النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة فله الرجوع اتفاقاً. فرع: عبد عليه دين أو جناية خطأ فوهبه مولاه لغريمه أو لولي الجناية سقط الدين والجناية، ثم لو رجع صح استحساناً، ولا يعود الدين والجناية عند محمد ورواية عن الإمام، كما لا يعود النكاح لو وهبها لزوجها ثم رجع. خانية وإن وقعت التضحية الله تعالى لكنها إنما وقعت القربة بإراقة الدم، ولذا له أن يأكل لحمها، فلم تخرج عن ملكه بالكلية، وهذا ظاهر في الأضحية. وأما في النذر فكذلك كما علمت. قوله: (فله الرجوع اتفاقاً) لأنها لم تخرج عن ملكه أصلاً. قوله: (سقط الدين والجناية) كما قدمناه. وصورة المسألة: رجل له على عبد دين فوهبه مولاه لصاحب الدين وقبله سقط دينه، لأن بقبوله الهبة كان راضياً بإسقاط حقه في الدين وأرش الجناية لأنهما يتعلقان برقبة العبد، ولا يرجع على العبد بشيء لأن السيد لا يستوجب حقاً على عبده. قوله: (ثم لو رجع) أي الواهب في هبته. قوله: (صح استحساناً) وفي القياس لا يصح رجوعه في الهبة؛ لأنه رضي بسقوط حقه ليسلم له العبد فكان بمنزلة العوض وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة والمعلى عن أبي يوسف وهشام عن محمد، وعلى قول أبي يوسف: إذا رجع في الهبة يعود الدين والجناية، وأبو يوسف استفحش قول محمد وقال: أرأيت لو كان على العبد دين لصغير فوهبه مولاه منه فقبل الوصي وقبض فسقط الدين؛ فإن رجع بعد ذلك لو قلنا لا يعود الدين كان قبول الوصي الهبة تصرفاً مضراً على الصغير ولا يملك ذلك، ووجه الاستحسان أنه لم ينص على العوض فكان إسقاطاً محضاً، وكانت الهبة خالية عن العوض لأن شرط العوض أن يقول: هو عوض عن هبتك كما مر، ولم يوجد. قال بعض الأفاضل: والذي يظهر ما قاله أبو يوسف، لأن الشيء ينتهي بانتهاء علته وعلة سقوط الدين الملك ولم يبق الملك فيعود الدين، كمن له على آخر دين مؤجل فقضاه قبل الأجل فاستحق ذلك عاد الدين مؤجلاً؛ لأنه لما بطل القضاء بالاستحقاق بطل، وهو سقوط الأجل، فتأمل اهـ. فرع: صبيّ له على مملوك وصيه دين فوهب الوصي عبده للصبي، ثم أراد الوصي الرجوع في ظاهر الرواية له ذلك، وعن محمد المنع. بزازية. قوله: (ورواية عن الإمام) لأن الساقط لا يعود كماء قليل نجس دخل عليه الماء الجاري، حتى كثر وسال ثم عاد إلى القلة لا يعود نجساً. وقال أبو يوسف: يعود الدین حكماً كما كان، لأن زوال الدین کان حكماً لملكه الموهوب له وقد بطل الملك كما في المنح. قوله: (كما لا يعود النكاح) وذكر الصدر الشهيد أنه يعود. قال في الخانية: وأما مسألة النكاح ففيها روايتان عن أبي يوسف. في رواية: إذا رجع الواهب يعود النكاح اهـ. ٦٤٢ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة (والزاي الزوجية وقت الهبة فلو وهب لامرأة ثم نكحها رجع ولو وهب لامرأته لا) کعكسە. فرع: لا تصح هبة المولى لأم ولده ولو في مرضه، ولا تنقلب وصية إذ لا بد وفي الهندية بعد ما ذكره عن الصدر الشهيد: وذكر محمد في الكتاب في مواضع أنه بالرجوع في الهبة يعود إلى الواهب قدیم ملکه، والمراد منه العود إلى قدیم ملکه فيما يستقبل لا فيما مضى؛ ألا ترى أن من وهب مال الزكاة من رجل قبل الحول وسلمه إليه ثم رجع في الهبة بعد الحول لا يجب على الواهب زكاة ما مضى اهـ. فلم يجعل قديم ملكه عائداً إليه في حق زكاة ما مضى، وكذلك من وهب من آخر داراً وسلمها إلى الموهوب له ثم بيعت دار بجنبها، ثم رجع الواهب فيها لم يكن للواهب أن يأخذها بالشفعة ولو عاد إليه قديم ملكه فيما مضى وجعل كأن الدار لم تزل عن ملكه لكان له الأخذ بالشفعة اهـ. وعزاه للذخيرة. قوله: (والزاي) فيها لغات، فمدها بعض العرب، ومنهم من يقول زاي، ومنهم من يقول زا فيقصرها، ومنهم من ينون فيقول زاً، وهذا أقبح الوجوه لأنه لم يأت اسم على حرف، ومنهم من يقول زيّ فيشدد الياء. أبو السعود عن ابن عبدون. قوله: (فلو وهب لامرأة الخ) الأصل الزوجية نظير القرابة حتى يجري التوارث بينهما بلا حاجب وترد شهادة كل واحد للآخر فيكون المقصود من هبة كل منهما للآخر الصلة والتوادد دون العوض، بخلاف الهبة للأجنبي فإن المقصود منها العوض؛ ثم المعتبر في ذلك حالة الهبة، فإن كانت أجنبية كان مقصوده العوض فثبت له الرجوع فيها فلا يسقط بالتزويج، وإن كانت حليلته كان مقصوده الصلة دون العوض وقد حصل فسقط الرجوع فلا يعود بالإبانة اهـ. زيلعي ملخصاً. قوله: (لا) أي لا يرجع، ولو فارقها بعد ذلك لا يملك الرجوع لقيام الزوجية وقت الهبة. قوله: (كعكسه) أي لو وهبته لرجل ثم نكحها رجعت، ولو لزوجها لا وإن فارقها، والأولى أن يقول: كما إذا كانت هي الواهبة فيهما. قوله: (ولو في مرضه) قال في الأصل: ولا يجوز هبة المريض ولا صدقته إلا مقبوضة، فإذا قبضت جازت من الثلث، وإذا مات قبل التسليم بطلت. ويجب أن يعلم بأن هبة المريض هبة عقد أو ليست بوصية واعتبارها من الثلث ما كان لأنها وصية، ولكن لأن حق الورثة يتعلق بالمريض وقد تبرع بالهبة فيلزم تبرعه بقدر ما جعل الشرع له وهو الثلث وإذا كان هذا التصرف هبة عقد اشترط له سائر شرائط الهبة، ومن جملتها قبض الموهوب قبل موت الواهب اهـ. محيط. قوله: (ولا تنقلب وصية) لما علمت أن هبة المريض هبة عقداً، وهي ليست بأهل لقبضها لأنها لو قبضتها لكانت ملكاً له، ويستحيل أن يملك الإنسان لنفسه. وأيضاً أفاد أن قولهم الهبة في مرض الموت وصية أنها تنعقد هبة، وتنقلب وصية وشرط الهبة القبض، وأم الولد محجورة لقيام الملك حال حياة المولى ولا يد ٦٤٣ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة للمحجور، أما لو أوصى لها بعد موته يصح لعتقها بموته فيسلم لها كافي (والقاف القرابة، فلو وهب لذي رحم محرم منه) نسباً للمحجور، فلا يتأتى منها القبض ولا يمكن أن تصير مأذونة في تلك الهبة؛ لأنها لا تملك ما دامت رقيقة، أما لو أوصى لها فإنها تمليك بعد الموت وهي حرة بعد موت مولاها فتصح الوصية. قوله: (لعتقها بموته) ويعتبر القول بعد الموت والتمليك واقع لها بعده. قوله: (والقاف القرابة) أي القريبة إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك. قال في الدرر: فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته إلى الإنفاق، ويسمى ذلك رجوعاً نظراً إلى الظاهر، وإن لم يكن رجوعاً حقيقة على أن هذا الحكم غير مختص بالهبة، بل الأب إذا احتاج فله الأخذ من مال ابنه، ولو غائباً كما ذكر في باب النفقات. قال صدر الشريعة: ونحن نقول به: أي لا ينبغي أن يرجع إلى الوالد فإنه يتملك للحاجة، فتوهم بعض الناس أن قوله ونحن نقول به أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه عندنا أيضاً مطلقاً، وهو وهم باطل منشؤه الغفلة عن قوله فإنه يتملكه للحاجة، فإن مراده ما ذكرنا، حتى لو لم يحتج لم يجز له الأخذ من مال ابنه، فإن ما توهمه مخالف لتصريح علمائنا كقاضيخان وغيره أن قرابة الأولاد من جملة الموانع اهـ. ولهذا لم يتعرض الشارح رحمه الله تعالى لتخصيص القرابة بغير الأب بل تركه على العموم اتكالاً على ما تقرر أن للأب أن يتناول من مال ابنه عند الحاجة بقدرها. قوله: (لذي رحم محرم) خرج من کان ذا رحم وليس بمحرم، ومن کان محرماً وليس بذي رحم. درر. فالأول کابن العم، فإن كان أخاه من الرضاع أيضاً فهو خارج أيضاً، واحترز عنه بقوله نسياً، فإنه ليس بذي رحم محرم من النسب كما في الشرنبلالية والثاني کالأخ رضاعاً. قال السمرقندي: الرحم صاحب القرابة، والمحرم هو الذي يحرم مناکحته اهـ. وإنما لا يرجع فيها لقوله عليه الصلاة والسلام ((إِذَا كَانَتِ الهِبَةُ لِذي رَحمِ مَخْرَمٍ لَمْ يُرْجِعْ فیھا)»(١) ولأن المقصود منها صلة الرحم وقد حصل، وفي الرجوع قطيعة الرحم اهـ. زيلعي. قوله: (منه) صفة محرم، والضمير في منه للرحم، فخرج الرحم غير المحرم كابن العم والمحرم غير الرحم كالأخ رضاعاً والرحم المحرم الذي محرميته لا من الرحم كابن عم هو أخ رضاعاً، وعلى هذا لا حاجة إلى قوله نسباً. نعم يحتاج إليه لو جعل الضمير للواهب ليخرج به الأخير. تدبر. قوله: (نسباً) حال من محرم، فلو كان الرحم محرماً من الرضاع (١) أخرجه البيهقي في السنن ١٨١/٦ والدارقطني ٣/ ٤٤ والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٢ وذكره الزيلعي في نصب الراية ١٢٦/٤. ٦٤٤ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة (ولو ذمياً أو مستأمناً لا يرجع) شمني (ولو، وهب لمحرم بلا رحم كأخيه رضاعاً) ولو ابن عمه (ولمحرم بالمصاهرة كأمهات النساء والربائب وأخيه وهو عبد لأجنبي أو لعبد أخيه رجع، ولو كانا) أي العبد ومولاه (ذا رحم محرم من الواهب فلا أو المصاهرة لا يمتنع الرجوع لعدم وجوب صلته، ولذا لا يجب إنفاقه عليه عند عجزه وإن كانت صلته مندوباً إليها. قوله: (ولو ذمياً أو مستأمناً) لأنه واجب الصلة ومحل للصدقة لقوله تعالى: ﴿لَا يَتْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يخرِ جُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَنْ تَبروھمْ﴾ [الممتحنة: ٨] ولقبول الذمة والأمان فقد ترك المقاتلة. قال القهستاني: ومثلهما الحربي. قوله: (بلا رحم) أي بلا رحم موجب للمحرمية، وإن صار له رحم بالرضاع والمصاهرة فإنه لا يمنع الرجوع. قوله: (ولو ابن عمه) أي ولو كان أخوه رضاعاً ابن عمه وهذا خارج بقوله ((منه)) أو بقوله ((نسباً) لأن محرميته ليست من النسب بل من الرضاع، ولا يخفى أن وصله بما قبله غير ظاهر، لأن قوله المحرم بلا رحم)) لا يشمله لكونه رحماً، إلا أن يقال قوله بلا رحم الباء فيه للسببية: أي لمحرم بسبب غير الرحم كالباء في قوله بعده بالمصاهرة. تأمل. قوله: (ولمحرم) عطف على لمحرم فلا يمنع الرجوع. قوله: (كأمهات النساء والربائب) ومثلهم أزواج البنين والبنات. خانية. قوله: (وأخيه وهو عبد لأجنبي) أي لأن الهبة لم تقع له حينئذ بل لمولاه، لأن العبد لا يملك، وإن تملك فهو وما في يده لسيده، وفي ألغاز الأشباه: أي أب وهب لابنه وله الرجوع، فقل إذا كان الابن مملوكاً لأجنبي. قال الحموي: وإنما قيد بكونه مملوكاً لأجنبي لأنه إذا كان مملوكاً لقريب ذي رحم محرم منه تكون الهبة واقعة للقريب والهبة للقريب لا رجوع فيها، وإنما قيد القريب بكونه ذا رحم لإمكان تصور المسألة، وإلا فلا يمكن تصورها. قوله: (أو لعبد أخيه) أي وهو أجنبي لأنه لم يهب للأخ صورة، وإن وقعت للأخ في الحقيقة لقيام الشك في المانع فلا يثبت مع الشك، ولأن الملك لم يقع فيها للقريب من كل وجه، بدليل أن العبد أحق بما وهب له إذا احتاج إليه، وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: يرجع في الأولى دون الثانية. منح عن البحر، ومثله في شرح المجمع. قوله: (رجع) أي في كل الصور عند الإمام وقالا يرجع في الأولى لا في الثانية كما علمت لأن الملك يقع للمولى، فكان هو المعتبر وللإمام أن الهبة تقع للمولى من وجه وهو ملك الرقبة وللعبد من وجه وهو ملك اليد؛ ألا ترى أنه أحق به ما لم يفضل عن حاجته، فباعتبار أحد الجانبين يلزم فيهما وباعتبار الجانب الآخر لا يلزم فيهما فلا يلزم بالشك، ولأن الصلة قاصرة في حق كل واحد منهما لما ذكرنا في المعنى والصلة الكاملة هي المانعة من الرجوع، فلا تتعدى إلى قاصرة. قوله: (ولو كان ذا رحم محرم من الواهب) بأن كان أخوه لأبيه عبداً لأخيه من أمه اهـ. سري الدين عن المبسوط أي لأن الهبة في الصورة ٦٤٥ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة رجوع فيها اتفاقاً على الأصح) لأن الهبة لأيهما وقعت تمنع الرجوع. بحر. فرع: وهب لأخيه وأجنبي ما لا يقسم فقبضاه له الرجوع في حظ الأجنبي لعدم المانع. درر (والهاء هلاك العين الموهوبة ولو ادعاه) أي الهلاك (صدق بلا حلف)، لأنه ينكر الرد (فإن قال الواهب هي هذه) العين (حلف) المنكر (أنها ليست وقعت لذي الرحم وكذا في الحقيقة فامتنع الرجوع للوجهين، ولو عجز قريبه المكاتب، فعند محمد: لا يرجع خلافاً لأبي يوسف، وإن أعتق لا رجوع. منح. فأفاد أنه لا يرجع ما دام مكاتباً اتفاقاً لأنه حرّ يداً، تصوير المسألة بأن يكون لرجل أختان لكل واحدة منهما ولد وأحد الولدين مملوك للآخر. قوله: (على الأصح) وذكر الكرخي عن محمد أن قياس قول الإمام أن يرجع لأنه لم يكن لكل واحد منهما صلة كاملة. قوله: (لأن الهبة الخ) أي فليس في المانع شك. قوله: (ما لا يقسم) أي ما لا يقبلها مع بقاء الانتفاع السابق كما تقدم، واحترز به عما وهب لهما ما يقسم فلا تصح لواحد منهما، لأن هبة ما يحتمل القسمة لاثنين غير صحيحة، لأنه وهب لكل منهما مشاعاً كما تقدم قبيل باب الرجوع وبقلبه لا: أي لو وهب لاثنين ما يحتمل القسمة لا يصح. قوله: (له الرجوع في حق الأجنبي) اعتباراً للبعض بالكل. مبسوط. قوله: (هلاك العين الموهوبة) أي تلف عينها أو عامة منافعها مع بقاء الملك، فلو وهبه سيفاً فجعله سكيناً أو سيفاً آخر لا يرجع لتعذر · الرجوع بعد الهلاك إذ هو غير مضمون عليه، بخلاف شاة ذبحها. زيلعي ومكي. لو استهلك البعض له أن يرجع بالباقي. بزازية: والاستهلاك كالهلاك كما هو ظاهر صرح به أصحاب الفتاوى. رملي. وأما هلاك أحد العاقدين فقد قدمه. قوله: (لأنه ينكر الرد) أي وجوبه عليه، وهذه علة لقوله صدق، ولأن دعواه الهلاك إخبار منه بهلاك ملكه وأنه لا یوجب يميناً. برهان. قال العيني: فلو ادعى الموهوب له الهلاك صدق، لأنه منكر لوجوب الرد عليه فأشبه المودع اهـ. بقي قوله: بلا حلف عزاه في الدرر وغيره إلى الكافي، ولم يذكر العلة مع أن في الوهبانية قال: إذا ادعى المودع ضياعها وحدها يستحلف، وقد قال العيني: فأشبه المودع، على أن المقرر وإن كان القول قول المنكر لكنه بيمينه، ولأن كل من أنكر ما لو أقر به لزمه يحلف عند إنكاره، وهذا لو أقر بعدم الهلاك يلزمه الرد، فلم لا يحلف عند إنكاره بدعوى الهلاك؟ والظاهر أن العلة هي عدم تأكد ملك الواهب. قال في الخلاصة: لو قال الموهوب له هلكت فالقول قوله ولا يمين عليه، وعليه الكنز وسائر المتون. قوله: (حلف المنكر أنها ليست هذه) أي ولا يحلف على الهلاك لما سبق . ٦٤٦ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة هذه) خلاصة (كما يحلف) الواهب (أن الموهوب له ليس بأخيه إذا ادعى) الأخ (ذلك) لأنه يدعي مسبب النسب لا النسب. خانية (ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما أو بحكم الحاكم)، للاختلاف فيه فيضمن بمنعه بعد القضاء لا قبله (وإذا والحاصل: أنه لا يمين عليه بدعوى الهلاك ما لم يعين الواهب عيناً ويدعي أنها هي الهبة لا الهالكة ويريد استردادها وأنكر الموهوب له ذلك، وادعى أن الموهوب غيرها حلف. قوله: (كما يحلف الواهب الخ) قال في الهندية: وإذا أراد الواهب الرجوع في الهبة فقال الموهوب له أنا أخوك أو قال عوضتك أو تصدقت به عليّ وكذبه الواهب فالقول للواهب. قوله: (الأخ) الأولى الموهوب له. قوله: (مسبب النسب) يعني المال لا النسب: أي، ولو كان المقصود النسب لا يجري فيه اليمين على قول الإمام، خلافاً لقول الصاحبين المفتى به من أن التحليف يجري في النسب. وحاصل التحقيق في هذه المسألة: أنه لو ادعى بسبب النسب مالاً لازماً وكان المقصود إثباته دون النسب، فيحلف عليه كما في المنح والطحطاوي وغيرهما حتى قال في البحر: يستحلف الواهب عند الكل لأنه ادعى بسبب النسب مالاً لازماً فكان المقصود إثباته دون النسب وعزاه لفتاوى قاضيخان من باب الاستحلاف، ونظر فيه الرحمتي بأن المال ليس بسبب النسب، بل المعنى الصحيح أن يقال: إن الأمر الذي بسببه النسب، وهو مسبب عنه، وهو لزوم الهبة وعدم صحة الرجوع فيها، وهذا يحلف منكره اتفاقاً، أما ما قاله الإمام من أنه لا تحليف في النسب: أي إذا ادعى عليه نسباً لقصد إثباته، أما هنا فالمقصود منه إثبات أمر آخر، وهو لزوم الهبة فهو المدعي في الحقيقة اهـ. فتأمل. ومسبب بضم الميم وفتح السين وتشديد الباء الأولى وفتح الثانية. قوله: (ولا يصح الرجوع إلا بتراضیهما أو بحکم الحاكم) فلو استردها بغیر قضاء ولا رضا كان غاصباً، حتى لو هكلت في يده يضمن قيمتها للموهوب له. شمني. قال قاضيخان: وهب ثوباً لرجل، ثم اختلسه منه فاستهلكه ضمن الواهب قيمة الثوب للموهوب له. لأن الرجوع في الهبة لا يكون إلا بقضاء أو رضا اهـ. وفيه: الواهب إذا رجع في هبته في مرض الموهوب له بغير قضاء يعتبر ذلك من جميع مال الموهوب له، أو من الثلث فيه روايتان ذكر ابن سماعة في القياس يعتبر من جميع ماله اهـ. قوله: (للاختلاف فيه) أي بين العلماء، فإن بعض المجتهدين يقول بعدم الرجوع، فهو ضعيف لا يثبت حكمه إلا بأحد المذكورين، وذكر في الحواشي اليعقوبية: أنه لأن الشافعي يخالفنا، وفيه كلام وهو أن خلافه متأخر فكيف يبني الحكم المتقدم على ما لم يتحقق بعد؟ والأولى حمله على اختلاف الصحابة لو ثبت اهـ. قوله: (فيضمن بمنعه) يعني لو سأله ردّ العين الموهوبة بعد قضاء القاضي بصحة الرجوع فيها فامتنع من تسليمها ٦٤٧ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة رجع أحدهما) بقضاء أو رضا (كان فسخاً) لعقد الهبة (من الأصل وإعادة لملكه) القديم لا هبة للواهب (ف) لهذا (لا يشترط فيه قبض الواهب وصح) للرجوع (في الشائع) ولو كان هبة لما صح فيه (وللواهب رده على بائعه مطلقاً) بقضاء أو رضا (بخلاف الردّ بالعيب بعد القبض بغير قضاء)، فهلكت لزمه ضمانها بمثلها إن كانت مثلية، وإلا فبقيمتها لأنه متعد بالمنع بعد صحة الرجوع بقضاء القاضي، أما قبل القضاء لو هلكت سقط الرجوع بالهلاك، ولا ضمان عليه بالمنع لأنه غير متعد؛ لأنه إنما منع ملكه إذ لم يصح الرجوع لعدم وجود القضاء، ولا رضا مع المنع وقد ملكها بالهبة، ولا يعتبر قوله بلسانه رضيت بردها لأن إمساكها ينقضه، لكن قوله لا يشترط فيه قبض الواهب يفهم منه أنها تتم بقوله رضيت بردها، فليحرر. أفاده بعض الأفاضل. قال ط: وانظر ما لو منعه بعد الرجوع بالرضا وهلك، والظاهر أنه يضمن لوجود التعدي کمنعه بعد القضاء. أقول: وهذا يؤيد بعض ما فهمه بعض الأفاضل حيث ضمىه بالمنع ولم يعده رجوعاً. تأمل. قوله: (بقضاء أو رضا) على حذف أي. قوله: (كان فسخاً) خلافاً لزفر في الرجوع بالتراضي كما يأتي. عناية. قوله: (وإعادة) بالنصب عطفاً على فسخاً. قوله: (لا هبة للواهب) أي كما قال زفر رحمه الله تعالى بأن الرجوع بالتراضي عقد جديد فيجعل بمنزلة الهبة المبتدأة. عيني. قال في البدائع: ولو وهب الموهوب له للواهب قبل القضاء أو الرضا وقبله لا يملكه حتى يقبضه، فإذا قبضه كان بمنزلة الرجوع بالتراضي أو بقضاء، وليس للموهوب له أن يرجع فيه اهـ. قوله: (لا يشترط فيه قبض الواهب) والموهوب يكون أمانة في يد الموهوب له حتى لو هلك لا يضمن. هندية. قوله: (وصح الرجوع في الشائع) أي في البعض الشائع الذي يحتمل القسمة كما إذا وهب الدار ثم رجع في نصفها لأن الشيوع طارىء لا أثر له فيها. ذكره في العناية. قوله: (لما صح فيه) أي في الشائع، ولا يشترط قبض الواهب. قوله: (وللواهب رده) أي بالعيب: أي له بعد الرجوع منه رد الموهوب إذا كان اشتراه من رجل ثم بعد الرجوع اطلع على عيب فيه. قوله: (مطلقاً) حال من رجوع الواهب: أي لأنه فسخ مطلقاً بحكم خيار العيب: يعني ولم يعلم بالعيب قبل الهبة. وصوره الطحطاوي بما لو اشترى شيئاً ثم باعه ثم رد المشتري الثاني على الأول بعیب قدیم فإن رده بقضاء كان فسخاً فيثبت حق الرد للمشتري الأول على بائعه، وإن كان برضا لا لأنه بمنزلة البيع الجديد. قوله: (بخلاف الرد بالعيب) أي لو اشترى شيئاً وباعه ورده المشتري الثاني بعد قبضه إياه على المشتري الأول بغير قضاء ليس للمشتري ٦٤٨ كتاب الهية / باب الرجوع في الهبة لأن حق المشتري في وصف السلامة لا في الفسخ فافترقا، ثم مرادهم بالفسخ من الأصل أن لا يترتب على العقد أثر في المستقبل لا بطلان أثره أصلاً وإلا لعاد المنفصل إلى ملك الواهب برجوعه. فصولين (اتفقا) الواهب والموهوب له (على الرجوع في موضع لا یصح) رجوعه الأول أن يرده على بائعه كما تقدم في بابه، لأن حق المشتري في وصف السلامة: أي يستحق ما اشتراه سالماً من العيوب، فحيث وجد به عيباً رفع الأمر للقاضي، فيطلب منه إيصاله إلى ما يستحقه من وصف السلامة وحيث كان المبيع معيباً ولم يمكن إيصاله إلى ما يستحقه يفسخ القاضي البيع، وليس حقه في الفسخ، فإذا تفاسخا بغير قضاء بل بتراضيهما كان إقالة، وهي فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق ثالث، والبائع الأول ثالثهما، ففي حقه يفرض كأن المشتري الأول اشتراه من المشتري الثاني فليس له أن يرده عليه لأنه مشترى منه، والمشتري لا يرد على بائعه بالعيب إذا كان المبيع وصل إلى البائع من جهته ولا على البائع الأول، لأن المشتري من شخص لا يرده على غيره، وإنما قال (بعد القبض)) لأن رده قبل القبض فسخ مطلقاً فيرده على بائعه كما تقدم. قوله: (لأن حق المشتري في وصف السلامة لا في الفسخ) ولهذا لو زال العيب امتنع الرد لوصول حقه إليه، وإذا لم يكن سليماً فات رضاه فيرجع بالعوض، ويلزم منه فسخ العقد ضرورة من غير أن يثبت حقه في الفسخ، فإذا لم يكن له حق الفسخ لم يصر مستوفياً حقه، فيكون ملكاً مبتدأ ضرورة، غير أنه إذا حكم الحاكم بالرد عند عجزه عن تسليم حقه جعلناه فسخاً لعموم ولايته، ولا كذلك المتعاقدان، لأنه لا ولاية لهما إلا على أنفسهما بخلاف الهبة فإنها تنعقد موجبة حق الفسخ وهو بالفسخ يكون مستوفياً حقاً ثابتاً له بالعقد، لأن العقد وقع غير لازم فإن رفع رجع إليه عين ملكه كالعارية فيكون فسخاً في حق الكل، فلا يمكن أن يجعل هبة مبتدأة اهـ. منح بتصرف. وبهذا ظهر قول المؤلف ((فافترقا» ط. قوله: (لا بطلان أثره أصلاً) أي فيما مضى. قوله: (وإلا لعاد المنفصل) أي المتولد من الموهوب: أي ولو قلنا ببطلان أثره في الماضي لأوجبنا رد الزوائد المنفصلة من الولد والثمر والأرش التي وجدت عند الموهوب له مع أنه لا يثبت للواهب الرجوع فيها، ولأوجبنا عليه زكاة ماله الموهوب إذا رجع فيه لما مضى من السنين مع أنه لا يجب عليه كما سلف. والحاصل: أنه لو كانت الهبة أمة مثلاً فقبضها الموهوب لو ووطئها، واستولدها وجنى عليها فقبض أرشها ووطئها غيره، فأخذ عقرها ثم رجع عليه الواهب بقضاء أو رضا امتنع عليه وطؤها والتصرف بوجه من الوجوه بعد الفسخ، وما أخذه من الأرش والعقر يطيب له، لأنه نماء ملكه والولد ولده والواهب إنما يأخذ الأمة فقط، وهذا معنى ٦٤٩ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة من المواضع السبعة السابقة (كالهبة لقرابته جاز) هذا الاتفاق منهما. جوهرة. وفي المجتبى: لا تجوز الإقالة في الهبة والصدقة، في المحارم إلا بالقبض لأنها هبة ثم قال: وكل شيء يفسخه الحاكم إذا اختصما إليه فهذا حكمه ولو وهب الدين لطفل المديون لم يجز لأنه غير مقبوض. عدم ترتب الأثر في المستقبل لا فيما مضى. قوله: (من المواضع السبعة) لا يظهر في الموت، لأن الاتفاق حينئذ من الوارث والباقي أحد العاقدين، ويكون الرجوع في العوض بالتراد وفي الهلاك برد البدل. قوله: (جاز هذا الاتفاق منهما) أي على أنه هبة مبتدأة كما بينته عبارة المجتبى فيشترط فيه ما يشترط في الهبة مما تقدم في الشروط. ونقل المصنف في آخر الفصل عن المحيط: رجل تصدق بصدقة فسلمها إليه ثم تقايلا الصدقة لم يجز، حتى تقبض لأنها هبة مستقلة مستأنفة لأنه لا رجوع فيها، وكذا الهبة إذا کانت لذي رحم محرم اهـ. والحاصل: أنه تصح الإقالة في الهبة والصدقة في المحارم بالقبض مع أنه وجد فيها ما يمنع من الرجوع ومع ذلك جاز بتراضيهما؛ لأنا جعلناه هبة مبتدأة ولذا شرط فيها ما يشترط للهبة، وحينئذ فلا يظهر ما توقف به الطحطاوي. قوله: (في المحارم) ظاهر تقييده بالمحارم يفيد أن القبض لا يشترط في غيرهم. وفي شرح المصنف: وأطلق أبو يوسف في رواية ابن سماعة خلافه تصدق وسلم، ثم استقاله فأقاله لم يجز حتی یقبض اهـ. وهذا يفيد ما ذكرنا، ثم فائدة التقييد بالقبض أنه لو لم يقبضه وتصرف فيه الموهوب له صح تصرفه، ونظيره يقال فيما بعده ط. قوله: (لأنها) أي الإقالة هبة: أي مستقلة. قوله: (وكل شيء يفسخه الحاكم إذا اختصما إليه فهذا حكمه) أي يفتقر للقبض، لكن الذي نحن فيه عدم فسخ القاضي، والظاهر أن لفظة ((لا)) ساقطة وأصل الكلام وكل شيء لا يفسخه الحاكم كما هو الواقع في الخانية، وبه يظهر المعنى، ويكون المراد منه تعميم المحارم وغيرهم مما لا رجوع في هبتهم، وسيجيء أن المعتمد الصحة، ويمكن أن يراد بقوله ((وكل شيء يفسخه الحاكم الخ)) أي إن الهبة للمحارم والصدقة مطلقاً إذا رفعت للحاكم وأراد صاحبها الرجوع فيها يفسخ دعواه الحاكم، بمعنى أنه يبطلها ويحكم عليه بعدم صحتها، فإن اتفقا عليها كانت هبة مبتدأة فيشترط لها شروط الهبة، وكذا كل ما كان فيها مانع من موانع الرجوع، فتأمل. قوله: (لأنه غير مقبوض) لأن هبة الدين من غير من عليه الدين لا تجوز إلا بأن يسلطه على قبضه، والصغير لا قبض له إلا بقبض وليه، وهو من عليه الدين فلا يوجد القبض، لكن سيجيء أن المعتمد الصحة، ويفهم منه ٦٥٠ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة وفي الدرر قضى ببطلان الرجوع لمانع ثم زال المانع عاد الرجوع (تلفت) العين (الموهوبة، واستحقها مستحق وضمن) المستحق (الموهوب له لم يرجع على الواهب بما ضمن) لأنها عقد تبرع فلا يستحق فيه السلامة (والإعارة كالهبة) هنا لأن قبض جواز عكسه وهو هبة الأب ديناً على طفله لأنه مقبوض للأب إذا كان للطفل مال في يده. قوله: (قضى ببطلان الرجوع لمانع) نقله صاحب الدرر من المحيط، وهكذا في الذخيرة والخانية، وذكر في التبيين وغيره أن الموهوب لو وصيفاً فشب عند الموهوب له وكبر، وطال ثم صار شيخاً فقلت قيمته لم يرجع فيه، وعلى هذا جميع الحيوان، وعلل بأنه زاد من وجه، وانتقص من وجه آخر وحين زاد سقط حق الرجوع، فلا يعود؛ وأنت خبير بأنه بين هذا وبين ما ذكر صاحب الذات لم يعد إلى حاله الأول، ولكن ذكر الناطفي في أجناسه أنه يرجع، ولعل وجهه أن الذات بعد زوال الزيادة هو الذات الأول. قوله: (ثم زال المانع) مبني على ما قدمه في الخانية. واعتمده القهستاني لكن في كلامه هناك إشارة إلى اعتماد خلافه. قلت: ولا يخفى ما في إطلاق الدرر، فإن المانع قد يكون خروج الهبة من ملكه ثم تعود بسبب جدید، وقد یکون للزوجية ثم تزول، وفي ذلك لا يعود الرجوع كما صرحوا به فيما إذا بنى في الدار ثم هدم البناء، وفيما إذا وهبها لآخر ثم رجع. ولعل المراد زوال المانع العارض، فالزوجية وإن زالت لكنها مانع من الأصل والعود بسبب جديد بمنزلة تجدد ملك حادث من جهة غير الواهب فصارت بمنزلة عين أخرى غير الموهوبة، بخلاف ما إذا عادت إليه بما هو فسخ هذا ما ظهر لي، فتدبره. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالی. وكتب الطحطاوي: لا يظهر في الزوجية والقرابة وهلاك العين والموت والعوض؛ لأنه بيع انتهاء. وأما الخروج عن الملك فيزول إذا عاد إليه بفسخ. تأمل إهـ. والحاصل: أن ما يمكن زواله من الموانع السبعة الزوجية والزيادة والعوض والخروج عن ملكه فبزوال الزوجية لا يعود الرجوع، وبزوال الثلاثة الباقية يعود الرجوع على ما فيه من التفصيل. قوله: (وضمن المستحق الموهوب) ضمن بتشديد الميم فعل ماض، والمستحق فاعله والموهوب مفعوله. قوله: (لأنها عقد تبرع) أي وهو غير عامل له. قوله: (فلا يستحق فيه السلامة) أي في عقد التبرع، وهكذا حال المستعير، بخلاف عقد المعاوضة، لأن عقود المعاوضات يثبت فيها الغرور، فللمشتري الرجوع على بائعه، وكذا بكل عقد يكون للدافع كالوديعة، والإجارة إذا هلكت الوديعة أو العين المستأجرة ثم جاء رجل واستحق الوديعة والمستأجرة وضمن المودع والمستأجر فإنهما يرجعان على الدافع بما ضمنا، وكذا كل ما كان في معناهما. ٦٥١ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة المستعير كان لنفسه ولا غرور لعدم العقد، وتمامه في العمادية (وإذا وقعت الهبة بشرط العوض المعين فهي هبة ابتداء فيشترط التقابض في العوضين ويبطل) العوض (بالشیوع) فیما یقسم (بيع انتهاء، والحاصل: أن المغرور يرجع بأحد أمرين إما بعقد المعاوضة أو بعقد يكون للدافع كما في المنح، وقد انتفى الثاني هنا كما قال، لأن قبض المستعير والمتهب كان لنفسه، وقد عقد في الخانية فصلاً لمسائل الغرور من البيع فراجعه. وذكر في الذخيرة أن الواهب لو ضمن سلامة الموهوب للموهوب له نصاً يرجع على الواهب. قوله: (ولا غرور) أي موجب للضمان؛ لأنه يكون موجباً بأحد أمرين وقد انتفيا هنا، وكان حق العبارة أن يقول: ولا غرور لأن قبض المستعير الخ؛ لأن الغرور إنما يكون معتبراً بقبضه للدافع أو بعقد المعاوضة. قوله: (لعدم العقد) أي عقد المعاوضة، وإلا فالإعارة والهبة لا بد فيهما من عقد. قوله: (فيشترط التقابض) أي في المجلس مطلقاً أو بعده بإذنه مسكين ولا يثبت بها الملك قبل القبض، ولكل واحد أن يمتنع من التسليم، وكذا لو قبض أحدهما فقط فلكل الرجوع القابض وغيره سواء كما في غاية البيان. قوله: (في العوضين) أي في العين الموهوبة والعوض عنها، أما إذا كان العوض غير مشروط فهي هبة ابتداء وانتهاء فلا يثبت لها أحكام البيع، وإن امتنع الرجوع حيث قال له خذه عوض هبتك ونحوه. قوله: (ويبطل العوض بالشيوع فيما يقسم) هو مبني على اشتراط التقابض؛ لأن القبض لا يتم مع الشيوع فيما يقسم. قوله: (بيع انتهاء) أي إذا اتصل القبض بالعوضين. غاية البيان. وهذا عندنا، وعند زفر والشافعي بيع ابتداء وانتهاء لأن العبرة للمعاني، ولنا أنه اشتمل على جهتين فيجمع بينهما ما أمكن عملاً بالشبهين، وتمامه في الدرر. وفي المقدسي: والعبرة للمعاني كالكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، وعكسه كفالة، وبيع عبد لنفسه عتق، وهبة تقع ببدل إجارة وهبة امرأة لزوجها نكاح، وعكسه طلاق. قلنا: ما اشتمل على جهتين يجب الجمع بينهما ما أمكن توفيراً على الشبهين حظهما كالإقالة بيع وفسخ، وأمكن الجمع هنا باعتبار الهبة ابتداء والبيع انتهاء، ولا تنافي بين حكميهما إذ البيع بتراخي حكمه بشرط الخيار، والهبة تلزم بمانع وهبة المريض بطلت بالشيوع وبعدم القبض، واعتبرت وصية من الثلث بعد الدين رعاية للشبهين، وقد يترتب الملك على الهبة فلا فصل، كما لو كانت في يد الموهوب له فلم يكن عدم اللزوم، وعدم الترتيب من لوازمها على أن المستحيل الجمع في حالة واحدة لا في الابتداء أو الانتهاء، بخلاف ما استشهد به، لتعذر الجمع لتضادّ الحكمين فلغا جانب اللفظ انتهى. وفي الشرنبلالية عن البرجندي: أنه يصح العوض، ولو كان أقل منها وهو من ٦٥٢ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة فترد بالعيب وخيار الرؤية ويؤخذ بالشفعة) هذا إذا قال: وهبتك على أن تعوضني كذا، أما لو قال وهبتك بكذا فهو بيع ابتداء وانتهاء، وقيد العوض بكونه معيناً لأنه لو كان مجهولًا بطل اشتراطه فيكون هبة ابتداء وانتهاء. فرع: وهب الواقف أرضاً بشرط استبداله بلا شرط عوض لم يجز، وإن شرط كان كبيع ذكره الناصحي. وفي المجمع: وأجاز محمد هبة مال طفله بشرط عوض مساو ومعناه. قلت: فيحتاج على قولهما إلى الفرق بين الوقف ومال الصغير انتهى والله أعلم. جنسها ولا ربا فيه انتهى. ولا تحالف لو اختلفا في قدر العوض لما في المقدسي عن الذخيرة: اتفقا على أن الهبة بعوض واختلفا في قدره ولم يقبض والهبة قائمة خير الواهب بين تصديق الموهوب له أو الرجوع في الهبة أو بقيمتها لو هالكة، ولو اختلفا في أصل العوض فالقول للموهوب له في إنكاره، وللواهب الرجوع لو قائماً، ولو مستهلكاً فلا شيء له. ولو أراد الرجوع فقال أنا أخوك أو عوضتك أو إنما تصدقت بها فالقول للواهب استحساناً اهـ ملخصاً. قوله: (فترد بالعيب) أي في العوض والمعوض: أي يرد كل واحد من العوضين، هذا هو الأوجه من الإرجاع إلى الهبة والتعميم، وكذا يرد كل منهما بخيار الرؤية، ويرجع في الاستحقاق على صاحبه بما في يده لو قائماً وبمثله أو قيمته لو مالكاً كما في المنبع. قوله: (على أن تعوضني) لأن على الشرط. قوله: (وهبتك بكذا) لأن الباء للمقابلة والمال المقابل بالمال بيع. قوله: (فهو بيع ابتداء وانتهاء) فيثبت لكل منهما الملك في حقه، ولا يمتنعان من التسليم ولا يشترط قبض، ولا يضره شيوع. قوله: (بطل اشتراطه) أي والهبة لا تبطل به. قوله: (فيكون) أي المقبوض من الهبة وعوضها إذا دفع. قوله: (وهب الواقف أرضاً بشرط استبداله) في البحر نقلاً عن القاضي الجامع بين وقف هلال والخصاف، ولو وهب الواقف الأرض التي شرط الاستبدال به، ولم يشترط عوضاً لم يجز، وإن شرط عوضاً فهو كالبيع اهـ. فقوله ((بشرط)) متعلق بالواقف، وقوله ((بلا شرط)) متعلق بوهب، وأعاد الضمير مذكراً على الأرض لتأويلها بالوقف أو العقار. قوله: (وإن شرط الخ) ظاهره أنه يصح ولو كان البدل دراهم أو دنانير، وقد تقدم في الوقف أنه لا بد أن يكون البدل عقاراً وتقدم الكلام فيه فارجع إليه. قوله: (بشرط عوض مساو) أي لقيمة مال الصغير، وبالأولي إذا كان زائداً عليه. قوله: (بين الوقف) أي الذي شرط استبداله حيث أجازه بشرط العوض. قوله: (ومال الصغير) حيث لم يجوزاه مطلقاً. قال الرملي: يفرق بينهما بأن الواقف لما شرط الاستبدال وهو يحصل بكل عقد يفيد المعاوضة كانت الهبة بشرط العوض داخلة في شرطه، بخلاف هبة الأب مال ابنه الصغير: أي فإنها تبرع ابتداء، وهو ممنوع عن مطلق التبرع في ماله انتهى. ٦٥٣ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة فَضْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَّةٍ (وهب أمة إلا حملها أو على أن يردها عليه أو يعتقها أو يستولدها أو) وهب (داراً على أن يرد عليه شيئاً منها) ولو معيناً كثلث الدار أو ربعها (أو على أن يعوض في الهبة والصدقة شيئاً منها أقول: وقد يقال: إن المقصود من الاستبدال المنفعة في البدل، لا في نفس الاستبدال، وأما مال الصغير فيشترط في نفس العقد عليه ظهور المنفعة لأنه عقد تجارة، أو أن الوقف من المستبدل فهو ملكه في الجملة، بخلاف ملك ابنه، فلعل أحد مذین الفرقين على قولهما الذي طلبه الشارح، لأن الواقف له شائبة ملك حيث شرط الاستبدال لا سيما على قول الإمام، بخلاف مال الطفل إذ لا ملك فيه ولا شائبة ملك فافترقا، وهذا كله إذا كان ما نقله الناصحي على قول الإمام والصاحبين، ويمكن أن يكون مشى على قول الإمام، وأنهما يخالفان في الوقف كمال الصغير فلا يحتاجان للفرق، فليراجع مذهبهما في ذلك، والله تعالى أعلم وأستغفر الله العظيم. فَضْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرَّقَةِ لما كانت المسائل المذكورة في هذا الفصل متعلقة بالهبة ذكرها في فصل على حدة. عناية. وأشار بقوله مسائل متفرقة إلى أن الأولى ترجمته بذلك. قوله: (وهب أمة إلا حملها) اعلم أن استثناء الحمل ينقسم على ثلاثة أقسام: في قسم: يجوز التصرف ويبطل الاستثناء كالهبة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد. وفي قسم: لا يجوز أصل التصرف كالبيع والإجارة والرهن؛ لأن هذه العقود تبطل بالشروط، وكذا باستثناء الحمل. وفي قسم: يجوز التصرف والاستثناء جميعاً كالوصية؛ لأن إفراد الحمل بالوصية جائز فكذا استثناؤه. يعقوبية. وباقي التفصيل في البيانية للعيني. قوله: (أو على أن يردها عليه) أي بعد حين. وقوله ((أو يستولدها)) أي يتخذها أم ولد. قوله: (على أن يرد شيئاً منها) أي أو كرماً على أن ينفق عليه من ثمرته كما في الخانية، وهو متعلق بوهب أو تصدق على سبيل البدل. قوله: (ولو معيناً) أشار به إلى أنه لا فرق في التعويض ببعض الموهوب بين المجهول والمعلوم، لأن الفساد ليس من جهة الجهالة بل من جهة كونه بعض الموهوب. قوله: (أو على أن يعوّض في الهبة والصدقة شيئاً منها) أي شيئاً مجهولًا ح. وقيد بقوله ((منها)) فلو من غيرها أفسدها. قال في الخانية: وهبه أرضاً وشرط عليه أن ينفق عليه من الخارج، فهي فاسدة. وقال في الصرة: العوض المجهول إذا كان من غير عين الموهوب يفسد الهبة، وتقدم لنا أن الفاسدة مضمونة، وشرطوا لفسادها أن يكون الشرط في العقد لا بعد، وحينئذ فالأولى ٦٥٤ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة صحت) الهبة (وبطل الاستثناء) في الصورة الأولى، (و) بطل (الشرط) في الصور الباقية لأنه بعض أو مجهول والهبة لا تبطل مجازاة نقوط الأفراح، بل ربما على عرف من يجعله كالقرض يجب كما تقدم. وفي بعض النسخ: بل أكثرها عنها بدل منها. قوله: (صحت الهبة) في الصور كلها لأنها لا تبطل بالشروط الفاسدة. درر. قال شيخ الإسلام: أي التي تفسد البيع مع كونها غير آيلة إلى الهبة، بشرط العوض كما يظهر ذلك من فتاوى قاضيخان وغيره، وذلك كهبة مهرها بشرط أن يحج بها، أو يحسن إليها أو يقطع لها في كل حول ثوباً مرتين، فجعلوا اشتراط نفقة الحج والإحسان إليها وقطع الثوب بمنزلة شرط العوض، بل جعل بعض المشايخ شرط ترك ظلمها في هبتها مهرها أو شرط المكث معها مثله في الحكم، فحكموا ببطلان هبتها إذا ظلمها أو لم یمکث معها وهو المختار، وکأنه لانتفاعها بهما لشبههما بالعوض في الجملة، وإن لم یکونا عوضين حقيقة، فكأنهم عملوا فيه بالشبهين، فأفسدوا الهبة متى لم يحصل المشروط للواهب لشبهه بالعوض، فإنه لا تتم الهبة إذا لم يحصل العوض، وصححوها متى حصل النفع المشروط وإن كان مجهولاً جهالة فاحشة كترك الظلم المجهول لجهالة مدته لأنه ليس بعوض حقيقة، وهذا بخلاف الشروط المذكورة في الكتاب. وأما إذا شرط عوضاً مجهولاً جهالة فاحشة كما إذا شرط أن ينفق على الواهب ما يخرج من الأرض القراح الموهوبة فالهبة فاسدة مطلقاً كما صرحوا به، والظاهر أن الفساد لكونه تعليل الهبة بالخطر إذ الخروج موهوم، هذا ما فهمت من كتب الفتاوى. كذا ذكره جوى زاده. وسيأتي تمامه آخر الفصل. قوله: (وبطل الاستثناء في الصورة الأولى) لأن الاستثناء لا يعمل إلا في محل يعمل فيه العقد والهبة لا تعمل في الحمل لكونه وصفاً للجارية فانقلب شرطاً فاسداً، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة. وقد أوسع الكلام على الحمل الإتقاني، ونقله الشلبي عنه فراجعه إن شئت ط . وفي البحر: وكذا الحكم في كل معاوضة مال بغير مال كالنكاح والخلع والصلح عن دم عمد والصدقة والعتق، بخلاف المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والرهن والكتابة لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وشرط، وبخلاف الوصية حيث تجوز في الأم دون الحمل، وفي الحمل دون الأم لأن بابها أوسع. ولو أعتق حملها ثم وهبها صح لأن الجنين غير مملوك له فاشتغال بطنها به لا يوجب الفساد، بخلاف ما إذا دبر الحمل ثم وهبها حيث لا تجوز الهبة لأن ملكه فيه باق فكانت هبة مشغول، بخلاف الأول اهـ ويأتي قريباً. قوله: (لأنه بعض) وقد مر أنه يشترط أن لا يكون العوض بعض الموهوب وهو تعليل لقوله ((على أن يرد شيئاً منها)). قوله: (أو مجهول) تعليل لقوله ((على أن يعوض في الهبة ٦٥٥ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة بالشروط، ولا تنس ما مر والصدقة شيئاً عنها)) ولا يشمل الثلاث التي بعد الأولى، فالأولى تعليل الهداية بأن هذه الشروط تخالف مقتضى العقد فكانت فاسدة والهبة لا تبطل بها إلا أن يقال: قوله والهبة لا تبطل بالشروط من تتمة التعليل. قوله: (بالشروط) أي الفاسدة. قوله: (ولا تنس ما مر) أي فجهالته مفسدة. قال في السراج: والأصل في هذا أن كل عقد من شرطه القبض فإن الشرط لا يفسده كالهبة والرهن اهـ. ونبه الشارح بقوله ((ولا تنس)) إشارة إلى دفع ما قاله الزيلعي تبعاً للنهاية من أن قوله ((أو على أن يعوض الخ)) فيه إشكال، لأنه إن أراد به الهبة بشرط العوض فهي والشرط جائزان فلا يستقيم قوله ((بطل الشرط)) وإن أراد به أن يعوضه عنها شيئاً من العين الموهوبة فهو تكرار محض، لأنه ذكره بقوله («على أن يرد عليه شيئاً منها)) اهـ. وحاصل الدفع: أن المراد الأول، وإنما بطل الشرط لجهالة العوض. كذا أفاده في البحر. ثم رأيت صدر الشريعة صرح به فقال: مرادهم ما إذا كان العوض مجهولاً، وإنما يصح العوض إذا كان معلوماً اهـ. أقول: وتابع صدر الشريعة صاحب الدرر حيث قال: واعترض الزيلعي على قولهم أو يعوضه شيئاً منها بأن المراد إما الهبة بشرط العوض فهي والشرط جائزان فلا يستقيم قوله ((بطل الشرط)) وإن أراد به أن يعوضه عنها شيئاً من العين الموهوبة فهو تكرار محض لأنه ذكره بقوله «على أن يرد عليه شيئاً منها». وأقول: المختار الشق الأول، وقوله فهي والشرط جائزان ممنوع، وإنما يجوز إذا كان العوض معلوماً. وأجاب العيني بأن قوله ((على أن يرد شيئاً منها)) لا يستلزم أن يكون عوضاً لأن كونه عوضاً إنما هو بألفاظ مخصوصة فيجوز أن يكون رداً ولا يكون عوضاً، وأما قوله ((على أن يعوضه شيئاً منها)) فتصريح بالعوض، ولا شك أنهما متغايران. بقي أن يقال: ما أجاب به في الدرر والبحر وسبقهما إليه صدر الشريعة متعقب، فقد ذكر عزمي زاده ما نصه: يفهم من كلام صاحب الدرر أنه إذا وهب داراً بشرط أن يعوضه شيئاً معيناً منها تصح الهبة والشرط مع أنه ليس كذلك، فالصواب في الجواب أن يختار الشق الثاني ولا تكرار؛ لأن الرد عليه لا يستلزم كونه عوضاً، وفي هذا المقام كلام يعلم بمراجعة تكملة قاضي زاده. وقال المولى عبد الحليم: قوله بأن المراد ما الهبة بشرط العوض الخ أراد به عوضاً لا من العين الموهوبة. أقول: فيه بحث لأنه لم يرد به، إذ المفروض أن يكون العوض شيئاً منها وقوله: وإن أراد به الخ هذا هو المراد ونمنع التكرار؛ لأن رد الشيء منها لا يستلزم كونه مردوداً على طريق العوض، بل المتبادر من الرد أنه مردود لا بطريق العوض فيحمل عليه، على ٦٥٦ ٠ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة من اشتراط معلومية العوض. (أعتق حمل أمة ثم وهبها صح ولو دبره ثم وهبها لم يصح) لبقاء الحمل على ملكه فكان مشغولاً به، بخلاف الأول (كما لا يصح) تعليق (الإبراء عن الدين) بشرط محض كقوله لمديونه: إذا جاء غد أو إن متّ بفتح التاء فأنت بريء من الدين أو إن متّ من مرضك هذا أو إن مت من مرضي هذا فأنت في حلّ من مهري فهو باطل، أن العوض إنما يكون بألفاظ مخصوصة كما مر، وأيضاً لا بد في التعويض من الإضافة إلى الهبة. ثم التحقيق أن شرط العوض من العين الموهوبة لغو لا يمنع الرجوع سواء كان معلوماً أو لم يكن دل عليه ما ذكر في التاترخانية وغيرها، من أن الهبة لو كانت ألف درهم والعوض درهم منها أو كانت داراً والعوض بيت منها لم يكن عوضاً، وكان للواهب أن يرجع في الهبة استحساناً. وقال زفر: يكون عوضاً فظهر أن ما أجاب به المصنف قاصر كما لا يخفى اهـ. قوله: (من اشتراط معلومية العوض) قال المصنف في منحه: وقيدنا العوض في المختصر بكونه معيناً، وهو قيد لازم أخل به صاحب الکنز وغيره من أصحاب المتون اهـ. قال الرملي في حاشيته عليها: قوله وهو قيد لازم أقول لا حاجة إليه بعد قوله بيع انتهاء الخ. إذ قوله فیرد ويأخذ صريح في أنه معین فالألف واللام في العوض بدل عنه، فالتقدير عوض معين، وهذا غالب في عبارات المختصرات. قال في البحر: وأراد بالعوض العوض المعين إذ في اشتراط العوض المجهول تكون هبة ابتداء وانتهاء لبطلان اشتراطه كما سيأتي اهـ. فلم يقع من أصحاب المتون الخلل اهـ. قوله: (أعتق حمل أمة الخ) قيل فيه روايتان: في رواية: لا تجوز الهبة في الإعتاق والتدبير جميعاً. وفي رواية: جازت فيهما جميعاً، والصحيح ما في المتن. ووجه الفرق ما نذكره في المقولة الآتية بعد هذه عن الزيلعي کما في اخانية. قوله: (ولو دبره ثم وهبها لم يصح) قال الزيلعي: ولو أعتق ما في بطنها ثم وهبها جازت الهبة في الأم لأن الجنين غير مملوك واشتغال بطنها لا يوجب الفساد، كما إذا وهب أرضه وفيها أبنيته، بخلاف ما إذا دبر الحمل ثم وهبها حيث لا تجوز الهبة، لأن ملكه فيه باقٍ، ولا يمكن إدخاله في الهبة لأن المدبر لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، ولا تصح الهبة في الأم بدونه لأنها مشغولة به، فصار نظیر هبة النخل بدون الثمر أو الجوالق بدون الدقيق من حیث إن كل واحد منهما يمنع القبض اهـ. قوله: (بشرط محض) لما في الإبراء من معنى التمليك، ولا يصح تعليق التمليكات بالشرط، وقد تقدم في مسائل شتى من البيوع. قوله: (فهو باطل) قال في البحر: لأن هبة الدين ممن عليه إبراء وهو تمليك من وجه، فيرتد بالرد ولو بعد المجلس ٦٥٧ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة لأنه مخاطرة وتعليق (إلا بشرط كائن) وليكون تنجيزاً كقوله لمديونه إن كان لي عليك دين أبرأتك عنه صح، كذا إن مت بضم التاء فأنت بريء منه أو في حل جاز وكان على خلاف فيه كما في النهاية، وإسقاط من وجه فلا يتوقف على القبول والتعليق بالشروط مختص بالإسقاطات المحضة التي يحلف بها كالطلاق والعتاق فلا يصح تعليق التمليكات، ولا الإسقاطات من وجه دون وجه، ولا الإسقاطات من كل وجه، ولا يحلف بها كالعفو عن القصاص، وقيد بقوله إن أديت لأنه لو قال أنت بريء من النصف على أن تؤدي إلي النصف صح؛ لأنه ليس بتعليق بل تقييد، ولما قدمناه في باب التعليق أن المعلق بعلى هو ما بعدها لا ما قبلها، وأشار بقوله لمدیونه: إن هبة الدین للكفيل تملیك من كل وجه حتى يرجع بالدين على المكفول عنه، ولا يتم إلا بقبوله، وإبراء الكفيل عن الدين إسقاط من كل وجه حتى لا يرتد بالرد. كذا في النهاية. ثم قولهم إن الإبراء لا يتوقف على القبول يستثنى منه ما إذا أبرأ رب الدين بدل الصرف والسلم أو وهبه له يتوقف على القبول؛ لأن البراءة عنه توجب انفساخه لفوات القبض المستحق بعقد الصرف والسلم، ولا ينفرد أحدهما بفسخه فلا بد من قبوله اهـ. أقول: فقوله والتعليق يختص بالإسقاطات المحضة التى يحلف بها إشارة إلى أن من الإسقاطات المحضة ما لا يحلف بها: أي لا يقبل التعليق بالشرط كالحجر على المأذون وعزل الوكيل والإبراء عن الدين. قوله: (لأنه مخاطرة وتعليق) لاحتمال موت الدائن قبل الغد أو قبل موت المديون ونحو ذلك، لأن المعنى إن مت قبلي وإن جاء الغد والدين عليك، فيحتمل أن يموت الدائن قبل الغد أو قبل موت المديون، فكان مخاطرة. كذا قرره شيخ سيدي الوالد رحمه الله تعالى. وقال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: وأقول: الظاهر أن المراد أنه مخاطرة في مثل إن مت من مرضك هذا، وتعليق في مثل إن جاء الغد والإبراء لا يحتملهما، وأن المراد بالشرط الكائن الموجود حالة الإبراء، وأما قوله إن مت بضم التاء فإنما صح وإن كان تعليقاً لأنه وصية وهي تحتمل التعليق، فافهم. وتقدمت المسألة في متفرقات البيوع فيما يبطل بالشرط ولا يصح تعليقه به. أقول: وهذا يقتضي أن المريض إذا قال في مرضه إن مت من مرضي هذا فعبدي وصية لفلان أنه باطل لأنه مخاطرة فلا يصح، فليتأمل. فهل فرق بين المسألتين؟ ويمكن أن يقال: ما سمعته من أنه وإنما صح هنا وإن كان تعليقاً لأنه وصية وهي تحتمل التعليق. قوله: (ليكون تنجيزاً) الأولى فيكون. قوله: (وكذا إن مت بضم التاء فأنت بريء منه أو في حلّ جاز) فرق بينهما في الهندية ونصه: لو قال رب الدين إن مت فأنت في حلّ منه فهو جائز. كذا في فتاوى قاضيخان. ولو قال إن مت فأنت بريء من ذلك لا ٦٥٨ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة وصية. خانية (جاز العمرى) للمعمر له ولورثته بعده، لبطلان الشرط (لا) تجوز (الرقبى) لأنها تعليق بالخطر، وإذا لم تصح تكون عارية. شمني. لحديث أحمد وغيره ((من أعمر عمرى فهي لمعمره في حياته وموته. لا ترقبوا فمن أرقب شيئاً يبرأ، وهو مخاطرة كقوله إن دخلت الدار فأنت بريء مما لي عليك لا يبرأ. كذا في وجيز الكردري اهـ. والتعليق موجود في كل. وقد فرق المؤلف بين قول الدائن إن مت من مرضي هذا، وبين إن مت بلا قيد، فجعل الأول تعليقاً والثاني وصية ط. والحاصل: أنه إنما لم يجز في الأول وجاز في الثاني مع أن التعليق موجود في كل؛ لأن الأول مخاطرة وتعليق والثاني وصية. قوله: (جاز العمرى) بالضم اسم من الإعمار صحاح. يقال أعمرته الدار عمرى: أي جعلتها عليه يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إليه، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية. وفي الشريعة جعل نحو داره للمعمر له مدة عمره بشرط أن يردها على المعمر أو على ورثته إذا مات المعمر له أو المعمر، ونحوه أعمرتك داري هذه حياتك أو وهبتك هذا العبد حياتك فإذا مت فهو لورثتي. نقاية وشرحها. قال الشمني: وصورتها أن يقول: أعمرتك داري هذه أو هي لك عمرى أو ما عشت أو مدة حياتك أو ما حييت فإذا مت فهي رد عليّ اهـ. وقال الزيلعي: والعمرى هو أن يجعل داره له عمره فإذا مات ترد عليه، فصح التمليك وبطل الشرط لما بينا أن الهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة، ويبطل الشرط انتهى. وقال في شرح المجمع: العمرى هي هبة شيء مدة عمر الموهوب له أو الواهب بشرط أن يعود إليه أو إلى ورثته إذا مات الموهوب له انتهى. فقول الشارح عمره يصح أن يرجع الضمير إلى الواهب أيضاً كما في الشرنبلالية. قوله: (لبطلان الشرط) أي شرط الرد على المعمر أو ورثته. قوله: (لا تجوز الرقبى) هي بالضم من المراقبة. وهي لغة: أن تعطي إنساناً ملكاً وتقول إن مت فهو لك وإن مت فلي. كذا في المبسوط وغيره. وشريعة أن يقول داري لك رقبى إن مت قبلك فهي لك اهـ. ويعني إن مت قبلي فهي لي: أي فكأنه قال له ارقب حياتي، فإذا مت وأنت حيّ فهي لك، فهو تعليق للتمليك بالشرط فلا يصح، وإنما لم تكن وصية؛ لأنه لم يعلقها بمطلق موته، بل بشرط أن يموت والمرقب حيّ فكانت مخاطرة، وهذا قول الإمام ومحمد، والعلة في عدم الجواز ما ذكره الشارح. قال أبو يوسف: إنها صحيحة؛ لأنها تمليك في الحال والشرط باطل، والأول هو الصحيح. مضمرات قوله: (وإذا لم تصح تكون عارية) أي إذا سلمها إليه لتضمن الرقبى إطلاق الانتفاع. حموي عن الينابيع: أي لأنه حينئذ قد أذن له بالانتفاع بها، وإنما لم يقيد بذلك؛ لأن الهبة البوب لها من شرطها التسليم. قوله: (لمعمره) بفتح الميم الثانية. قوله: (في حياته وموته) يحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى المعمر بفتح الميم، ومعنى كونها له في -- ٦٥٩ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة فهو سبيل الميراث)). (بعث إلى امرأته متاعاً)، هدايا إليها (وبعث له أيضاً) هدايا عوضاً للهبة صرحت بالعوض أولاً (ثم افترقا بعد الزفاف وادعى) الزوج (أنه عارية) لا هبة وحلف (فأراد الاسترداد وأرادت) هي (الاسترداد أيضاً يسترد كل) منهما (ما أعطى) إذ لا هبة فلا عوض، موته أنها من ماله المتروك عنه، ويحتمل رجوع الضمير إلى من في قوله من. قوله: (فهو سبيل الميراث) على تقدير مضاف في المبتدأ: أي فطريق الشيء المرقب طريق الميراث عن المرقب بالكسر. في کافي الحاکم الشهید باب الرقبى: رجل حضرته الوفاة فقال داري هذه حبیس لم تکن حبيساً، وهي میراث، وكذا إن قال داري هذه حبيس على عقبي من بعدي والرقبى هي الحبيس وليس بشيء. قال لرجلين: عبدي هذا لأطولكما حياة أو قال عبدي هذا حبيس على أطولكما حياة فهذا باطل، وهو الرقبى، وكذلك لو قال لرجل داري لك حبيس، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: أما أنا فأرى أنه إذا قال داري لك حبيس فهي له إذا قبضها، وقوله حبيس باطل، وكذلك إذا قال هي لك رقبی اهـ. وفيه أيضاً: قال داري هذه لك عمرى تسكنها وسلمها إليه فهي هبة، وهي بمنزلة قوله طعامي هذا لك تأكله وهذا الثوب لك تلبسه. وإن قال وهبت لك هذا العبد حياتك وحياته فقبضه فهي جائزة. وقوله حياتك باطل. وكذلك لو قال أعمرتك داري هذه حياتك أو قال أعطيتكها حياتك فإذا مت فهي لي وإذا مت أنا فهي لوارئي. وكذا لو قال هو هبة لك ولعقبك من بعدك، وإن قال أسكنتك داري هذه حياتك ولعقبك من بعدك فهي عارية، وإن قال هي لك ولعقبك من بعدك فهي هبة له وذكر العقب لغو انتهى. قوله: (هدايا) أي فيما يظهر وإلا فإنه يدعي العارية، فالأولى حذفه. قوله: (أولًا) لأن القرينة تدل أنها ما أرسلت إليه إلا مكافأة لصنيعه. قوله: (بعد الزفاف) قيد لبيان الواقع؛ لأن في مثل هذه الحالة يظهر التجاحد، فلو ادعى ذلك من غير افتراق فالحكم كذلك لأنه هو الدافع فهو أعلم بجهة الدفع، وإذا ظهر أنه لم يهد تبين أن عوضها لم يصادف محلها؛ لأنها لم تقصد ابتداء البرّ بل مكافأة له على صنیعه، وقد تبين أن لا صنیع منه فتسترد ما دفعت. تأمل. قوله: (وحلف) إنما لم يطالب ببينة لاتفاقهما على الملك له، فجهة التمليك لغيره تعلم منه، فإذا تخالفا حلف، ومحله فيما يظهر إذا لم تقم بينة على مدعاها. قوله: (وأرادت هي الاسترداد أيضاً) فإذا لم ترد سقط حقها لا حقه. قوله: (فلا عوض) لأنها إنما قصدت التعويض عن هبته، فلما ادعى العارية ورجع لم يوجد التعويض من جهتها ٦٦٠ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة ولو استهلك أحدهما ما بعثه الآخر ضمنه لأن من استهلك العارية ضمنها. خانية. (هبة الدين ممن عليه الدين وإبراؤه عنه يتم من غير قبول) إذا لم يوجب انفساخ عقد صرف أو سلم لكنه يرتد بالرد في المجلس وغيره، لما فيه من معنى الإسقاط. وقيل يتقيد بالمجلس. كذا في العناية. فلها الرجوع. قوله: (فلو استهلك أحدهما) قيد به لإخراج الهلاك، فإنه لا ضمان فيه إذ هو عارية، وهذا إنما يظهر فيما للزوج، أما هي فلم تدفعه إلا عوضاً فيلزمه مطلقاً، فتأمل ط. قوله: (هبة الدين ممن عليه الدين) يعني سواء كان عليه حقيقة أو حكماً كما لو وهب غریم المیت الدین من وارثه، ولو رد الوارث الهبة ترتد بالرد خلافاً لمحمد، وقيل لا خلاف هنا والخلاف فيما لو وهبه للميت فرده الوارث، ولو وهب لبعض الورثة فالهبة لكلهم، ولو أبرأ الوارث صح أيضاً. كذا في البزازية. ذكره الحموي. قوله: (يتم من غير قبول) لما فيه من معنى الإسقاط. قال المصنف في منحه: فإن قلت: هذا منقوض بدین الصرف والسلم فإن ربّ الدين إذا أبرأ المديون منه أو وهبه له توقف على قبوله. ١ قلت: أجيب عنه بأن توقفه على ذلك لا من حيث إنه هبة الدين، بل من حيث إنه يوجب انفساخ العقد بفوات القبض المستحق بعقد الصرف وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخه، فلهذا توقف اهـ. قوله: (إذا لم يوجب انفساخ عقد صرف أو سلم) أي إذا أبرأه عن أحد بدلي الصرف أو عن رأس مال السلم يتوقف على القبول لما علمت من كونه موجباً للفسخ فيهما لا لكونه هبة. قوله: (لكنه يرتد بالرد) استدراك على قوله ((يتم من غير قبول)) يعني وإن تم من غير قبول لما فيه من معنى الإسقاط لكنه يرتد بالرد لما فيه من معنی التمليك ح. قال في الأشباه: الإبراء يرتد بالرد إلا في مسائل. الأولى: إذا أبرأ المحتال المحال عليه فرده لا يرتد. وكذا إذا قال المديون أبرئني فأبرأه. وكذا إذا أبرأ الطالب الكفيل، وقیل یرتد. الرابعة: إذا قبله ثم رده لم يرتد اهـ. وفي البحر: أطلق الهبة فانصرفت إلى الأعيان فلا رجوع في هبة الدین للمدیون بعد القبول بخلافه قبله لكونها إسقاطاً ا هـ. قوله: (لما فيه من معنى الإسقاط) تعليل للتعميم: يعني وإنما صح الرد في غير المجلس لما فيه من معنى الإسقاط، إذ التمليك المحض يتقيد رده بالمجلس، وليس تعليلاً لقوله ((يرتد بالرد)» لما علمت أن علته ما فيه من معنى التمليك فتنبه ح. والحاصل: أن الإبراء عن الدين فيه معنى التمليك ومعنى الإسقاط، وهبة الدين i