانى: دراسة عن اللباب جمال جواهر المتأخِّرِين ودُرَرِها، كما حوى غُرَرَ الفوائد، وضمَّ شَمْلَ كثيرٍ من أصول السابقين، وفروع اللاحقين، حتى صار سلسلةً ذهبيةً متصلة، وسبيكةً متينة غير منفصلة، تُلحِق الأحفاد بالأجداد، وتوصل القاصي بالداني. ٨- من مزايا اللباب أن العلماء تلقّوْه بقبول حسنٍ كبير لما وجدوا فيه من مزايا عديدة، وهكذا نال اللباب حظّاً وافراً مما ناله أصلُه مختصر القدوري، من البركة والانتشار العظيم بين أهل العلم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ١٥٤ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب المبحث الثالث مدة تأليف اللباب صرَّح المؤلف الميداني في آخر كتاب الزكاة أنه كان يشرحه سنة ١٢٦١ هـ، أي وله من العمر ٣٩ سنة، وقد انتهى منه مؤلّفُه سنة ١٢٦٦ هـ. وفي بعض مخطوطات اللباب أنه انتهى منه سنة ١٢٦٨ هـ. قلت: ولعله انتهى منه أولاً سنة ١٢٦٦ هـ، ثم أعاد النظر فيه لتنقيحه وتهذيبه، فكان الانتهاء منه تماماً في المرة الثانية محرَّراً منقَّحاً سنة ١٢٦٨ هـ، والله أعلم. وعلى هذا، إذا قدَّرنا أنه بدأ بتأليفه سنة ١٢٥٩ هـ، حيث وصل إلى كتاب الزكاة سنة ١٢٦١ هـ، وانتهى منه محرَّراً منقَّحاً سنة ١٢٦٨ هـ، فتكون مدة تأليفه له حوالي تسع سنوات، والله أعلم. ١٥٥ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب المبحث الرابع مصادر اللباب جاء في الصفحة الأولى من طبعة اللباب سنة ١٢٧٥ العثمانية، التي طبعت في حياة المؤلف، جاء بيان ذكر مصادر الميداني في اللباب بالعبارة التالية: ((بيان ما في هذا الشرح اللطيف من المسائل المأخوذة من الكتب المعتبرة، التي صنَّفها الفقهاء الأعلام رحمة الله عليهم، وعلىُ مَن ضبطها، وأجرى بمقتضاها الأحكام إلى يوم القِيام: ١ - كتاب الكنز، وبعض شروحه. ١٠ - الدرر والغرر لمنلا خسرو. ٢ - الهداية، وبعض شروحها. ٣- الجوهرة النيرة شرح القدوري. ١٢ - كتاب السراجية. ٤- تصحيح القدوري. ٥ - شرح المَجْمَع. ٦ - المبسوط. ٧ - النهر الفائق. ٨- الاختيار شرح المختار. ١٧ - الفتاوى الخيرية. ٩- الدر المختار، وبعض ١٨ - فتاوى العتابي. ١٩ - الذخيرة، وغيرها)). اهـ . حواشیه. ١١ - صدر الشريعة. ١٣ - جامع الفصولَیْن. ١٤ - فتاوى قاضي خان. ١٥ - شرح فقه كيداني. ١٦ - قهستاني. ١٥٦ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب هذا ما ذُكر فقط، وحين تتَبَّعتُ المصادرَ المذكورة في اللباب، وجدتُ أنها أكثر من هذا بكثيرٍ، فقد بلغت أكثر من مائة وخمسين مصدراً، سواء كان النقل عنها مباشرة أم بواسطة، ومن هنا يصعب معرفة مصادر الميداني المباشرة؛ لأنها متداخلة، وقد جعلتُ في هذا المجلد الخاص بالدراسة عن اللباب والقدوري فهرساً خاصاً للمصادر المذكورة في اللباب، وعرَّفت بها تعريفاً موجزاً، وسيأتي قريباً. ١٥٧ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب المبحث الخامس النُّسَخ المعتمدة في تحقيق اللباب لقد كَتَبَ الله تعالى القبول العظيم لكتاب اللباب للعلامة الشيخ عبد الغني الميداني، فما أن انتهى من تأليفه سنة ١٢٦٦ هـ - أو سنة ١٢٦٨ هـ - إلا والمحبُّون للمؤلف، والعارفون بفقهه وقدره العلمي الكبير راحوا يستنسخون منه نُسَخاً لأنفسهم، ويتداولونه بينهم، بل سعىُ بعضُ مُحبِّيه لطبعه في الأستانة في اسطنبول، حيث حصل على موافقة في ذلك من أحد كبار السلطنة العثمانية. وهكذا طُبع اللباب طبعتين في اسطنبول في حياة المؤلف، الأولى منهما سنة ١٢٧٥ هـ، والثانية سنة ١٢٨٦ هـ. كما طبع طبعةً ثالثة في اسطنبول بعد حياة المؤلف سنة ١٣١٦ هـ. وكانت له طبعة رابعة في القاهرة بمصر سنة ١٣٣١هـ. وطبعة خامسة في مصر بتحقيق الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد، وهي التي انتشرت بين طلاب العلم، وصُوِّر عنها كثيراً في دور النشر، في بيروت، ومصر، وباكستان، وغيرها. وقد حصلتُ بفضل الله تعالى على هذه النسخ الخمس، ولله الحمد. ١٥٨ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب أما عن مخطوطات اللباب، فقد حصلتُ على صورةٍ عن نسختين خطيتين منه، الأولى من مخطوطات الظاهرية بدمشق، وتاريخ نسخها في حياة المؤلف سنة ١٢٩٠ هـ، والثانية من دار الكتب المصرية بالقاهرة، وتاريخ نسخها أيضاً في حياة المؤلف سنة ١٢٦٩ هـ. وقد بحثتُ كثيراً عن نسخة المؤلف في دمشق عن طريق المحبِّين وأحفاد الشيخ الميداني، وكذلك في غير دمشق، لكن لم يتيسر لي ذلك. وهكذا كان اعتمادي في تحقيق اللباب على هذه النسخ السبعة، وكان منهجي هو الاجتهاد والتحرِّي في اختيار النص السليم من هذه النسخ، إذ ليس هناك ركنٌ شديدٌ آوي إليه من نُسَخه، يمكن أن أجعله أصلاً صحيحاً معتمداً، دون غيره، وإنما كانت النُّسخ فيها ما فيها، يكمِّل بعضُها بعضاً، ويُصلح بعضها الآخر، وهي متفاوتة في جودتها وحالها، وكلها فيها أسقاطٌ عجيبة، وأخطاءً وتحريفاتٌ كثيرة جداً ، لكن أجودها مخطوطة دمشق. وكان اعتمادي الكبير في تحقيق اللباب على تحقيق أصله، وهو مختصر القدوري، وقد أكرمني الله تعالى منه بنُسَخِ خطيةٍ قديمة نفيسة جداً، وبعضها مقروء على بعض أئمة فقهاء الحنفية، وسأذكر إن شاء ء الله بالتفصيل وَصْف هذه النسخ بعد ذكر وَصْف نسخ اللباب. وأيضاً كان لرجوعي إلى الأصول التي نَقَل عنها الميدانيّ مباشرة أو بالواسطة أثرٌ كبيرٌ في تصحيح أخطاء كثيرة تواردتْ عليها النُّسَخ. * وفيما يلي بيانٌ لوصف نسخ اللباب: ١٥٩ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب ١ - النسخة الأولى: صورة عن نسخة خطية محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق(١)، برقم (٩٢٩٩ عام)، وقد تمّ نَسْخُها في حياة المؤلف سنة ١٢٩٠ هـ، وتقع في (٢٥٩) ورقةً، وفي كل صفحة من لوحاتها (٣١) سطراً، ولم يُذكر فيها تاريخ انتهاء المؤلف من تأليفه. وقد جاء في خاتمة النسخة ما يلي: ((تمَّ نَسْخُها بعد صلاة الجمعة، تاسع عشر شهر رجب المبارك، سنة تسعين ومائتين وألف، من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلّم الموصوف بأكمل وَصْف، على يد كاتبه الحقير العاجز الفقير المقِرُّ بالعجز والتقصير: محمد البدوي ابن الحاج جبر الخطيب، غفر الله له ولوالديه وأحبابه، ومَن له حقٌّ عليه، وأحسن إليهم وإليه، وثبِّتنا اللهم بالقول الثابت عند الخاتمة، ويوم الوقوف بين يديك، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات، صلاةً وسلاماً دائمين ما تعاقبت الأوقات، وتواصلت البركات. آمين)). اهـ وكُتِب في الحاشية لَحَقاً عند جملة: ((الموصوف بأكمل وصف))، جاء فيه : (١) وقد تفضَّل مشكوراً بالسعاية في تصويرها من المكتبة الظاهرية سعادة الأستاذ الدكتور الشيخ نور الدين عتر حفظه الله بخير وعافية، وجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء. ١٦٠ الفصل الثاني: دراسة عن اللباب ((على يد جامعه الحقير الجاني، كثير الأماني، عبد الغني الغنيمي الميداني، غفر الله له ولوالديه ولأحبابه ومَن له حقٌ عليه، وأحسن إليهم وإليه، وثبَّتنا بالقول الثابت عند الخاتمة، ويوم الوقوف بين يديه، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات، صلاةً وسلاماً دائمين ما تعاقبت الأوقات، وتواصلت البركات)). اهـ وقد رمزتُ لهذه النسخة بـ (مخ). ٢- النسخة الثانية : صورة عن نسخة خطية في دار الكتب المصرية بالقاهرة(١)، برقم (٢١٣٦)، فقه حنفي (٤٢١٤٧ م)، تقع في (٤٠٠) ورقة، وفي كل صفحة من ورقاتها (٢١) سطراً، وتاريخ نسخها في حياة المؤلف سنة ١٢٦٩ هـ، أي بعد ثلاث سنوات من تاريخ انتهاء المؤلِّف من الکتاب. وفي خاتمتها يقول المؤلف الميداني رحمه الله: ((قد تمّ بحمد الله تعالى وقت الضحوة الكبرى من يوم الاثنين، ثالث عشر من شهر رمضان المبارك، سنة ست وستين ومائتين وألف (١) وقد تفضّل مشكوراً بالسعاية في تصويرها الأخ الكريم الفاضل الدكتور الشيخ أحمد سعد الدين ابن الشيخ محمد عوامة، جزاه الله خيراً، وبلَّغه مأموله من خيري الدنيا والآخرة.