النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب الكفالة كتاب الكفالة الكفالةُ ضربان: كفالةٌ بالنفس، وكفالةٌ بالمال. فالكفالةُ بالنفس جائزةٌ، والمضمونُ بها: إحضارُ المکفول به. وتنعقدُ إذا قال: تكفَّلتُ بنفس فلانٍ، أو: برقبته، أو: برُوْحه، أو: بجسده، أو: برأسه، أو: بنصفه، أو: بثلثه. وكذلك إن قال: ضَمِنتُه، أو: هو عليَّ، أو: إليّ، أو: أنا به زعيمٌ، أو: قَبِيلٌ به. فإن شَرَطَ في الكفالة تسليمَ المكفول به في وقتٍ بعينه: لزمه إحضارُه إذا طالبه به في ذلك الوقت. فإن أحضره، وإلا: حَبَسَه الحاكم. وإن أحضره، وسلَّمه في مكانٍ يَقْدِرُ المكفولُ له على محاكمته: برىء الكفيلُ من الكفالة. وإذا تكفَّل به على أن يسلِّمه في مجلس القاضي، فسلّمه في السوق: برئ. وإن سلَّمه في بَرِّيَّةٍ: لم يبرأ. وإذا مات المكفولُ به: برئ الكفيلُ بالنفس من الكفالة. ١٨٢ كتاب الكفالة وإن تكفَّل بنفسه على أنه إن لم يُواف به في وقت كذا: فهو ضامنٌ لما عليه، وهو ألفٌ، فلم يُحْضره في الوقت: لزمه ضمانُ المال، ولم يبرأ من الكفالة بالنفس. ولا تجوز الكفالةَ بالنفس في الحدود، والقصاص عند أبي حنيفة، وقالا : تجوز. وأما الكفالة بالمال: فجائزةٌ، معلوماً كان المالُ المكفولُ به، أو مجهولاً، إذا كان دَيْناً صحيحاً عليه، مثلُ أن يقول: تكفَّلتُ عنه بألفٍ، أو: بما لَكَ عليه، أو: بما يُدْرِكك في هذا البيع. والمكفولُ له بالخيار: إن شاء طالَب الذي عليه الأصلُ، وإن شاء طالَب کفیلَه. ويجوز تعليقُ الكفالة بالشرط، مثلُ أن يقول: ما بايعتَ فلاناً: فعليَّ، أو: ما ذاب لك عليه: فعليَّ، أو: ما غَصَبَك فلانٌ: فعليَّ. وإذا قال: تكفَّلتُ بما لَكَ عليه، فقامت البينةُ بألف عليه: ضمنه الكفيل. وإن لم تقم البينةُ: فالقولُ قولُ الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به. فإن اعترف المکفول عنه بأکثر من ذلك: لم يُصدّق على كفيله. وتجوز الكفالةُ بأمر المكفول عنه، وبغير أمره. فإن كَفَل بأمره: رجَعَ بما يؤدِّي عليه. ١٨٣ كتاب الكفالة وإن كَفَل بغير أمره: لم يرجع بما يؤدِّيه. وليس للكفيل أن يطالب المكفولَ عنه بالمال قبل أن يؤدِّيّه عنه. فإن لُوزِمَ بالمالِ: كان له أن يلازم المكفولَ عنه حتى يخلِّصه. وإذا أبرأ الطالبُ المكفولَ عنه، أو استوفى منه: برىء الكفيلُ. وإن أبرأ الكفيلَ: لم يبرأ المكفولُ عنه. ولا يجوز تعليقُ البراءة من الكفالة بشرط. وكلَّ حقٍّ لا يُمكن استيفاؤه من الكفيل: لا تصحُّ الكفالةُ به، کالحدود، والقصاص. وإذا تكفَّل عن المشتري بالثمن: جاز. وإن تكفَّل عن البائع بالمبيع: لم تصح. ومَن استأجر دابةً ليحمل عليها، فإن كانت الإجارة بعينها: لم تصحّ الكفالة بالحَمْلِ. وإن كانت بغير عَيْنها: جازت الكفالة. ولا تصحُّ الكفالةُ إلا بقَبول المكفول له في مجلس العقد، إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي: أن يقول المريضُ لوارثه: تكفّل عني بما عليَّ من الدين، فتكفّل به عنه مع غيبة الغرماء: فتصحٌ. وإذا كان الدَّينُ على اثنين، وكلّ واحدٍ منهما كفيلٌ ضامِنٌ عن الآخر، فما أدَّى أحدُهما: لم يَرجع به على شريكه حتى يزيدَ ما يؤدِّيْه على النصف، فيرجعُ بالزيادة. ١٨٤ كتاب الكفالة وإذا تكفَّل اثنان عن رجل بألفٍ، على أن كلّ واحد منهما كفيلٌ عن صاحبه، فما أدَّاه أحدُهما: يرجع بنصفه على شريكه، قليلاً كان أو كثيراً. ولا تجوز الكفالةُ بمال الكتابة: حُرٌّ تكفَّل به، أو عبدٌ. عد وإذا مات الرجلُ، وعليه ديونٌ، ولم يترك شيئاً، فتكفَّل رجلٌ عنه للغرماء: لم تصحَّ الكفالةُ عند أبي حنيفة، وقالا: تصحّ. ١٨٥ كتاب الحوالة كتاب الحوالة الحوالةُ جائزةٌ بالدیون. وتصحُّ برضا المُحِيل، والمُحتالِ له، والمُحال عليه. وإذا تمَّت الحوالةُ: برئ المُحيلُ من الدِّيْن، ولم يرجع المحتالُ على المحيل إلا أن يَتْویُ حقّه. والتَّوَى عند أبي حنيفة بأحدٍ أمرين: إما أن يَجحدَ الحوالةَ، ويحلفَ ولا بينةَ عليه، أو يموتَ مفلساً. وقالا: هذان، ووجهٌ ثالثٌ، وهو: أن يحكم الحاكمُ بإفلاسه في حال حياته. وإذا طالب المُحالُ عليه المحيلَ بمثل مال الحوالة، فقال المحيلُ: أحلتُ بدَيْنٍ لي عليك: لم يُقبَل قولُه، وكان عليه مثلُ الدَّين. وإن طالب المحيلُ المحتالَ بما أحاله به، فقال: إنما أحلتُك التَقْبِضِه لي، وقال المحتالُ له: بل أحلتَني بدَيْنِ لي عليك: فالقولُ قولُ المحیل مع یمینه. وتُكره السَّفَاتِجُ، وهي قَرْضٌ استفاد به المقرِضُ أَمْنَ خَطَر الطريق. ١٨٦ كتاب الصُّلْح كتاب الصُّلْح الصَّلْحُ على ثلاثة أَضْرُبٍ: صلحٌ مع إقرارٍ. وصلحٌ مع سكوتٍ، وهو: أن لا يُقِرَّ المدعى عليه، ولا يُنكِرَه. وصلحٌ مع إنکارٍ. Elo و کلّ ذلك جائزٌ. فإن وقع الصلحُ عن إقرارٍ: اعتُبر فيه ما يُعتبر في البِياعات إن وَقَعَ عن مالٍ بمال. وإن وقع عن مالٍ بمنافعَ: فُيُعتبر بالإجارات. والصلحُ عن السكوت والإنكار في حق المدَّعى عليه: لافتداء اليمين، وقَطْعِ الخصومة، وفي حق المدعي: بمعنى المعاوضة. وإذا صالح عن دارٍ: لم تجب فيها شفعةٌ. وإذا صالح على دارٍ: وجبت فيها الشفعةُ. وإذا كان الصلحُ عن إقرارٍ، فاستُحق بعضُ المصالَح عنه: رجع المدَّعى عليه بحصة ذلك من العوض. وإن وَقَعَ الصلحُ عن سكوتٍ، أو إنكارٍ، فاستُحِقَّ المتنازَعُ فيه: ١٨٧ کتاب الصُّلْح رجع المدعي بالخصومة، وردّ العوضَ. وإن استُحِقَّ بعضُ ذلك: ردَّ حصتَه، ورَجَعَ بالخصومة فيه. وإن ادَّعى حقاً في دارٍ ولم يبيِّنْه، فصولح من ذلك على شيء، ثم استُحق بعضُ الدار: لم يَردّ شيئاً من العوض؛ لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي. ولو استُحِقَّ الكلّ: يرجعُ بما أخذه. والصلحُ جائزٌ من دعوى الأموال، والمنافع، وجنايةِ العمد، والخطأ. ولا يجوز من دعوى حَدٍّ. وإذا ادَّعىُ رجلٌ على امرأة نكاحاً، وهي تَجْحَدُ، فصالحته على مالٍ بَذَلَتْه حتى يترك الدعوى: جاز، وكان في معنى الخلع. وإن ادَّعت امرأةٌ نكاحاً على رجل، فصالحها على مالٍ بَذَلَه لها: لم يجز. وإن ادَّعىُ رجلٌ على رجلٍ أنه عبدُه، فصالحه على مالٍ أعطاه: جاز، وكان في حق المدَّعي: في معنى العتق على مال. وكلُّ شيءٍ وَقَعَ عليه الصلحُ، وهو مستَحَقٌّ بعقد المداينة: لم يُحمَل على المعاوضة، وإنما يُحمَل على أنه استوفى بعضَ حقه، وأسقط باقيه. كمَن له على رجلٍ ألف درهم جياد، فصالحه على خمسمائة ١٨٨ کتاب الصُّلْح زيوفٍ: جاز، وصار كأنه أبرأه عن بعض حقه. ولو صالحه على ألفٍ مؤجّلة: جاز، وصار كأنه أجَّل نفسَ الحق. ولو صالحه على دنانيرَ إلى شهرٍ: لم يجز. ولو كان له ألفٌ مؤجَّلةٌ، فصالحه على خمسمائةٍ حالَّةٍ: لم يجز. ولو كان له ألفُ درهمٍ سودٍ، فصالحه على خمسمائةٍ بِيْضٍ: لم يجز. ومَن وكَّل رجلاً بالصلح عنه، فصالحه: لم يلزم الوكيلَ ما صالحه عليه، إلا أن يَضْمَنَه، والمالُ لازمٌ للموكّل. فإن صالح عنه على شيءٍ بغير أَمْره: فهو على أربعة أوجه: إن صالح بمالٍ، وضَمِنَه: تمّ الصلح. وكذلك إن قال: صالحتُك على ألفِي هذه: تمّ الصلحُ، ولزمه تسليمها. وكذلك لو قال: صالحتُك على ألفٍ، وسلَّمها إليه. وإن قال: صالحتُك على ألفٍ، ولم يسلِّمها إليه: فالعقدُ موقوفٌ، فإن أجازه المدَّعى عليه: جاز، ولزمته الألفُ، وإن لم يُجِزْهُ: بَطَلَ. وإذا كان الدَّين بين شريكين، فصالح أحدُهما من نصيبه على ثوبٍ: فشريكُه بالخيار: إن شاء اتَّبَعَ الذي عليهِ الدَّيْن بنصفه، وإن شاء أَخَذَ نصفَ الثوب، إلا أن يضمن له شریکُه رُبَعَ الدَّیْن. ولو استوفى نصفَ نصيبه من الدَّيْن: كان لشريكه أن يَشْرَكَه فيما ١٨٩ كتاب الصُّلْح قبض، ثم يرجعان على الغريم بالباقي. ولو اشترى أحدُهما بنصيبه من الدَّيْن سلعةً: كان لشريكه أن يضمِّنْه ربعَ الدَّین. وإن كان السَّلَمُ بين شريكين، فصالح أحدُهما من نصيبه على رأس المال: لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجوز الصلحُ. وإذا كانت التركةُ بين ورثةٍ، فأخرجوا أحدَهم منها بمالِ أعطَوْه إياه، والتركةُ عقارٌ أو عُروضٌ: جاز، قليلاً كان ما أعطَوْه أو كثيراً. وإن كانت التركةُ فضةً فأعطَوْه ذهباً، أو ذهباً فأعطَوْه فضةً: فهو کذلك. وإن كانت التركةُ ذهباً وفضةً، وغيرَ ذلك، فصالحوه على فضة، أو ذهبٍ: فلا بدَّ أن يكون ما أعطَوْه أكثرَ من نصيبه من ذلك الجنس، حتى يكون نصيبُه بمثله، والزيادةُ بحقه من بقية الميراث. وإذا كان في التركة دَيْنٌ على الناس، فأدخلوه في الصلح، على أن يُخْرِجوا المصالَحَ عنه، ويكونَ الدَّيْنُ لهم: فالصلحُ باطلٌ. فإن شرطوا أن يُبرى الغرماءَ منه، ولا يُرجَعَ عليهم بنصيب المصالَحِ: فالصلحُ جائزٌ. ١٩٠ كتاب الهبة كتاب الهبة الهبةُ تصحُّ بالإيجاب والقبول، وتتمُّ بالقبض. فإن قَبَضَ الموهوبُ له في المجلس بغير أمْرِ الواهب: جاز. وإن قَبَضَ بعد الافتراق: لم تصحَّ إلا أن يأذن له الواهبُ في القبض. وتنعقد الهبةُ بقوله: وهبتُكَ، و: نَحَلْتُكَ، و: أعطيتُكَ، و: أطعمتُكَ هذا الطعام، و: جعلْتُ هذا الثوب لك، و: أعمرتُكَ هذا الشيء، و: حملتُكَ على هذه الدابة، إذا نوى بالحمْلان الهبةَ. ولا تجوز الهبةُ فيما يُقْسَم إلا مَحُوزةً مقسومةً. وهبةُ المُشَاعِ فيما لا يُقْسَم جائزةٌ. ومَن وَهَبَ شِقْصاً مشاعاً: فالهبةُ فاسدةٌ. فإن قَسَمه وسلّمه: جاز. ولو وَهَبَ دقيقاً في حنطة، أو دُهناً في سِمْسِم: فالهبة فاسدة. فإن طَحَن، وسلَّم: لم يجز. وإذا كانت العينُ في يد الموهوب له: مَلَكها بالهبة وإن لم يجدِّد ١٩١ كتاب الهبة فيها قبضاً. وإذا وَهَبَ الأَبُّ لابنه الصغير هبةً: مَلَكَها الابنُ بالعقد وإن لم يوجد فيها قبضٌ. فإن وَهَبَ له أجنبيٌّ هبةً: تمّت بقبض الأب. وإذا وُهِبَت لليتيم هبةٌ، فقبضها وليُّه له: جاز. فإن كان في حِجْر أمه، فقَبْضُها له جائزٌ. وكذلك إن كان في حِجْر أجنبيِّ يربِيه: فقَبْضُه له جائزٌ. وإِن قَبَضَ الصبيُّ الهبةَ بنفسه وهو يعقلُ: جاز. وإن وَهَبَ اثنان من واحد داراً: جاز. وإن وَهَبَ واحدٌ من اثنين داراً: لم تصحَّ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: تصح. وإذا وَهَبَ لأجنبيٍّ هبةً: فله الرجوعُ فيها، إلا أن يُعوِّضه عنها، أو تزيدَ زيادةً متصلةً، أو يموتَ أحدُ المتعاقدين، أو تخرجَ الهبةُ من مِلْك الموهوب له. وإن وَهَبَ هبةً لذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه: فلا رجوعَ فيها. وكذلك ما وَهَبَ أحدُ الزوجين للآخر. وإذا قال الموهوبُ له للواهب: خُذْ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلاً عنها، أو في مقابلتها، فقَبَضَه الواهبُ: سقط الرجوعُ. ١٩٢ كتاب الهبة وإن عوَّضه أجنبيٌّ عن الموهوب له متبرِّعاً، فقَبَضَ الواهبُ العوضَ : سقط الرجوعُ. وإذا استُحِقَّ نصفُ الهبة: رَجَعَ بنصف العوض. وإن استُحقَّ نصفُ العوض: لم يرجع في الهبة، إلا أن يردَّ ما بقي من العوض، ثم يرجعُ في كلِّ الهبة. ولا يصحُّ الرجوعُ في الهبة إلا بتراضيهما، أو بحكم الحاكم. وإذا تلفت العينُ الموهوبة، واستحقَّها مستَحِقٌّ، فضمَّن الموهوبَ له: لم يرجع على الواهب بشيء. وإذا وَهَبَ بشرط العوض: اعتُبر التقابضُ في العوضين جميعاً. فإذا تقابضا: صحَّ العقدُ، وكان في حكم البيع: يُرَدُّ بالعيب، وخيارِ الرؤية، وتجبُ فيها الشفعةُ. والعُمْرَىُ جائزةٌ للمُعْمَر له في حال حياته، ولورثته من بعده. والرُّقْبِىُ باطلةٌ عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: جائزة. ومَن وهب جاريةً إلا حَمْلَها: صحَّت الهبةُ، وبطل الاستثناء. والصدقةُ كالهبة، لا تصح إلا بالقبض. ولا تجوز الصدقةُ في مُشَاعٍ يحتمل القسمة. وإذا تصدَّق على فقيرَيْن بشيءٍ : جاز. ولا يصحُّ الرجوعُ في الصدقة بعد القبض. ١٩٣ كتاب الهبة ومَن نَذَرَ أن يتصدق بماله: لزمه أن يتصدَّق بجنس ما تجب فيه الزكاة. ومَن نَذَرَ أن يتصدَّق بمِلْكه: لَزِمَه أن يتصدَّق بالجميع، ويُقال له: أمسك منه مقدارَ ما تُنفِقُه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالاً، فإذا اكتسبتَ مالاً: تصدَّقْ بمثل ما أمسكتَ. ١٩٤ كتاب الوقف کتاب الوقف لا يزولُ ملْكُ الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة، إلا أن يحكم به الحاكمُ، أو يعلِّقَه بموته، فيقولُ: إذا مِتُّ فقد وقَفْتُ داري على كذا. وقال أبو يوسف: يزول الملك بمجرد القول. وقال محمد: لا يزول الملكُ حتى يَجْعلَ للوقف وليّاً، ويسلِّمَه إلیه. فإذا استُحِقَّ الوقفُ على اختلافهم: خَرَجَ من ملك الواقف، ولم يدخل في ملك الموقوف عليه. ووَقْفُ المُشَاع جائزٌ عند أبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز. ولا يتمُّ الوقفُ عند أبي حنيفة ومحمد حتى يَجعل آخرَه لجهةٍ لا تنقطع أبداً. وقال أبو يوسف: إذا سمَّى فيه جهةً تنقطع: جاز، وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمِّهم. ويصحُّ وقفُ العقار. ولا يجوز وقفُ ما يُنقَل ويُحَوَّل. وقال أبو يوسف: إذا وقف ضَيْعةً ببقرها، وأَكَرَتِها، وهم عبيدُه: ١٩٥ كتاب الوقف جاز. وقال محمد: يجوز حَبْسُ الكُرَاعِ، والسلاحِ. وإذا صحَّ الوقفُ: لم يجُزْ بيعُه، ولا تمليكُه إلا أن يكون مشاعاً عند أبي يوسف، فيَطلبُ الشريكُ القسمةَ، فتصحُّ مقاسمتُه. والواجبُ أن يُبدَأ من رَيْعِ الوقف بعِمَارته، شَرَطَ الواقفُ ذلك، أو لم يشترط. وإذا وقف داراً على سكنى ولده: فالعمارةُ على مَن له السكنى. فإن امتنع من ذلك، أو كان فقيراً: أجَّرها الحاكمُ، وعَمَّرها بأجرتها، فإذا عُمِّرت: ردَّها إلى مَن له السكنی. وما انهدم من بناء الوقف، وآلتِه: صَرَفه الحاكمُ في عمارة الوقف إن احتاج إليه. وإن استغنى عنه: أمسكه حتى يَحتاجَ إلى عمارته، فيصرفَه فيها. ولا يجوز أن يقسمه بين مستحقَّ الوقف. وإذا جَعَلَ الواقفُ غَلَّةَ الوقف لنفسه، أو جَعَلَ الولايةَ إليه: جاز عند أبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز. وإذا بنى مسجداً: لم يَزُلْ ملكُه عنه حتى يُفْرِزَه عن ملكه بطريقِه، ويأذنَ للناس بالصلاة فيه. فإذا صلَّى فيه واحدٌ: زال ملكه عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يزول ملكُه عنه بقوله: جعلتُه مسجداً. ١٩٦ كتاب الوقف ومَن بنى سقايةً للمسلمين، أو خاناً يسكنُه بنو السبيل، أو رِباطاً، أو جَعَلَ أرضَه مقبرةً: لم يَزُلْ ملكُه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى یَحَكُمَ به حاكمٌ. وقال أبو يوسف: يزول ملكُه بالقول. وقال محمد: إذا استقى الناسُ من السِّقاية، وسكنوا الخانَ، والرِّباطَ، ودَفَنوا في المقبرة: زال الملكُ. ١٩٧ كتاب الغَصْب كتاب الغَصْب ومَن غَصَبَ شيئاً مما له مِثْل، فهَلَك في يده: فعليه ضمان مثْلُه. وإن كان مما لا مثْلَ له: فعليه قيمتُه يومَ الغصب. وعلى الغاصب ردُّ العين المغصوبة. فإن ادعى هلاكَها: حَبَسَه الحاكمُ؛ حتى يُعْلَمَ أنها لو كانت باقيةً: لأظهرها، ثم قضى عليه ببدلها. والغصبُ فيما يُنْقَل ويُحوَّل. وإذا غَصَبَ عقاراً، فهلك في يده: لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي یوسف، وقال محمد: یضمنُه. وما نَقَصَ منه بفِعْله، كهَدْمه، وسُكناه: ضَمِنَه في قولهم جميعاً. وإذا هَلَك المغصوبُ في يد الغاصب، بفِعْله أو بغير فِعْله: فعليه ضمانُه. وإن نقص في يده: فعليه ضمانُ النقصان. ومَن ذبح شاةً غيرِه بغير أمره: فمالكُها بالخيار: إن شاء ضمَّنْه قيمتَها، وسلّمها إليه، وإن شاء ضمَّنْه نقصانَها. ومَن خَرَقَ ثوبَ غيرِهِ خَرْقاً يسيراً: ضَمِنَ نقصانَه. وإن خَرَقَه خَرْقاً كبيراً يُبْطِلُ عليه عامةَ منفعته: فلمالِكه أن يضمِّنْه ١٩٨ كتاب الغَصْب جمیعَ قیمته. وإذا تغيَّرت العينُ المغصوبةُ بفعْل الغاصب حتى زال اسمُها، وأعظمُ منافعها: زال ملْكُ المغصوبِ منه عنها، ومَلَكَها الغاصبُ، وضَمِنها، ولم يَحِلَّ له الانتفاعُ بها حتى يؤدِّيَ بدلَها. وهذا كمَن غَصَبَ شاةً، فذبحها، وشواها أو طبخها، أو غَصَبَ حنطةً، فطحنها، أو حديداً، فاتَّخذه سيفاً، أو صُفْراً، فعَمِله آنيةً. وإن غصب فضةً أو ذهباً، فضَرَبَها دراهمَ، أو دنانيرَ، أو آنية: لم يَزُلْ مِلْكُ مالكِها عنها عند أبي حنيفة. ومَن غَصَبَ سَاجَةً، فبنى عليها: زال ملْكُ مالكها عنها، ولزم الغاصب قیمتُها. ومَن غَصَبَ أرضاً، فغرس فيها، أو بنى: قيل له: اقْلَعِ الغَرْسَ والبناءَ، وردّها إلى مالكها فارغةً. فإن كانت الأرضُ تَنْقُصُ بقَلْع ذلك: فللمالك أن يَضْمَن له قيمةً البناء والغرسِ مقلوعاً، ويكونُ له. ومَن غَصَبَ ثوباً، فصَبَغَه أحمرَ، أو سَويقاً فلَتَّه بسمنٍ : فصاحبُه بالخيار: إن شاء ضمَّنْه قيمةَ ثوبه أبيضَ، ومِثْلَ السَّوِيق، وسلَّمهما للغاصب، وإن شاء أخذهما، وضَمِنَ ما زاد الصِّبْغُ والسَّمْنُ فيهما. ومَن غصب عيناً، فغيَّبَها، فضَمَّنْه المالكُ قيمتَها: مَلَكَها الغاصبُ. والقولُ في القيمة قولُ الغاصب مع يمينه، إلا أن يقيم المالكُ ١٩٩ كتاب الغَصْب البينة بأكثر من ذلك. فإن ظهرت العينُ، وقيمتُها أكثرُ مما ضَمِن، وقد كان ضَمِنَها بقول المالك، أو ببينةٍ أقامها، أو بنكولِ الغاصب عن اليمين: فلا خيارَ للمالك. وإن كان ضَمِنَها بقول الغاصب مع يمينه: فالمالكُ بالخيار: إن شاء أمضى الضمانَ، وإن شاء أخَذَ العينَ، وردّ العوضَ. وولدُ المغصوبة، ونماؤها، وثمرةُ البستان المغصوب: أمانةً في يد الغاصب. فإن هلك: فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدَّى فيها، أو يَطلُبَها مالكُها، فَيَمْنَعَه إِيَّاها. وما نَقَصَت الجاريةُ بالولادة: فهي في ضمان الغاصب. فإن كان في قيمة الولد وفاء به: جُبر النقصانُ بالولد، وسَقَطَ ضمانُه عن الغاصب. ولا يَضمنُ الغاصبُ منافعَ ما غَصَبه، إلا أن يَنْقُصَ باستعماله، فَيَغْرَمُ النقصانَ. وإذا استَهلك المسلمُ خمرَ الذمِّيِّ، أو خِنزيرَه: ضَمِن قيمتَهما. وإن استهلكهما لمسلمٍ: لم يَضمن. ٢٠٠ كتاب الوديعة كتاب الوديعة الوديعةُ أمانةٌ في يد المودَع، إذا هَلَكت في يده: لم يضمنها. وللمودَع أن يحفظَها بنفسه، وبمَن في عياله. فإن حَفظَها بغيرهم، أو أودعها: ضَمِن. إلا أن يقع في داره حريقٌ، فيُسلِّمَها إلى جاره. أو يكونَ في سفينةٍ يَخافُ الغرقَ، فيُلِقِيَها إلى سفينةٍ أخرى. وإن خَلَطَها المودَع بماله حتى لا تتميّزُ: ضَمِنَها. فإن طَلَبَها صاحبُها، فحَبَسَها عنه، وهو يقدر على تسليمها: ضَمنَها. وإن اختلطت بماله من غير فِعْله: فهو شريكٌ لصاحبها. وإن أنفق المودَعُ بعضَها، وهلك الباقي: ضمن ذلك القدر. وإن أنفق المودَعُ بعضَها، ثم ردَّ مثلَه، فخلطه بالباقي، فتلفت: ضمن الجمیعَ. وإذا تعدَّى المودَعُ في الوديعة، بأن كانت دابةً فركبها، أو ثوباً فلبسه، أو عبداً فاستخدمه، أو أودعها عند غيره، ثم أزال التعدي،