النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
((وممن أخذ عن والدي: العالم العلامة، العمدة الفهامة، فقيه
العصر الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني، فإنه عنه أَخَذ، وبه انتفع،
وعليه تخرج». اهـ
* ثناء تلميذ الميداني الشيخ طاهر الجزائري :
قال العلامة الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي، وهو من أخص
تلاميذ الميداني، المولود سنة ١٢٦٨ هـ، والمتوفى سنة ١٣٣٨ هـ،
وذلك فيما نقله عنه تلميذه الشيخ محمد سعيد الباني، المتوفى سنة
١٣٥١ هـ، في كتابه الخاص بترجمة شيخه: ((تنوير البصائر بسيرة
الشيخ طاهر))(١)، قال الباني:
(( ... حتى اتصل بأستاذه الخاص الشيخ عبد الغني الغنيمي،
الشهير بالميداني شارحٍ كتاب القدوري، وكثيراً ما سمعتُ الفقيدَ
يُطْريه، ويُثني عليه بأنه من العلماء المحقّقين، والواقفين على لُباب
الشريعة وأسرارها، البعيدين عن البدع والخرافات.
وأخبرني أنه حين حضر عنده ((التلويح))، للسعد التفتازاني على
((توضيح التنقيح))، لصدر الشريعة في أصول الفقه، وَجَدَ منه تحقيقاً
يُعرِب عن غزارة علمه، وارتقاء فكره، غير أنه كان يُؤثِرِ الخُمولَ على
حُبِّ الشُّهرة والظَّهور، فلا يَرغب في المناقشة والتفصّح في المجالس
الحافلة، ولكنه إذا سئل على انفرادٍ عن عَوِيصات المسائل: تجد منه
(١) ص ٧٣.

٦٢
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
حلاَّل المُعضلات، وكشَّاف الأستار عن الأسرار، فلزمه الفقيدُ،
وتلقَّى عنه ما تلقى حتى تخرَّج به)). اهـ.
* ثناء تلميذه الشيخ محمد ابن الشيخ حسن البيطار :
ووَصَفَه تلميذُه العلامةُ الشيخ محمد ابن الشيخ حسن البيطار،
المولود سنة ١٢٣١ هـ، والمتوفى سنة ١٣١٢ هـ(١)، وذلك فيما سجَّله
على نسخةٍ نَسَخَها بخطه من رسالة: شرح منظومة عقود رَسْم المفتي،
لشيخه الشيخ محمد أمين ابن عابدين، فقد قال في آخرها:
((قد بالغتُ في تصحيح هذه الرسالة على حَسَب الطاقة من أصلها
المنقولة عنه، وسمعتُها من فِي سيدي الحَبْرِ السامي جنابِ سيدي
الشيخ عبد الغني أفندي الغنيمي، من أولها إلى آخرها، جزاه الله كل
خيرٍ، ودَفَع عنه كلّ ضَيْرٍ، وأنا الفقير كاتبُها محمد تلميذُ المؤلِّف
والمسمع ابن حسن البيطار، وذلك في رابع ذي الحجة، سنة
١٢٥٧ هـ، ثم كتب الشيخ عبد الغني الميداني: كَتَبَ بإذني وأنا الفقير
عبد الغني الغنيمي الميداني عفي عنه))(٢).
(١) له ترجمة في تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري ١١٩/١،
وقد صرَّح الشيخ محمد البيطار بالتلمذة على الميداني في أكثر من موضع، منها في
آخر نسخة بخطه من رسالة: إسعاف المريدين، للميداني، وهي من محفوظات
الظاهرية بدمشق، برقم (٤٧٩٣)، وعندي منها صورة.
(٢) ينظر فهرس مخطوطات الظاهرية (الفقه الحنفي) ١ / ٤٦٠.

٦٣
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
* ثناء أحد الوجهاء من تلاميذ الميداني :
جاء في مقدمة الطبعة العثمانية لكتاب اللباب، في دار السلطنة
السَّنِيَّة، المطبوعة في عهد المؤلف، سنة ١٢٧٥ هـ، زمن السلطان
العثماني عبد المجيد، بقلم الفقير الضعيف: (صحا فلر - هكذا -
شيخي زاده أحمد نظيف)، بعد أن صحب الشيخ الميداني بدمشق
الشام ، واستنسخ نسخةً من اللباب، وهو الذي سعى في طبعه، قال:
((وكنتُ قد تعهَّدتُ - حين تشرُّفي بصحبة الفاضل الشارح بدمشق
- نشرَه بالطبع، بسبب نفاسته، وحُسْن سيرة مؤلَّفه، إذ هي سيرة
السلف الصالح، من حُسْن الأخلاق والعِفَّة، حتى مع وُفُور فضله
وكماله: يجتنب غاية الاجتناب عن التعيُّن والاشتهار، ولم يرضَ
الاختلاطَ بغير أرباب العلم من الأكابر والتجار، معتكفٌ على خدمة
الشريعة، وتدريس العلوم، جعل الله سعيه مشكوراً، وأجره
موفوراً ... )). اهـ
* ثناء أحد تلاميذ الشيخ عبد الغني الميداني :
جاء في آخر نسخة مخطوطةٍ من كتاب: (كَشْف الالتباس)) للشيخ
عبد الغني الميداني، كُتبت في عهد مؤلّفها، جاء ما يلي:
((كشف الالتباس عما أورده الإمام البخاري على بعض الناس))،
العلاَّمة الوقت، سامي المَقَام والثّبْت، فريدِ الزمان، وفارسِ الميدان،
النائِل بإحسانه سبحانه سائرَ الأماني، مولانا الشيخ عبد الغني الغنيمي
الميداني، مدَّ الله تعالى في حياته، وحَفِظَه في حركاته وسَكَناته،

٦٤
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
آمین. آمین)». اهـ
ذكر هذا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في مقدمة
تحقيقه لكتاب: ((كشف الالتباس)) (١)، وقال: ((هكذا كُتِب في النسخة
المخطوطة أمامي، فأثبتُّه کما هو)). اهـ
** ثناءٌ وُجد على وجه نسخة من اللباب :
وجدتُ على نسخة مخطوطة من كتاب اللباب للميداني،
المنسوخة في عهد المؤلّف، وذلك بعد سنة من تأليفه له، مودَّعة في
دار الكتب المصرية، برقم (٢١٣٦) فقه حنفي، وجدتُ مكتوباً عليها
ما يلي:
((وهذا الكتاب جامعُه العالم العلاَّمة، الجهْبذُ البحرُ الفهَّامة،
سيدي الشيخ العالم العارف عبد الغني الغنيمي الميداني، نفعنا الله به
في الدنيا والآخرة، وأفاض علينا من علومه)). اهـ.
* ثناء الشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي :
قال العلامة الشيخ محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم
الحلاَّق الحسيني القاسمي الدمشقي، وهو في طبقة تلاميذ الميداني،
لكن لم يُذكر عنه أنه أخذ عنه، المولود سنة ١٢٨٣ هـ، والمتوفى سنة
١٣٣٢ هـ، وله من العمر ٤٩ سنة، وله أكثر من سبعين مصنَّفاً، قال
(١) ص ٥٥، حاشية رقم (٢).

٦٥
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
عن الميداني:
((كان عالماً فاضلاً صالحاً تقياً كاملاً، تفوَّق في الفقه، واشتهر
به، وصنَّف مصنَّفاتٍ حسنة، ورسائلَ كثيرة.
وكان حَسَن السَّمْت، جميلَ الطريقة، محيّباً في الناس، لا سيما
في محلّة الميدان، معتَقَداً، ولم يَزَل على طريقته المثلى إلى أن توفي
رحمه الله تعالى)) (١). اهـ
* ثناء المؤرِّخ محمد أديب تقي الدين الحِصني :
قال العلامة المؤرِّخ الأستاذ محمد أديب تقي الدين بن محمد بن
عبد القادر الحصني الحسيني الدمشقي، المولود سنة ١٢٩٢ هـ،
والمتوفى سنة ١٣٥٨ هـ، وهو يصف الشيخ عبد الغني الغنيمي:
((وبالجملة فإنه كان من جهابذة العلماء المحقّقين، والفقهاء
الوَرِعين المخلصين، لا يَمَلّ عن الإفادة، ولا يستنكفُ عن
الاستفادة، صفاتُه النصيحة والإرشاد إلى الخَلْق، وعدمُ الالتفات إلى
ما في أيديهم.
له وَلَعٌ في إعمار المساجد والمعابد، وزيارةِ المَشَاهد والمعاهد،
(١) تعطير المَشَامِّ في مآثر دمشق الشام، بخط المؤلف، أفادني بصورة صفحة
منه، فيها ترجمة الميداني: الأستاذ محمد بن ناصر العجمي الكويتي، جزاه الله خيراً .
وللشيخ جمال القاسمي ترجمة في حلية البشر ٤٣٢/١، وتاريخ علماء دمشق
في القرن الثالث عشر الهجري ٢٨٧/١، والأعلام ١٣٥/٢.

٦٦
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
وملازمة الأذكار، ومخالطة الفقراء والمساكين.
تردّد إلى الحجاز مراراً، وأخذ عن علمائها، وقد أدركتُه،
وزُرتُه (١) مع والدي رحمه الله تعالى في داره))(٢). اهـ.
* ثناء تلميذِ تلميذِ الميداني الأستاذ محمد كرد علي :
قال الأستاذ المؤرِّخ اللغوي (محمد كرد علي) محمد بن
عبد الرزاق، المولود سنة ١٢٩٣ هـ، والمتوفى سنة ١٣٧٢ هـ، وذلك
في معرض ذكر شيخه الشيخ طاهر الجزائري:
( ... ثم اتصل بعالم عصره الشيخ عبد الغني الميداني الغنيمي،
الفقيه الأصوليّ النظّار، وكان واسع المادة في العلوم الإسلامية، بعيدَ
النظر ...
وكان الشيخ الميداني على جانبٍ عظيمٍ من التقوى والورع، يمثِّل
صورةً من صور السلف الصالح، فطبع الشيخ (طاهر) بطابَعِه، وأنشأه
على أصح الأصول العلمية الدينية))(٣). اهـ
(١) وكانت ولادة المتكلم الحصني سنة ١٢٩٢ هـ، كما في الأعلام للزركلي
٢٨/٦، ووفاة الميداني سنة ١٢٩٨، وعليه فقد كانت الزيارة له وهو صغير، وستُّه إذ
ذاك في حدود ست سنوات أو أقل.
(٢) منتخبات تواريخ دمشق ص ٦٥٠.
(٣) كنوز الأجداد ص ٩.

٦٧
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
وقال الأستاذ محمد كرد علي أيضاً في كتابه: ((المعاصرون)) (١)
في ترجمة شيخه الشيخ طاهر الجزائري، وهو يتحدَّث عن أبرز شيوخه:
((ثم اتصل بعالم عصره الشيخ عبد الغني الميداني الغنيمي، وكان
فقيهاً عارفاً بزمانه، واسع النظر، بعيداً عن التعصب والجمود، على
قدم السلف الصالح، لتقواه وزهده)). اهـ
** وقال أيضاً (٢) في ترجمة الأستاذ سعيد بن عبد الله بن ميخائيل
ابن إلياس بن الخوري شاهين الراعي الشرتوني اللبناني النصراني،
صاحب: ((أقرب الموارد))، في اللغة، المتوفى سنة ١٣٣٠هـ:
((وأخذ خلال مُقامه بدمشق الفقه الحنفي عن أكبر فقهاء عصره
العلامة عبد الغني الغنيمي الميداني، تلميذ سيد الفقهاء المتأخرين
العلامة السيد محمد عابدین صاحب الحاشية، وکان یقصد من درس
فقه أبي حنيفة أن يعود إلى لبنان، ويتولى القضاءَ فيه، وكانت الشريعة
نافذةَ الأحكام، ولا سبيلَ إلى تفوُّقِ القضاة في أقضيتهم إلا بالبراعة
فیها.
وصادفتُه مرةً في ساحة البُرج في بيروت، يتأبَّط كتاباً، فسألتُه عما
معه، فقال: أَمَا سمعتَ الضجَّةَ القائمة هذه الأيام، بدعوى أن الفقه
الإسلامي مأخوذ من الفقه الروماني، لا من الكتاب والسنة والإجماع
(١) ص ٢٦٨.
(٢) المعاصرون ص ٢٢٩.

٦٨
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
والقياس؟
فقلتُ له: سمعتُ ذلك.
فقال: إني أنوي أن أدفع هذه الفِريةَ عن الفقه، ولا يتيسر لي ذلك
إلا إذا رجعتُ إلى الفقه الروماني نفسه، وعارضتُه بالفقه الحنفي،
ولما كانت لغتي الفرنسية ضعيفة، أحببتُ أن أقوِّيَها؛ لأتمكن من نَقْل
قانون (يوس تنيانوس) من الفرنسية إلى العربية، ثم أقابل بين موادِّه
وبين فقهنا، فأنا منذ أشهرٍ أشتغل بإحكام اللغة الفرنسية.
ثم قال الأستاذ محمد كرد علي: وبعد حينٍ نَشَرَ في مجلة
(المقتطف) سلسلةَ مقالات، دَفَعَ فيها عن الفقه الإسلامي ما افتراه
المتحذلقون علیه.
وكأنه بعمله هذا، كافأ شيخَه العلامةَ الغنيمي، على تلقينه فقهَ
الإسلام، في زمنٍ كان غيرُه من فقهاء دمشق يأبَوْن أن يعلِّموه إياه؛
جهلاً وتعصُباً)). اهـ
قلت: لكلِّ من العلماء وجهةٌ هو مولِّيها، ولكلِّ اجتهاده، فهم
ورَّاث النبوة، وأُمَنَاء الله على دينه وشرعه، ولعلّ الشيخ الميداني حين
علَّم الشرتوني هذا، كان يرجِّي من هذا القانونيُّ النصرانيّ إسلاماً، أو
نفعاً للمسلمين.
وأما قوله: ((إن غير الميداني لم يعلمه جهلاً وتعصباً)): فأقول: إن
التزام عبارات الأدب هو الأصل، ثم إن السبب واضح لكل ذي بصر.
وأيضاً قول الأستاذ كرد علي: ((وكأنه بعمله كافأ شيخه)): فيقال

٦٩
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
أيضاً: لا، وأين هو من مكافأته للميداني بما علّمه؟
* ثناء تلميذٍ تلميذ الميداني الشيخ محمد جميل الشَّطِّي :
31
قال العلامة الشيخ محمد بن عمر الشَّطَيُّ، المولود سنة
١٣٠٠ هـ، والمتوفى سنة ١٣٧٩ هـ، حين وَصَف الميداني وهو
يلخِّص ترجمته من حلية البشر:
((كان ذا زهد وتقوى، وعبادةٍ في السرِّ والنجوى، وهِمَّة عالية،
ومروءة سامية، ولسان على الذكر دائب، وشهرة سارت في المشارق
والمغارب، وكان له خيراتٌ حسنة، ومَسَاعٍ مستحسَنَة، وقد جدَّد
عمارة الجامع الذي بجانب داره في الميدان، في ساحة السخَّانة
بالميدان، وأنشأ له منارةً عظيمة، واتَّسع جاهُه، وكثر في الناس
ثناؤه، وخالطت هيبتُه القلوب، ونال أجلّ مطلوب ومرغوب، إلى
غير ذلك))(١). اهـ
* ثناء العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله :
وَصَفَ العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، المتوفى سنة
١٤١٧ هـ، حين ترجم للميداني في مقدمة تحقيقه لرسالة الميداني:
((كشف الالتباس))(٢)، ورسالته: (تُحفة النُّسَّاك))، فقال وهو يصوغ
(١) روض البشر في أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ص ١٥٢، ومعه:
(تراجم أعيان دمشق في نصف القرن الرابع عشر)، للشطي نفسه.
(٢) ص ٥٢.

٧٠
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
مَدْحه له بإجمالِ ما وقف عليه من تراجم للميداني:
((وكان على درجة عالية في العلم، والفضل، والورع، والزهد،
وسَعَة العقل، وبَصَارة الرأي، فحصل له قبول في قلوب الناس،
وإجلالٌ في النفوس، وجاهٌ عظيم، وحلّ المَقَام الكريم الرفيع بين
أهل دمشق عامة)). اهـ
رحم الله الشيخ عبد الغني الميداني ذاك الذي وُصف بتلك
الأوصاف السابقة، ونال تلك الثناءات العالية، وذلك الفضل من الله.

٧١
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
المبحث الرابع
تنبيهٌ فيه تحريرٌ لما ذكره بعضهم من مساعدة الميداني
للنصارى في حادثة سنة ١٨٦٠م في دمشق
حادثةُ دمشق سنة ١٨٦٠م، عنوانَ وتاريخٌ لفتنةٍ عظيمةٍ كانت في
مدينة دمشق، جَرَتْ بين المسلمين، وبين مَن كان فيها من النصارىُ،
البالغ عددهم عُشْر سكان دمشق، وقد قُتِل في هذه الحادثة آلافٌ من
النصارى، وكان سببَها فِتَنٌ بين الطرفَيْن سابقة، وإحَنٌ وأحقادٌ
متقدِّمة، يَضيقُ المجال عن ذكرها، وقد فصَّلها مَن كَتَبَ عنها.
وهكذا تدخَّلت السلطات العثمانية، والسفارات الأجنبية
لإيقاف تلك الفتنة، وساعدهم على ذلك وُجَهاءَ دمشق، وفريقٌ من
علمائها، وكان على رأسهم الأمير عبد القادر الجزائري، وذلك
بعد استقراره في دمشق، وتمّ إطفاء تلك الفتنة، وكان ما كان
بعدها، وأُعدم كثيرٌ من أهالي دمشق ممن شارك في تلك الفتنة،
وذلك من قِبَلِ الوالي العثماني، ونُفي فريقٌ من علماء دمشق
ووُجَهائها إلى قُبرص، ثم حُكِم عليهم بإقامةٍ جبريةٍ في اسطنبول
سنوات، ثم فُرِّج عنهم (١).
(١) ينظر تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر، لابنه محمد ٩٢/٢، حادثة

٧٢
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
وهكذا، فقد ذَكَر بعضُ المترجمين للشيخ عبد الغني الميداني أن
13
الميداني شارك في مساعدة النصارى في تلك الفتنة، وأنه آواهم،
ودَفَعَ ودافع عنهم، ونحو هذا، وبسبب توسعي في ترجمة الميداني،
أردتُ هنا التنبيهَ إلى هذا الأمر، وتجليةَ حقيقةٍ ما نُسب إليه، وبيانَ
عدم صحة ما ذُكر عن الميداني في ذلك.
وممن ذَكَرَ هذا عن الميدانيّ: مديرُ المجمع اللغوي في دمشق
الأستاذ محمد كرد علي، المولود سنة ١٢٩٣ هـ، والمتوفى سنة
١٣٧٢ هـ، وذلك في ترجمة أستاذه العلامة الشيخ طاهر الجزائري
الدمشقي، وهو يذكر مشايخَ الشيخِ طاهر، وعدَّ منهم العلامةَ الشيخ
عبد الغني الميداني، وبعد ثنائه عليه قال:
((وهو الذي حالَ بإرشاده في حادثة سنة ١٨٦٠م بدمشق دون
تعدِّي فتيان المسلمين على جيرانهم المسيحيين في مَحلَّته - أي
الميدان -، فأنقذ بجميل وَعْظه، وحُسْنِ تأثيره بضعةَ ألوفٍ من القتل
في تلك المذابح المشؤومة))(١). اهـ
قلتُ: ما ذكره الأستاذ محمد كرد علي عن الشيخ الميداني لم
يذكره - فيما اطلعتُ عليه - أحدٌ ممن ترجم للميداني، لا من
تلاميذه، ولا من معاصريه ومحبِّيه، بل ولا ممَّن خصَّ هذه الحادثة
دمشق سنة ١٨٦٠م، للحَسيبي الحُسيني (مخطوط)، حَسْر اللثام عن نكبات الشام،
لمکاریوس، ص ٢٢٢.
(١) كنوز الأجداد ص ٩.

٧٣
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
بالتأليف، وكَتَبَ عنها بالتفصيل، إلا مَن تابع الأستاذ محمد كرد علي
من المعاصرين، كصاحب معجم المؤلفين(١)، وكذلك صاحب
كتاب: ((علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري))(٢)، في
ترجمته للميداني، وكذلك في ترجمته له في مقدمة تحقيقه لكتاب
الميداني: ((شرح العقيدة الطحاوية)).
حتى إنه قال في هذه المقدمة(٣): ((أجلَّ مناقبه مساعدته في حادثة
الستين ... ، ولو لم يكن للميداني إلا هذه المَنْقَبَة: لكَفَتْه)). اهـ؟ !!
قلتُ: وأصل كلام الأستاذ محمد کرد علي ومَن تابعه مأخوذٌ
- والله أعلم - من كتاب: ((حَسْرِ اللَّثام عن نَكَبَات الشام)) (٤)، الذي ألَّفه
أحدُ كبار النصارى اللبنانيين، وهو شاهين بن مكاريوس(٥) (١٢٦٩ هـ
- ١٣٢٨ هـ)، وهو ممن خَدَمَ اليهودَ والماسونيةَ في كتبه، وفي
غيرها، كما ذكر هذا عنه الزركليُّ، وغيرُه، وكان أبوه ممن قُتِل في
(١) ٢٧٤/٥، حيث ذكر باختصار هكذا: ((أن الميداني ساعد على تهدئة الحالة
في حوادث سنة ١٨٦٠ م)).
(٢) ٧٧١/٢.
(٣) ص ٢١.
(٤) المطبوع عدة طبعات، منها الطبعة الثانية، في بيروت، سنة ١٩٨٣ م،
وصُوِّر في دار ديار عقل، ودار الأجل، والمعرفة ببيروت، ومنه نسخة في مكتبة
الملك فهد الوطنية بالرياض، وقد يسَّر الله لي الحصول على صورة منه.
(٥) تنظر ترجمته في فيض المَلِك الوهاب المتعالي ٦٩١/١، الأعلام ١٥٣/٣،
معجم المؤلفين ٤ / ٢٩٢.

٧٤
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
لبنان في الفتن والحروب التي جرَتْ بين النصارى والدُّرُوز، وانظر في
ترجمته في أعلام الزركلي أسماءً كتبه، لترى شيئاً مما ذكروه عنه.
وقد عقد مكاريوس في كتابه هذا: ((حسر اللثام)) فصلاً خاصاً عن
تلك الحادثة، وذَكَر (١) أن أُلوفاً من النصارى قُتلوا في هذه الفتنة، وأن
ممن ساعد على تهدئة الفتنة الأمير عبد القادر الجزائري (٢)، والشيخ
عبد الغني الميداني، وعدَّ أسماءَ آخرين.
* ومما يؤكد تفرُّد مَكَارْيوس بذكر الميداني في هذه الحادثة، أن
مَن كَتَبَ من علماء المسلمين عن هذه الحادثة، ودوَّن أحداثَها يومياً
بالتفصيل الدقيق، لم يذكروا الميداني في أحداثها.
فهذا محمد باشا ابن الأمير عبد القادر الجزائري حين كتب عن
(١) ص ٢٣٤.
(٢) وذكر هذا عن الأمير عبد القادر أيضاً ابنُه محمد في كتابه عن والده: ((تحفة
الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر)) ٩٢/٢، وذكر أنه نال بذلك وبغيره
أوسمةً نادرة كبيرة، ونَياشين ضخمة، وثناءات فخمة مفخَّمة من عددٍ كبير من ملوك
الدول غير الإسلامية ورؤسائها.
كما ذكر محمد ابن الأمير عبد القادر في تحفة الزائر ٩٤/٢ أن صاحب الدولة
فؤاد باشا وزير الخارجية للدولة العثمانية، قدم دمشق بعد الحادثة، وأجرى حكومة
عُرفية خارجة عن القوانين، وقبض على الألوف من أهالي دمشق الذين شاركوا في
الحادثة، حتى امتلأت بهم السجون، وقَتَل مَن قتل منهم، ونفى مَن نفى، وهكذا،
وينظر ما كتبه خليل مردم في ((أعيان القرن الثالث عشر))، في ترجمة فؤاد باشا ص
٩٤، وما فَعَل من أفاعيل بأهالي دمشق عقب تلك الحادثة.

٧٥
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
هذه الحادثة بالتفصيل في كتابه: ((تحفة الزائر في مآثر الأمير
عبد القادر وأخبار الجزائر)) (١)، لم يذكر الشيخَ عبد الغني الميداني في
هذه الحادثة أبداً.
وأيضاً ممَّن أفرد هذه الحادثة بكتابٍ خاص، ولم يذكر
الميدانيّ في أحداثها أبداً، أحدُ كبار أعيان دمشق وأشرافها
ووجهائها، وهو السيد محمد أبو السعود الحَسِيبِي الحُسَيْني، ممن
عاصر الحادثة، وكان مع أبيه في خِضَمِّها ومَعْمَعتها، المتوفى سنة
١٣٣٢ هـ (٢).
ووالد أبي السعود الحَسِيبي هذا، هو أحمد بن علي الحَسِيبي
الحُسيني، أحد كبار أشراف دمشق وأعيانها ووجهائها، ممن نُفي مع
مَن نُفي من علماء دمشق وأعيانها إلى ((قبرص)) لما وقعت فتنة تلك
الحادثة، المتوفى سنة ١٢٩٣ هـ(٣).
(١) ٢/ ٩١ - ١١٦، هكذا اسم الكتاب كما هو مثبت على غلافه المطبوع، في
حين أن البيطار في حلية البشر ٨٩٧/٢ سمَّاه: ((الكوكب الزاهر))، والكتاب مطبوع
سنة ١٩٠٣م، في المطبعة التجارية بالإسكندرية، في مجلدين، ومنه نسخة في مكتبة
الشيخ عبد القادر شلبي، في المكتبات الخاصة المودعة في مكتبة الملك عبد العزيز
بالمدينة المنورة.
(٢) له ترجمة في معجم المؤلفين ٢٣١/٩، وتاريخ علماء دمشق في القرن
الرابع عشر الهجري ٢٩١/١، ومنتخبات التواريخ لدمشق للحصني ٨٢٨/٢.
(٣) له ترجمة في حلية البشر ٢٤١/١، وينظر تاريخ علماء دمشق في القرن
الرابع عشر الهجري ٢٩/١.

٧٦
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
فهذا محمد أبو السعود بن أحمد ألَّف كتاباً في هذه الحادثة(١)،
وذَكَرَ أحداثَها بالساعة واليوم والتاريخ، مع ذِكْر أسماء مَن حضر،
ومن قُتل، ومَن ... ، ومع هذا كله لم یذکر الميداني في ذلك كله.
وبهذا يظهر ويتأكد أن الميداني كان معتزلاً هذه الفتنة، مؤثراً عدمَ
الخوض فيها، طالباً السلامة، على ما عُرِف من سيرته، وأنه لم يَذكر
عن خوضه فيها أحدٌ ممن ترجم له إلا مكاريوس - وهو مَن هو -،
ومَن تابعه، والله تعالى أعلم.
(١) سماه: ((حادثة الستين))، منه نسخة مخطوطة من مسودة المؤلف في ظاهرية
دمشق، برقم (٤٦٦٨)، في (٣١) ورقة، وقد يسَّر الله لي الحصول على صورة منها،
وهو مطبوع في مجلة الجامعة الأمريكية في بيروت، لكن لم يتيسر لي الوقوف على
هذه الطبعة، مع سعيي الحثيث لذلك.

٧٧
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
المبحث الخامس
فضائل الميداني وأخلاقه وآدابه
لقد أجمعت الكلمة على الثناء على الشيخ الميداني، من كبار
مشايخه ومَن بعدهم، وأنه كان مَجمَعَ الفضائل والكمالات، وأن الله
تعالى قد منَّ عليه بكمال الأدب، وتمام حُسْن الخَلَق، مع ورعٍ
و و
وتقوى، وصلاحٍ وفلاح، وزهد وإعراضٍ عن الدنيا وطلابها .
وقد ختم صاحبُ حلية البشر ٢/ ٨٧٢ ترجمتَه بقوله: ((وفضائلُه
معروفةٌ مشهورةٌ، وخيرياتٌ حسنةٌ، وتعميراتٌ مستحسنةٌ، وكانت
الناس تأتيه بالهدايا، وتقصده بعظيم الوصايا، وبالجملة والتفصيل:
قد كان شهماً ما لَه من مثيل، وقد اتسع جاهُه، وكثر في الناس ثناؤه،
وخالطت هيبتُه القلوبَ، فكان لها أجلّ مطلوب ومرغوب)). اهـ
وأذكر فيما يلي ما وقفتُ عليه من أخباره العالية في ذلك:
١ - أدبه الجمٌّ مع مشايخه :
إن مما امتاز به الشيخ عبد الغني الميداني أنه كانت له أخلاقٌ
عالية، وآدابٌ ساميةٌ، ومروءةٌ نادرة، وبخاصة مع أساتذته
وشيوخه، فقد بلغ في ذلك ذِروةً عليا، وقَدْراً كبيراً، حتى أثنى
عليه في ذلك أخصُّ مشايخه، وهو العلامة الشيخ حسن البيطار،

٧٨
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
فقال عنه وهو يصفه :
(( ... القائم بحقوق أشياخه بالأدب التام، والحائز بنور رضاهم
أعلى درجةٍ ومَقام))(١). اهـ
وقال عنه شيخه الشيخ عبد الرحمن الكزبري: ((ولقد منَّ الله على
الميداني فيما عَلِمنا بكمالِ أدبٍ، وحُسْنِ خُلُقٍ، وتورُّع وتقوى، بها
إن شاء الله تعالى إلى المنازل العليَّة يَرقى، وإنا لنرجو له فوق ذلك
مظهراً ... )) (٢). اهـ
* ومن الصور العظيمة لأدبه، وحُسْن خُلُقه: ما حُفظ عنه من برِّه
بشيخه العلامة ابن عابدين، وذلك أنه بعد وفاة ابن عابدين أراد
ورثتُه بيعَ مكتبته، ولم يكن لابن عابدين من الورثة الذكور إلا ابنُّه
محمد علاء الدين، وكان صغيراً في الثامنة من عمره، فلم يرض
الميداني أن تُباع مكتبة شيخه ابن عابدين العظيمة، وأن تُضيَّع شَذَر
مَذَر هنا وهناك، فقام بشرائها، وكان غالبها عنده، والقسم الآخر منها
عند تلميذ ابن عابدين الآخر الشيخ محمد ابن الشيخ حسن البيطار.
وبذلك البِرِّ العظيم حَفِظَ الميدانيَّ مكتبةَ شيخه من الضياع،
وكانت عنده في المحلّ الأسمى(٣).
(١) من تقريظه لشرح الميداني على العقيدة الطحاوية ص ١٥١.
(٢) من تقريظه لشرح العقيدة الطحاوية للميداني ص ١٤٦.
(٣) ينظر لخبر بيع مكتبة ابن عابدين كتاب: ((ابن عابدين وأثره في الفقه
الإسلامي)) ٣١٧/١، ١٠١٦/٢، ١١٠١، وسيأتي بيان ذلك عند ذكر مكتبة الميداني.

٧٩
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
٢ - أدبه العالي الرفيع مع الإمام البخاري، وهو يردُّ عليه فيما
اعترض به في صحيحه على الإمام أبي حنيفة :
مما ألَّفه الشيخ عبد الغني الميداني رسالةً سمَّها: ((كشف
الالتباس عمَّا أورده الإمامُ البخاري على بعض الناس))، جاء في
مقدمتها :
«هذه رسالةٌ أذكر فيها ما ذَكَرَ الإمامُ البخاري في صحيحه من
الفروع، معبِّراً عنها بقوله: ((قال بعض الناس))، واعترضها غايةً
الاعتراض، حتى نَسَب قائلَها إلى التساهل والإدحاض، وفي بعضها:
خالفَ الكتابَ والسنةَ وأكثرَ الأئمة ... )). اهـ
وهكذا جمع الميداني هذه المسائل، فبلغت خمساً وعشرين
(٢٥) مسألة، ثم بيَّن وجهة الإمام أبي حنيفة فيها، ليدفع الشكّ
والإيهامَ عن قُرَّاء صحيح البخاري، وردَّ في ذلك على الإمام البخاري
فيما اعترض به على الإمام أبي حنيفة غاية الاعتراض.
وقد كان في ردِّه هذا على الإمام البخاري في أعلى درجات
الأدب العالي الرفيع، والتواضع الشديد، وفي هذا درسٌ عظيم،
وعِبرةً نافعة للمعتبرين.
وأنا أنقل هنا ما قاله الميداني في نهاية مقدمته لهذه الرسالة:
((كشف الالتباس))، وهو يعتذر للإمام البخاري عما أورده في صحيحه
في حقِّ الإمام أبي حنيفة، وبيَّن سبب إيراد الإمام البخاري لذلك،
فقال رحمه الله:

٨٠
الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني
((وأنا أقول: إن الإمام البخاري هو الإمام الكبير، والحافظ
الشهير، وهو من أهل الصدر الأول، وصاحب المقام الذي لا
يُجهل، ومن المجتهدين كغيره من الحفّاظ المتقدِّمين، لكنهم غيرُ
مَتْبُوعين، ولا مقلّدين ....
والبخاريُّ وأمثالُه من المجتهدين، مكلَّفون بما أدَّى إليه
اجتهادُهم، وبذلوا فيه وُسعهم، وليس لهم أن يقلِّدوا غيرَهم، ....
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يُستبعد من المجتهد أن يَحكم على
قول مخالفه بالفساد(١)؛ لأنه إنما بذل وُسْعه في الاجتهاد، وتبيَّن له أو
غَلَبَ على ظنه أنه المراد، فبالضرورة يَحكمُ على قول مخالفه
بالفساد، ولذا لا يجوز له أن يعمل به لمخالفته لاعتقاده.
وكلَّهم مع الحقِّ دائرون، وبسيفه يناضلون، وهم باجتهادهم
أصابوا أو أخطأوا مأجورون، رضي الله عنهم أجمعين، وجزاهم الله
خيراً عن جميع المسلمين، وسمَّيتُها: ((كشف الالتباس عما أورده
الإمام البخاري على بعض الناس))، وهذا أوان الشروع في المقصود،
بعون الملك المعبود، فأقول:
قال الشيخ الإمام، حَبْر الإسلام، وقُدوة الأئمة الأعلام، إمام
أهل الحديث، في القديم والحديث، سيدي أبو عبد الله محمد بن
إسماعيل البخاري، قدَّس الله روحه، ونوَّر مرقده وضریحه ... ». اهـ
(١) أي كما فعل الإمام البخاري في صحيحه فيما ردَّ به على الإمام أبي حنيفة
رحمه الله تعالى.