النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني * قلت: سبحان الله ما هذا الأدب الرفيع الذي رزقه الله للشيخ الميداني، وهو في معرض الردِّ على الإمام البخاري؟! فيصفه بهذه الأوصاف، اللهم ارزقنا الأدب معك، ومع أنبيائك ورسلك، ومع وُرَّات النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم من العلماء العاملين، ومع خلق الله أجمعين. * ومن صور أدبه مع الإمام البخاري في كتابه السابق : ((كشف الالتباس»(١) : ما ذكره الميداني في المسألة الأولى مما انتقد به البخاريُّ أبا حنيفة رحمهما الله تعالى، وهي مسألة: الركاز، وما نُقِل أن أبا حنيفة رحمه الله يقول: المعدن ركازٌ مثلُ دِفْن الجاهلية، قال الميداني: ((وإذا علمتَ ذلك، وأحَطْتَ خُبْراً بما هنالك، ظَهَرَ لكَ أن نسبةَ ذلك لأبي حنيفة غيرُ صحيحة، وفِرْيَةٌ صريحة؛ لأنه لم يُنقَل عنه، ويبعُدُ صدوره منه. فإن صحَّ عن البخاري أنه أراد بذلك أبا حنيفة: فهو على حسب ما نُقِل له عنه؛ لأن البخاريَّ لم يُدرك أبا حنيفة؛ لأن مولده بعد وفاة الإمام بأربعٍ وأربعين سنة، وحيث لم يُدرِك زمنَه، ولم يكن في كتب أئمته المعتمدة، ونُقل له عنه، أو عن أئمته: فالناقل إما متقوٌِّ، أو متساهلٌ، فيكون الردُّ على الناقل إليه، لا على المتقوَّل عليه ... )). اهـ (١) ص ٦٥. ٨٢ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني ٣- تواضعه وزهده و کرمه : كان الشيخ عبد الغني الميداني معروفاً بالزهد والتقلَّل من الدنيا ما استطاع، مع تحلَيه بالجود والكرم، والإحسان إلى الفقراء، يتفقدهم ويرعاهم بالطعام والكساء، ونحو هذا من أنواع المساعدات. وكان مشهوراً بتواضعه الشديد، ومحبته لعدم الظهور والتفصُّح في الكلام في المجالس العامة. * ومن تواضعه رحمه الله أنه كان يخالط الفقراء والمساكين؛ جَبْراً لخاطرهم، ومؤانسةً لهم، مع ما كان له من الجاه العظيم بين الناس، ((فكان كلّ يوم يوزِّعُ الخبزَ على فقراء منطقته))(١). * ومما وقفتُ عليه من صور تواضعه العلمي العالي، ما جاء في مقدمة شرحه العقيدة الطحاوية، وحَلِفِه بالله تعالى أنه ليس أهلاً لذلك، مع إظهار أدبه الرفيع مع الإمام الطحاوي المصنِّ لها، حيث قال: (( ... أردتُ أن أتطفّل بجَمْع بعض عباراتٍ تكون كالشرح لمعانيها، والكشف لبعض خوافيها، وتالله لا أظنُّ نفسي أني أهلٌ لذلك، ولا ممن يَقْرُب أن يسلك هذه المسالك، ولا أني بما وضعتُه عليها - وإن كان من فواضلهم - بمُنْصِفِها، ولا ممَّن ينبغي له أن يتفوّه فضلاً عن أن يَمْزُج كلامَه بكلام مصنِّفها. (١) تاريخ علماء دمشق في القرن الثالث عشر الهجري ٧٧١/٢. ٨٣ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني فَهَبْ أنهم أباحوا لمثلي التقاطَ دُرَرِهم، فأَنَّى لي نَظْمُه بِسَمْط لآلئ كَلِمِهم، ولكن حَمَلني على اقتحام ذلك: رجاءً أن أكون في حزب أتباعه، وأن نكون في الآخرة معه في زمرة إمامه، تحت لواء مَن أُمرنا باتِّباعه صلى الله تعالى وسلّم عليه، وزاده شرفاً وتعظيماً لدیە)» (١). اهـ. * ومن صور تواضعه العلمي أيضاً، وأدبه الجَمِّ: ما جاء في مقدمة كتابه اللباب في شرح الكتاب، حيث قال: ( ... وكان كثيراً ما يخطر لي أن أتطفَّل عليه بجمع بعض عباراتٍ تكون كالشرح إليه، لتفصيل مُجْمَلِه، وتقييد مُطْلَقِه، وإيضاحٍ مَعانيه على وجه التوسط مع الإيضاح، بحيث يكون مُعِيناً لمُعَانيه، إلا أنه كان يمنعني أني لستُ من أهل هذا المقال، وقصير الباع في هذا الميدان، ثم جرَّاني على اقتحام هذا المقام: رَجاءَ الانتساب بالخدمة لذلك الإمام، تشبُّاً بأذيال بركته، وتَيَمُّناً بخدمته ... )). اهـ. * والشيء بالشيء يُذكر، فمن عباراته الفيَّاضة بالتواضع الجمّ، والتي يُظهِر فيها هضمَ نفسه، ما سجَّله في آخر كتابه: ((اللباب))، حیث قال: ((تمّ على يد جامعه الحقير الجاني، الكثير الأماني عبد الغني الغنيمي الميداني، غفر الله له ولوالديه ولأحبابه ... )). اهـ (١) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٨. ٨٤ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني * ومن صور زهد المیداني، وبعده عن الدنيا : ما حدثني به على الهاتف الدكتور محمد مطيع الحافظ الدمشقي، قال: حدَّثني عمِّي الشقيق الفقيه الحنفي العلامة الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت (الملقّب بالحافظ)، المولود بدمشق سنة ١٣١١هـ، والمتوفى فيها سنة ١٣٨٩ هـ، قال: حدثني شيخي مفتي الشام الفقيه الحنفي العلامة الشيخ محمد عطا الله الكَسْم، المولود سنة ١٢٦٠هـ، والمتوفى سنة ١٣٥٧ هـ، قال وهو يتحدث عن زهد شيخه الميداني: إن الأمير عبد القادر الجزائري حين كانت له صدارةً كبيرة في دمشق، كان يعطي علماءَ دمشق عطايا كثيرة، ورواتب عالية مستمرة، وكان يعرض ذلك على الشيخ الميداني، فلا يأخذ منه شيئاً، ويحاول معه، فيأبى، وكذلك كان يفعل مثل هذا مع الولاة والباشوات. وهكذا كان الشيخ الميداني يُنفق على نفسه وعياله مما يرزقه الله من أموالٍ تأتيه من حيث لا يحتسب، وله في هذا قصص مشهورة، وكرامات كثيرة، يتناقلها أهلُ دمشق، ويرويها الجيلُ عمن قبلهم . وتقدَّم أن الميداني كان لا يرضى الاختلاط بغير أرباب العلم من الأكابر والتجار، وكان مشهوراً بأنه لا يبيع دينه بدنياه، وله في هذا أخبارٌ عالية مُشرقةٌ، قلَّ أن يجود الزمان بمثلها. ٤- صبره الطويل على تحصيل العلم وشدائده، وخبرُه النادر الطریف مع درس شيخه ابن عابدين : كان الشيخ الميدانيّ ذا همة عالية، دؤوباً منذ صغره على طلب ٨٥ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني العلم وتحصيله، لا تكلَّ له همة، ولا تَثنيه عنه أي شدة، متحلِّياً بخُلُق الصبر على ذلك، متحمِّلاً في سبيله كل عَنَاء. ومن الأخبار النادرة العالية التي رُويت عنه في هذا الجانب، أنه كان له درسٌ خاص في بيت شيخه العلامة ابن عابدين، كلّ يوم قبل الفجر، وكان بيت الشيخ الميداني في حي الميدان جنوبي دمشق، وبيت شيخه العلامة ابن عابدين بعيداً عنه في حيِّ آخر، من الطرف الثاني شمالي دمشق، يسمى: حي القنوات، في زقاق المبلِّط(١)، فكان الميداني يمشي وقتاً طويلاً بدون أي وسيلة، ليصل إلى بيت شيخه قبل الفجر، سواء كان الجوُّ حارًّاً أم بارداً، وسواء كانت هناك 13 الثلوج والصقيع أم لا، فإنه لا يتوانى عن ذلك كلّ يوم، مع التذكير هنا أن المشي كان في ظلام الليل، وكان بين الحيَّيْن نهران يجريان، وفي تلك الأحياء من المخاوف وقُطَّاع الطرق ما فيها . وهكذا كان الميداني إذا وصل إلى بيت شيخه ابن عابدين، فإنه من أدبه الشديد مع شيخه يقف أمام الباب ولا يطرقُه، بل ينتظر شيخَه ابنَ عابدين ليفتح له من نفسه، بعد أن ينتهيَ ابنُ عابدين من صلاته وتهجده وعبادته. وفي يومٍ من أيام البرد القاسية، والرياح الشديدة، والثلج ينزل من السماء بشدة، لم يتوقع شيخُه ابن عابدين أبداً أن يأتيَ تلميذُه الميداني في تلك الليلة الشديدة، فلم يفتح الباب قبل الفجر كعادته (١) ينظر كتاب ابن عابدين وأثره فى الفقه ١/ ٢٨٧. ٨٦ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني لدخول تلميذه، بل انتظر أذان الفجر، وخرج للصلاة مع الجماعة، وإذا به يفاجأ فيرى تلميذَه الميداني وهو واقف على باب داره، وقد كُسيَ بالثلج الأبيض المتساقط عليه، وهو من شدة أدبه لا يريد طرق باب دار شیخه، وسبحان الله وبحمده. فهذا خبرٌ وأُنموذج عن خلق الشيخ الميداني وصبره وأدبه، ولكَ أن تتصوَّر بعد هذا نماذج أخرى من هذا القبيل، رحم الله تلك الهِممَ العالية، وبارك في جهود العلماء العاملين. وهذه القصة عن الميداني مشهورةٌ متداولة بين علماء دمشق، يتناقلونها بينهم، وقد حدَّثني بها شيخنا الجليل فضيلة الأستاذ العلامة المفنَّن الشيخ محمد سعيد الطنطاوي الدمشقي المكي حفظه الله تعالى بخير وعافية، ومتَّع المسلمين به(١). ٥- عباداته : من خلال نصوص مترجميه، والثناءات التي حَظِيَ بها منهم، يمكن جمع فوائد عالية غالية في جوانب عديدة من حياة الشيخ الميداني، كالإلماع إلى أخلاقه الكريمة، وآدابه العالية السامية، مما تقدم ذكره، وما كان له من مقامٍ عالٍ رفيع، وجاهٍ عظيم عند العلماء، والناس عامة، وما كان عليه من عبادات متنوعة في السرِّ والعلن، وما (١) وهو حفظه الله من مواليد دمشق سنة ١٣٤٣ هـ، وهو أخٌ شقيقٌ للعلامة الشهير الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالی. ٨٧ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وُقِّق إليه من طاعات وقُرُبات، واستقامة على ذلك إلى آخر حياته، رحمه الله تعالى، وغير هذا من الجوانب. وهكذا نلحظ من عبادات الشيخ الميداني التي كان عليها، واهتمَّ بها ما يلي: - تكراره للحج، مع ملاحظة صعوبة السفر إلى الحج وخاصة في تلك الأزمنة. - ملازمته للأذكار، فكان دائب الذكر باللسان. - اهتمامه ببناء المساجد، فقد ذكروا أنه كان له وَلَعٌ في إعمار المساجد والمعابد، ومن ذلك أنه جدَّد عمارة الجامع الذي كان بجانب داره في الميدان، في محلة ساحة السَّخانة، وأنشأ له مَنارةً عظيمة. وهذه المنارة تذكَر ببيتين عظيمين من الشعر للكاتب الإسلامي علي بن أحمد باكثير (ت١٣٨٩ هـ)، حين دخل اسطنبول ورأى مساجدَها ومآذنها العظيمة، فقال واصفاً لها، مضمِّناً معانيَ عالية: لَمَعْن علی رؤوس مجاهدینا كأنَّ قبابَها خوذاتُ صُلْبٍ رِماحاً في صدور الكافرينا ومَن يَنْظُرْ مآذِنَها يَجِدْها - إعماره لبيوت الله بالتدريس، ونشر العلوم النافعة، من الفقه والأصول، والحديث ونحوها، فكان لا يردُّ قاصديه ووارِديه، ولا شك أن نشر العلم وتعليمَ الناس دينَهم هو من أعظم العبادات، وأجلُّها وأنفعها، بل أعمِّها نفعاً وتعدِّياً، وهكذا كان رحمه الله يَعْمُر ٨٨ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني مساجدَ الله حسَّاً ومعنىَ. - ومن عباداته: اهتمامُه بالنصيحة والإرشاد إلى الخلق، مع زهده عما في أيديهم، كما هو حال العلماء الربانيين الذين آثروا الآخرة على الدنيا، فأعطاهم الله الدنيا والآخرة. - وكان كثيرَ الامتثال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهِّد في الدنيا، وتذكِّر الآخرة))(١)، فكان يُكثر من زيارتها، والتردد إليها(٢). ٦ - خشيته الشديدة من ربِّه جلّ وعلا، والتجاؤه إليه، واستحضاره محاسبةً ربه له : ومن النصوص الرائعة التي وقفتُ عليها من كلامه في إظهار هذا الجانب، ما قاله في خاتمة شرحه على العقيدة الطحاوية: ( ... وأسألك يا إلهي إذا نزلتُ قبري، وخَلَوتُ بوٍزري، وأسلمني أهلي في غُربتي: أن تُؤنِس وَحْشتي، وتوسِّع حُفْرتي، وتكتبَ على ناصية مصيبتي في لَوْح صحيفتي بقلم عفوك: اليومَ يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. (١) سنن ابن ماجه ٥٠١/١ (١٥٧١) قال البوصيري: إسناده حسن، وينظر التلخيص الحبير ١٣٧/٢. (٢) علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري ٧٧١/٢. ٨٩ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وإذا جمعتَ رُفاتي، وحَشَرتني يومَ ميقاتي، فنشرتَ صحيفةً سيئآتي وحسناتي: انظر إلى عملي، فما كان حسناً: فاصرِفْه في أمر أوليائك، وما كان من قبيحٍ: فمِل به إلى ساحل عُتُقائك. ثم إذا أُوقف عبدُك بين يديك، ولم يَبْقَ إلا الافتقارُ إليك، واعتمادُه عليك: فقِسْ بين غِناكَ وفقرِهِ، وبين عِزِّك وذَلَه، ثم افعل ما أنتَ أهلُه، إنك أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة. وهذه وسيلتي إليك، تطفُّلاً عليك، وصلى الله على سيدنا محمد، فإنه أقرب مَن يُتَوسَّل به إليك، والمأمولُ منك القبول)). اهـ وكان ذلك سنة ١٢٥٦ هـ، سنة انتهائه من الشرح، وكان عمره آنذاك أربعةً وثلاثين عاماً، رحمه الله وأكرمه بما سأل وطلب، وزاده بفضله من فضله إنه أکرم مسؤول. * ومما ذُكر عن الميداني من قوة صِلَته بالله تعالى، شأنه في ذلك شأن كبار الأولياء المتقين : ما حدثني به الدكتور محمد مطيع الحافظ عن عمه الشقيق الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت (الملقّب بالحافظ) عن شيخه محمد عطا الله الكسم تلميذ الميداني أنه كان يُحدِّث عن شيخه الميداني وقوة صلته بالله عزَّ وجل، فيقول: إن الأمير عبد القادر الجزائري (١٢٢٢ هـ - ١٣٠٠ هـ) لما استقرَّ في دمشق، وكانت بينه وبين الميداني صلة قوية، جاء إليه، وأخبره بأن شيخه الخاص الذي أجازه بالطريق، وهو الشيخ محمد المغربي ٩٠ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني ءِ الفاسي الشاذلي، قد قَدِمَ إلى دمشق، وراح يحثّه للذهاب إليه، وأخْذ الطريق عنه، فقال له الشيخ الميداني: دَعْني أفكّر، ثم لَقِيَه بعد أيام، فقال له الميداني: رأيتُ أن تكون صلتي بالله بدون واسطة. اهـ رحم الله الشيخ الميداني، وأعلى مقامه، وجعله من الواصلين الموصولين برحمة الله ورضاه ومغفرته. ٧- كراماته : وكان لهذه العبادات الكثيرة لدى الشيخ الميداني، ولهذه الصلة القوية بالله، والانقطاع له جلَّ وعلا تعلماً وتعليماً، وبُعداً عن الدنيا، وزهداً فيها، وما كان عليه من شدة الصلاح والتقوى والورع، كل ذلك جَعَلَ الميداني يترقَّى في القُرْب من الله تعالى، وفي محبته جل وعلا، حتى أكرمه الله بكرامةٍ مَن أكثر من التقرُّب إلى الله بالنوافل، من محبة الله له، وإجابته لدعائه. وهكذا ((كانت للميداني كراماتٌ ظاهرة، تناقلها تلاميذُه، فمَن بعدهم، وكان من أشهر مَن رواها عنه تلميذه العلامة الشيخ محمد عطا الله الكَسْم مفتي دمشق، ورواها عنه تلميذه الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت الملقَّب بالحافظ))(١). اهـ وهي كثيرة، ويتناقلها إلى الآن كبار علماء دمشق عمن قبلهم، ممَّن وقفوا على سيرته وحياته. (١) علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري ٧٧٢/٢. ٩١ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني ٨- سَمْتُه الحَسْن، وطريقته المُثلى : ومما نستفيده من نصوص مترجميه أنه رحمه الله كان على سَمْتِ حَسَنٍ، وهيئة جميلة، وطلعةٍ بهيَّة منوَّرة، مع وقارٍ وكمال، شأنه في ذلك شأن وُرَّاث النبوة من العلماء العاملين، وعباد الله الصالحين. وهكذا كان الميداني رحمه الله تعالى على طريقته السابقة الذكر في حياته العامة والخاصة، من العبادات بأنواعها، والعلم والتعليم والأدب والأخلاق والاستقامة والإحسان إلى راغبيه وقاصديه، فكان ثابتاً عليها، مداوِماً على فعلها، مع جِدٍّ ونشاطٍ إلى أن توفاه الله جلّ وعلا، وانتقل إلى رحمته ومغفرته، تاركاً له لسان ذِكرٍ حَسَنٍ في الآخِرِين، وأسوةً وقدوةً للمقتدین. ٩٢ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني المبحث السادس تلامذته والآخذون عنه لا شك أن للشيخ عبد الغني الميداني خلال هذا العمر الطويل في نشر العلم والتعليم عدداً كبيراً من التلاميذ، حضروا دروسه، وانتفعوا بعلومه، وأخذوا عنه، لكن لم يهتمَّ المترجمون بذكر أسمائهم مجتمعين، وممن يسَّر الله لي الوقوف عليه منهم: ١- العلامة الشيخ طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري الدمشقي، صاحبُ المؤلفات المُتقنَة المحرَّرة، والعلوم المتنوعة، المولود بدمشق سنة ١٢٦٨ هـ، والمتوفى بها سنة ١٣٣٨ هـ، وكان قد هاجر والده إلى دمشق سنة ١٢٦٣ هـ(١). ٢- العلامة الشيخ محمد عطا الله بن إبراهيم الكَسْم، الفقيه الحنفي، مفتي دمشق، المولود سنة ١٢٦٠ هـ، والمتوفى سنة ١٣٥٧ هـ، وقد ذكر مترجموه أنه كان يحضر عند الشيخ الميداني (١) ترجم له تلميذُه محمد كرد علي في كتابه ((المعاصرون)» ص ٢٦٨، وأفرد له تلميذه الآخر الشيخ محمد سعيد الباني كتاباً خاصاً بترجمته سمَّاه: ((تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر)). ٩٣ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني دَرْسَيْن كل أسبوع(١). ٣- ولده الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الغنيمي الميداني، المولود سنة ١٢٥٤ هـ، والمتوفى سنة ١٣٣٢ هـ، فقد قرأ على والده، واستفاد منه(٢). ٤- العلامة المقرى الشيخ عبد الغني بن حسن بن إبراهيم البيطار، المولود سنة ١٢٤٠ هـ، والمتوفى سنة ١٣١٥ هـ(٣). ٥- العلامة الفقيه الشيخ محمد ابن الشيخ حسن البيطار، أمين الفتوى بدمشق، المولود سنة ١٢٣١ هـ، والمتوفى سنة ١٣١٢ هـ(٤). وقد جاء ذكر تلمذته عليه في آخر نسخة مخطوطة من كتاب الميداني: ((إسعاف المريدين))، محفوظة في الظاهرية بدمشق، برقم (٤٧٩٣)، وفي آخرها: ((تمّ نَسْخها على يد الحقير الذليل الجاني المحتار، والراجي عفو ورضا الجليل المسامح الغفار: محمد ابن الشيخ حسن البيطار، وفّقه مولاه لما يختار، تلميذ مؤلفها المحفوظ، وذلك قبيل طلوع فجر الاثنين ثاني يوم ذي الحجة (١) له ترجمة في تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر ١ /٥١٧. (٢) له ترجمة في حلية البشر ١/ ٣٢٧. (٣) ذكر تلمذته على الميداني أخوه الشيخ عبد الرزاق البيطار في ترجمته في حلية البشر ٨٧٤/٢. (٤) تنظر ترجمته في استدراكٍ مُلحقٍ بحلية البشر ١٤٢١/٣، تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر ١١٩/١. ٩٤ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني الحرام، سنة إحدى وستين ومائتين وألف، أسعده الله يوم لقاه. آمین». اهـ وبمناسبة نَسْخه لهذه الرسالة، فقد ذكروا في ترجمته ((أنه لازم نَسْخَ الكتب فوق العادة، وأنه نَسَخَ في زمنه خمسة آلاف كراس وزيادة)). اهـ، ((والكراس ثلاث ورقات))(١)، وهو قَدْرٌ كبير جداً یُتعجّب منه، لكنه عون الله وتوفيقه. ٦- العلامة الشيخ مصطفى كمال بن محمد الشريف، المولود بدمشق سنة ١٢٦٣ هـ، والمتوفى سنة ١٣١٧ هـ، وله مؤلفات .. (٢) عديدة ٧- الشيخ العارف بالله حبيب الرحمن الحسيني الهندي المدني، من علماء أوائل القرن الرابع عشر الهجري(٣). ٨- العلامة المحدث الشيخ علي بن ظاهر الوَتَري المدني، المولود في المدينة المنورة سنة ١٢٦١ هـ، والمتوفى بها سنة ١٣٢٢ هـ (٤). (١) سير أعلام النبلاء للذهبي ٣٨/١٨. (٢) ترجم له، وذكر تلمذته عليه صاحب تاريخ دمشق في القرن الرابع عشر ١٧٩/١، وينظر منتخبات تواريخ دمشق ٧٦٤/٢. (٣) ذكر روايته عنه الكتاني في فهرس الفهارس ٨٦/١، ولم أقف له على ترجمة. (٤) ترجم له، وذكر روايته عنه الكتاني في فهرس الفهارس ١ /٨٦، ٩٩. ٩٥ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني ٩- العلامة الشيخ نعمان بن محمود الآلوسي البغدادي الحنفي، المولود سنة ١٢٥٢ هـ، والمتوفى ببغداد سنة ١٣١٧ هـ(١). ١٠ - الشيخ سليم بن خليل المُسُوتي الفقيه الحنفي، الولي الزاهد، المولود سنة ١٢٤٨ هـ، والمتوفى سنة ١٣٢٤ هـ (٢). ١١ - الشيخ المعمَّر محمد هاشم بن محمد سعيد أبو طوق الرفاعي، المولود بدمشق سنة ١٢٦٧ هـ، والمتوفى فيها سنة ١٣٨٢ هـ، وله من العمر (١١٥) سنة(٣). ١٢ - العلامة الشيخ سليم بن محمد بن يوسف سَمَارة، المولود بدمشق سنة ١٢٥٤ هـ، والمتوفى فيها سنة ١٣٣١ هـ، وهو ممن قرأ على الشيخ الميداني، وأخذ عنه (٤). ١٣ - الشيخ محمود بن محيي الدين بن مصطفى أبو الشامات الحنفي، المولود بدمشق سنة ١٢٦٦ هـ، والمتوفى فيها سنة (١) ترجم له، وذكر روايته عنه الكتاني في فهرس الفهارس ٦٧٢/٢. (٢) ذكر روايته عنه الكتاني في فهرس الفهارس ٧٥٨/٢، وترجم له صاحب تاريخ دمشق في القرن الرابع عشر الهجري ٢٣٦/١. (٣) ذكر تلمذته على الميداني، وترجم له صاحب تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر ٧٦٨/٢. (٤) كما في تاريخ علماء دمشق ٢٥٠/١، وذكر وفاته سنة ١٣٢٧ هـ، في حين أن البيطار ترجم له في حلية البشر ٦٨٤/٢، وأرخ لوفاته سنة ١٣٣١هـ. ٩٦ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني ١٣٤١ هـ، وهو ممن أخذ عن الشيخ الميداني الفقه الحنفي(١). وينبه هنا إلى أن الشيخ محمود أبو الشامات هذا، قد تتلمذ على الشيخ علي نور الدين اليَشرُطي المغربي المعمَّر، نزيل دمشق، المولود سنة ١٢١١ هـ، والمتوفى سنة ١٣١٦ هـ(٢)، وهو والد فاطمة اليشرطية، المولودة سنة ١٣٠٨ هـ، والمتوفاة سنة ١٤٠٠ هـ(٣)، التي ذكروا في ترجمتها وترجمة والدها عن اليشرطيين ما ذكروا من أمور مذمومة مستنكرة جداً، نسأل الله السلامة والعافية، مما ينبغي على القارئ التنبه لها، والحذر منهم. والشيخ محمود أبو الشامات هذا تلميذ الميداني، قد أخذ عن اليشرطي الطريقة، وأذن له بها، حتى صار أبو الشامات هو المشهور بشيخ الطريقة اليشرطية بدمشق. ١٤ - العلامة الشيخ سليم بن إسماعيل الآمدي البخاري الدمشقي، الفقيه الحنفي المفتي، المولود سنة ١٢٦٨ هـ، والمتوفى سنة ١٣٤٧ هـ، وقد قرأ على الميداني، وأخذ عنه(٤). ١٥ - العلامة الشيخ محمد أمين بن محمد سُوَيْد الدمشقي، الفقيه (١) تاريخ علماء دمشق ٣٩٣/١، وله فيه ترجمة. (٢) له ترجمة في الأعلام للزركلي ٤ /٢٦٠. (٣) لها ترجمة في تاريخ علماء دمشق ٩٥٣/٢. (٤) تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر ٤٣١/١. ٩٧ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني الأصولي، المولود سنة ١٢٧٣ هـ، والمتوفى سنة ١٣٥٥هـ، وقد حضر على الشيخ الميداني، وكان يتردَّد عليه(١). ١٦ - العلامة الشيخ محمد علاء الدين بن محمد أمين عابدين نجل صاحب الحاشية، المولود سنة ١٢٤٤ هـ، والمتوفى سنة ١٣٠٦ هـ، وقد قرأ على تلميذ والده الشيخ الميداني، وأخذ عنه (٢). ١٧ - الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ محمد الشاش، وقد ذكر تلمذته عليه في نسخة نسخها بخطه من كتاب: شرح العقيدة الطحاوية للميداني، بتاريخ سنة ١٢٩٥ هـ، وهي إحدى النسخ التي اعتمدها محقق الكتاب(٣)، ولم أقف له على ترجمة. ١٨ - ومن تلامذته الذين استجازوه السيد سلمان أفندي القادري، نقيب بغداد(٤). * وأذكر فيما يلي أسماء تلامذته السابقين مرتِّباً لهم على حروف المعجم : ١ - الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الميداني الغنيمي نجل المترجم. (١) كما في تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر ٥٠٣/١. (٢) كما ذكر هذا الدكتور الشيخ أبو اليسر عابدين فيما حدَّث به الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور، ينظر كتاب: ((ابن عابدين وأثره في الفقه)) ٣١٧/١، ١٠١٦/٢، ١١٠١. (٣) مقدمة تحقيق شرح العقيدة الطحاوية ص ١١. (٤) كما في حلية البشر ٨٦٨/٢، ولم أقف له على ترجمة. ٩٨ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني ٢- الشيخ حبيب الرحمن الهندي الحسيني. ٣- السيد سلمان أفندي القادري. ٤- الشيخ سليم بن إسماعيل الآمدي البخاري الدمشقي. ٥- الشيخ سليم بن خليل المسوتي. ٦ - الشيخ سليم بن محمد بن يوسف سمارة. ٧- الشيخ طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي. ٨- الشيخ عبد الغني ابن الشيخ حسن البيطار. ٩- الشيخ عبد اللطيف بن محمد الشاش. ١٠ - الشيخ علي بن ظاهر الوَتَري المدني. ١١ - الشيخ محمد ابن الشيخ حسن البيطار. ١٢- الشیخ محمد أمین بن محمد سُوید. ١٣ - الشيخ محمد عطا الله بن إبراهيم الكَسْم. ١٤ - الشيخ محمد علاء الدين بن محمد أمين عابدين. ١٥ - الشيخ محمد هاشم بن محمد سعيد أبو طوق الرفاعي. ١٦ - الشيخ محمود بن محيي الدين أبو الشامات. ١٧ - الشيخ مصطفى كمال بن محمد الشريف. ١٨ - الشيخ نعمان بن محمود الآلوسي البغدادي. ٩٩ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني المبحث السابع مؤلفاته وإنتاجه العلمي ((لم يكن الشيخ عبد الغني الميداني رحمه الله تعالى من المكثرين من التأليف، ولكن كان من المجوِّدين فيه، والمتفيِّنين في العلم))(١). وقد وَصَف مؤلفاته عصرُّه وابنُ شيخه الشيخ عبد الرزاق ابن الشيخ حسن البيطار(٢)، فقال: ((وتآليفُه التي يَحِقُّ لرائيها أن ينافِس فيها ويفاخر: محشوَّةٌ من الفوائد بما يَعقِل الأفكار، ويُقيِّد الخواطر)). اهـ وقال عصريُّه أيضاً، وصاحبُه وأحدُ أقرانه العلامة الشيخ أحمد بن محمد الحضراوي الشافعي المكي الهاشميُّ: ((وله جُملةَ مؤلفات، و ورسائلُ مونِقات، عليها أنوارُ القبول)»(٣). قلت: هذا الكلام قاله الحضراويُّ والميداني على قيد الحياة، (١) من كلام العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في مقدمة تحقيقه لكتاب الميداني: ((كشف الالتباس»، ص٥٤. (٢) حلية البشر ٧٦٨/٢. (٣) نزهة الفكر ١٧٦/٢. ١٠٠ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وكان قد طُبع أشهر كتابٍ له، وهو ((اللباب)) أكثرَ من طبعةٍ في حياته؛ لكثرة طالبيه، وكَتَبَ الله له القبولَ أكثر وأكثر بعد مماته، وبعد معرفةٍ الناس به، واطلاعهم علیه. وأذكر فيما يلي مؤلفاته مرتَّبةً بحسب شهرتها: ١ - اللباب في شرح الكتاب. وهو شرحٌ لمختصر الإمام القدوري، المتوفى سنة ٤٢٨هـ، في الفقه الحنفي، وقد طبع الكتاب في حياة المؤلف أكثر من طبعة في مجلدٍ كبير، ثم تكررت طباعته، وتداوله العلماء وطلاب العلم كثيراً. ويقع في الطبعة المتداولة في أربعة أجزاء، كل جزء في (٢٣٠) صفحة تقريباً، وقد وُضع مختصر القدوري في هذه الطبعة في أعلى الصفحات، وسيأتي الكلام عنه مفصلاً إن شاء الله في فصلٍ خاص. ٢ - شرح العقيدة الطحاوية. وهو شرحٌ للعقيدة التي ألَّفها الإمام أبو جعفر الطحاوي، المتوفى سنة ٣٢١هـ، التي سمَّاها: ((بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة)). وهو شرحٌ لطيفٌ صورةً ومعنىّ، جامعٌ كافٍ، مدلَّلٌ عليه من الكتاب والسنة والإجماع، أوضح فيه مُشكِلَها، وفَتَحَ مُغلَقَها، ليس بالطويل المملُّ، ولا بالقصير المخِلِّ، كثيرُ الفوائد، عظيمُ المنافع، بعيدٌ عن المسائل المعقّدة المشكلة. وقد قرَّظه له كبار علماء عصره، وأثنَوْا على المؤلِّف والمؤلّف ثناءً عطراً، وأكَّدوا أنه شرحٌ معتمَدٌ لا انتقادَ عليه، وأنه ضمَّ زبدةً