النص المفهرس

صفحات 1-20

بِهِزَارُ التَّرَافِي
١
مُفْتِي الدِّيَارِ المِصْرِيَّة الشَّيخ عَدِ الْقَادِرِ الرَّفِيّ
المتوَفِىّ سَنَة ١٣٢٣ هـ
عَلى
رّ المختار
عَلَى الدُّ المختَار شَخْ تَنويِالأَبْصَار
تَخَاتِمَة المحقّقين
محمّد أحدى الشهير بابن عابدين
الجُزء الأوّل
دَارُ غَالِ الْكْبُ
للطباعة والنشر وَالتوزيع
الرّيَاضُ

حِقُوق الطّبْعْ مَحِفُوظَة
طبْعَة خاصَّة
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م
حار عالم الكتب)
دَارُ عَالمِ الكِبِ
للطباعة والنشر وَالتوزيع
العُليا - غربْ مؤسَسَة التحلية
ت: ٤٦٥١٦٨٩ - ٤٦٣١٧٢٢
ص.ب: ٦٤٦٠ - الهاض: ١١٤٤٢
تليفاكس : ٤٦٣١٣٣٦
المملكة العَربيّة السّعوديّة
طَبَعَت ◌َهذه الطَبَعَة بموافقة خَاصّةٍ مِنْ
دار الكتب العلمية.
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت - هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤-١١ بيروت - لبنان

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمْ
الحمد لله الذي منّ علينا بتنوير البصائر والأبصار، وهدانا إلى التمسك بشريعة
المختار، ومنحنا الهداية والسير في طريق الإصلاح، وأرشدنا وله المنّة بنور الإيضاح،
إلى مراقي الفلاح، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان، على سيد ولد عدنان، محمد
الآتي بالدرر اللوامع، والأنوار السواطع، والبرهان القاطع، والكلم الجامع، وعلى آله
وعترته، ومحيي شريعته وسنته.
(وبعد): فيقول العبد الفقير إلى مولاه الغنيّ، محمد رشيد الرافعيّ، إن سيدي
وأستاذي وشيخي وملاذي ووالدي المغفور له العلامة الشيخ عبد القادر الرافعي، مفتي
الديار المصرية، لما قرأ عدّة مرات حاشية العلامة السيد محمد أمين الشهير بابن عابدين
المسماة ((ردّ المحتار))، ووقف في كل مرة منها على غوامضها وأسرارها، وكشف عنها
حجب الخفاء حتى أضاءت لديه بأنوارها، علق عليها تقريراً هو غاية غاياتها، ومفتاح
مغلقاتها، أنفق فيه شطر العمر بين مراجعة وتنقيب، وإيضاح وتقريب، ونظر وتحرير،
وبحث وتقرير، ولما رأيت منه هذه العناية استأذنته رحمه الله في تجريده من هوامش
نسخته ((ردّ المحتار))، فأذن لي وقابلته معه بعد تجريده، فكان بعد ذلك عنده في موضع
حاجة النفس لم يزل يتعهده بالنظر والتنقيح حتى كان آخر عهده به اليوم الآخر من شهر
شعبان سنة ١٣٢٣ قبل وفائه ببضعة أيام، وقد فرغ يومئذ من إعادة النظر فيه وسماه.
(التحرير المختار) وهو إلهام منه تعالى. ولم يشأ رحمه الله أن يخرج تقريره للناس في
حياته مع شدة الحاجة إليه، وتوارد الطلاب عليه، تواضعاً منه في جانب الله، وحرصاً
على فائدة يجدها فيزيد بها تلك الفرائد، وهذا غاية البرّ بالناس فيما اؤتمن عليه من
العلم. وقد رأيت من واجب حقه عليّ أن أظهر هذه الثمرة بعد أن حان قطافها، وعذب
ارتشافها، وأنا أرجو أن أكون قد أدّيت الأمانة إلى أهلها من العلماء، وقمت ببعض ما
يجب على أضعف الأبناء لأبرّ الآباء، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله: (والجواب عنه بأن المراد في الروايات كلها
الخ) في الصبان: أن الحديث مخصوص بغير ذلك لأدلة أخرى، وفي ط أنها مشتملة
على الذكر أو هي نفس الذكر، فلا تحتاج إلى ذكر آخر.
٣

٤
مقدمة
قوله: (أو بحمل المقيد على المطلق وهو رواية بذكر الله عند من جوز ذلك) من
الشافعية، فإنهم جوزوا ذلك إذا تعارض المقيدان، فإن المقيدين يحملان عليه إذا اتحد
الموضع كالابتداء هنا، وإذا تعدد فإن كان المطلق أولى بأحدهما حمل على الذي هو
أولى به كقوله في كفارة اليمين ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة: ٨٩] وفي الظهار ﴿فصيام
شهرين متتابعين﴾ [النساء: ٩٢] وفي صوم التمتع ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا
رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] فحمل اليمين على الظهار في التتابع لاشتراكهما في النهي، وإن
لم يكن المطللق أولى بأحدهما بقي على إطلاقه، والمقيدان على تقييدهما كقوله في
قضاء رمضان ﴿فعدّة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤، ١٨٥] مع التقييد في كفارة الظهار
وصوم التمتع. وإذا اتحد المطلق والمقيد فإنه يحمل على المقيد، ونحن لا نقوا، بحمل
المطلق على المقيد ولا بالعكس إلا إذا كان في حكم واحد، فنحمله عليه، كما في
الزيلعي، من الأيمان بخلاف ما إذا كان في السبب أو في حكمين. اهـ وقال في شرح
التحرير: ذكر النووي أن المراد بحمد الله ذكر الله، وفي ذلك نظر، فإنه إن عنى بذكر الله
ذكره بالجميل على قصد التجبيل الذي هو معنى الحمد خاصة، فالأمر بقلب ما قال، فهو
من باب حمل المطلق على المقيد لا من باب التجوز بالمقيد عن المطلق، وحينئذ يبقى
الكلام في تمشية مثل هذا الحمل على القواعد، وهو متمش على قواعد الشافعية لا على
قواعد الحنفية، وإنما يجرون في مثله المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده فيخرج عن
العهد بأيّ فرد كان، والحكمة في التنصيص على المقيد إفادة تعليم العباد ما هو أولى أن
يؤدّي به المراد من المطلق وإن عنى بذكر الله في قوله المذكور ذكره على أيّ وجه كان
من وجوه التعظيم تسبيحاً أو تحميداً أو تسمية، فلا نسلم أن المراد بحمد الله ذكره على
هذه الوجه من الإطلاق للعلم بأن المعنى الحقيقي للحمد ليس ذلك ولا داعي إلى
التجوز .
قوله: (حقيقة في الإلصاق مجاز في غيره) هذا أحد قولين اختاره لما ذكره من
ترجح المجاز على الاشتراك، وقد اقتصر عليه سيبويه وعليه فاستعمالها في نحو الاستعانة
إن كان لتضمنه الإلصاق فحقيقة، ومن حيث خصوصه مجاز. والقائل بالاشتراك يقول:
التبادر من علامة الحقيقة، والحمل عليها متعين فراراً من التحكم، ومحل كون الحمل
على الحقيقة والمجز أولى من الحمل على الاشتراك ما إذا تعينت حقيقة أحد المعاني
وجهل حال غيره. قوله: (موضوع بالوضع العام الخ) حاصله أن اللفظ الموضوع إن تعين
عند الوضع فشخصي، وإن لم يتعين فنوعي، والشخصي إن كان الموضوع له خاصاً
ملحوظاً بخصوصه سمي وضعاً خاصاً لموضوع له خاص، وهذا القسم أثبته المتأخرون
وجعلوا منه وضع الحروف ونحوها. وإن كان عاماً ملحوظاً بعمومه سمي وضعاً عاماً
الموضوع له عام كوضع أسماء الأجناس لمفهوماتها الكلية. وأما كون المعنى العام
ملحوظاً بأمر خاص فمحال، كما بيّن في محله. إذا عرفت هذا فوضع الحروف ونحوها

٥
مقدمة
على مذهب السعد، والجمهور من أنها كليات وضعاً جزئيات استعمالاً من الوضع
الشخصي العام لموضوع له عام، وعلى مذهب العضد والسيد من أنها جزئيات وضعاً
واستعمالاً من الوضع الشخصي العام لموضوع له خاص أما كون الموضوع له عاماً على
الأول فلكونه عليه كلياً، وأما كونه خاصاً على الثاني فلكونه كل جزئي من جزئيات
الكلي. واستفيد أن عموم الوضع باعتبار العموم عند الوضع وخصوصه باعتبار الخصوص
عنده، وأن شخصيته باعتبار تعيين اللفظ الموضوع ونوعيته بعدمه. قوله: (فيصدق
بالاستعانة الخ) هي الداخلة على آلة الفعل والسببية على سببه. قوله: (وبسببه كما في
التحرير) عبارته من بحث الحروف (الباء مشكك للإلصاق) أي تعليق الشيء بالشيء
وإيصاله به الصادق (في أصناف الاستعانة) أي المعونة بشيء على شيء، وهي الداخلة
على آلة الفعل ككتبت بالقلم لإلصاقك الكتابة بالقلم. (والسببية) هي الداخلة على إسم لو
أسند الفعل المعدى بها إليه صلح أن يكون فاعلاً مجازاً. اهـ. مع زيادة من شرحه .
قوله: (حاصلاً في غيره) في إما للسببية أي له معنى في نفسه لكنه لا يستقل بإفادته، أو
للظرفية مجازاً باعتبار فهم السامع فكأن معناه كامن في غيره. قوله: (لا للإختصاص)
يعني على جهة القلب كما يفيده التعليل بعده. قوله: (فيكون قصر إفراد) ويحتمل أن
يكون قصر قلب حقيقة ردّاً على الدهرية، وأن يكون قصر قلب تنزيلاً، وذلك أن
المشركين لما كثر ابتداؤهم باسم آلهتهم نزلوا منزلة النافي للصانع، وأن يكون قصر تعيين
رداً على المترددين فيمن يبدأ باسمه.
قوله: (لأن العناية بالقراءة أولى الخ) قيل فيه: إن هذا العارض وإن كان يقتضي أن
تكون البداءة بالقراءة أهم إلا أن العارض الأول وهو ابتداء المشركين باسم آلهتهم يقتضي
أن يكون إسم الله أهم فأي مرجح يرجح هذا على ذلك؟ ويمكن أن يقال: لما تعارض
العارضان قدم العامل على المعمول بحكم الأصالة. أو يقال: إنه لما كان أوّل نازل على
النبي أمر بالقراءة ليتدرب لتلقي الوحي من غير قصد إلى أمر بتبليغ ولا إنذار حتى يقصد
فيه الرد على من خالفه. على أن قوله إذا لو أخر لأفاد الخ، كافٍ في ترجيح العارض
الذي ذكره ودافع لهذا القيل. تأمل.
قوله: (ثم إن المراد بالاسم الخ) وذلك أن أسماءه تعالى إما أن تدل على الذات
خاصة أو عليها وعلى الصفة، كلفظي الجلالة والرحمن، بخلاف اللقب فإنه ما وضع
للدلالة على الذات وأشعر برفعة مسماه أوضعته بطريق الدلالة الخفية بحسب وضعه
الأصلي لا العلمي أو بحسبه أيضاً، وإن كان القصد المعنى العلمي على خلاف في ذلك
والموضوع له في الصفة هو الذات باعتبار اتصافها بمعنى معين لها قائم بها، فدلولها
مركب من الذات والمعنى. وقوله فيشمل الصفات الخ، الصفات السلبية كل صفة مدلولها
عدم أمر لا يليق به تعالى كالقدم المفسر بعدم الأوّلية، والصفات الحقيقية كل صفة
وجودية قائمة بذاته العلية كالقدرة، والإضافية الصفة الثبوتية التي لا يدل الوصف بها على

٦
مقدمة
معنى زائد عليها كالوجود. قال الفخر في تفسيره: الصفات الإضافية كل صفة له تعالى
ليست زائدة على الذات ككونه معلوماً ومذكوراً مسبحاً ممجداً، والأسماء الممكنة له
تعالى بحسب هذا النوع غير متناهية، وككونه تعالى فاعلاً للأفعال بناء على أن تكوين
الأفعال ليس صفة زائدة. اهـ. وقال الطيبي في شرح المشكاة: إسم الله تعالى ما يصح
أن يطلق عليه تعالى بالنظر إلى ذاته، أو باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس والأوّل،
أو الحقيقية كالعالم والقادر، أو الإضافية كالحميد والملك، أو باعتبار فعل من أفعال
كالخالق والرزاق. اهـ. نقله عنه في تبيين المحارم من باب الإلحاد في أسمائه تعالى.
قوله: (والله علم على الذات العلية الخ) لفظ الجلالة إنما يقصد به الذات، وإن
قصد غيرها من الصفات المرجحة كان تبعاً، وإليه ذهب الشيرواني، ونقل عن شيخ
الإسلام أنه اعتبر فيه جميع صفات الكمال واستحقاق المحامد وغيرها مما لوحظ به
الذات لأنها من حيث هي غير معلومة لنا، فلو لم يعتبر فيه صفة لم يكن معناه معلوماً،
لنا، فالمسمى على هذا القول مجموع الموصوف والصفة، ومنع سنده بأنه يكفي في علم
المعنى ملاحظته بوجه من وجوهه الخارجة عنه. تأمل. وقال في شرح الطريقة
المحمدية .
وفي حاشية تفسير البيضاوي لشيخي زاده. ذهب جمهور أهل اللغة في اسم الله إلى
أنه عربي مشتق صار علماً بالغلبة لأن أسماء الله تعالى كلها صفات مشتقة، ليعرف
المكلف معناها فيتوسل بها إليه فإن قدماء الفلاسفة أنكروا أن يكون الله تعالى بحسب ذاته
المخصوصة إسم بناء على أن المراد من وضع ذلك الاسم أن يذكر عند أحد لتعريف ذلك
المسمى به، وقد ثبت أن أحداً من خلقه لا يعرف ذاته المخصوصة البتة فكيف يشار إليه
بذكر إسم؟ وإذا لم يصح أن يشار إليه بذكر إسم لم يبق لوضع الاسم لذاته المخصوصة
فائدة، فثبت أن هذا النوع من الاسم مفقود، وأن جميع سمائه صفات مشتقة وهي ما تدل
على ذات مبهمة باعتبار معنى معين. وإنما قلنا إن ذاته المخصوصة ليس معقولاً لأحد
لأنّا إذا رجعنا إلى عقولنا لا نجد عند عقولنا من معرفة الله تعالى إلا أحد أمور أربعة: إما.
العلم بكونه موجوداً، وإما العلم بدوام وجوده، وإما العلم بصفات الجلال وهي
الاعتبارات السلبية، وإما العلم بصفات الإكرام وهي الاعتبارات الإضافية. وقد ثبت
بالدليل أن ذاته المخصوصة مغايرة لكل واحد من هذه الأربعة، فإنه ثبت أن حقيقته غير
وجوده، وإذا كان كذلك كانت حقيقته أيضاً مغايرة لدوام وجوده، وثبت أيضاً أن حقيقته
مغايرة للإعتبارات السلبية والإضافية، وإذ قد تحقق أنه ليس في عقولنا من معرفته تعالى
إلا هذه الأمور الأربعة وأنها مغايرة لحقيقته المخصوصة، ثبت أن حقيقته المخصوصة غير
معقولة للبشر، وأنه لا سبيل إلى إدراكه من حيث هو هو، وهو المسمى بالمعرفة الذاتية،
وإنما نعرفه بالأمور الخارجة عنه، وهو المعرفة العرضية وهي كما إذا رأينا بناء علمنا
بطريق الإبصار بأنه لا بد له من بانٍ فالمعلوم بالذات هو البناء، وأما الباني فهو معلوم

٧
مقدمة
بالعرض في هذه الصورة، وعلم الباني بكونه بانياً له لا يستلزم علمه بخصوصيته، وأنها
من أيّ نوع الماهيات والمعرفة الذاتية، كما إذا عرفنا اللون المعين ببصرنا، وعرفنا
الحرارة بلمسنا، وعرفنا الصوت بسمعنا فإنه لا حقيقة للحرارة والبرودة إلا هذه الكيفية
الملموسة، ولا حقيقة للبياض والسواد إلا هذه الكيفية المرئية، وكذا الحال إذا رأينا
المحدثات وعلمنا احتياجها إلى محدث وخالق فقد عرفنا الله معرفة عرضية وهي التي في
وسع البشر في الدنيا. وأجاب بعضهم أنه لا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يشرف بعض
المقربين من عباده بأن يجعله عارفاً بتلك الحقيقة المخصوصة. ومن العلماء من تورّع في
لفظ الجلالة عن طلب مأخذه وذكر معناه، ومنهم من قاله: لعله مشتق لا يعرف المشتق
منه ولم نكلف بمعرفته. وقال بعضهم: هو إسم عربي علم غير مشتق كما ذهب إليه
الخليل والزجاج. وقال بعضهم: إنه سرياني معرّب،. ثم ذكر اشتقاقه وأطال الكلام في
ذلك انتهى.
قوله: (أسرياني) منسوب إلى سرياينة وهي جزيرة كان بها نوح قبل الغرق، وكان
لسان آدم الذي نزل به العربي ثم حرف وصار سريانياً، وهو اللسان العربي إلا أنه
محرف، والعبراني لسان بني إسرائيل. قوله: (مشتق) أي من أله يأله المشترك بين العبادة
والسكون والتحير والفزع، لأن الخلق يعبدونه ويفزعون إليه ويتحيرون فيه ويسكنون إليه،
فأصل الجلالة إله إلاه أدخلت أل للتعريف ثم حذفت الهمزة تخفيفاً ونقلت حركتها إلى
اللام ثم سكنت الأولى وأدغمت في الثانية. قوله: (ورد بأن أنكارهم له لتوهمهم أنه
غيره) ظاهره أن توهمهم الغيرية في هذه الآية مع أنها نزلت ردًّا لتوهمهم الغيرية حين
سمعوا النبي # يقول: ((يا الله يا رحمن)) فقالوا: ينهانا عن عبادة الهين وهو يدعو إلها
آخر. قوله: (وأن المخصوص به تعالى المعرف) منع بما في قصة الحديبية من أنه عليه
السلام لما أمر علياً رضي الله عنه بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم قال سهيل بن عمر: ولا
نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة اهـ. لكن هذا لا يرد على ما قاله ابن السبكي من أن
المنع شرعي لا لغوي. قوله: (والجمهور على أنه صفة مشبهة) من رحم بعد نقله لفعل
بضم العين، أو تنزيله منزلة اللازم بأن لا يعتبر تعلقه بمفعول لا لفظاً ولا تقديراً، أو يقال
إنها على صورتها وصيغتها فاندفع إيراد أنها لا تصاغ من المعتدي. وقوله وقيل صيغة
مبالغة أورد عليه أنها محصورة في الخمسة المشهورة وهما ليسا منها: أما رحمن فظاهر،
وأما رحيم فلعدم عمله النصب. وأجيب بأنهما يفيدانها بالمادة لا الصيغة كجواد،
والمحصور ما يفيد بالصيغة على أنه قد يمنع قصرهم الحصر في الخمسة. ويحتمل أن
رحيم عامل النصب في محذوف للعموم وبهذا يظهر قوله وهو يفيد المبالغة بصيغته.
قوله: (والتحقيق الأول لأن الرحمة الخ) قد يقال إن القائل بالتجوّز ناظر إلى حقيقة
الرحمة لغة فيكون استعمالها في الإحسان أو إرادته مجازاً وإن كان حقيقة شرعية، فإنه
غير ناظر إلى أن ذلك موضوع له لما حققه الحميد أن اللفظ المشترك في إصطلاح
-.

٨
مقدمة
التخاطب إذا استعمل في أحد معانيه لا باعتبار أن اللفظ موضوع له، بل باعتبار علاقة بينه
وبين معنى آخر من معانيه كان مجازاً. اهـ. ولما ذكره الشهاب بقوله: وما قيل من أن
الأقرب هنا أن يقال إنه حقيقة شرعية لأنه يراد منه الإنعام من غي رأن يخطر بالبال رقة
القلب، لا ينافي ما ذكره باعتبار حقيقته اللغوية كما لا يخفى. اهـ. قوله: (والشكر لغة
يرادف الحمد الخ) وحينئذ تكون النسبة بين الحمد لغة وبينه العموم الوجهي. والنسب
ست: فالنسبة بين الشكرين وبين الشكر والحمد العرفيين. وبين الحمد لغة والشكر عرفاً
عموم وخصوص مطلق، وبين الحمدين وبين الحمد والشكر اللغويين العموم والخصوص
من وجه، وبين الحمد عرفاً والشكر لغة الترادف. قوله: (وبأنه لما كانت تلك الصفات
الخ) أي فالمراد بكونه اختيارياً كونه اختيارياً حقيقة أو حكماً بأن يكون منشأ لأفعال
اختيارية كذاته وقدره وإرادته، أو ملازماً لمنشئها كسمعه وبصره وكلامه. تأمل. قوله :
(وبه قد يتغايران ذاتاً كما هنا) فإن المتبادر أن شرح الصدور وما بعده هو المحمود عليه.
قوله: (ومن هذا القبيل حمد الله تعالى وثناؤه على نفسه الخ) أي الذي من صفات
الأفعال الحادثة، فيكون البسط والوضع المذكوران باعتبار إظهار صفات الكمال حمداً
بخلاف حمده القديم فإنه كلامه القديم باعتبار دلالته على الكمالات، فهو من أنواع
الكلام الاعتبارية. تأمل. قوله: (ثم إن الحمد مصدر يصح أن يراد به معنى المبني للفاعل
الخ) مدلول المصدر الفعل والتأثير هو المعنى المصدري، ويطلق حقيقته على أثره وهو
الحاصل بالمصدر وعلى كون الذات بحيث صدر عنها الحدث ويسمى المبني للفاعل،
وعى كونها بحيث وقع عليها ويسمى المبني للمفعول. اهـ. من الشهاب قوله: (وإقدار
العبد عليه) أي الإنعام. قال الفخر: إن كل من أنعم على غيره بإنعام فالمنعم في الحقيقة
هو الله تعالى، فإنه خلق تلك النعمة وخلق الداعية في قلب المنعم فثبت أنه تعالى هو
المنعم في الحقيقة. اهـ. باختصار. قوله: (وقيل لا تفيد الحصر الخ) لعل وجه هذا
القيل أن أل في ذاتها كما تحتمل الإستغراق تحتمل الجنس المتحقق في كل الأفراد أو في
بعضها، ولا يتأتى إفادة الحصر مع الاحتمال وشحن كلامهم باعتباره هو بمعونة القرائن
كالقسمة بين المدعي والمدعى عليه الواقعة في حديث ((البينة على المدعى واليمين على
من أنكر)) وليس جعل اليمين على المدعي بانفراده كافياً في إفادة الحصر بل مع ملاحظة
قرينة القسمة المذكورة. تأمل.
قوله: (فلام الله إما للملك الخ) على جعل أل للعهد يمتنع جعل اللام للملك إن
جعل المعهود الحمد القديم فقد كما مشى عليه المحشي لأن القديم لا يملك، فإن جعل
حمد من يعتد بحمده كحمده تعالى وأنبيائه وأوليائه لم يمتنع، لأن المعهود حينئذ الجملة
وهي حادثة إذا المركب من القديم والحاديث حادث وعلى جعلها للإستغراق، أو للجنس
في ضمن بعض الأفراد يمتنع ذلك بالنسبة للقديم ولا يمتنع بالنسبة للحادث إن لوحظ أن
الأفراد غير مركبة وإلا لم يمتنع. اهـ. من حاشية السلم. قوله: (أقول يظهر لي أن أل

٩
مقدمة
الخ) أقول لا شك أنّ أل لها دخل في إفادة الاختصاص، وذلك أنه عنا إنما جاء من نسبة
الموضوع المعرّف باللام إلى المحمول فاستفادته موقوفة على كل من أله والنسبة إذا لو
عدم أحدهما لا يستفاد أصلاً، فكل منهما له دخل في إفادته، فصح نسبته لأول كما هو
صريح ما نقله عن السيد. وهذا لا ينافي ما نقله عن التلويح فإنه في معانيها الذاتية لها لا
فيما تفيده بانضمام شيء آخر لها، فلذا تراهم يسندونه لأل تارة كما في عبارة السيد،
وتارة للنسبة كما هو ظاهر عبارة الكشاف التي نقلها تأمل.
قوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) الحبل العرق، وإضافته بيانية والوريدان
عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها، وهذا مثل في فرط القرب. اهـ. أبو السعود.
قوله: (وإن كان الحامد لنقصانه الخ) أي فلا تنافي بين ما سلف في نكتة الخطاب، وبين
ما تفيده كلمة يا من البعد لأن البعد الرتبي بين الخلق والحق يصاحبه قوة الإقبال وصدق
التوجه إليه تعالى. قوله: (قبيح عند النحويين) المراد أنه قبيح في الاستعمال أي شاذ
نادر. قوله: (وفي مغني اللبيب الخ) حاصله أن ربط الصلة هنا بضمير الغيبة نظراً للجانب
الموصول، أو بضمير الخطاب نظراً لجانب النداء الدال على الخطاب مقيس إلا أن الثاني
قليل لأن النداء الدال على الخطاب لا يتم إلا بعد تمام الصلة، فكانت مراعاته قليلة كا
في حواشي المغني. وحيث عملت أن كلاً مستعمل مقيس لا تصح دعوى صحة الالتفات
فيما نحن فيه ولا في قول علي كرَّم الله وجهه بل الجري فيهما على القليل والالتفات إنما
يكون في كلمتين لا في كلمة وحدة، أو ما في حكمهما وإجراؤه فيما هو كالكلمة قليل،
والصلة والموصول بمنزلة كلمة واحدة، فلذا جعل النحاة النظر إلى جانب الموصول هو
الكثير والصفة مع الموصوف ليست كذلك في الجزئية، فكثر فيها مراعاة كل من
الجهتين، فحينئذ لا ترد الآية المذكورة على النحويين. غاية ما يرد عليهم أنه لا يليق
إطلاق القباحة على قول عليّ المذكور بل الأدب إطلاق الشذوذ أو القلة تأمل .
قوله: (على حد قوله تعالى: ﴿فأذاقها الله لباس الجوع﴾ [النحل: ١١٢] الخ) قال
الصبان: فقد شبّه ما غشي الإنسان عند الجوع والخوف من أثر الضرر، الألم من حيث
الاشتمال بالبباس، فاستعير له لفظ اللباس، ومن حيث الكراهية بالطعم المر البشع،
فأوقع عليه الإذاقة. فيكون في الكلام ثلاث استعارات: الإذاقة استعارة تخييلية، واللباس
تصريحية نظراً للأول، ومكنية نظراً للثاني. اهـ. وبيانها هنا أن لفظ اللباس بعد استعارته
الأثر الجوع والخوف من حيث الاشتمال استعير منه للطعم الكريه الإدعائي من حيث
الكراهية. قوله: (فهي من الاقتضاب المشوب الخ) الاقتضاب الانتقال من معنى إلى آخر
من غير تعلق بينهما، كأنه استهل كلاماً آخر، ووجه كونه هنا مشوباً أي مخلوطاً أن كلاً
تمهيد للتأليف بخلاف الاقتضاب المحض، فإنه الانتقال من كلام إلى آخر لا مناسبة
بينهما بالكلية. قوله: (وداود أقرب) وقيل: يعقوب، وقيل: قس بن ساعدة أو كعب بن
لؤي أو يعرف أو سحبان. قوله: (كما في ولا سابق) أصله لزهير وهو قوله :

١٠
مقدمة
ولا سابق شيا إذا كان جائيا
بدالى أنى لستُ مدرك ما مضى
قوله: (ولا مناسبة بين الواو و ((أما))) نقل في شرح الطريقة عن البر جندي شارح
الوقاية: وجه المناسبة بينهما بقوله: أصلها ((أما)) بعد، فالواو قائمة مقام ((أما))، ويؤيده أنه
لم يقع في مثل هذا الموضع وأما بعد. ولعل وجهه أن ((أما)) قد تورد لتدل على أن ما
بعدها غير مرتبط بما قبلها حتى إنه سمي فصل الخطاب، والجملتان اللتاني بينهما كمال
الاتصال لا يفصل بينهما بالواو العاطفة، فلها دلالة ما على انفصال ما بعدها عما قبلها في
الجملة فاستعيرت لـ ((أما)) الدالة على الانفصال. قوله: (والفضائل تعله وتنهله) العل
والعلل، محركة، الشربة الثانية، أو الشرب بعد الشرب تباعاً. والنهل، محركة، أول
الشرب. قاموس. قوله: (إلى حصن كيفا) حصن كيفا كضيزي بين آمد وجزيرة ابن عمر.
قاموس. قوله: (والظرفية فيها مجازية) أي مع إرادة المعنى اللغوي للشرح أو على
التجريد. قوله: (وجاء في الحديث النهي عن قول: لعمر الله) ينظر هذا مع ما ذكروه في
كتاب الأيمان من عدهم من صيغ القسم لعمر الله، ثم ظهر أنه لا يلزم من عدهم المذكور
نفي الكراهة بل هو من صيغ القسم معها. وقد ذكر عاصم أفندي في ترجمة القاموس
وجهها بأن العمر يعبّر به أيضاً عن مدة عمارة الروح مع البدن، ولأجل هذا إضافته لجانب
الألوهية غير مناسبة. اهـ بالمعنى. قوله: (لكن قال فاضل الروم الخ) ما قاله مخالف لما
ذكروه في الأيمان من كراهة الحلف بغيره تعالى لا على وجه الوثيقة كقولهم: بأيك،
ولعمرك. وهو محمل الحديث الدال على النهي بخلاف ما كان على وجه الوثيقة كالحلف
بالطلاق، أي استيثاق الخصم بصدق الحالف لا سيما في زماننا إلى آخر ما ذكروه،
فانظره. قوله: (فحوّل الإسناد إلى ضمير الموصوف الخ) أي فيكون الكلام من باب
الحذف والإيصال ولا حاجة إليه، بل يكفي لصحة التوصيف تقدير الضمير أو جعل ((أل)).
عوضاً عنه.
قوله: (وعرّفه في التحرير بأنه عدم الاستحضار في وقت الحاجة الخ) ذكر في
مفسدات الصلاة عن شرح التحرير: أنه لا فرق بينهما عند الفقهاء والأصوليين وأهل
اللغة. وفرّق الحكماء بأن السهو زوال الصورة عن المذكرة مع بقائها في الحافظة،
والنسيان زوالها عنهما معاً فيحتاج في حصولها إلى كسب جديد. وقيل: النسيان عدم ذكر
ما كان مذكوراً، والسهو غفلة عما كان مذكوراً، أو ما لم يكن فالنسيان أخص مطلقاً.
قوله: (هو أن يقصد بالفعل غير المحل الخ) هذا أحد نوعي الخطأ وهو الخطأ في فعل
الجارحة، كأن رمى غرضاً فأصابه ثم رجع عنه، أو تجاوز إلى ما وراء فأصاب آمياً، أو
قصد رجلاً فأصاب غيره. والثاني الخطأ في ظن الفاعل كأن يرمي شخصاً ظنه صيداً فإذا
هو آدمي. إلى آخر ما يأتي إن شاء الله تعالى في الجنايات. قوله: (قال في معراج
الدراية، وشرعاً ما يؤذي من العبادات الخ) الظاهر أن عبارته في شعائر الإسلام لا في
شعائر الآدمية، وأن كلامه في مدلول الشعائر بقطع النظر عن الإضافة إلى الآدمية سبل

١١
مقدمة
بحسب معناها في إصطلاح أهل الشرع. وقال العيني في خطبة الهداية عند قوله ((وأظهر
· شعائر الشرع)) شعائر جمع شعارة أو شعيرة الشعيرة البدنة تهدي، وكل ما جعل علماً على
طاعة الله تعالى: ويقال: المراد بها ما كان أداؤه على سبيل الاشتهار كصلاة الجمعة مما
كان فيه اشتهار. قوله: (وهذه الفقرة بمعنى التي قبلها) باعتبار استلزامها لما قبلها في
المآل .
قوله: (ولم أر من أفصح عن معنى كفى الخ) في حاشية المغني للدسوقي: أن
((كفى)) التي تغلب زيادة الباء في فاعلها ((كفى)) التي هي بمعنى حسب التي هي فعل
قاصر. اهـ. و((كفى)) بمعنى أجزأ متعدية لواحد والثانية لاثنين. اهـ. مغنى. قوله:
(والعلامة الفنري) نسخة الخط الغزي قوله: (فعلى الأول وهو من باب القلب الخ) فيه أن
سنح هنا بالمعنى الثاني لتعديتها بالباء وحملها على المعنى الأول حتى يحتاج لدعوى
القلب خلاف الظاهر. تأمل. قوله: (وأورد أن بين الجملتين تنافياً الخ) فيه أنه لا يلزم من
نفس السنوح بمعنييه المذكورين الابتكار، وهو أمر خارج عن مدلول اللفظ، فإن سنوح
الشيء في الخاطر والتعريض به قد يكون معه وبدونه، والجواب المذكور ربما يحتاج إليه
بالنظر لما هو واقع خارجاً ولعل الإيراد مبني على ما يتبادر من ظاهر اللفظ. قوله: (عبد
العزيز النجاري) نسخة الخط البخاري قوله: (فلم آل فيها الصواب) يطلق بمعنى التقصير
أو الترك أو الاستطاعة، ومصدره كدلو وعلو وبمعنى المنع كدلو. قوله: (الباء للتعليل
الخ) الأنسب تعلقه بمتواصل. قوله: (لأنه أقل تكلفاً) أي بتقدير متعلق للجار، أو الفصل
بينه وبين متعلقه إن جعل متعلقاً بمؤلف وتهذيب المسائل المهمة باعتبار تهذيب وتنقية
تراکبیھا، أو نحو ذلك.
قوله: (والاسم منه الإبلاغ) عبارة القاموس: من الإبلاغ الخ. بدون ضمير مجرور
بـ ((من)) وكذلك في نسخة الخط بلا ضمير. قوله: (وقد أطلق العلم على كل منها) قال
المصحح هكذا بخطه. ولعل صوابه منهما بضمير التثنية إذ إطلاقه على الأول حقيقة لغوية
كما يفيده صدر العبارة. تأمل. اهـ. ولا مانع من إرجاع الضمير لمعاني العلم الثلاثة،
والمقصود أنها عند أهل العرف إما حقيقة الخ. وهذا لا ينافي أنه بالمعنى الأول حقيقة
لغوية أيضاً. تأمل. مثلاً إذا قيل: إنته عند أهل العرف حقيقة إصطلاحية في الإدراك يكون
استعماله في كل من المعنيين الآخرين حقيقة عرفية أو مجازاً. قوله: (وجعل في التحرير
الخلاف لفظياً) وذلك بأن يقال: إن القائل الأول نظر إلى تصوره بنفسه لا بصورته، فإنه
لا شك أن تصوّره بنفسه لا يحصل إلا بسرد مسائله فيمتنع حينئذ وقوعه مقدمة، والقائل
الثاني نظر إلى أن تصوره بصورته يحصل بذكر الجنس والفصل بلا حاجة إلى سرد
المسائل؛ كالجبان إذا تصور معنى الشجاعة كان عنده صورتها لأ نفسها، ولا مانع حينئذ
امن جعل تصور العلم بصورته قبل تعلمه مقدمة لحصوله بنفسه بعد تعلمه، فلو نظر كل
منهما لما نظر إليه الآخر لما خالفه. وانظر ما حققه ابن الهمام. قوله: (أي العلم

١٢
مقدمة
الموصل إلى الآخرة) المناسب بل المتعين إرادة العلم بالمعنى الأعم لتقسيمه إلى
المطلوب وغيره. قوله: (والثلاثة الأول هم ما هم) بدل اشتمال ما قبله. قوله: (سمى
لاستدراتها) كذا في نسخ القاموس. والضمير راجع للمكان المسمى كوفة، وقال شارحه:
صوباه سميت . اهـ.
قوله: (فليس لأحد منهم قول ناجر عن أقواله) ما مشى عليه إحدى طريقتين كما
سيأتي نقله عن أدب المفتي في كتاب القضاء. الثانية أن مثل أبي يوسف ومحمد مشتغلون
بالاجتهاد، ومن تأمل أحوالهم وفتاواهم واختياراتهم على أنهم لم يكونوا مقلدين لأئمتهم
في كل ما يقولونه، وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر وإنك كان منه المستقل والمستكثر.
قوله: (وهو مبتدأ وقوله ((أن)) الخ خبره) هذا الإعراب أحد ما قيل في إعراب أسماء
التراجم، ولا شك أن قوله رسم المفتي ترجمة قوله: (فمقابل الأصح غير مذكور في
كلام الشارح) وجعل الطحطاوي مقابل الأصح ما ذكره الشارح بعده. ولا مانع من جعل
مقابله ما ذكره الشارح وما ذكره في السراجية، وكل منهما اقتصر على بعض مقابله.
تأمل. انعم على التوفيق الآتي بين ما في الحاوي وما في السراجية لا معنى لجعل ما في
الحاوي مقابلاً للأصح. ثم إن دعوى أن ما في السراجية يدل على هذا التوفيق غير مسملة
له، فإن عبارتها دالة على تقيد أصحية الأول بما إذا لم يكن المفتي مجتهداً. ومفادها أنه
إذا كان مجتهداً لا يكون الأول هو الأصح بل غيره، وهو اعتبار قوة المدرك ويدل لهذا
ظاهر ما نقله عن ابن المبارك، وليس في كلامه أنه إذا كان مجتهداً تعين عليه العمل بما
هو أقوى دليلاً قولاً واحداً. تأمل. قوله: (ما لم يكن عنه رواية) أي قد صححها أهل
المذهب .
قوله: (إن لفظ ((وبه نأخذ وعليه العمل مساوٍ للفظ الفتوى))) دعوى هذه المساواة
مخالفة لعموم قول الرملي وغيرها، ويظهر أن قصده مناقشة الرملي قوله: (قال في خزانة
الروايات: العالم الذي يعرف معنى النصوص الخ) مقتضى عبارة الخزانة جواز العمل
بالدراية للعالم المذكور، وإن لم تكن رواية مذهبه، وليس الكلام السابق فيه لكن إذا جاز
له العمل بالدراية يجوز له العمل بالمرجوح في مذهبه بالأولى. وعبارة البحر تفيد جواز
الإفتاء بالمرجوح للضرورة، وتفيد جواز العمل به بالأولى. قوله: (المراد بالحكم الحكم
الوضعي) لفظ الحكم يطلق على الوضعي أي الخطاب الوضعي كجعل كشف العورة مانعاً
من صحة الصلاة، وجعل الدلوك علامة على طلب إقامتها، وعلى الحكم التكليفي أي
خطابه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً، وعلى وصف فعل المكلف
كالوجوب والحرمة والصحة والفساد والنفوذ واللزوم والمتعين إرادته عنا الأخير. قوله:
(على أن في دعوى الاتفاق نظراً) فيه أن الشارح لم يدّع الإتفاق بل أشار للخلاف بقوله
((وهو المختار)) فيكون حاصل كلامه أن حكاية الاتفاق على بطلان الرجوع عن التقليد هو
المختار. قوله: (قضى بغير رأيه عمداً الخ) ونسياناً نفذ عنده رواية واحدة.

١٣
مقدمة
قوله: (وحينئذ فلا إشكال) أي للجواب المذكور في التحرير، أي فالاختلاف بين
الإمام وصاحبيه في النفاذ وعدمه المذكور هنا لا ينافي الاتفاق المنقول عن الأصوليين على
عدم الحل لاختلاف موضعي الاتفاق والاختلاف. نعم ما ذكر في بعض المواضع من أن
الخلاف في لحل مشكل بما قالوه من الاتفاق على عدمه وقد يدفع بعدم اعتباره الأصوليين
له لضعفه أو بحمله على ما قبل الاجتهاد، وحمل قولهم على ما بعده إذا لم يوجد فيه ما
يدلى على جريانه فيما بعده أيضاً، والأولى تأخير قوله: ((نعم وقع في بعض المواضع)) الخ
عن قوله فلا إشكال. قوله: (لا حاجة إليه لأنه إذا كان معزولاً بالنسبة لما ذكر لا يصح له
قضاء حتى ينقض لأن النقض الخ) فيه أن قضاءه لم يقع باطلاً بل وقع غير نافذ. وسيأتي
في كتاب القضاء دخول الفضولي في القضاء. قوله: (ولكن لا محل لذكر هذا هنا الخ) فيه
أنه قد يتوهم من عدم نفاذ قضاء المقلد بخلاف مذهبه عدم وجوب امتثال أمر الأمير إلا إذا
وافق مذهبه، فدفع هذا التوهم بالاستدراك بقوله ((نعم)) الخ وقوله ((وإن كان المراد به
القضاء» الخ فيه أن ما مر لا ينافي ما هنا لأنه لم يحك هنا نفاذ قضاء الأمير بالقول الضعيف
حتى يتأتى التنافي المستفاد من كلامه، بل حکی نفاذ حكمه إذا صادف فصلاً مجتهداً فيه،
ويظهر أنه لا يتعين عليه الحكم بمذهبه بخلاف القاضي، ويفرق بين حكمه بالضعيف
وحكمه بمذهب الغير ولا يمكن الجزم بعدم نفاذ حكمه بخلاف مذهبه إلا بعد وجود النص
به. فلتنظر عبارة شرح السير المنقول عنها حتى يتضح الحال. ثم رأيت في شرح الدر من
باب العدّة ما نصه: القاضي إذا خالف مشهور مذهبه لا ينفذ حكمه في الأصح كما لو
ارتشى إلا أن نص السلطان على العمل بغير المشهور فيسوغ. اهـ. وكتب عليه المحشي ما
نصه: قوله ((إلا إن نص السلطان)) الخ فيه نظر لاقتضائه أن مخالفة القاضي مشهور المذهب
تصح إذا نص له السلطان مع أنا قدمنا في هذا الباب ما مر أول الكتاب من أن الحكم والفتيا
بالقول المرجوح جهل وخرج للإجماع اهـ.
قوله: (كقولهم صلاة الظهر) فإن الأصل صلاة وقت الظهر. قوله: (فيه أمران الأول
الخ) بل رد هذا التقسيم في رسالة النافع الكبير المن يطالع الجامع الصغير، وبالغ في رده
نقلاً عن هارون بن بهاء الدين الحنفي، ولا بأس بسرد عبارته وهي هذه: ليت شعري ما
معنى قولهم إن أبا يوسف ومحمداً وزفر وإن خالفوا أبا حنيفة في بعض الأحكام لكنهم
يقلدونه في الأصول؟ ما الذي يريدونه؟ فإن أرادوا منه الأحكام الإجمالية التي يبحث عنها
في كتب الأصول فهي قواعد عقلية وضوابط برهانية يعرفها المرء من حيث إنه ذو عقل
وصاحب فكر ونظر، سواء كان مجتهداً أو غير مجتهد ولا تعلق له بالاجتهاد قط، وشأن
الأئمة الثلاثة أرفع وأجل من أن لا يعرفوها، كما هو اللازم من تقليدهم غيرهم فيها
فحاشاهم ثم حاشاهم عن هذه النقيصة. وحالهم في الفقه وإن لم يكن أرفع من مالك
والشافعي فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه المخالف والموافق وجرى مجرى الأمثال
قولهم أبو حنيفة أبو يوسف، بمعنى أن البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو

١٤
مقدمة
يوسف. وقال الخطيب البغدادي: قال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور
الأمر ظاهر الفضل أفقه أهل عصره، لم يتقدمه أحد في زمانه، وكان عليّ النباهة في
العلم والحكم والقدر، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة
ونشرها وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض.
وكذلك محمد بن الحسن قد بالغ الشافعي في مدحه والثناء عليه. وقد ذكر القاضي
عبد الرحمن بن خلدون بن مالك في مقدمته أن الشافعي رحل إلى العراق ولقي أصحاب
الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق. وكذلك أحمد
ابن حنبل أخذ عن أصحاب أبي حنيفة مع وفور بضاعته في الحديث انتهى. ولكل واحد
منهم أصول مختصة تفرّد بها عن أبي حنيفة وخالفوه فيها بل قال الغزالي: إنهما خالفا أبا
حنيفة في ثلثي مذهبه. ونقل النووي في تهذيب الأسماء عن أبي المعالي الجويني أن كل ما
اختاره المزني أرى أنه تخريج ملحق بالمذهب لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان
أصول صاحبهما. وأحمد بن حنبل لم يذكره الإمام أبو جعفر الطبري في عداد الفقهاء،
وقال إنما هو من حفاظ الحديث فكيف يكون من المجتهدين في الشرع دون أبي يوسف
ومحمد وزفر؟ غير أنهم لحسن تعظيمهم في الأستاذ وفرط إجلالهم لمحله ورعايتهم لحقه
تشمروا على تنوير شأنه، وتوغلوا في انتصاره والاحتجاج بأقواله، وروايتها للناس ونقلها
لهم، وتجردوا لتحقيق فروعها وأصولها وتعيين أبوابها وفصولها، ومن ذلك الوجه امتازوا
عن المخالفين كالأئمة الثلاثة والأوزاعي وسفيان وأمثالهم لا لأنهم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد
المطلق في الشرع، ولو أنهم أولعوا بنشر آرائهم بين الخلق لكان كل ذلك مذهباً منفرداً عن
مذهب أبي حنيفة، وإن أرادوا منه الأدلة الأربعة فلا سبيل له إلى ذلك لأن الشريعة مستند
كل الأئمة. وقد نقل أبو بكر القفّال وأبو علي والقاضي حسين من الشافعية أنهم قالوا: لسنا
مقلدين للشافعي بل وافق رأينا رأيه. وهو الظاهر من حال الإمام أبي جعفر الطحاوي في
أخذه بمذهب أبي حنيفة واحتجاجه له وانتصاره لأقواله.
ثم إن قوله في الخصاف والطحاوي والكرخي أنهم لا يقدرون على مخالفة أبي
حنيفة لا في الأصول ولا في الفروع ليس بشيء فإن ما خالفوه فيه من المسائل لا يعدّو
ولا يحصى ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقوال مستنبطة بالقياس والمسموع،
واحتجاجات بالمعقول والمنقول على ما لا يخفى على من تتبع كتب الفقه والخلافيات.
ثم إنه عدّ أبا بكر الرازي الجصّاص من المقلدين الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً،
وهو ظلم عظيم في حقه وتنزيل له عن رفيع محله، ومن تتبع تصانيفه والأقوال المنقولة
عنه علم أن الذين عدهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعده كلهم عيال لأبي بكر
الرازي، ومصداق ذلك دلائله التي نصبها لاختياراته وبراهينه التي كشف بها عن وجوه
استدلالاته، نشأ ببغداد التي هي دار الخلافة ومدار العلم والرشاد، ورحل في الأقطار،
ودخل الأمصار، وأخذ الفقه والحديث عن المشايح الكبار.

١٥
مقدمة
وقال شمس الأئمة الحلواني فيه: هو رجل كبير معروف في العلم وإنّا نقلده ونأخذ
بقوله. وذكر في الكشف الكبير ما يدل على أنه أفقه من أبي منصور الماتريدي، ثم
الحلواني ومن ذكر بعده وعدّهم من المجتهدين كلهم تنتهي سلسلة علومهم إلى أبي بكر
الرازي، فقد تفقه عليه أبو جعفر الأستروشني، وهو أستاذ القاضي أبي زيد الدبوسي،
والقاضي حسين بن خضر النسفي أستاذ شمس الأئمة الحلواني. ومعلوم أن السرخسي من
تلامذته وقاضيخان من أصحاب أصحابه، فلعله نظر إلى قولهم كذا على تخريج الرازي
فظن أن وظيفته في الصناعة هي التخريج فحسب، وأن غاية شأنه هذا القدر. ثم إنه جعل
القدوري وصاحب الهداية من أصحاب الترجيح، وقاضيخان من المجتهدين مع تقدم
القدوري على شمس الأئمة زماناً وكونه أعلى منه كعباً وأطول باعاً، فكيف من قاضيخان؟
،وأما صاحب الهداية فهو المشار إليه في عصره، المعقود عليه الخناصر في دهره، وقد
ذكر في الجواهر وغيره أنه أقر له أهل عصره بالفضل والتقدم كالإمام فخر الدين قاضيخان
وزين الدين العتابي وغيرهما وقالوا: إنه فاق على أقرانه حتى على شيوخه في الفقه،
فكيف ينزل شأنه عن قاضيخان؟ بل هو أحق منه بالاجتهاد وأثبت في أسبابه. اهـ.
ملخصاً. قوله: (يعني أهل الطبقة السابعة) يظهر أن المراد أهل الطبقة السادسة أيضاً فإنه
ليس شأنهم الترجيح بل التمييز بين القوي والأقوى. قوله: (ويتوقف إطلاقه عليه تعالى
على التوقيف الخ) أنظر ما تقدمت كتابته في البسملة عن الشهاب.

كتاب الطهارة
قوله: (فإنه قد لا يشترط الخ) كل من ستر العورة واستقبال القبلة خارج بقيد اللزوم
في كل الأركان لا بقيد الاختصاص، وكونهما لا يشترطان في بعض الأحيان للعذر لا
ينافي الاختصاص بها، فلا يصح أن يجعلا خارجين به. فعلى هذا تظهر فائدة قوله ((لازم
لها في كل الأركان)). ثم على كلام الشارح يبقى التنافي بين قوله أوّلاً («لازم لها في كل
الأركان)) وبين ما استقرّ عليه رأيه من سقوطها في مسألة الظهيرية فإن لزومها في كل
الأركان يقضي بعدم السقوط هذا ما ظهر، فحينئذ نحتاج للجواب الآتي عن الحموي.
وقال السندي في الجواب عن فرع الظهيرية: لقائل أن يقول وجوبها لا يكون إلا عند
وجود المحل الذي يلزم تطهيره ولم يوجد هنا، فكيف يتأتى السقوط مع عدم الوجوب؟
اهـ. وهذا مؤدّي ما أجاب به الحموي. قوله: (على أنه سيذكر عن الفيض أن الطهارة قد
تسقط أصلاً الخ) فيه أن ما يأتي عن الفيض صورة صلاة لا صلاة حقيقة كما سيذكره عن
ط فلا ينافي ما هنا، تأمل.
قوله: (وإن كان شرطاً كما هو المتبادر من كلام القنية ورد عليه ما في الحلية الخ)
ذكر المحشي في باب صفة الصلاة بعد ذكره ما بحثه في الحلية لا يبعد القول بسقوط
الأداء عمن وصل إلى هذه الدرجة، فإن من لا يمكنه معرفة أيّ صلاة يصلي بمنزلة
المجنون. ويذكر المصنف في باب صلاة المريض أنه لو اشتبه على المريض أعداد
الركعات أو السجدات لنعاس يلحقه لا يلزمه الأداء. اهـ. لكن الظاهر اعتماد ما في
الهداية. قوله: (أقول وهذا مؤيد لما بحثه في الحلية الخ) حيث جعل الكفر فيما إذا كان
على وجه الاستخفاف. قوله: (وأراد باللقب العلم إذ ليس فيه ما يشعر برفعة المسمى أو
بضعته) قد يقال: إن هذا المركب لما اشتمل عليه من معنى جمع النظافة بحسب أصل
معناه فيه إشعار برفعة مسماه، كما لو سميت شخصاً بجمع الطهارة أو سميته بجمع
النجاسة المشعر بضعته، فيظهر أنه لا مانع من جعله لقباً حقيقة كما قاله الشارح. وقوله
((وكان ينبغي له أن يذكر قبل ذلك حده اللقبي)) فيه أنه مقتضى الراجح لا يمكن حده قبل
مفرديه فكيف يتأتى له أن يذكر حده اللقبي أوّلاً؟ وقوله و ((أما قوله جعل شرعاً عنواناً))
الخ يظهر أنه بيان للمعنى اللقبيّ لا لخصوص معنى المضاف لكن لا باعتبار خصوص
إضافته إلى الطهارة بل أعم منها ومن غيرها، إذ لا يعلم المضاف من حيث إنه مضاف
١٧

١٨
كتاب الطهارة
حتى يعلم ما أضيف إليه فلا يمكن بيان معنى المضاف وحده من حيث إنه مضاف، فلذا
اضطرّ لبيان المعنى اللقبي.
قوله: (وأما توقف فهم معناه العلمي على فهم معنى جزأيه ففي حيز المنع الخ) هذا
غير ظاهر فإن التوقف لا لخصوص المعنى العلمي أعني المسمى بل للمعنى اللقبي الذي
فيه إشعار برفعة المسمى أوضعته، ولا شك أن معرفة كونه مشعراً لا تكون إلا بعد معرفة
مفرديه فمن أجل ذلك جاء التوقف فلهذا رجحوه. نعم على ما مشى عليه من إرادة العلم
من اللقب يتم ما قاله لكن ليس الخلاف إلا في اللقب، ولم يذكروه في العلم حتى يتم ما
ذكره من ترجيح القول الثاني: تأمل. قوله: (عدل عن قول البحر والعناية هو جمع
الحروف لما أورد عليه الخ) يمكن أن يقال: عرف اللغة خصه بجمع الحروف ومرادهما
بيان معناه في عرفها، وإن كان أصل معناه مطلق الجمع. قوله: (وبيان ذلك مع ما يراد
عليه في رسالتنا الخ) وجه المحشي في الرسالة الحالية بما لفظه: قلت: الظاهر أن يكون
حالاً على تقدير مضاف من المحدود ومضافين من المنصوب، والأصل تفسيرها موضوع
أهل اللغة ثم حذف المضافان على حد فقبضت قبضة من أثر الرسول، ولما أتيب الثالث
عما هو الحال بالحقيقة التزم تفكيره لنيابته عن لازم التنكير.
قوله: (بمعنى عدم توقف تصوّرها على شيء قبلها أو بعدها) هكذا فسر الاستقلال
في البحر. ويرد عليه دخول كثير من الأبواب في التعريف كالوضوء والتيمم والمسح على
الخفين ونحوها من كل باب يمكن تصور مسائله بدون توقف على شيء قبله أو بعده.
وقال نوح أفندي: المراد بالاستقلال هنا الاستلال الاعتباري فإن كتاب الطهارة وإن كان
تابعاً لكتاب الصلاة لكنه اعتبر مستقلاً لكونه مفتاحاً، وكتاب الصلاة وإن كان مستتبعاً
للطهارة إلا أنه اعتبر مستقلاً لكونه المقصود الأصلي. اهـ. فعلى هذا يخرج بقيد
الاستقلال الباب والفصل لعدم استقلالهما لدخولهما تحت الكتاب، والكتاب قد يكون
تابعاً وقد لا يكون بخلاف الباب فلا بد من كونه تابعاً. وقد يجاب عن صاحب البحر
باعتبار الحيثية على وجه ما ذكره المحشي. تأمل. قوله: (وزاد بعضهم مطلقاً الخ) أي
سواء كان تابعاً أو مستتبعاً أولاً ولا بخلاف الباب فإنه لا بد وأن يكون تابعاً أو مستتبعاً في
الواقع فقد اشتركا في اعتبار الاستقلال لمسائل كل منهما إلا أن الكتاب إسم للمسائل
المعتبر استقلالها سواء كانت مستقلة في الواقع أولاً، والباب إسم للمسائل المعتبر
استقلالها مع اشتراط كونها في الواقع تابعة أو متبوعة، هذا هو المقصود بهذه العبارة وإن
كان فيها قلاقة. تأمل. قوله: (وقد يقال إن الملحوظ في الكتاب مجنس المسائل الخ) فيه
أن لخط المسائل باعتبار جنسها أو نوعها أو فصلها لا دلالة عليه والحيثية تعتبر إذا ظهرت
أو وجد في الكلام ما يشعر بها وليس شيء من ذلك موجوداً هنا. تأمل.
قوله: (وقد استعملت) أي شرعاً كما هو عبارة النهر. قوله: (فيشمل أيضاً الوضوء

١٩
كتاب الطهارة
على الوضوء) نعم يشمل ذلك إلا أنه يشمل أيضاً الطهارة الحاصلة بالحج المبرور أو
بالتوبة، فإنها طهارة عن خبث معنوي إلا بملاحظة اعتبار الآلة. تأمل. قوله: (ليشمل
الطهارة الأصلية) أي الموجودة في الأشياء أصالة قبل تنجسها. قوله: (وعن قول النهر
إزالة ليشمل النظافة بلا قصد) صاحب النهر عزّفها بما ذكره الشارح من أنها نظافة المحل
عن النجاسة حقيقية كانت أو حكيمة، ولم يخالفه. واعترض على البحر في تعريفه
بالزوال لأمرين ظاهرين لم يذكرهما، وبيّنھما أبو السعود فقال: أحدهما دخول أوفى
التعريف، وثانيهما أن هذا العلم باحث عن أفعال المكلفين فالأولى التعبير بالإزالة على ما
ذكره ط فكأن المشحي سلم لأبي السعود هذا البيان، وأنه مراد صاحب النهر فنسب له أنه
عبّر بالإزالة. تأمل. قال السندي نقلاً عن المقدسي عازياً للتوشيح: استعملت الطهارة
شرعاً في ثلاث: في الحالة التي يثبت عندها تعلق المعنى الشرعي الذي هو الإذن فيما
كان ممنوعاً لولاها كاستباحة الصلاة، وفي الفعل الذي جعل علامة على ذلك التعلق
كالوضوء، وفي نفس الحكم الشرعي نحو طارة الماء دون نجاسته. اهـ. قال: وما ذكره
الشارح هو المعنى الثاني. اهـ. وعليه لا يرد على صاحب البحر الطهارة الأصلية. تأمل.
قوله: (وأورد عليه أن اللام تبطل الجمعية لأنها مجاز عن الجنس) أي فإرادة الأنواع
يحتاج إليها أن لو بقي الجمع على بابه. اهـ. نهر. قوله: (قيل جمعها باعتبار الحاصل
بالمصدر) جواب آخر عن إيراد أن المصدر لا يثنى ولا يجمع، وليس هذا إيراداً آخر.
وعلى هذا لا يصح له ذكر قوله: ((فإن قيل المصدر)) الخ هنا فإنه هو الذي أجاب عنه
بقوله: ((ومن جمع)) الخ قوله: (إذ لا يمكن تقدير الوجوب) لعدم الوجوب في كل الأفراد
قوله: (أقول يرد عليه أن سبب الشيء متقدم عليه الخ) هذا مسلم واللزوم بعده غير مسلم
وتعليله عقيم، لأن مقارنة الإرادة للشروع لا تنفي تقدمها عليه أيضاً فإنها سابقة وممتدة
لحين الشروع، ولم يدع أحد أن السبب هو الإرادة المقارنة خاصة حتى يرد عليه أنه يلزم
أن لا تجب الطهارة قبل الشروع، وهي باستلحاقها له تبين أنها سبب للطهارة من حين
وجودها لا أن ما قارن الشروع منها هو السبب .. قوله: (أقول فيه أن صلاة الظهر قبل
وقتها تنعقد الخ) مراد الحلبي أنه عزم قبل دخول الوقت على الصلاة الآتية لا أنه أراد
صلاتها حين العزم قبل دخوله حتى يرد عليه ما قاله، فكأنه فهم أن الظرف راجع لصلاة
الظهر لا لقوله أراد.
قوله: (قال بعض الفضلاء في كون هذا التعريف تعريفاً بالحكم نظر الخ) فيه أن
المانعية مصدر المبني للفاعل أي منع المانع، وهو الوصف الشرعي وأثر مترتب على هذا
الوصف وخارج عنه، وقد سبق له أن الحامدية مصدر المبني للفاعل والمحمودية مصدر
المبني للمفعول، وكما أن ما ذكره من أحكام الحدث اكذلك منع هذا الوصف من الصلاة
ولا شك في ترتب ذلك عليه. قوله: (أو القيام إليها) ما لم يشرع فيها غير متطهر.
سندي. قوله: (الظاهر أنه أراد بالوجوب وجوب الأداء) أي المنفى في قوله ((على أنه لا

٢٠
كتاب الطهارة
يجب)) الخ قوله: (موافقة الأمر مستجمعاً ما يتوقف عليه) أي بقدر وسع العبد قوله:
(والظاهر كما قال ط أن هذا الشرط مغن الخ) إنما يأتي هذا الاستظهار لو قال: ماء
مطلق، الناظم إنما قال: مطلق ماء وفرق بينهما بناء على ظاهره قول الشارح (المرض
والسفر) ليس السفر في الحقيقة مبيحاً إنما المبيح فقد الماء، وإنما عبّر عنه لغلبته فيه
إطلاقاً لاسم السبب على المسبب. اهـ. من السندي. قوله: (فإنه لو قال آمنتم لاختص
بالحاضرين الخ) قال في التحرير: الخطاب الشفاهيّ ك ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ليس خطاباً
لمن بعدهم أي للمعدومين الذين سيوجودن بعد الموجودين في زمن الخطاب، وإنما
يثبت حكمه أي الخطاب الشفاهي لهم، أي لمن بعدهم، بخارج من نص أو إجماع أو
قياس. وقالت الحنابلة وأبو اليسر: هو خطاب لهم. اهـ. وبه علم أن الاختصاص إنما
يأتي من الخطاب وإن كانت الصفة عامة فسقط ما قاله في غاية اليبان.
قوله: (لكن في النهاية لا يقال أن الغسل سنة الخ) ما قاله من الإيراد، والجواب لا
يدفع ما قرره ط من تنوع الغسل والتيمم إلى مندوب وسنة، لكن تنوعهما إليهما بالنظر
لذاتهما لا لخصوص ما دلت عليه الآية وهو القيام للصلاة فلا يطلبان فيه إلا إذا كان جنباً
فلا يطلب تجديد غسل أو تيمم لها، وإن كانا يطلبان في مواضع أخر بخلاف الوضوء فإنه
يطلب تجديده لها كما يطلب في غيرها، فكلام الشارح في محله ولا يرد ما قرره. ط .
تأمل. قوله: (والمخلص من ذلك كله أن نقول إطلاق الفرض عليهما حقيقة الخ) لا يتم
ما ذكره في دفع الإشكال إلا بدعوى أنه موضوع لكل منهما بوضع واحد في الإصطلاح،
أما لو كان موضوعاً لكل منهما بوضع مستقل يلزم استعمال المشترك في معنييه بخلافه
على الأول، فإنه من استعمال الكلي في فرديه، وهذا لا مانع منه. وكذا يقال في عبارة
النهاية. تأمل. قوله: (ليست بأركان) أي لعدم كونها داخل الماهية ولا شروط، إذ لو
فات الترتيب لزم إعادته، ولو كان شرطاً لفسدت الصلاة لفوات شرطها. وقد يقال: إنها
شروط وعدم الفساد لا يدل على عدم الشرطية، لأنه قد تدارك ما فعله من عكس
الترتيب، فلم يتحقق الترك بالكلية حتى تفسد غاية الأمر أنه زاد ما دون الركعة، وهو غير
مفسد، كمن ترك سجدة من الركعة الأولى ثم تداركها لا تفسد صلاته مع أنها ركن،
فبالأولى أن لا تفسد إذا ترك شرطاً ثم تداركه.
قوله: (وعرفاً إصابة الماء العضو) أي سواء كانت باليد أولاً فلو أصابه مطر أجزأه
وإن لم يمسحه بيده. قوله: (مقابله قول الحاكم بالمنع) وفق الرحمتي بين روايتي الصحة
وعدمها على ما نقله السندي بحمل المشهور على ما إذا بقي بلل في كفه بعد إسالة الماء
على ذراعه اليسرى من غير أن يدلكيه، وحمل مقابله على ما إذا دلك العضو المغسول
بعد إسالة الماء عليه لتحقق الاستعمال فيما بقي في الكف ولا يحمل على اختلاف الرواية
إلا عند عدم إمكانه، وهو هنا ظاهر لا تكلف فيه. اهـ. فتأمله. ونقل السندي أيضاً عن
التتارخانية: ولو كان في كفه بلل فمسح به رأسه أجزأه، وقال الحاكم الشهيد: هذا إذا لم