النص المفهرس

صفحات 1-20

(٦)
سلسلة منشورات
: امعة الدراسات الإسلامية
كراتشی-باكستان.
ـَة الدراسات الامـ
ـامـ
٠١٢٩٩
ـلا
.سيطر
مَا آتَاكسم الرسُول فخُذُوهُ وَمَانِهَاكُمْ عَنه فانَتَهُوا
السُّنْن الصَّغِير
لِإِمَام المحدّثين الحَافِظِ الجَليل أبي بكرًا حمَد بن الحسين بن عَلي
البَيْهَفي المتوفي سَنة ثَمَان وَخْمِسِينَ وَارَبَع مئة
التّفسر الأوّل
وَثَوَ أُولَهُ وَخَرَّجَ حَدِيثَهُ وَعَلَقَ عَلَيْهُ
الدكتور عبدالمع طى ميرقليمي

الطبعة الأولى
غرة ربيع الأول ١٤١٠ هـ
وتشرين الأول ١٩٨٩ م
جميع حقوق الطبع محفوظة للمحقق
لا يجوز نشر هذا الكتاب ، أو أى جزء منه ، أو تخزينه ، أو تسجيله
بأى وسيلة ، أو تصويره دون موافقة خطية من محقق الكتاب

مقدمة المحقق للسنن الصغير
أقوال العلماء في الإمام البيهقي
مصنف هذا الكتاب
١ - قال ابن ناصر :
(( كان واحد زمانه، وفرد أقرانه حفظاً وإتقاناً وثقَةً، وهو شيخُ خراسان)).
٢ - قال إمام الحرمين :
(( ما من شافعيٌّ إلا وللشافعيِّ فضلٌ عليه غير البيهقي، فإِنّ له المنة
والفضل على الشافعيِّ لكثرة تصانيفه في نصرة مَذْهَبه ، وبَسْطِ موجزه ، وتأييد
آرائه)».
٣ - قال ابن خلكان :
((الفقيه الشافعي الحافظُ الكبيرُ المشهورُ ، واحدُ زمانه ، وفردُ أُقْرانِهِ في
الفنون ، من كبارِ أصحاب الحاكم أبي عبد الله البَيّع في الحديث ، ثم الزائد عليه
في أنواع العلوم)).
٤ - قال ابن الجوزي :
(( كان واحد زمانه في الحفظ والإتقان ، وحسن التصنيف وجمع علم الحديث ،
والفقه ، والأصول ، وهو من كبار أصحاب الحاكم أبو عبد الله ، ومنه تخرج ،
وسافر، وجمع الكثير، وله التصانيف الكثيرة الحسنة)).
٥ - قال الذهبي :
(( لو شاء البيهقي أنْ يَعْمَلَ لنفسِهِ مَذْهباً يجتهُد فيه لكان قادراً على ذلك ؛
لسَعَةَ علومه، ومعرفته بالاختلاف)).
٣

٦ - قال السبكي :
((كان الإمام البيهقي أحد أئمة المسلمين، وهداة المؤمنين ، والداعي إلى حبل
الله المتين ، فقيه ، جليل ، حافظ ، كبير ، أصولي ، نحرير ، زاهد ، ورع قانت
للّه ، قائم بنصرة المذهب أصولاً وفروعاً ، جبل من جبال العلم )».
٧ - قال ابن تيمية :
((البيهقيُّ أعْلَمُ أصحابِ الشافعيِّ بالحديث، وأنصرُهم للشافعي)).
٨ - قال ابن كثير :
((كان أُوْحَدَ زمانه في الإتقان، والحديث ، والفقه ، والتصنيف ، وكان فقيهاً
محدثاً ، أصولياً .. وجمع أشياء كثيرةٌ نَافِعَةٌ، لم يُسْبق إلى مثلها ، ولا يُدْرِك
فيها، وكان فاضلاً من أُهْلِ الحديث، مَرْضيّ الطريقة)).
٤
-

مقدمة المحقق للسنن الصغير
أقوال العلماء في ((السنن الصغير))
قال الذهبي في السير (١٨ : ٩١٦):
((عمل - البيهقي: ((السنن الصغير)) في مجلد ضخم))
قال ابن كثير في البداية (١٢ : ٩٤):
(( جمع البيهقي أشياء كثيرة نافعة ، لم يُسبق إلى مثلها ، ولا يدرك فيها ،
منها: كتاب ((السنن الكبير ، ونصوص الشافعي كل في عشر مجلدات ، و
((السنن الصغير)) ..... وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار المفيدة
التي لا تسامى ولا تدانى)».
:
قال صاحب كشف الظنون (٢ : ٣٧٠):
(( السنن الكبيرة والصغيرة كتابان لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي
وهما على ترتيب مختصر المزني، لم يُصَنَّف مثلهما في الإسلام».
٥

مقدمة المحقق للسنن الصغير
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
موضوع هذا الكتاب - محمد تيّ المثل الكامل - تعلق الصحابة بالرسول # - تتبع أحاديث
الرسول ي - حفظ السنة في الصدور - تفاوت الصحابة في رواية السنن - السنة في القرن الأول
الهجري - أول من تنبه لتدوين السنة - جهود عمر بن عبد العزيز ، وأبي بكر بن حزم - الزهري
والرواية - الشعبي وتدوين الأحاديث - الإمام مالك والفقه - الرحلة في طلب الحديث - إفراد
الحديث عن الفقه - المسانيد المصنفة - الكتب الستة وخصائص كل واحد منها- المصنفات تحت
عنوان ((السنن)) - المصنفات في السنن في القرن الرابع - ظهور البيهقي وأول طلبه العلم - شيوخ
البيهقي في ((السنن الصغير)) - شيوخه في كتبه الأخرى - تلاميذ البيهقي - مصنفات البيهقي -
شهادة العلماء له - ورعه وزهده - أشعاره - وفاته - رثاؤه - الكتب التي ترجمت له - هذا
الكتاب ((السنن الصغير)) - وصف نسخته المخطوطة - أهم الفروق بينه وبين السنن الكبرى -
المقارنة بينه وبين السنن الأربعة - قول العلماء عن ((السنن الصغير)» وترجيح اسمه - عملي في
تحقيق الكتاب - عظمة هذا الدين .
يتناولُ هذا الكتاب موضوعَ «السُّنَنِ النَّبَويَّةِ)» المرويَّةِ عن النبي ◌َّ الذي
يرى كل مسلمٍ فيه المثل الأعلى للإنسانِ الكامل ؛ مثلاً أعلى في رسالته
الربانية وما تقدِّمُ للناسِ من سَعَادةٍ في الدارين : العاجِلَةِ الفَانِيَةِ، والآجلّة
الخالدة ، ومثلاً أعلى في الشمائل العطرة من تواضعٍ، وحلمٍ، ووفاءٍ ، وگْرَمٍ ،
وشَجَاعَةٍ ، وعَفْوٍ عند المُقْدِرَةِ، وبرٍّ، ورحمةٍ ، وشفقةٍ ، وإيثارٍ ، وصَبْرٍ ، وأمرٍ
بالْمَعْرُوفِ، ونَهْيٍ عن المنكر، وتَوَجُّدٍ بكلِّ الأعمالِ والأقوالِ إلى الخَيْرِ للفرد
والمجتمع ابتغاءَ رضوانِ اللّه، ومحبّتِهِ ، مع تقواه وعبادَتِهِ، ومع أداء صلاةٍ
يومية في أوقاتٍ معلومة ، حتى يظلِّ المسلم موصولاً بربِّهِ في نهارِهِ ولَيْلِهِ ، وَقدِ
امتلأتْ نَفْسُهُ بالخشوعِ والتَبتُلِ والإِخْلاصِ .
مقدمة الكتاب
محمد المثل
الأعلى
٧

تعلق الصحابة بالرسول
تعلق الصحابة
بالرسول ﴾
تتبع مسرى
الكلمة النبوية
الفعل الشريف
اتخاذ الرسول
® كتبة للقرآن
. الكريم
حفظ السنة في
الصدور
مر الرسول #
برواية السنن
كان طبيعياً أن يَتَعَلَّقَ المسلمونَ برسولهم وأُنْ يَجِدوا في هذا التعلق فَرْحَتَهم
الغَامرة، وسعادتَهم الباهرة، إذْ هُوَ صاحبُ الدِّينِ الحنيفِ ، وهو صورته المثلى
ومثله الكامل الذي رفع القرآن الكريم شعاراً نُصْب عين كل مسلم ، ليستمدَّ منه
تَعالِيمَ الإسلامِ التشريعية والتهذيبية ، ويستمدَّ منه أيضاً موارِدَهُ الروحية الهنيئة
التي تصله بنسبِهِ الوَثيق ، وسَبَبِهِ العَرِيق .
وَقَدْ جَعَلَ ذلك المسلمين يتتبعون كل ما قَالهُ الرسولُ الكريمِ لَّهِ، أو فَعَلَهُ ،
أو أُقَرَهُ، أو ما اتَّصَفَ به من خلالٍ ، وشمائل، لِيَتَرَسِّمُوا شَخْصَهُ الكريم في
حياته، وليصْدَعوا عن كلِّ ما جاءَ به من أوامر ونواهٍ شرعية ، وليحتذوه في
حَيَاتِهِم وسلوكهم ، وليتخذوا منه القُدْوَة المثالية، وشُغفوا بذلك منذ العهد الأول
شَغَفاً شديداً ، فمضوا منذ وجوده بين ظهرانيهم يَرْوونَ أحاديثَه ، ويَحْكُونَ سُنَنَهُ .
ولم تُدَوَّن هذه السُّنن في عَهْدِهِ تَّه كما دُوِّنَ القرآن، ولم يتخذ النبي ◌َّ كَتَبَةُ
يكتبونَهُ كما اتَّخَذَ كَتَبَةً للقرآن الكريم يكتبون آياته عند نُزوله ، وما ذاك إلا لأن
القرآن وَحْيٌ كله بألفاظه ومعانيه، وأما السُّنَّةُ فألفاظها من عند الرسول تَّ - وإن
كانت السنة كلها إراءة من اللّه تعالى كما نصّ عليه الكتاب العزيز - فلم تُدَوّن
السُّنّة في عَصْرِ المصطفى عَّ، إنّمَا حُفِظَتِ الأحَاديثُ في الصدور ، وضُبِطَتْ في
القلوب ، وذلكَ لسُرْعَةِ حِفْظِهم، وسَيَلانِ أُذْهَانِهِم، وكانوا يَرْوُونَ السُّنَنَ النَّبَوِيَّةَ
بطريقِ الرواية، حَيْثُ أُمَرَهُم النبي ## بذلك : .
١ - حَدِّثْوا عني ولا حرج.
٢ - احفظوهنّ عني وأخبروا بهنَّ من وراءكم .
٣ - نضِّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها ، فربّ حامل فقْهِ
غير فقيه ، ورُبِّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه .
٨

مقدمة المحقق للسنن الصغير
وقَدْ تَفاوَتَ الصِّحَابةُ - رضي الله عنهم - في الرواية عن النبي ◌َِّ، فَأكْثَرَ
بعضهم ، وأقلِّ الآخر، وانصرَفَتْ هِمَّةُ بَعْضِهِم إلى الحِفْظِ والتبليغ والرِّوَايَةِ ،
وغَلَبَ على البَعْضِ الاستنباط ، والتفقه ، والتدبر ، واستخراج الأحكام .
وانْقَضى القَرْنُ الأوّل الهجريّ ، وأحاديثُ النبي ◌َُّ مَرْويَّةٌ على الألْسنَة،
محفوظةٌ في الصدور ، والمسلمونَ يَعْتَنُونَ بها أشَدُّ العِنَايَةِ ، وَلَم يوضَعْ لها نظامٌ
خاصٌ لتدوينها كالذي وُضِعَ للقرآن الكريم ، ومن دَوَّنَ فإنَّما كان يُدَوِّن لَنَفْسه ،
وكانوا يَزْوُونها شِفَاهاً وحِفظاً ، ومنهم من هو مكثرٌ في الرواية غير متحَرِّجٍ لَأَنَّهُ
على ثقَةٍ واطمئنان من أنه يُحَدِّثُ كما سَمِعَ ، راجياً أنْ يَدْخُلَ فِي زُمْرَةٍ مَنْ دَعى
له النبي ◌َّهُ بقوله: ((نَضِّرَ اللَّه امرءاً سَمِعَ منَّا شيئاً فبلَغَهُ كما سَمِعَهُ، فَرُبِّ
مبلّغٍ أُوْعَى من سَامِعٍ )) (١) .
ومن الصحابَةِ مَنْ كان مُقْلاًّ متورعاً مخافَةَ أن يُبَدَّلَ كَلِمَةً بكلمةٍ فَيَدْخُل في
عموم قوله تعّه: ((من كَذَبَ عَليّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)).
بدء تدوين الحديث النبوي الشريف
مضى القرنُ الأوّلُ من الهِجْرَةِ وشأن الحديث قد حُفِظَ في الصدور ، ودون
بعض الصحابة لنفسه ما أراد أن يدوِّن ، ولم يكن من المعقول أن يترك الحديث
فوضى لا يدون في كتاب ، فإنَّ الخاطرَ يغفل ، والذكر يهمل ، والذهن يغيب ،
والقلم يحفظ ولا ينسى ، والعرب وإن كانوا نشأوا جيلاً بعد جيل على قُوَّة
الحفظ وشدة الوعي ، ودأبهم نقل العلم وروايته شفاهاً وحفظاً ، لكن الإسلام قد
عَمَّ البلاد ، ودَخَلَ فيه طوائف من العجم لا يُحصيهم إلاَّ اللَّه ، ولم يكن دأبهم
الحفظ في الصدور والضبط في القلوب ، بل كانوا يَحْمِلونَ ما يحملون من العلمِ
في صُحُفٍ يقرأونها ، وكتبٍ يَدْرسونها ، فلما انتشرَ الإسلامُ وكَثُرَتِ الفُتوح ،
وتفرِّقَت الصحابة في الأمصار ، ومات معظمهم ، وتفرق أتباعهم ، وقَلِّ الضبط
شيئاً فشيئاً احتاج العلماء إلى تَدْوينِ الحديثِ وتَقِْيدِه بالكتابة .
تفرق الصحابة
في الأمصار ،
والحاجة إلى
تدوين السنن
(١) أخرجه الترمذي في باب ((ما جاء في الحث على تبليغ السماع)) من حديث عبد الله بن
مسعود، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)).
٩
تفاوت الصحابة
في رواية السنن
انقضاء القرن
الأول الهجري
والسنة محفوظة
في الصدور

أول من تنبه لتدوين السنة
أول من تنبه
لتدوين السنة
وتتفقُ جميعُ المصادرِ على أنَّ عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين رضي الله عنه
أُوّل من تنبّه لتدوينِ السُّنَة ، وكان - رحمه الله - إماماً فقيها مجتهداً عارفاً
بالسُّنَنِ ، كبير الشأَن قانتاً للَّه أوَّهًا منيباً، فخشيَ - رحمه الله - وهو أُحَقُّ
الناس بذلك - دروسَ العلم ، وذهاب العلماء ، فكتبَ إلى الآفاق
يأمرهم بِحَمْعِ السُّنَنِ .
رأى عمر بن عبد العزيز أنَّ الحديثَ مُتَعلّقٌ بأفراد الرجال ، وقد أُسْرَعَ الموتُ
فيهم ، وأن أحدهم ربما طويت معه طائفة من الخبر إذا هو مات ، وخشيَ تزيُّد
النَّاس، وشيوعَ الكذب إذا قلِّ الصحيح ، وكانت قد فَشَتْ في زَمَنِهِ أشياءَ مما
يُتَعَمَّدُ فيه الكذب لغيرِ مصلحة يُتأول عليها .
وضع بعض
الأحاديث على
يد بعض الخبثاء
وقَبْلَ ذلك تَكُلُّمَ مَعْيَد الجهني ، ثم غيلان الدمشقي في القدر ، وجعلا الكلام
في القدرِ نُحلةً يناظر فيها ، وقد وضعا شيئاً من الأحاديث ، وفي هذا القرن
ظهرت الخوارج ، وحدثت الشيعة، ودخَلَ في الإسلام أمم لا يحصون ، وفيهم
من لا يجاوز إيمانهم تراقيهم ، وقد وجد الخبيث في كل فرقة من هؤلاء ،
والمسلمون إذ ذاك لا يقبلون من العلم إلاَّ ما تَبَتَ من الكتاب والسُّنَّهِ ، وأرادَ
هؤلاء الخُبَثاءِ أن يُفْسِدوا على المسلمين دينَهم ، ولم يتمكنوا أن يزيدوا في كتاب
اللّه حرفًا وينقصوا منه شيئاً ، ففتحوا باب الجدل والمراء في القرآن ، ووجدوا
الحديث لم يُدَوَّن في كتابٍ خاصٍ يرجع إليه المسلمون ، فدخلوا منه على الناس
فَوَضَعوا كثيراً من الأحاديث ، وأذاعوها بينهم ، ولكن اللَّه - عز وجل - قَدْ
حَفِظَ حَوْزَةَ الدين من أن يُسلّط عليه كل مُسْرِفٍ كذّاب ، فيحمل هذا العلم من
كلّ خلف عدولُه ؛ يَنْفُونَ عنه تَحْرِيفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ
الجاهلين .
جهود أبي بكر
ابن حزم في
تدوين السنن
فخشيَ عمر بن عبد العزيز عاقِبَةَ ذلك ، وما أشبهه ، فكتَبَ إلى أبي بكر بن
حزم نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة ((توفي سنة ١٢٠)): أن انظر ما
كان من حديث رسول اللَّه له فاكتبه، فإني خِفْتُ دُروسَ العِلْمِ وذهابَ العلماء.
١٠

مقدمة المحقق للسنن الصغير
جاء في تنوير الحوالك للسيوطي (١: ٤ - ٥): أخرج الهروي في ذمِّ
الكلام من طريق يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن دينار ، قال : لم يكن
الصحابة ، ولا التابعون يكتبون الحديث ، إنما كانوا يؤدُّونه لفظاً ، ويأخذونه
حفظاً ، إلاَّ كتاب الصدقات ، والشيء اليسير الذي يقفٍ عليه الباحث بعد
الاستقصاء ، حتى خِيفَ عليه الدروس، وأسْرَعَ في العلماء الموت ، فأمَر أميرُ
المؤمنين عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي فيما كتب إليه : أنِ انظُرْ ما كانَ من
سُنّةٍ أو حديثٍ فاكتبه .
ويروي الإمام العالم الرباني الفقيه محمد بن الحسن الشيباني في موطئه :
أخبرنا مالك ، أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر
ابن عمرو بن حزم: أن انظرما كانَ مِنْ حَديث رسول اللّه تَّ أو سنته ، أو حديث
عمر ونحو هذا فاكتبْهُ لي ، فإني خشيتُ دُروسَ العِلْمِ ، وذهابَ العلماء .
يعني من أحاديث بقية الخلفاء ونحوهم ، كذا قال الشيخ محمد عبد الحي
اللكنوي في التعليق الممجّد على موطأ الإمام محمدْ ، وعلقه البخاري في
صحيحه - باب (( كيف يقبض العلم )) ، فقال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى
أبي بكر بن عمرو بن حزم : انظر ما كان من حديث رسول اللَّه عَّ فاكتبه ،
فإني خفت دروسَ العلم ، وذهابَ العلماء ، ولا يقبل إلاّ حديث النبي
وليفشوا العلم ، وليجلسوا حتى يعلّم من لا يعلم ، فإن العلم لا يهلك حتى
يكون سراً .
وأخرج الدارمي في سننه - باب ((من رخِّص في كتابة العلم )» عن عبد اللّه
ابن دينار - قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم
أن اكتب إليَّ بما ثَبَتَ عندك من الحديث عن رسول اللّه عَّ ، وبحديث عمر ،
فإني قد خشيت دروسَ العلم ، وذهاب العلماء .
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق ابن وهب ، قال : سمعت مالكاً
يقول : كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه ،،
جهود عمر بن
عبد العزيز في
تعليم السنن
والفقه
١١

الزهري أول من دون الحديث مراعياً شروط الرواية الصحيحة
ويكتب إلى المدينة يسألهم ، أن يعلِّموا بما عندهم ، ويكتب إلى أبي بكر بن
عمرو بن حزم أن يجمع السنن ويكتب إليه بها ، فتوفيَ عمر بن عبد العزيز ،
وقد كَتَبَ ابن حزم كتباً قبل أن يبعث بها إليه ، تنوير الحوالك (١: ٥).
وذكر ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب (١٢ : ٣٩): قال أبو ثابت،
عن ابن وهب ، عن مالك : لم يكن عندنا أحدٌ بالمدينة عنده عِلْمُ القضاء ، ما كان
عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وكان ولاَّه عمر بن عبد العزيز ، وكتب
إليه أن يكتب إليه من العلم من عند : عَمْرة ، والقاسم بن محمد ، ولم يكن
بالمدينة أنصاريُّ أميرٌ غير أبي بكر بن حزم ، وكان قاضياً .
وجاء في فتح الباري : أن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه كتب أيضاً إلى
علماء الآفاق ، انظروا حديثَ رسول اللَّه عَّ فاجمعوه.
الزهري أول من
دون الحديث
مرعياً شروط
الرواية
الصحيحة
كما أمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم الزّهْري عالم الحجاز والشام ،
وصاحب اليد البيضاء على فن الرواية ، لأنه أول من قرر شروطها ( المتوفي سنة
١٢٤ هجرية ) فدوّن الحديث تدويناً مراعياً فيه شروط الرواية الصحيحة .
وأخرجَ ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١ : ٢٣) ، عن سعيد بن زياد
مولى الزبير ، قال : سمعت ابن شهاب يحدث سعد بن إبراهيم : أمرنا عمر بن
عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفتراً دفتراً ، فبعث إلى كل أرض له عليها
سلطان دفتراً .
قال ابن عبد البر ، عن مالك بن أنس ، أول من دوّن العلم ابن شهاب الزُّهْري .
وقد ذكرَ الحافظ ابن حجر أن الشعبي أيضاً قد جَمَعَ الأحاديث الواردة في
باب واحد ، فإنه روى عنه أنه قال : هذا باب من الطلاق جسيم ، وساقَ فيه
أحاديث .
وقد اختلف في وفاة الشعبي من سنة ثلاث إلى عشرة ومائة ، ويكون بذلك
قد توفي قبل الزهري بأربعة عشر عاماً ، وقبل أبي بكر الحزمي بعشرة أعوام .
جهود الشعبي
في تدوين
الأحاديث
١٢

مقدمة المحقق للسنن الصغير
قال ابن معين : قضى الشعبي لعمر بن عبد العزيز ، وكان قد ولي قضاء
الكوفة ، وأدرك خمسمائة من أصحاب النبي عَّه.
وكان الإمام مالك أول من دون الحديث ورتبه على أبواب الفقه ، وجاء به مع
ذلك على شروط الرواية ، فقد رواه عن ثلاث مئة شيخ من التابعين ، وستمئة
شيخ من تابعيهم ممن اختاره وارتضى فهمه ودينه وقيامه بحق الرواية وشروطها،
وأنه تَركَ الرواية عن أهل دين وصلاح كانوا لا يعرفونَ الرواية ، وكان بذلك أول
من فعل ذلك ، وقيل : إنَّ عبد الملك بن جرِيج سَبَقَهُ إليه .
الإمام مالك أولـ
من دون الحديث
على أبواب الفقـ
من دون وصنف
الحديث بعد ذلك
ودوّن محمد بن إسحاق المتوفى (١٥١) بالمدينة المنورة ، وصنف محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ذئب المتوفى (١٥٨) موطأ أكبر من موطأ مالك ، كما دون
الربيع بن صُبيح المتوفى (.١٦)، وسعيد بن أبي عروبة ( م - ١٥٦) وحماد
ابن سلمة ( م - ١٦٧) بالبصرة ، وسفيان الثوري ( م - ١٦١) ، ومعمر بن
راشد (١٥٣) باليمن، والإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (م - ١٥٧)
بالشام ، وعبد الله بن المبارك (م - ١٨١) بخراسان ، وهشيم بن بشير ( م -
١٨٣) بواسط ، وجرير بن عبد الحميد (١٨٨) بالرِّي، وعبد الله بن وهب
(١٩٧) بمصر ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم ، في النسج على منوالهم ، وقد
كان التصنيف بالنسبة إلى جمع الأبواب وضمها إلى بعضها في مؤلفٍ أو جامع
وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد ، فقد قلنا إنه قد سبق إليه التابعي
الجليل عامر الشعبي .
وكان معظم هذه المصنفات والمجاميع يضم الحديث الشريف ، وفتاوى الصحابة
والتابعين ، كما يبرز لنا ذلك في موطأ الإمام مالك بن أنس ، ثم رأى بعضهم
أن تفرد أحاديث النبي ◌ّ في مؤلفات خاصة ، فألفت المسانيد ، وهي كتب
تضم أحاديث رسول اللَّه عَّ بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين ،
تجمع فيها أحاديث كل صحابيِّ تحت اسم مسند فلان ، ومسند فلان ، وهكذا .
١٣
تدوين الأحاديث
مع فتاوی
الصحابة
والتابعين

أهمية تدوين الحديث بالسند
تدوين الحديث النبوي فى القرن الثالث
ظهر على رأس المئتين أمورٌ كَبَحَتْ عنان المحدثين عن الجريان في طريق
الأقدمين :
أهمية تدوين
الحديث بالسند
١ - منها أن الأسانيد لم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها ، لقرب العصر
وممارسة النقلة وخبرتهم بهم ، وكانت أحوال نقلة الحديث في عصور الصحابة
والتابعين معروفة عند أهل بلدهم ؛ فمنهم بالحجاز ، ومنهم بالعراق ، ومنهم
بالشام ، ومصر ، والجميع معروفون مشهورون في أعصارهم ، فكانوا يعتمدون
في معرفة الرجال وعدالتهم على ما يخلص إليهم من مشاهدة الحال ، وتتبع
القرائن ، فلما انقرضَ السلفُ ، وذهَبَ الصدرُ الأول أمعن من جاء بعدهم من
أهل القرن الثالث في معرفة الرجال ومراتب هؤلاء النقلة وتفاوتهم في ذلك ،
وتميزهم فيه واحداً واحداً جرحا وتعديلاً وحفظاً وإتقاناً ، حتى جعلوه علماً ،
دونوا فيه مدونات ، وبحثوا ، وناظروا في الحكم بالصحة والضعف والاتصال
والانقطاع ، وغير ذلك .
الرحلة في طلب
الحدیث
٢ - ومنها أنه قد عني الحفاظ في هذا القرن بمعرفة طرق الأحاديث ،
وأسانيدها ، فرحلوا إلى أقطار الأرض ، وبحثوا عن حملة العلم ، وجمعوا
الكتب ، وتتبعوا النسخ ، وأمعنوا في التفحص عن غريب الحديث ، ونوادر
الأثر ، وربما وقَع إسْنادُ الحديث من طرقٍ متعددة عن رواةٍ مختلفين حتى كانَ
يكثر عندهم من الأحاديث مئة طريق فما فوقها ، فكثير عندهم من الأحاديث
التي لا يرويها إلاّ أهل بلد خاصٍ ، كأفراد الشاميين والمصريين ، والحجازيين
والعراقيين أو أهل بيت خاصٍ كنسخة بُرَيْد عن أبي بردة ، عن أبي موسى ،
ونسخة بَهْز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، أوْلا يرويها عن الصحابة إلاّ رجل
أو رجلان مع كون الصحابي مقلاً غير معروف بالرواية ، ولا يرويها عنه إلاّ رجل
أو رجلان ولم يعرف بتلك الرواية إلاَّ أفراد قليلون ، ولم يعمل عليها علماء
الصحابة والتابعين ممن وسِّد إليهم الفتيا ، فهؤلاء ظنُّوها أحاديث صحيحة ، ولم
١٤

مقدمة المحقق للسنن الصغير
يكن عندهم في التشريع أصول عامة يرجع إليها المجتهد ، ولا أصول خاصة
بالأبواب المختلفة ، فكانوا لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول
كاعتماد الفقهاء الذين مضوا قبلهم ، ولكن إلى ما يخلص إليه الفهم ، ويثلج به
الصدر ، فظهر الاختلاف في صنيع هؤلاء ، وصنع من قدمنا ذكرهم من الأئمة
الماضين في القرن الثاني ، فأخذ هؤلاء بهذه الروايات التي جمعوها ودوّنوها ،
وحرّروها ونسخوها وصفحوها على ميزان الرجال دون تلقي الأئمة الفقهاء من
الصحابة والتابعين ، ولم يكن عندهم فرق في ذلك سواء عمل بها الصحابة
والفقهاء أم لم يعمل بها ، فعضوا عليها بالنواجذ وخصوا بها عام الكتاب ،
وطرحوا قول كل صحابي ، وفتوى كل تابعي يخالف مروياتهم ، حتى جرّهم ذلك
إلى القول فيهم : بأنهم رجال ونحن رجال .
الأرجح والمرجوح
في العبادات
٣ - ومنها أن السلف فعلوا هذا وهذا ، وكان كلا الفعلين مشهوراً بينهم ،
كانوا يصلون على الجنازة بقراءة وغير قراءة ، كما يصلون تارة بالجهر بالبسملة،
وتارة بغير الجهر بها ، وتارة باستفتاح وتارة بغير استفتاح ، وتارة برفع اليدين
في المواطن الثلاثة ، وتارة بغير رفع اليدين ، وتارة يسلمون تسليمتين ، وتارة
يسلمون تسليمة واحدة ، وتارة يقرأون خلف الإمام بالسر ، وتارة لا يقرأونها ،
وتارة يكبرون على الجنازة أربعاً ، وتارة خمساً ، وتارة سبعاً ، كان فيهم من
يفعل هذا ، وفيهم من يفعل هذا ، كل ذلك ثابتٌ عن الصحابة ، كما ثبت عنهم
أن منهم من كان يرجِّع في الأذان ومنهم من لم يرجِّع ، فهذه الأمور كان احداها
أرجح من الآخر ، فمن فعل المرجوح فقد فعل جائزاً ، وقد كان الاختلاف في
أولى الأمرين ، ولم يكن في أصل المشروعية .
٤ - ومنها انقسام العلماء على قسمين : قسم حفاظ معتنون بالضّبط والحفظ
والأداء كما سمعوا ، ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه ، وقسم
معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص والتفقه فيها ، فالأول كأبي
زرعة وأبي حاتم وابن وارة ، وقبلهم كبندار محمد بن بشار ، وعمرو الناقد ،
وعبد الرزاق ، وقبلهم كمحمد بن جعفر غندر ، وسعيد بن أبي عروبة ، وغيرهم
النصوص
والاجتهاد
١٥

جمع المسانيد وأول من صنف المسند
من أهْلِ الحِفْظِ والإتقان والضبط لما سمعوه من غير استنباط وتصرف واستخراج
الأحكام من ألفاظ النصوص ، والقسم الثاني كمالك ، والشافعي ، والأوزاعي
وإسحاق ، والإمام أحمد بن حنبل ، والبخاري ، وأبو داود ، وأمثالهم ممن جمع
الاستنباط والفقه إلى الرواية .
على أنّ أكثر الرواة النقلة كانوا يكرهون الخوض في المسائل ويهابون الفتيا ،
وكان أكبرهمهم رواية حديث رسول اللَّه عَّ، ولم يكن لهم كبير فقه فلم يطلعوا
على دقة مدارك الأئمة المجتهدين .
كل هذه الأمور كان لها أثر خاص في تدوين الحديث ، فوقع تدوينه بهذه
الميزات ، وأهمها العناية بنقد الأسانيد أكثر من العناية بنقد المتون .
راد الحديث عن
الفقه
ولعل أول خطوة حدثت في هذا الباب هي إفراد الحديث عن الفقه ، فقد
أفردت أحاديث رسول اللّه تَّ وجرِّدت الصحف من أقوال الصحابة ، وفتاوى
التابعين ، ورتبت المسانيد وتركت المراسيل ، وروعي فيها الحديث بقطع النظر
عن موضوعه وما يُستنبط منه من الفقه .
جمع المسانيد وأول من صنف المسند
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري :
ـسانيد المصنفة
إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ◌ّ خاصة، وذلك على
رأس المئتين ؛ فصنَّفَ عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً ، وصنّف
مسدد بن مسرهد البصري مسنداً ، وصنف أسد بن موسى الأموي مسنداً ،
وصنّف نعيم بن حماد الخزاعي مسنداً وكان نزيلاً بمصر ، ثم اقتفى بعد ذلك
أثرهم ، فقلّ إمامٌ من الحفاظ إلاَّ وصنّفَ حديثه على المسانيد ، كالإمام أحمد ابن
حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وعثمان بن أبي شيبة ، وغيرهم من النبلاء ، ومنهم
من صنّفَ على الأبواب ، وعلى المسانيد معاً كأبي بكر بن أبي شيبة .
١٦

مقدمة المحقق للسنن الصغير
وطريقة المسانيد أن ترتب الأحاديث على حسب الرواة من الصحابة ، ثم على
ترتيب من روى عن ذلك الصحابي مهما اختلفت موضوعاتها من صلاةٍ أو صوم
أو صدقة أو جهاد ، فأساس التقسيم في الأبواب وحدة الموضوع ، وأساس
التقسيم في هذه الطريقة هو وحدة الصحابي .
الكتب الستة
ثم جاء من بعد هذه الطبقة طبقة أخرى رأت ما أمامها من هذه الثروة
العظيمة ، ورأى أن هؤلاء قد كفوا مئونة جمع الأحاديث ، ففتح أمامها باب
الاختيار ، وتفرغ لفنون أخرى ، وفي طليعة هذه الطبقة الأئمة الستة المعروفون .
الجامع الصحيح
للبخاري
١ - جمع البخاري كتاباً مختصراً في الصحيح حسبما اقتضاه نظره في ذلك،
وسمّاه الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول اللّه عليه وسننه وأيامه ،
وروى الحافظ أبو بكر الحازمي في شروط الأئمة بسنده إلى البخاري ، قال :
كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا : لو جمعتم كتاباً مختصراً
لسنن النبي ◌َّ ، فَوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمعِ هذا الكتاب .
فظهر من ذلك أنَّ قَصْدَ البخاري كان وضع مختصر في الحديث ، وأنَّه لم
يقصد الاستيعاب لا في الرجال ، ولا في الحديث ، وأنَّه لم يخرج في هذا
الكتاب إلاَّ صحيحاً ، وما ترك من الصحيح أكثر (١) .
وكان ( أيضاً ) من بواعث تصنيف كتابه الصحيح أنه رأى في المنام أنه
يذبُّ عن النبي ﴾ بشيءٍ في يَدِهِ ، فأولوها له بالذب عن سنته عليه الصلاة
والسلام .
وخلاف إيراده الأحاديث الصحيحة على الأبواب ، فقد كانَ له منهجٌ في
تكرارِ الأحاديث ، ومنهجٌ في اختصارها وتقطيعها على الأبواب ، ومنهجٌ في
تعليق الأحاديث والأبواب .
بواعث تصنيف
الجامع الصحيح
للبخاري
منهج البخاري
في صحيحه
(١) هدي الساري لابن حجر ص (١٩).
١٧

منهج البخاري في صحيحه
١ - تكراره
الأحاديث لغرض
استنباط الأحكام
الفقهية من
الأبواب
٢ - منهجه في
الاختصار
والتقطيع ليستدل
بکل جزء منه
في الباب الذي
يدل عليه
٣ - منهجه في
التعليق
للاختصار أو
الاستشهاد
أما تكراره للأحاديث والأبواب فكان لغرضِ الفقه ، واستنباط الأحكام
الفقهية من الأبواب .
وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر نقلا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر
المقدسي: (( اعلم أن البخاري رحمه اللّه كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع
ويستدلُّ به في كل باب بإسنادٍ آخر ، ويستخرج منه بحسن استنباطه ، وغزارة
فقهه ، معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيها ، وقلما يورد حديثين في موضعين
بإسنادٍ واحد ولفظ واحد ، وإنما يورده من طريق أخرى لمعانٍ نذكرها ، والله أعلم
بمراده فيها)) (١).
وقد ذكر الإمام ابن حجر المعاني التي يكرر لأجلها البخاري ونلخصها بأنها
إما أن تكون لزيادةٍ في المتن ، أو لفائدةٍ في السند (٢).
أما عن منهجه في اختصاره وتقطيعه للأحاديث على الأبواب وروايته لها
بالمعنى : فإن الإمام البخاري عندما يكرر الحديث ، فإنه لا يكرره بتمامه ،
حرصا على الاختصار وعدم التكرار ولذلك نرى أنه يقطع الحديث الواحد على
الأبواب ، ليستدل بكل جزء منه في الباب الذي يدل عليه ، لكن شريطة ألاّ
يتأثر معنى الحديث بهذا التقطيع والاختصار (٣).
والإمام البخاري مشهورٌ بقوة حافظته ، وأنه كان يعتمد عليها في كتابة
الأحاديث ، وقد يقع له ذلك بالمعنى ولذلك فقد ورد عنه قوله : ( رب حديث
سمعته بالبصرة فكتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته في مصر)) (٤).
أما تعليقه للأحاديث والأخبار : فالمراد بالتعليق حذف راو أو أكثر من أول
السند وقد يكون بحذف السند كله (٥) .
(١) مقدمة فتح الباري ص (٢٦).
(٢) هدي الساري: (٢٦/١ - ٢٧) .
(٣) المصدر السابق: (١ / ٢٧).
(٤) المصدر السابق: (٢ / ٢.١)، وتدريب الراوي " حـ ٤٤/١
(٥) انظر هدي الساري: (١ /٢٧) وما بعدها .
١٨

مقدمة المحقق للسنن الصغير
والتعليق في صحيح البخاري إما أن يكون للاختصار ، وإما يكون
للاستشهاد بحديث ليس على شرطه)) (١) وحكم هذه التعاليق أن ماجاء منها
بصيغة الجزم فإنه يفيد الصحة ، وأن ماجاء بصيغة التعريض فلا يفيد صحة ولا
ضعفا ولكن يستأنس به (٢) .
والبخاري يروي بالمعنى عندما يستعمل صيغة التعريض ليدلنا على ذلك ،
وهذه التعاليق لا تنقص من قدر الصحيح ولا تطعن في مكانته ، لأنها ليست
من أصل الكتاب وإنما أصله الحديث المسند كما بين البخاري في اسم كتابه .
وبذلك اكتملت أغراض البخاري في منهجه التي جعلت لجامعه الصحيح
المزايا العديدة في التصنيف على الأبواب التي تخدم الفقيه والمجتهد ، وأسلوب
الاستنباط الفقهي ، وليكون صحيحه جامعاً يحتوي على السنن وغيرها من
أحاديث الفتن والزهد .
صحيح مسلم
وأهميته
٢ - وعمد مسلم إلى جمع ما أجمعوا عليه حيث صرح به في صحيحه ،
فقال : ليس كل شيء عندي صحيح ، وضعته هاهنا ، إن ما وضعته هنا ما
أجمعوا عليه .
قال البلقيني : أراد مسلم إجماع أربعة :
أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعثمان بن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور
الخراساني .
وصحيح مسلم هو ثاني كتاب صنف في صحيح الحديث ، ووسم به ، ووضع
له خاصة ، سبق البخاري إلى ذلك ، ثم لم يلحقهما لاحق ، وكتاباهما أصح ما
صنفه المصنفون .
(١) المصدر السابق .
(٢) المصدر السابق: (١ / ٢٧ - ٢٨)، وانظر مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الإصلاح ص (٩٦).
١٩

شرط مسلم
قال الإمام مسلم : لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم
على هذا المسند يعني مسنده الصحيح .
وقال : عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أشار أن
له علة تركته ، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة أخرجته .
وورد عن مسلم أنه قال : ماوضعت شيئاً في هذا المسند إلاّ بحجة ، وما
أسقطت منه شيئاً إلاَّ بحجة .
وكان الحسين بن علي النيسابوري يقول : ماتحت أديم السماء أصح من كتاب
مسلم بن الحجاج في علم الحديث .
شرط مسلم
وقد شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن
الثقة من أوله إلى منتهاه سالماً من الشذوذ ومن العلة ، وهذا هو حدّ الحديث
الصحيح في نفس الأمر ، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف فلا خلاف بين
أهل الحديث في صحيحه ، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث فقد يكون سبب
اختلافهم انتفاء وصف من هذه الأوصاف بينهم خلاف في اشتراطه ، كما إذا كان
بعض رواة الحديث مستوراً ، أو كما إذا كان الحديث مرسلاً .
وقد يكون سبب اختلافهم في صحته ، اختلافهم في أنه هل اجتمعت فيه هذه
الأوصاف أو انتفى بعضها ، وهذا هو الأغلب في ذلك ، وذلك كما إذا كان
الحديث في رواية من اختلفوا في ثقته ، وكونه من شرط الصحيح ، فإذا كان
الحديث قد تداولته الثقات غير أن في رجاله أبا الزبير المكي مثلاً ، أو سهيل
ابن أبي صالح ، أو العلاء بن عبد الرحمن ، أو حماد بن سلمة ، قالوا فيه : هذا
حديث صحيح على شرط مسلم ، وليس بصحيح على شرط البخاري لكون هؤلاء
عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الأوصاف المعتبرة ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم .
وكذا حال البخاري فيما خرّجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس ، وإسحاق
ابن محمد الفرْوي ، وعمرو بن مرزوق ، وغيرهم ممن احتج بهم البخاري ، ولم
یحتج بهم مسلم .
٢٠