النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ كتاب الهبة والأصل أن كل عقد يتولاه الواحد يكتفى فيه بالإيجاب (وإن وهب له أجنبيّ تتم بقبض وليه) وهو أحد أربعة: الأب ثم وصيه، وإن لم يكن في حجرهم وعند عدمهم تتم بقبض من يعوله كعمه (وأمه وأجنبي) ولو ملتقطاً (لو في حجرهما) وإلا لا لفوات الولاية (وبقبضه لو مميزاً) يعقل التحصيل (ولو مع وجود أبيه) مجتبى. لأنه في النافع المحض كالبالغ حتى لو وهب له أعمى لا نفع له، وتلحقه مؤنته لم يصح قبوله. أشباه. قلت: لكن في البرجندي: اختلف فيما لو قبض من يعوله والأب حاضر، السائحاني أنه إذا انقضت الإجارة أو ارتد الغصب تتم الهبة كما تتم في نظائره. قوله: (والأصل أن كل عقد الخ) منه بيع الأب ماله لابنه الصغير اهـ. ذخيرة وتاترخانية، والأولى أن يقول: ويكفي الإيجاب وحده والأصل الخ. قوله: (وهو أحد أربعة) قال الشارح في كتاب المأذون، عند قول المصنف ((وإن أذن للصبي الذي يعقل البيع والشراء وليه الخ)) المراد بالولي: ولّ له التصرف في المال وهو أبوه ثم وصي الأب ثم جده أبو أبيه ثم وصي جده ثم الولي ثم القاضي ووصي القاضي اهـ. سري الدين. وتقدم أن الذي يتصرف في ماله تسعة الأب والجد والقاضي ووصيهم ووصي وصيهم، ومقتضاه أن قبض هؤلاء جميعاً ينوب عن قبضه، ثم رأيت صاحب الهندية نقله عن غاية البيان ط. ومر قبيل الوكالة في الخصومة. قوله: (وعند عدمهم) ولو بالغيبة المنقطعة. قوله: (تتم بقبض من يعوله) لأن له ولاية التصرف النافع لثبوت يدهم عليه، حتى لا يكون لغيرهم نزعه من أيديهم، فكانوا أحق بحفظه وتحصيل المال من ضرورات حفظه لصرفه في قوته وملبوسه ط. قوله: (ولو ملتقطاً) لأن له ولاية التصرف النافع أيضاً. قوله: (لو في حجرهما) بالفتح والكسر والجمع حجور. صحاح. وحجر الإنسان: حضنه، وهو ما دون إبطه إلى الكشح، ومعنى كونه في حجره: أنه في كنفه ومنعته اهـ. أبو السعود الحموي. وفي الكشف: الحجر الكنف والتربية ط. قوله: (وإلا لا) أي إن لم يكن في الحجر لا تتم بقبضه، وإن كان ذا رحم محرم منه. قوله: (يعقل التحصيل) أي تحصيل المال وهو بيان لتمييزه. قوله: (لأنه في النافع المحض) أي لأنه جعل في التصرف النافع الذي لا يحتمل ضرراً كالبالغ فينفذ نظراً له وجاز تصرف الولي له في هذه الحالة نظراً له أيضاً حتى ينفتح له سبب تحصيل النفع بطريقين. قوله: (حتى لو وهب له أعمى) تفريع على التقييد بقوله النافع. أقول: وكذا لو وهب له تراباً في داره لا يصح، وقيل إن كان يشتري ذلك منه بشيء فإنه يصح قبوله ولا يرد. وإن كان لا يشتري ويلزمه مؤنة النقل ونفقة العبد فإنه يرد كما في جامع الصغار للأسروشني. قوله: (لكن في البرجندي) استدراك على قوله ٦٠٢ كتاب الهبة فقيل: لا يجوز، والصحيح هو الجواز اهـ. وظاهر القهستاني ترجيحه، وعزاه لفخر ((وعند عدمهم) ح. قوله: (وظاهر القهستاني الخ) حيث قال: كما جاز قبض هبة الأجنبي لطفل ممن يربيه من الجد أو الأخ أو العم أو الأم أو وصيه، أو أجنبي وهو في عياله وإن لم يكن عاقلاً وكان أبوه حاضراً في هذه الصور على ما قالوا منهم فخر الإسلام. وقال بعضهم: لم يجز قبض غير الزوج حال حضرة الأب، والأول المختار كما في المضمرات اهـ. ونقل صاحب الهندية عن الخانية أنه الصحيح، وأنه به يفتى عن الفتاوى الصغرى اهـ. والوصي كالأب والأم كذلك لو الصبي في عيالها إن وهبت له أو وهب له تملك الأم القبض، وهذا إذا لم يكن للصبي أب ولا جد ولا وصيهما. وذكر الصدر أن عدم الأب لقبض الأم ليس بشرط، وذكر في الرجل إذا زوج ابنته الصغيرة من رجل فزوجها يملك قبض الهبة لها، ولا يجوز قبض الزوج قبل الزفاف، وبعد البلوغ. وفي التجريد: قبض الزوج يجوز إذا لم يكن الأب حياً فلو أن الأب ووصيه والجد ووصيه غاب غيبة منقطعة جاز قبض الذي يتولاه، ولا يجوز قبض غير هؤلاء الأربعة مع وجود واحد منهم سواء كان الصغير في عياله أو لا، وسواء كان ذا رحم محرم أو أجنبياً وإن لم يكن واحد من هؤلاء الأربعة جاز قبض من كان الصبي في حجره، ولم يجز قبض من لم يكن في عياله. بزازية. قال في البحر: والمراد بالوجود الحضور اهـ. وفي غاية البيان: ولا تملك الأم، وكل من يعول الصغير مع حضور الأب. وقال بعض مشايخنا: يجوز إذا كان في عيالهم كالزوج، وعنه احترز في المتن بقوله في الصحيح اهـ. ويملك الزوج القبض لها مع حضور الأب، بخلاف الأم، وكل من يعولها غير الزوج، فإنهم لا يملكونه إلا بعد موت الأب أو غيبته غيبة منقطعة في الصحيح، لأن تصرف هؤلاء للضرورة لا بتفويض الأب، ومع حضور الأب لا ضرورة. جوهرة. وإذا غاب أحدهم غيبة منقطعة جاز قبض الذي يتلوه في الولاية، لأن التأخير إلى قدوم الغائب تفويت المنفعة للصغير. فتنقل الولاية إلى من يتلوه کما في الإنكاح، ولا يجوز قبض غير هؤلاء مع وجود أحدهم، ولو في عيال القابض أو رحماً ما منه كالأخ والعم والأم. بدائع ملخصاً. ولو قبض له من هو في عياله مع حضور الأب قيل لا يجوز وقيل يجوز، وبه يفتى. مشتمل الأحكام. والصحيح هو الجواز كما لو قبض الزوج والأب حاضر خانية والفتوى على أنه يجوز. أسروشني. فقد علمت أن الهداية والجوهرة على تصحيح عدم جواز قبض من يعوله مع عدم غيبة الأب، وبه جزم صاحب البدائع وقاضيخان، وغيره من أصحاب الفتاوى صححوا خلافه، وهو تصحيح جواز قبض من يعول الصغير ولو مع حضرة الأب، وكن على ذكر مما قاله العلامة قاسم، من أنه لا يعدل عن تصحيح قاضيخان لأنه أجل من يعتمد على ٦٠٣ كتاب الهبة الإسلام وغيره، على خلاف، ما اعتمده المصنف في شرحه وعزاه للخلاصة، لكن متنه يحتمله بوصل ولو بأمه والأجنبي أيضاً، فتأمل (وصح رده، لها كقبوله) تصحيحه فإنه فقيه النفس، ولاسيما وفيه هنا نفع للصغير، ويشهد له صحة قبول الصغير بنفسه إذا كان مميزاً، ولو كان الأب حاضراً وأيضاً قد وجدت دلالة تفويض الأب أمور الصبي إلى من يعوله كما يأتي في الزوجة الصغيرة بعد الزفاف فليكن العمل على هذا القول، ولاسيما وقد صحح بلفظ الفتوى، وهو آكد ألفاظ التصحيح، وظاهر كلام الشارح اختياره حيث نقل تصحيحه عن البرجندي مستدركاً على ظاهر عبارة المصنف، فتأمل عند الفتوى. وإنما أكثرت من النقول؛ لأنه واقعة الفتوى، وبعض هذه النقول نقلتها من خط منلا علي التركماني واعتمدت في عزوها عليه، فإنه ثقة ثبت رحمه الله تعالى. كذا بخط سيدي الوالد رحمه الله تعالى: (قوله لكن متنه يحتمله) أي الجواز أي كون الأم والأجنبي لهم القبض مع وجود الأب يفيد المدعي الذي هو القبض مع خصوص الحضور، لأن الحضور فرد من أفراد الوجود. قوله: (بوصل ولو) أي بسبب وصل قول المصنف (ولو مع وجود أبيه)). قوله: (بأمه والأجنبي) الجار متعلق بوصل: يعني يحتمله إذا وصل قول المتن ولو مع وجود أبيه بقوله وأمه وأجنبي اهـ: أي وبقبضه، ولو مع وجود أبيه، لكنه خلاف ظاهر المتن وخلاف ما أوضحه المصنف في شرحه بأن وصله إنما هو بقبضه فقط منقطع عن قوله ((وأمه وأجنبي)). قوله: (أيضاً) أي كما وصل بقوله ولو مميزاً. قوله: (وصح رده) أي رد الصبي وانظر حكم رد الولي، والظاهر أنه لا يصح حتى لو قبل الصبي بعد رد وليه صح، وهل يكره ذلك لأنه لا مصلحة فيه؟ الظاهر نعم ط. قوله: (لها) أي للهبة. قوله: (كقبوله) أقول: وكذا قبول العبد المحجور صحيح كما في رمز المقدسي حيث قال فيه: وهب لعبد محجور ونحوه، فالقبول والقبض له لأن ذلك نافع للمولى والعبد مالك لمثله كالاحتطاب والملك للمولى، وكذا المكاتب، لكنه لا يملكه المولى اهـ. قلت: ولم يذكر الرد والظاهر أن له الرد، وأطلق صحة القبول منه فشمل ما إذا كان الأب حياً أو ميتاً كما في الخلاصة. وفي المبسوط: وهب للصغير شيئاً ليس له أن يرجع فيه وليس للأب التفويض اهـ. وفي الخانية: ويبيع القاضي ما وهب للصغير حتى لا يرجع الواهب في هبته اهـ. وهو مخالف لما تقدم عن المبسوط، ويأتي في كلام الشارح عن الخانية، وكذا في باب الرجوع في الهبة مع التكلم على ذلك، وقيد بالهبة، لأن المديون لو دفع ما عليه للصبي، ومستأجره لو دفع الأجرة إليه لا يصح، وأفاد أنه لا تصح الهبة للصغير الذي لا يعقل ولا تتم بقبضه. وأشار بإطلاقه إلى أن الموهوب له لو كان مديوناً للصغير تصح الهبة ويسقط الدين ٠ ٦٠٤ کتاب الهبة سراجية. وفيها: حسنات الصبي له ولأبويه أجر التعليم ونحوه، ويباح لوالديه أن يأكلا من مأكول وهب له، وقيل لا انتهى. فأفاد أن غير المأكول لا يباح لهما إلا لحاجة. وضعوا هدايا الختان بين يدي الصبيّ، فما يصلح له كثياب الصبيان، فالهداية له وإلا فإن المهدي من أقرباء الأب أو معارفه فللأب كما في الخانية. قوله: (حسنات الصبي له) أي فيثاب عليها وترفع درجاته إذ لا ذنوب عليه حتى تكفر بها وهذا هو المعتمد وقيل لوالديه، وعليه فهل يتساويان أو للأم الثلثان منه؟ قيل وقيل. قوله: (ولأبويه) عبر بعضهم بوليه، وهو أعم. قال الأسروشني في جامع أحكام الصغار: حسنات الصبي قبل أن يجري عليه قلم له لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وهذا قول عامة المشايخ وقال بعضهم: ينتفع المرء بعلم ولده بعد مدته، لما روي عن أنس بن مالك أنه قال: من جملة ما ينتفع به المرء بعد موته أن يترك ولداً علمه القرآن أو العلم، فيكون لوالده أجر ذلك من غير أن ينقص من أجر الولد شيء اهـ. ومثله في كتاب الكراهية للعلامي، ويؤيده قوله وَله((إِذَا مَاتَ أَبْنُ آدَمَ أَنْقَطَعَ عَمَّلُهُ إِلَّ مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَّةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))(١) إهـ. قوله: (أجر التعليم) أي إن علماء بزازية. قوله: (ونحوه) كالإرشاد والتسبب للوجود والبقاء، كذا في المنح. قوله: (ويباح لوالديه) التقييد بهما مخرج غيرهما. قوله: (من مأكول وهب له) لأن الإهداء إليهما وذكر الصبي لاستصغار الهدية هندية. قال في التاترخانية: روي عن محمد نصاً أنه يباح. وفي الذخيرة وأكثر مشايخ بخارى على أنه لا يباح. وفي فتاوي سمرقند: إذا أهدى الفواكه للصغير يحل للأبوين الأكل منها إذا أريد بذلك الأبوان، لكن أهدى للصغير استصغاراً للهدية اهـ. قلت: وبه يحصل التوفيق ويظهر ذلك بالقرائن، وعليه فلا فرق بين المأكول وغيره بل غيره أظهر، فتأمل. قوله: (وقيل لا) قاله أكثر أئمة بخارى. قوله: (فأفاد) أصله لصاحب البحر وتبعه المصنف في منحه. قوله: (إلا لحاجة) تفقر الوالدين وذلك على وجهين، أما إن كان في المصر واحتاج لفقره أكل بغير شيء، وإن كان في المفازة واحتاج إليه لانعدام الطعام معه أكل بالقيمة كما في التاترخانية. وذكره الحموي عن الخانية. قوله: (فما يصلح له) كثياب الصبيان وكشيء يستعمله الصبيان مثل الصولجان والكرة فالهدية له، لأن هذا تمليك للصبي عادة. هندية. قوله: (فالهدية له) الأولى أن يقول: فهو له. قوله: (وإلا) بأن كانت الهدية لا تصلح للصبي عادة كالدراهم والدنانير هندية، وكالحيوان ومتاع البيت ينظر إلى المهدي الخ منح؟ . (١) أخرجه مسلم ١٢٥٥/٣ (١٤ - ١٦٣١). ٦٠٥ کتاب الهبة أو من معارف الأم فللأم قال هذا للصبي أولا، ولو قال أهديت للأب أو للأم فالقول له، وكذا زفاف البنت. خلاصة. وفيها اتخذ لولده تنبيه: في الفتاوى الخيرية: سئل فيما اعتاده الناس في الأفراح والأعراس والرجوع من الحج من إعطاء الثياب والدراهم، وينتظرون بدله عندما يقع لهم مثل ذلك ما حکمه؟ . أجاب: إن کان العرف شائعاً فیما بینهم أنهم يعطون ذلك ليأخذوا بدله كان حكمه حكم القرض فاسده كفاسده وصحيحه كصحيحه، إذ المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فيطالب به ويحبس عليه، وإن كان العرف خلاف ذلك بأن كانوا يدفعونه على وجه الهبة، ولا ينظرون في ذلك إلى إعطاء البدل فحكمه حكم الهبة في سائر أحكامه، فلا رجوع فيه بعد الهلاك أو الاستهلاك، والأصل فيه أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً اهـ. قلت: والعرف في بلادنا مشترك نعم في بعض القرى يعدونه كالقرض، حتى أنهم في كل وليمة يحضرون الخطيب يكتب لهم جميع ما يهدى، فإذا فعل المهدي وليمة يراجع المهدي إليه دفتر الخطيب فيهدي الأول للثاني مثل ما أهدى إليه. قوله: (أو من معارف الأم) الأولى زيادة أقاربها كما في الأب وبه صرح في البزازية. قوله: (فللأم) لأن التمليك هنا من الأم عرفاً وهناك من الأب، فكان التعويل على العرف، حتى لو وجد سبب أو وجه يستدل به على غير ما قلنا يعتمد على ذلك. هندية. فلو كان من معارف كل منهما أو أقاربه، هل يقسم بينهما؟ يراجع. قوله: (قال هذا للصبي أولًا) أي لا عبرة بهذا العقول لأنهم اعتادوا إرادة برّ الوالدين والتستر بمثل هذه العبارة تعظيماً لقدر الأبوين، وهذا إذا لم يمكن استطلاع الحقيقة؛ أما لو أمكن الاستخبار من المعطي فالعبرة لما يبينه كما قال الشارح. ولو قال أهديت الخ، قال في الهندية عن الظهيرية: وهذا كله إذا لم يقل المهدي شيئاً وتعذر الرجوع إلى قوله، أما إذا قال أهديت إلى الأب أو الأم أو الزوج أو المرأة فالقول للمهدي اهـ. أقول: ولا ينافي هذا قوله هذا الصبي أولا، لما سمعته من أنه لا عبرة بهذا القول لأنهم اعتادوا برّ الوالدين والتستر الخ. أما هنا فأراد إظهار حقيقة الحال فيعتبر قوله لأنه هو الملك وهو أدرى لمن وهب، فافهم. قوله: (وكذا زفاف البنت) أي وكذلك إن اتخذ وليمة لزفاف ابنته، فأهدی الناس هدایا فهو على ما ذكرنا من التفصيل بأن کان من أقرباء الزوج أو المرأة أو قال المهدي أهديت للزوج أو المرأة كما في التاترخانية، والزفاف بكسر الزاي مصدر زففت المرأة أزفها زفاً وزفافاً اهـ. نوح أفندي. والمراد بالزفاف بعثها إلى بيته. قهستاني. قوله: (اتخذ لولده) أي الصغير، وأما الكبير فلا بد من التسليم كما قدمنا ومثله في جامع الفتاوى، وأما التلميذ فلو كبيراً فكذلك، ويملك الرجوع عن الهبة له لو ٦٠٦ كتاب الهبة أو لتلميذه ثياباً ثم أراد دفعها لغيره، ليس له ذلك ما لم يبين وقت الاتخاذ أنها عارية. وفي المبتغى: ثياب البدن أجنبياً مع الكراهة، ویمکن حمل قوله ليس له ذلك عليه، ونظير ذلك ما يأتي لو سيب دابته وقال هي لمن أخذها ليس له الرجوع. قوله: (أو لتلميذه) مسألة التلميذ مفروضة بعدما دفع الثياب إليه. قالٍ في الخانية: اتخذ شيئاً لتلميذه فأبق التلميذ بعدما دفع إليه، إن بين وقت الاتخاذ أنه إعارة یمکنه الدفع إلى غيره، فافهم. قوله: (ليس له ذلك) أي بعدما دفع الثياب إليه. قال في الهندية: اشترى ثوباً فقطعه لولده الصغير صار واهباً له بالقطع مسلماً إليه قبل الخياطة، ولو كان كبيراً لم يصر مسلماً إليه إلا بعد الخياطة والتسليم اهـ. قنية وهذا يفيد تفصيلاً بين الولد الصغير والكبير فالاتخاذ يكفي في الصغير بدون تسليم، لا في الكبير، فيحمل كلامه على الصغير. وفي البزازية: اتخذ لولده الصغير ثياباً يملكها، وكذا الكبير بالتسليم، وينظر الوجه في التلميذ، فإن ذلك في حقه هبة، وهي لا تتم إلا بالقبض ولم يحصل بمجرد الاتخاذ، إلا أن يحمل الاتخاذ في حقه على التسليم، فإنه إذا سلمه ثم هرب التلميذ فليس له أن يعطيها لغيره. وعبارة البزازية: وكذا لو اتخذ لتلميذه ثياباً فأبق التلميذ، فأراد أن يدفعها لغيره، وإن أراد الاحتياط يبين وقت الاتخاذ أنها عارية ليمكنه الدفع إلى غيره، فقوله إنها عارية يفيد التسليم، لأن العارية لا تتحقق إلا بالتسليم ط. قوله: (ما لم يبين الخ) قال في البحر: وإن أراد الاحتياط يبين أنها عارية حتى يمكنه أن يدفع إلى غيره اهـ. وفي الحاوي الزاهدي برمز بم: دفع لولده الصغير قرضاً فأكل نصفه ثم أخذه منه ودفعه لآخر يضمن إذا كان دفعه لولده على وجه التمليك، وإذا دفعه على وجه الإباحة لا يضمن قال عرف به أن مجرد الدفع من الأب إلى الصغير لا يكون تمليكاً وأنه حسن اهـ. تأمل. قوله: (وفي المبتغى الخ) عبارته كما في البحر من صنع لولده ثياباً قبل أن يولد ليوضع عليها نحو الملحفة والوسادة، ثم ولدته امرأته ووضع عليها ثم مات الولد لا تکون الثياب ميراثاً ما لم يقر أن الثياب ملك الولد، بخلاف ثیاب البدن فإنه یملکها إذا لبسها كمن قال إن فلاناً كان لابساً فهو إقرار له، بخلاف ما إذا كان قاعداً على هذا البساط، أو نائماً عليه لا يكون مقراً له بذلك اهـ. وفي الهندية: قال أبو القاسم ولو جهزت المرأة لولدها الذي في بطنها ثياباً، فولدت فإن وضع الولد على الثياب فالثياب ميراث. قال الفقيه: وعندي أن الثياب لها ما لم تقر المرأة أنها جعلته ملكاً للغير، ألا ترى أنه لو كان الصبي مقدار عشر سنين أو نحو ذلك فبسطت له كل ليلة فراشاً وبسطت عليه ملحفة أو لحافاً لم يصر للولد ما لم تقل هذا لك ٦٠٧ كتاب الهبة يملكها بلبسها، بخلاف نحو ملحفة ووسادة. وفي الخانية: لا بأس بتفضيل بعض الأولاد في المحبة لأنها عمل القلب، وكذا في العطايا إذا لم يقصد به الإضرار، وإن قصده يسوي بينهم، يعطي البنت كالابن عند الثاني، وعليه الفتوى. ولو وهب في كذلك هنا، وليس هذا بمنزلة ثياب البدن اهـ: أي فإنها تصير ميراثاً عنه إذا لبسها للعرف بالتمليك منه، ويفرق بينهما وبين مسألة الاتخاذ بأن هذه فيمن سيولد، ومسألة الاتخاذ فيمن ولد ط. قوله: (يملكها بلبسها) هذا إذا كانت مهيأة عند الأب ودفعها لولده، أما لو قطعها لتخاط له فإن الولد يملكها بمجرد القطع، لكن يشكل على ذلك ما قدمناه عن الحاوي الزاهدي. قوله: (بخلاف نحو ملحفة ووسادة) لأن العرف أن الثياب تملك للولد بخلاف أثاث المنزل فإنه باق على ملك الأب أو الأم وإن انتفع به الأولاد. أقول: والعرف في ديارنا أن أهل الأم يهيئون للولد السرير وفرشه ولبس الولد، فإذا ولد ألبسوه الثياب ووضعوه في السرير المفروش، وهذا لا شك في كونه للولد كما عليه العادة في بكرها فيورث ذلك عنه إذا مات. قوله: (لأنها عمل القلب) وذلك غير مقدور له يدل عليه حديث القسم («اللهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيِمَا أَمْلِكُ فَلا تُؤَاخِذْنٍ فيِمَا تمْلكُ وَلَا أَمْلِكُ)) والمراد بما لا يملك المحبة. قوله: (وكذا في العطايا) ويكره ذلك عند تساويهم في الدرجة كما في المنح والهندية. أما عند عدم التساوي كما إذا كان أحدهم مشتغلاً بالعلم لا بالكسب لا بأس أن يفضله على غيره كما في الملتقط: أي ولا يكره. وفي المنح: روي عن الإمام أنه لا بأس به إذا كان التفضيل لزيادة فضل له في الدین. وفي خزانة المفتين: إن كان في ولده فاسق لا ينبغي أن يعطيه أكثر من قوته كيلا يصير معيناً له في المعصية اهـ. وفي الخلاصة: ولو كان ولده فاسقاً فأراد أن يصرف ماله إلى وجوه الخير ويحرمه عن الميراث هذا خير من تركه اهـ: أي للولد، وعلله في البزازية بالعلة المذكورة. قوله: (إذا لم يقصد به الإضرار) أي فلا بأس بالتفضيل، ومع قصده لا بأس بالمساواة ولا تجوز الزيادة. رملي. قوله: (وإن قصده) مصدر قصد، وعبارة المنح: وإن قصد به الإضرار، وهكذا رأيته في الخانية. قوله: (وعليه الفتوى) أي على قول أبي يوسف من أن التنصيف بين الذكر والأنثى أفضل من التثليث الذي هو قول محمد. رملي. قال في البزازية: الأفضل في هبة البنت والابن التثليث كالميراث، وعند الثاني التنصيف، وهو المختار، ولو وهب جميع ماله من ابنه جاز قضاء وهو آثم، نص عليه محمد اهـ. فأنت ترى نص البزازية خالياً عن قصد الإضرار. ٦٠٨ كتاب الهبة صحته كل المال للولد جاز وأثم. وفيها: لا يجوز أن يهب شيئاً من مال طفله ولو بعوض لأنها تبرّع ابتداء. وفيها: ويبيع القاضي ما وهب للصغير حتى لا يرجع الواهب في هبته، (ولو قبض زوج الصغيرة) أما البالغة فالقبض لها (بعد الزفاف ما وهب لها صح) قبضه ولو بحضرة الأب الصحيح لنيابته عنه وقال في الخانية: ولو وهب رجل شيئاً لأولاده في الصحة وأراد تفضيل البعض على البعض، في ذلك لا رواية لهذا في الأصل عن أصحابنا، وروي عن الإمام أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا بأس به إذا كان التفضيل له لزيادة فضل في الدين، وإن كانا سواء يكره. وروى المعلى عن أبي يوسف أنه لا بأس به إذا لم يقصد به الإضرار، وإن قصد به الإضرار سوّى بينهم، يعطي الابنة مثل ما يعطي الابن. وقال محمد رحمه الله: يعطى للذكر ضعف ما يعطى للأنثى. والفتوى على قول أبي يوسف. قوله: (كل المال للولد) أي وقصد حرمان بقية الورثة كما يتفق ذلك فيمن ترك بنتاً وخاف مشاركة العاصب. قوله: (جاز) أي صح لا ينقص. وفي بعض المذاهب: يردّ عليه قصده ويجعل متروكه ميراثاً لكل الورثة ط. قوله: (ولو بعوض) أي ولو كانت الهبة بعوض جاء للصبيّ قبل أو يحصل بعد، وظاهره ولو العوض أكثر، وأجازها محمد بعوض مساوٍ كما يذكر آخر الباب الآتي. قوله: (ويبيع القاضي إلخ) لأنه من المصلحة للصبي، وهذا مخالف لما في المبسوط. ونصه: وهب للصغير شيئاً ليس له أن يرجع فيه وليس للأب التعويض اهـ. وفي المنية: وهب للصغير فعوّض الأول من مال الابن لا يجوز. وإذا لم يجز لم يجز للواهب أن يرجع؟ وفيها عن السراجية: وهب للصغير لا يملك الرجوع، وقيل: هذا إذا نوى الصدقة اهـ. أقول: لكن في البزازية: وهب للصغير فعوّض أبوه من ماله لا يجوز، وإن عوّض فللواهب الرجوع لبطلان التعويض اهـ. وقوله من ماله: أي مال الصغير، فلو من مال الأب صح لما سيأتي في الباب الآتي من صحة التعويض من الأجنبي، وعليه فيتعين حمل عدم الرجوع فيما إذا عوض الأب أو الأجنبي من مالهما أو كان نوى الواهب عند الإعطاء الصدقة. فتأمل. قال ط: وانظر ما حكمه، وإن نظرنا إلى ما عللنا به كان واجباً إن تيقن الرجوع وكان الأب ونحوه في حكم القاضي، ويحرر. قوله: (ولو قبض زوج الصغيرة) سواء كانت ممن يجامع مثلها أو لا في الصحيح. بحر .. قوله: (فالقبض لها) لا لزوجها ولا لأبيها. بحر. قوله: (ما وهب لها) احترز به عن ديون لها فلا يملك قبضها مطلقاً. بحر. قوله: (لنيابته عنه) لأنه فوّض أمورها إليه دلالة. قال الشمني: لأنه حينئذ له عليها ولاية لكونه يعولها. ٦٠٩ کتاب الهبة فصح قبض الأب كقبضها مميزة (وقبله) أي الزفاف (لا) يصح لعدم الولاية. (وهب اثنان داراً لواحد صح) لعدم الشيوع (وبقلبه) لكبيرين (لا) عنده وفي الذخيرة: شرط بعض أصحابنا أن تكون يجامع مثلها. والصحيح أنه إذا كان يعولها يصح قبضه لها، سواء كان يجامع مثلها أو لا، لأنها لما زفت إليه أقام الأب الزوج مقام نفسه في حفظها وحفظ مالها وقبض الهبة من باب الحفظ اهـ. قوله: (فصح قبض الأب كقبضها مميزة) تفريع على العلة، لأن النائب إذا كان يملك قبض ذلك فالأصيل أولى، وقيد به لأن الأم وكل من يعولها لا يملكون القبض إلا بعد موت الأب أو غيبته غيبة منقطعة، لأن تصرف هؤلاء للضرورة لا بتفويض الأب، ولا ضرورة مع الحضور. منح. وقدم المؤلف أن الصحيح جواز قبض من يعول الصغير، ولو مع وجود الأب ط. لكن قدمنا عن الهداية والجوهرة: تصحيح عدم جواز قبض من يعوله مع عدم غيبة الأب، وبه جزم في البدائع، وأن قاضيخان وغيره صححوا الجواز، كما لو قبض الزوج والأب حاضر، وأن الفتوى عليه لاسيما وفيه نفع للصغير. والحاصل: أنه اختلف التصحيح في هذه المسألة كما سمعت، لكن لا يعدل عن تصحيح قاضيخان كما قرروا لأنه فقيه النفس. قوله: (لعدم الولاية) أي الاستيلاء عليها بالفعل، لأن ولايته عليها إنما تكون بالدخول، لأن به تصير هي وما في يدها في تصرفه عادة، وإن لم يكن له عليها ولاية شرعية فإنه لا يتصرف في مالها، وإنما يقبض هبتها بعد الدخول نيابة عن الأب. وقول الزيلعي لأنه يعولها: أي يدخلها في عياله بالفعل. وتكون تحت تصرفه هو معنى ما يفهم من قول الشارح هنا لعدم الولاية: أي قبل الزفاف فافهم أن له الولاية بعده. قال في الهندية: ولو كانت الصغيرة في عيال الجد أو الأخ أو الأم أو العم فوهب لها هبة فقبض الزوج جاز. كذا في التاترخانية، فإن أدركت لم يجز قبض الأب ولا الزوج عليها إلا بإذنها. كذا في الجوهرة. صغيرة في عيال أجنبي عالها برضا أبيها والأب غائب فقبض الأجنبي لها صحيح دون قبض الأخ. كذا في السراجية، ولو كان الصغير في عيال الجد أو الأخ أو الأم أو العم فوهب له هبة فقبض الهبة من كان الصغير في عياله والأب حاضر، اختلف المشايخ فيه، والصحيح الجواز. هكذا في فتاوى قاضيخان؛ وبه يفتى، هكذا في الفتاوى الصغرى أهـ. قوله: (وهب اثنان داراً) والمراد بها ما يقسم. قوله: (لعدم الشيوع) لأنهما سلماه جملة وهو قد قبضها جملة فلا شيوع. بحر. وفيه إشعار بأن هبة الاثنين للاثنين لا تجوز كما يأتي. قوله: (وبقلبه) وهو هبة واحد من اثنين. قوله: (لكبيرين) أي غير فقيرين وإلا كانت صدقة فتصح كما يأتي. قوله: (لا عنده للشيوع) هذا إذا لم يبين نصيب كل واحد ٦١٠ كتاب الهبة للشيوع فيما يحتمل القسمة، أما ما لا يحتملها كالبيت فيصح اتفاقاً. قيدنا بكبيرين منهما. أما إذا بين بأن قال لهذا ثلثاها ولهذا ثلثاها، أو لهذا نصفها ولهذا نصفها لا يجوز عندهما وإن قبضه. وقال محمد: يجوز إن قبضه. بحر. نظراً إلى أنه عقد واحد فلا شيوع كما إذا رهن من رجلين اهـ. داماد. وقوله للشيوع: أي لأنه هبة النصف من كل واحد منهما بدليل أنه لو قبل أحدهما فيما يقسم صحّت في حصته دون الآخر فعلم أنهما عقدان. قوله: (كالبيت) أي الصغير الذي لا يمكن أن يصير بيتين. قوله: (قيدنا بكبيرين) الأولى عدم ذكر هذا القيد، لأنه لا فرق بين الكبيرين والصغيرين والكبير والصغير عند أبي حنيفة، وقد تبع الشارح والمصنف البحر في عبارته، وظاهرها أنهما لو كانا صغيرين في عياله جاز عندهما، وفي البزازية ما يدل عليه. ولكن هذا كله على قولهما لا على قوله كما صرح به في الخانية، فراجعه إن شئت. وأصل الوهم أن صاحب المنتقى ذكر الحكم في مسألة الاثنين الصغير والكبير، غير مضاف إلى أحد فتوهم أنه قول الكل، ولو كان كذلك لبطل إطلاق المتون في قوله لا عكسه. تأمل اهـ. أقول: نص عبارة الخانية هكذا: ولو وهب داراً لابنين له أحدهما صغير في عياله كانت الهبة فاسدة عند الكل، بخلاف ما لو وهب من كبيرين وسلم إليهما جملة، فإن الهبة جائزة عند أبي يوسف ومحمد، لأن في الكبيرين لم يوجد الشيوع لا وقت العقد، ولا وقت القبض. وأما إذا كان أحدهما صغيراً فكما وهب يصير الأب قابضاً حصة الصغير، فيتمكن الشيوع وقت القبض اهـ. وأنت خبير بأن إظهار الفرق بين المسألتين مبني على قول الصاحبين القائلين بجوازها للكبيرين مع موافقتهما الإمام، بعدم جوازها الكبير وصغير، بدليل قوله كانت الهبة فاسدة عند الكل، فليست مسألة الكبير والصغير مبنية على قولهما فقط فما فهمه صاحب البحر من عبارة صاحب المنتقى أنها قول الكل صحيح لا وهم فيه، وعبارة المتون لا تنافيه كما لا يخفى على نبيه. نعم إذا قلنا إذا كان الولدان صغيرين تجوز الهبة يكون مخالفاً لإطلاق المتون عدم جواز هبة واحد من اثنين، ولكن إذا تأمل الفقيه في علة عدم الجواز على قول الإمام وهي تحقق الشيوع، يجزم بتقييد كلام المتون بغير ما إذا كانا صغيرين، لأن الأب إذا وهب منهما تحقق القبض منه لهما بمجرد العقد، بخلاف ما إذا كان أحدهما كبيراً فإن قبض الكبير يتأخر عن العقد فيتحقق الشيوع عند قبضه كما مر عن الخانية، وعبارة البزازية أوضح في إفادة المراد حيث قال: لأن هبة الصغير منعقدة حال مباشرة الهبة لقيام قبض الأب مقام قبضه، وهبة الكبير محتاجة إلى قبول فسبقت هبة الصغير، فتمكن الشيوع، والحيلة أن يسلم الدار إلى الكبير ويهبها منهما اهـ: أي فإذا سلمها إلى الكبير أولاً ثم وهبها منهما تحقق القبضان معاً وقت العقد، فلم يتمكن الشيوع، ومقتضاه أنه لو سلمها للكبيرين ثم وهبها منهما تصح فليراجع. فظهر ٦١١ كتاب الهبة لأنه لو وهب لكبير وصغير في عيال الكبير أو لابنيه صغير وكبير، لم يجز اتفاقاً. أن الأولى عدم هذا القيد لأنه لا يفيد إلا الإشارة إلى خلافهما، فكان الأولى أن لا يذكره لأنه لا فرق بين الكبيرين والصغيرين والكبير والصغير. ويقول أطلق الاثنين، فأفاد أنه لا فرق بين أن يكونا كبيرين أو صغيرين أو أحدهما كبيراً والآخر صغيراً، وفي الأولين خلافهما. تأمل. قال في الهندية: وكل ما يتخلص به من الحرام أو يتصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن ا هـ. قوله: (وصغير في عيال الكبير) صوابه في عيال الواهب كما يدل عليه كلام البحر وغيره. والذي في البحر والمنح والصغير في عياله، وعللاها تبعاً للمحيط بأنه حين وهب صار قابضاً حصة الصغير، فبقي النصف الآخر شائعاً اهـ. وهذا يدل على أن الضمير في عياله يرجع إلى الواهب،، خلافاً لما تفيده عبارة المؤلف، وهذه العلة تقال في المسألة المذكورة بعد. قوله: (لم يجز اتفاقاً) لتفرق القبض؛ لأن الصغير تتم هبته بقول أبيه: وهبته وينوب قبضه عن قبض الصغير، فبقي نصيب الكبير شائعاً فلا يصح، وإذا لم تصح الهبة للكبير لم تصح للصغير أيضاً لأنها لو صحت لكانت هبة مشاع، وبهذا تبين أن هبة الأب لابنه يشترط فيها الإفراز، وإلا لصحت الهبة للصغير، وأفاد أنها للصغيرين تصح لعدم المرجح لسبق قیض أحدهما، وحيث اتحد وليهما فلا شيوع في قبضه، ويؤيده قول الخانية: داري هذه لولدي الأصاغر يكون باطلًا؛ لأنها هبة فإذا لم يبين الأولاد كان باطلً ا هـ. فأفاد أنه لو بين صح، ولا يرد على ما مر قوله. عن الخزانة. ولو تصدق بداره على ولدين له صغيرين لم يجز؛ لأنه مخالف لما في المتون والشروح من قولهم إن الهبة لمن له عليه ولاية تتم بالعقد. سائحاني بزيادة. وفي التاترخانية عن التتمة: سئل عمر النسفي عمن أمر أولاده أن يقتسموا أرضه التي في ناحية كذا بينهم، وأراد به التمليك فاقتسموها، وتراضوا على ذلك، هل يثبت لهم الملك، أم يحتاج إلى أن يقول لهم الأب ملكتكم هذه الأراضي أو يقول لكل واحد منهم ملكتك هذا النصيب المفرز؟ فقال: لا، وسئل عنها الحسن فقال: لا يثبت لهم الملك إلا بالقسمة. وفي تجنيس الناصري: ولو وهب داراً لابنه الصغير ثم اشترى بها أخرى فالثانية لابنه الصغير، خلافاً لزفر. ولو دفع إلى ابنه مالاً، فتصرف فيه الابن يكون للابن إذا دلت دلالة على التمليك ا هـ. وفيها وسئل الفقيه: عن امرأة وهبت مهرها الذي لها على الزوج لابن صغير له وقبل الأب، قال: أنا في هذه المسألة واقف، فیحتمل الجواز کمن کان له عبد عند رجل وديعة فأبق العبد ووهبه مولاه من المودع فإنه يجوز. ٦١٢ كتاب الهبة وقيدنا بالهبة لجواز الرهن والإِجارة من اثنين اتفاقاً (وإذا تصدق بعشرة) دراهم (أو وهبها لفقيرين صح) لأن الهبة للفقير صدقة، والصدقة يراد بها وجه الله تعالى وهو واحد فلا شيوع، (لا لغنيين) لأن الصدقة على الغنيّ هبة فلا تصح للشيوع: وسئل مرة أخرى عن هذه المسألة فقال: لا يجوز. وقال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ. وفي العتابية: وهو المختار اهـ. قوله: (لجواز الرهن) إنما جاز الرهن منهما لأن حکمه الحبس الدائم وقد ثبت لكل واحد منهما کملا فلا شيوع فيه؛ ألا ترى أنه لو قضی دين أحدهما بقي كله في يد الآخر اهـ. زيلعي. قوله: (والإجارة من اثنين اتفاقاً) بأن قال أجرت الدار منكما جاز بالاتفاق، ولو فصل بقوله نصف منك أو نحوه كثلث أو ربع يجب أن يكون عند أبي حنيفة على اختلاف مر فيما إذا كان كله بينهما، وأجر أحدهما النصف من أجنبي أنه يجوز في رواية لا في رواية، إلى أن قال: وأنت على علم من إطلاق المتون قاطبة فساد إجارة المشاع إلا من الشريك، وإطلاق بعضهم صحتها من اثنين محمول على حالة الإجمال. حامدية ملخصاً. ومثله في الخيرية ويأتي في الإجارة. قوله: (وإذا تصدق الخ) هذه عبارة الجامع الصغير. قوله: (يراد بها وجه الله تعالى) والفقير نائبه. زيلعي. قوله: (وهو) أي الله سبحانه وتعالى جلت عظمته. قوله: (واحد) أي لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله بل هو أحد فرد صمد. قوله: (فلا شبوع) أشار بنفي الشيوع في هذه الصورة إلى أن الشيوع إذا تحقق في الصدقة يفسدها؛ لأنها كالهبة في ذلك كما سيأتي أواخر الباب الآتي، فإذا تصدق ببعض ما يحتمل القسمة على فقير واحد، لم يصح لتحقق الشيوع، بخلاف التصدق بكله على فقيرين لما علمته من عدم الشيوع. قال في المضمرات: ولو قال وهبت منكما هذه الدار والموهوب لهما فقير إن صحت الهبة بالإجماع. تاترخانية لكن قال بعده: وفي الأصل هبة الدار من رجلين لا تجوز، وكذا في الصدقة على غنيين، والأظهر أن في المسألة روايتين اهـ. قال في البحر: وصحح في الهداية ما ذكره المصنف في الفرق وهو رواية الجامع الصغير، وقد علم بما قدمناه أن المراد من نفي الصحة هنا نفي الملك، فلو قسمها وسلمها صحت وملكاها كما لا يخفى، والله تعالى أعلم اهـ. وفي الجوهرة: هذا هو الصحيح: يعني خلافاً لهما في تجويزهما الهبة والصدقة للغنيين أيضاً. قوله: (لا لغنيين) أي لا تجوز الصدقة بعشرة دراهم أو هبتها لغنيين وهذا قوله، وقالا: تجوز، وفي الأصل أن الهبة لا تجوز، وكذا الصدقة عنده ففي الصدقة عنه روايتان. خانية. قوله: (هبة) قال في البحر والصدقة على الغني مجاز عن الهبة كالهبة من الفقير مجاز عن الصدقة؛ لأن بينهما. اتصالاً معنوياً، وهو أن كل واحد منهما تمليك بغير بدل، فيجوز استعارة أحدهما للآخر فالهبة للفقير لا تجوز الرجوع، والصدقة على الغني تجوّز الرجوع. قوله: (للشيوع) لأن ٦١٣ كتاب الهبة أي لا تملك حتی لو قسمها وسلمها صح. فروع: وهب لرجلين درهماً: إن صحيحاً صح، وإن مغشوشاً لا لأنه مما يقسم لكونه في حكم العروض. معه درهمان فقال لرجل: وهبت لك أحدهما أو نصفهما: إن استويا لم يجز، وإن اختلفا جاز؛ لأنه شاع لا يقسم، الهبة لهما يرادان بها وهما اثنان فحصل الشيوع. قوله: (أي لا تملك) فالمراد من نفي الصحة نفي الملك على هذا الوجه. أفاده في البحر. وقد علمت أنهما قولان: الأول: أنها صحيحة، ولا تفيد الملك قبل القسمة. والثاني: أنها فاسدة وهو المفتى به، وقدم أن المفتى به أن الفاسدة تملك بالقبض، فهو مبني على ما قدمنا ترجيحه، فكيف يفسر أحد القولين بالآخر؟ فتأمل. قال في البحر: عند قوله: والصدقة كالهبة لا تصح غير مقبوضة ولا في مشاع یقسم. فإن قلت: قدم أن الصدقة لفقيرين جائزة فيما يحتمل القسمة بقوله: وصت تصدق عشرة لفقيرين. قلت: المراد هنا من المشاع أن يهب بعضه لواحد فقط فحينئذ هو مشاع يحتمل القسمة بخلاف الفقيرين فإنه لا شيوع كما تقدم اهـ. قوله: (درهماً) قال في الهندية: ولو وهب درهماً صحيحاً من رجلين، اختلفوا فيه، والصحيح أنه يجوز، والدينار الصحيح قالوا: ينبغي أن يكون بمنزلة الدرهم الصحيح. كذا في قاضيخان. قوله: (إن صحيحاً صح) لأنه هبة مشاع لا يقسم. قوله: (لكونه في حكم العروض) هذا إذا لم تكن أثماناً رائجة أما إذا كانت كذلك فليست في حكم العروض. تأمل قوله: (إن استويا) أي وزناً وجودة. خانية. قوله: (لم يجز) لأنهما إذا استويا وزناً وجودة تكون هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، لأنه لا يجبر على القسمة. منح. قوله: (وإن اختلفا) بأن كان أحدهما أثقل أو أجود. هندية. وظاهره أن هذا التفصيل يجري فيما لو قال له وهبت لك أحدهما، وجعله في الهندية وعزاه إلى الخانية قاصراً على ما إذا قال نصفهما لك، أما إذا قال أحدهما لك هبة لم يجز، سواء كانا سواء أو مختلفين اهـ. ولعله لأنهما إذا كانا سواء كانا مما يحتمل القسمة، وإن كانا مختلفين فللجهالة. والحاصل: أن الهبة في الأولين تناولت أحدهما، أما في قوله أحدهما فظاهر، وأما في قوله نصفهما، لأنه تجري فيه القسمة جبراً باتحاد الجنس فكان له أحدهما، وهو مجهول، فلا يجوز، وفي الثاني تناولت قدر درهم منهما، وهو مشاع لا يحتمل القسمة فيجوز، وأن كلام الشارح بقوله وإن اختلفا جاز مخالف لما في الخانية كما علمت، فإنه ٦١٤ كتاب الهبة ولذا لو وهب ثلثهما جاز مطلقاً. تجوز هبة حائط بين داره ودار جاره لجاره وهبة البيت من الدار فهذا يدل على كون سقف الواهب على الحائط واختلاط البيت بحيطان الدار لا يمنع صحة الهبة. مجتبی . ذكر هذا التفصيل فيما إذا قال نصفهما ثم قال: وإن قال أحدهما لك هبة لم يجز سواء كانا سواء أو مختلفين. قال في منية المفتي: دفع ثوبين إلى رجلين فقال أيهما شئت فهو لك والآخر لفلان، فإن بين الذي له قبل أن يفترقا جاز، وإلا فلا. قوله: (ولذا) أي لكونه مشاعاً لا يقسم. قوله: (جاز) هذا يفيد أن المراد بقوله سابقاً أو نصفهما واحد منهما لا نصف كل، وإلا فلا فرق بينه وبين الثلث في الشيوع، بخلاف حمله على أن المراد أحدهما فإنه مجهول فلا يصح. قوله: (مطلقاً) أي مستويين أو مختلفين. منح. قوله: (يدل الخ) هذه الدلالة غير ظاهرة، إذ لا يلزم من كون الحائط بين الدارين كون سقف الواهب عليه، ولا كون البيت من الدار اختلاطه بحيطان الدار تأمل. قال ط: فهذا يدل: أي من حيث الإطلاق، وإلا فلا صراحة في كلامه بذلك. وفي الهندية عن جواهر الأخلاطي: إذا وهب نصيباً له في حائط أو طريق أو حمام وسمى وسلطه على القبض فهي جائزة، كما لو وهب بيتاً له لآخر مع جميع حدوده وحقوقه مقسوماً مفروغاً فقبضه الموهوب له بإذن الواهب لكن ممرّ البيت مشترك بينه وبين آخر جاز ا هـ. وفي الذخيرة: هبة البناء دون الأرض جائزة. وفي الفتاوى عن محمد: فيمن وهب لرجل نخلة وهي قائمة لا يكون قابضاً لها حتى يقطعها ويسلمها إليه، وفي الشراء إذا خلى بينه وبينها صار قابضاً لها كما في متفرقات التاترخانية، وقدمنا نحوه عن حاشية الفصولين للرملي، وسيأتي تمامه قريباً. قوله: (لا يمنع صحة الهبة) المراد لا يمنع تملكها إذا قبضها کذلك ط . قال سيدي الوالد في تنقيحه: في جواب سؤال حاصله: إذا وهبت امرأة من أولادها حصة من بناء طاحونة هل تصح أم لا؟ فأجاب: أما هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة، فهي صحيحة كما صرح به في المعتبرات، لكن في هذه المسألة وهبة البناء دون الأرض لا تصح إلا إذا سلطه الواهب على نقضه . قال في الدرر: وكذا تجوز هبة البناء دون العرصة إذا أذن الواهب في نقضه وهبة أرض فيها زرع دونه: أي دون الزرع أو نخل فيها ثمر دونه: أي دون الثمر إذا أمره: ٦١٥ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة بابُ الرجوع في الهبةِ أي الموهوب له بالحصّاد في الزرع والجذاذ في الثمر؛ لأن المانع للجواز الاشتغال بملك المولى، فإذا أذن المولى في النقض والحصاد والجذاذ، وفعل الموهوب له زال المانع، فجازت الهبة اهـ. ونقله في المنح عنها وأقره. وأفتى المرحوم عماد الدين عن سؤال رفع إليه وصورته: فيما إذا كان لزيد عمارة قائمة في أرض الغير، فملك زيد العمارة المزبورة لزوجته، ولم يأذن لها بنقض العمارة، فهل يكون التمليك غير صحيح أم لا؟ الجواب: نعم يكون التمليك غير صحيح، فلينظر في مسألتنا هل سلطته على نقضه أم لا؟ فعند ذلك يظهر الجواب، والله أعلم بالصواب. قال في الفتاوى الهندية من الهبة: ومنها أن يكون الموهوب مقبوضاً حتى لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض وأن يكون مقسوماً إذا كان مما يحتمل القسمة، وأن یکون متميزاً عن غير الموهوب، ولا يكون متصلاً ولا مشغولاً بغير الموهوب، حتى لو وهب أرضاً فيها زرع للواهب، دون الزرع أو عكسه أو نخلاً فيها ثمرة للواهب معلقة به دون الثمرة أو عكسه لا يجوز، وكذا لو وهب داراً أو ظرفاً فيها متاع للواهب. كذا في النهاية اهـ. وعلى هذا فقول البزازية: وهب البناء لا الأرض يجوز يحمل إطلاقه على ما إذا أذن له الواهب في نقضه كما هو صريح الدرر وجامع الفتاوى كما تقدم، لكن أفتى مفتي الروم علي أفندي بمقتضى إطلاق البزازية بالجواز من غير قيد كما في فتاواه التركية الشهيرة، والله أعلم. أقول: وما في البزازية نقل مثله في نور العين عن المنية، ومثله في التاترخانية عن الذخيرة حيث قال: هبة البناء دون الأرض جائزة، ولو وهب لرجل نحلة: وهي قائمة لا يكون قابضاً لها حتى يقطعها ويسلمها إليه اهـ. هذا والموافق للمتون ما مر عن الدرر لقول الكنز وغيره: تصح في محوز مقسوم ومشاع لا يقسم، ويظهر لي التوفيق بين كلامهم بأن من قال كالدرر لا تصح إلا إذا سلطه الواهب على نقضه معناه لا تتم، ولا تملك إلا إذا أذن له الواهب بالنقض ونقضه؛ لأنه بعد النقض صار محوزاً مسلماً، ومن قال تصح ولم يقيد بذلك أراد أنه يصح العقد، وإن لم يفد الملك وحينئذ فلا تنافي بين الكلامين ا هـ مختصراً. وتمام تحقيقه ثمة فراجعه، والله تعالى أعلم وأستغفر الله العظيم. بَابُ الرُّجُوعِ في الهبةِ بمعنى الموهوب لأن الرجوع إنما يكون في حق الأعيان لا في حق الأقوال، ولو وهب الدين من غير من عليه الدين وسلطه على قبضه، وقبل وقبض له الرجوع لأن الهبة هنا تمليك لا إسقاط. حموي. بخلاف هبته ممن هو عليه فلا رجوع فيها لأنها إسقاط، والساقط لا يعود. درر منتقى. ويصح الرجوع فيها كلَّ أو بعضاً ملتقى فلا يمنع الشيوع ٦١٦ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة (صح الرجوع فيها بعد القبض)، أما قبله فلم تتم الهبة كما لو وهبا عبداً لأحدهما الرجوع، وأطلق في الرجوع في الهبة فانصرف إلى الأعيان، فلا رجوع في هبة الدين للمديون بعد القبول، بخلافه قبله لكونه إسقاطاً. بحر. وسيأتي آخر الفصل عند الكلام على النظم عبارة البحر وأنه اشتبه عليه الرد بالرجوع، فتأمل. وفي البحر: لا يخفى حسن تأخير هذا الباب، ودخل في الهبة الهدية، فإن للمهدي الرجوع كما في المنية وغيرها. در منتقى. وأخرج بالهبة الصدقة: أي للفقير فإنه لا يصح الرجوع فيها لأن القصد فيها الثواب وقد حصل. حموي. والمراد بالهبة ما كان هبة لغني، فلو كانت الفقير فلا رجوع لأنها صدقة. شرنبلالية. قوله: (صح الرجوع فيها) أي في الهبة الصحيحة بعد القبض، وأشار بذكر الصحة دون الجواز إلى أنه يكره الرجوع فيها كما يأتي، وإنما صح لقوله عليه الصلاة والسلام (الوَاهِبُ أَحَقُ بِبَتِهِ مَا لَمْ يُقَبْ))(١) أي يعوض. وقال الشافعي: لا يصح إلا في هبة الوالد لولده لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا يَرْجِعُ الوَاهِبُ في هِبَتِهِ، إِلَّ الوَالِدَ فيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ»(٢) ونحن نقول: المراد نفي الاستبداد في الرجوع والتملك للحاجة. وفي المقدسي: لا ينبغي أن يشتري الواهب الموهوب من الموهوب له لأنه يستحي فيأخذه بأقل من قيمته اهـ. وقد سمعنا أن بعض قضاة الزمن السابق کان لا يشتري من بعض أهل محلته خوف المراعاة، بخلاف بعض قضاة زماننا فإنهم متى أمكنهم الشراء بأنفسهم لا يعدلون عنه ليأخذوا الكثير بالقليل للمراعاة والخوف، بل بعضهم له مكس على البياعين. قال في الهندية: وألفاظ الرجوع: رجعت في هبتي، أو ارتجعتها، أو رددتها إلى ملكي، أو أبطلتها وأنقضتها، فإن لم يتلفظ بذلك ولكنه باعها أو رهنها أو أعتق العبد الموهوب أو دبره لم يكن ذلك رجوعاً، وكذا لو صبغ الثوب أو خلط الطعام بطعام نفسه لم يكن رجوعاً، ولو قال إذا جاء رأس الشهر فقد ارتجعتها لم يصح. كذا في الجوهرة النيرة اهـ. وفيها يجب أن يعلم بأن الهبة أنواع: هبة لذي رحم محرم، وهبة لأجنبي، أو الذي رحم ليس بمحرم. أو لمحرم ليس بذي رحم. وفي جميع ذلك للواهب حق الرجوع قبل التسليم. كذا في الذخيرة سواء كان حاضراً أو غائباً أذن له في قبضه أو لم يأذن له. كذا في المبسوط، وبعد التسليم ليس له حق الرجوع في ذي الرحم المحرم، وفيما سوى ذلك له حق الرجوع إلا أن بعد التسليم لا ينفرد الواهب بالرجوع، بل يحتاج فيه إلى القضاء أو الرضا، وقبل التسليم ينفرد الواهب بذلك. كذا في الذخيرة. قوله: (فلم تتم الهبة) يعني (١) أخرجه البيهقي في السنن ١٨١/٦ والدارقطني ٤٤/٣ وذكره المتقي الهندي في الكنز (٤٦١٦١). (٢) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٤/ ١٢٤. ٦١٧ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة (مع انتفاء مانعه) الآتي (وإن كره) الرجوع تحريماً، وقيل تنزيهاً. نهاية. ولو مع لو وجد الإيجاب والقبول ثم امتنع عن التسليم، فإنه لا يسمى رجوعاً لأن الهبة لم تتم فلم يخرج الموهوب عن ملك واهبه، فلا يقال إن له رجوعاً فيه، ولا فرق بين ذي الرحم والزوجين، وغير ذلك والظاهر أنها لا تخلو عن الكراهة لأنها لا تنزل عن الوعد بل هي فوقه. قوله: (مع انتفاء مانعه الآتي) المشار إليه بدمع خزقة. قوله: (وإن كره تحريماً) بهذا حصل الجمع بين قوله﴿((لَا بِحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةٍ أَوْ بِب هِبَة فَيْرْجِعُ فيهَا، إِلَّ الوَالِدَ فيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ)(١) ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه، وبين قوله عليه الصلاة والسلام ((مَنْ وَهَبَ عِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا))(٢) اهـ. فبالثاني ثبت الرجوع وبالأول ثبتت كراهة التحريم، ويثب بضم الياء التحتية وفتح المثلثة مضارع مجهول مجزوم من أثاب يثيب: أي عوض. كذا ضبطه عزمي زاده. قال في الدرر المراد بالحديث الأول: أن الواهب لا ينفرد بالرجوع بلا قضاء، ولا رضا إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك، فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته: أي للإنفاق، وسمي ذلك رجوعاً نظراً إلى الظاهر وإن لم يكن رجوعاً حقيقة، على أن هذا الحكم غير مختص بالهبة، بل الأب إذا احتاج له الأخذ من مال ابنه ولو غائباً، ولو لم يحتج لا يجوز له الأخذ اهـ ملخصاً ط. أو المراد: أنه لا يحل الرجوع بطريق الديانة والمروءة، وهو كقوله عليه الصلاة والسلام ((لَا يِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَبِيتَ شَعْبَانَ وَجَارُهُ إِلَىَ جَنْبِهِ طَاوٍ)) أي لا يليق ذلك بالديانة والمروءة وإن كانَ جائزاً في الحكم. نهاية. وقال الزيلعي بعد ما أجاب بما أجاب به صاحب الدرر: على أنا لا نسلم أن الحديث الذي رواه ينافي الرجوع؛ لأنه خبر عن قبحه، فمعناه: أنه لا يليق به أن يرجع فيه إلا الواهب فيما يهبه لولده، ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام ((المُؤْمِنُ لَا يَكْذِبُ)) وقوله عليه الصلاة والسلام (الزَّانِ لَا يَزْنٍِ وَهُوَ مُؤمِنٌ))(٣) أي لا يليق به أن يكذب أو يزني وهو مؤمن، لا أنه ينافي صفة الإيمان به، بل هو قبيح ومع الإيمان أقبح فكذا هذا الخ: أي قبيح من حيث العادة لا الشرع؛ لأن الشرع مكنه من الرجوع، وبمذهب الإمام الشافعي قال الإمام مالك وأحمد في ظاهر مذهبه. عزمي زاده. قوله: (وقيل تنزيهاً) أخذاً من قول المبسوط إنه غير مستحب، ولا دلالة فيه على أن الكراهة للتنزيه، فإن المكروه تحريماً والحرام غير (١) أخرجه أحمد في المسند ٢٣٧/١ وأبو داود (٣٥٣٩) والترمذي (٢١٣٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح والنسائي ٢٦٥/٦ وابن ماجة (٢٣٧٧) وابن حبان كذا في الموارد (١١٤٨) والحاكم في المستدرك ٤٦/٢. (٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٤٧/١١ والدارقطني في السنن ٤٣/٣. (٣) أخرجه البخاري ١١٩/٥ (٢٤٧٥) ومسلم ٧٦/١ (١٠٠ - ٥٧). ٦١٨ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة إسقاط حقه من الرجوع فلا يسقط بإسقاطه. خانية. وفي الجواهر: لا يصح الإبراء عن الرجوع، ولو صالحه من حق الرجوع على شيء صح وكان عوضاً عن الهبة، لكن سيجيء، مستحب، وقول الزيلعي: الرجوع قبيح صريح في أن الكراهة للتحريم، إذ لا يقال للمكروه تنزيهاً قبيح؛ لأنه من قبيل المباح أو قريب منه. قال في المنح: وقد وصف الرجوع بالقبح الزاهدي والحدادي وكثير من الشارحين، ومن ثم اخترنا كراهة التحريم. قال في الفتاوى الغيائية: الرجوع في الهبة مكروه في الأحوال كلها ويصح. وكذا في التاترخانية انتهى. ودليل الكراهة التحريمية خاص من السنة، وهو الحديث المتقدم، وروى الكرخي عن أصحابنا أنه حرام. قوله: (فلا يسقط الخ) علم من هذا أن الإسقاط لا يكون في كل حق، فإن بعض الحقوق لا تسقط وإن أسقطها صاحبها كهذا الحق كما في البزازية، فهو نظير الميراث والاستحقاق في الوقف يثبت جبراً فلا يسقط بالإسقاط. قوله: (وكان عوضاً الخ) أي أن حق الرجوع لا يسقط بالإسقاط لا مجاناً ولا بعوض، وإنما يسقط الرجوع بجعل العوض عوضاً عن الهبة والتعويض عن الهبة يمنع من الرجوع كما يأتي في الموانع. قوله: (لكن سيجيء) أي نقلاً عن المجتبى، وسيقول الشارح إنه لم ير من صرح به غيره وإن فروع المذهب مطلقة، ولا يخفى ما قاله ابن وهبان: أن ما تفرد به الزاهدي لا يعوّل عليه، مع أن كلَّ مؤول بأن العوض إذا لم ينص عليه أنه عوض عنها لا يكون مانعاً من الرجوع، ويكون لكل من الواهبين أن يرجع في هبته، ويكون معنى قوله إذا كان مشروطاً في العقد: أي عقد التعويض، ولذا قال بعده: فأما إذا عوضه بعده فلا وهي هبة مبتدأة، وهذا قد صرحوا به أنه عند عدم التصريح بالتعويض لكل منهما أن يرجع، فتوافق عبارة المجتبى بقية نصوص الفقهاء، وظاهر كلام الخير الرملي والخير بن إلياس في كتابتهما على منح الغفار تسليم ما في المجتبى من هذا الشرط: وقد علمت أنه بهذا المعنى غير مسلم له لإطلاق المتون والشروح والفتاوى صحة التعويض من غير اشتراطه في عقد الهبة، فيتعين تخطئته لو لم يحمل العقد على عقد العوض كما سمعت، وهذا لا يمنع منه ظاهر عبارة المجتبى. قال في المنح بعد نقل عبارة الجوهرة: وهو مخالف لما وقع في المجتبى معزياً إلى شرح القدوري من قوله إنما يسقط الرجوع إذا كان مشروطاً في العقد، فأما إذا عوضه بعده فلا، وهي هبة مبتدأة. قال الرملي: وقد يقال: ما في الجواهر لم يدخل في كلام المجتبى، إذ ما في الجواهر صلح عن حق الرجوع نصاً، وقد صح الصلح فلزم سقوطه ضمناً، بخلاف ما لو أسقطه ٦١٩ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهية اشتراطه في العقد (ويمنع الرجوع فيها) حروف (دمع خزقة) يعني الموانع السبعة الآتية (فالدال الزيادة) في نفس العين، قصداً فكم من شيء يثبت ضمناً ولا يثبت قصداً وليس بحق مجرد حتى يقال يمنع الاعتياض عنه كما هو ظاهر، وما في المجتبى مسألة أخرى، فتأمله. قوله: (اشتراطه) أي العوض لكن سيجيء البحث في هذا الاشتراط. قوله: (ويمنع الرجوع) أي ومنع الرجوع في الهبة الموانع الآتي تفصيلها. قوله: (حروف دمع خزقة) أي منحوتها: أي مرموزها قيل هو من نظم الإمام النسفي وقيل لغيره. در منتقى. قال البرجندي: هذا التركيب لمجرد الضبط، وليس معه معنى يعتد به اهـ. وغاية ما يتكلف له أن يكون دمع خزقة فاعل يمنع، وفي الصحاح: خزقتهم بالنبل: أصبتهم بها اهـ. فالمعنى: إصابة دمع. وفي الدرر: الخزق: الطعن، والخازق: السنان، فكأنه شبه الدمع بالسنان اهـ. وهذا وما قبله يفيد تنوين دمع، وأن خزق فعل ماض والهاء ضمير يرجع إلى الشخص. قال القهستاني: والمعنى التركيبي أن دمعه لكثرته كأن أطرافه نصول تجرح وجعه، وله ضوابط أخر كخزع قدمه: أي تخلف ودنى عز خدمه وزعق خدمه: أي صاح. وفي القهستاني عن العمادي أنه الرجوع يصح في الفاسدة وإن وجد أحد الموانع، لأن المقبوض منها مضمون بعد الهلاك فله الرجوع قبله اهـ. فالمانع إنما هو في الصحيحة ط والنظم المنسوب للنسفي هو بیت مفرد وهو: [الرجز] وَيَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي فَصْلِ الهِبّه يَا صَاحِبِي حُروُفُ دَفْع خَزِقَةْ قال الرملي: قد نظم ذلك ولدي العلامة شيخ الإسلام محيي الدين فقال: [الكامل) مَنَعَ الرُّجُوعَ مِنَ المَواهِبِ سَبْعَةٌ فَزِيَادَةٌ مَوْصُولَةٌ مَوْتٌ عوَضْ وَخُرُوجُهَا عَنْ مِلْك مَوْهُوبٍ لَهُ زَوْجِيَّةٌ قُرْبٌ مَلَكٌ قَدْ عَرَضْ قوله: (يعني الموانع السبعة الآتية) بقي ثامن وهو ما ذكره في المبسوط ومنية المفتي من أنه إذا وهب للصغير شيئاً لا يرجع به اهـ. لكن قدمنا عن البزازية عند قول الشارح: ويبيع القاضي الخ أنه لو وهب للصغير فعوضه أبوه من ماله لا يجوز، وإن عوض فللواهب الرجوع لبطلان التعويض وإن عدم الرجوع فيما إذا عوض الأب أو الأجنبي من مالهما أو كان نوى الواهب الصدقة عند الإعطاء فلا تنسه. قوله: (الزيادة في نفس العين) قيد به لأنها لو كانت في قيمتها لا يمنع لأنها حينئذ لرغبة الناس إذ العين بحالها. ذكره الشمني. ومثله في الهندية، وفيها: وكذا إذا زاد في نفسه من غير أن يزيد في القيمة: أي فله الرجوع ولو نقله من مكان إلى مكان حتى ازدادت قيمته واحتاج إلى مؤنة النقل ذكر في المنتقى أنه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ينقطع الرجوع، ولو وهب عبداً كافراً فأسلم في يد الموهوب له أو وهب عبداً حلال الدم فعفا ولي الجناية في يد الموهوب /٦٢٠ كتاب الهية / باب الرجوع في الهبة الموجبة لزيادة القيمة (المتصلة) وإن زالت قبل الرجوع كأن شبّ ثم شاخ له لا يرجع، ولو كانت الجناية خطأ فقداه الموهوب له لا يمنع الرجوع، ولا يسترد الفداء كذا في التبيين، وإن رجع قبل أن يفديه فالجناية على العبد يدفعه الواهب بها أو يفديه. كذا في المبسوط. ولو قطعت يده وأخذ الموهوب له أرشه كان للواهب أن يرجع ولا يأخذ الأرش. كذا في البحر اهـ. وقيد بالزيادة لأن النقصان كالحبل وقطع الثوب، سواء كان بفعل الموهوب له أو لا غير مانع. وفي الهندية عن المبسوط: وإذا أراد الواهب الرجوع وهي حبلى، فإن كانت قد ازدادت خيراً فليس له أن يرجع فيها، وإن كانت قد ازدادت شراً فله أن يرجع فيها، والجواري في هذا تختلف منهن إذا حبلت سمنت وحسن لونها فکان ذلك زيادة في عينها فيمتنع الرجوع، ومنهن إذا حبلت اصفرّ لونها ودقّ ساقها فيكون ذلك نقصاً فيها لا يمنع الواهب من الرجوع اهـ. وينبغي حمل هذا على ما إذا كان الحبل من غير السيد: أي الموهوب له، أما إذا كان منه فلا رجوع؛ لأنها ثبت لها منه بالحمل وصف لا يمكن زواله وهو أنها تأهلت لكونها أم ولده كما إذا ولدت منه بالفعل كما ذكره أبو السعود عن شيخه وأقره الحموي، وذكره بعض المتأخرين تفقهاً، وقد ذكروا أن الموهوب له إذا دبر العبد الموهوب انقطع الرجوع، لكن قال في السراج الوهاج. ولو وهب له جارية فحبلت في يد الموهوب له فأراد الرجوع فيها قبل انفصال الولد لم يكن له ذلك؛ لأنها متصلة بزيادة لم تكن موهوبة؛ لأن الولد يحدث جزءاً فجزءاً فلا يصل إلى الرجوع فيما وهب إلا بالرجوع فيما لم يهب كالزيادة المتصلة اهـ. وقد ذكر الزيلعي أن الحبل لو لم تزد به فللواهب الرجوع فيها لأنه نقصان اهـ. فتأمل ما بينهما. قلت: وذكر في النهر في باب خيار العيب: أن الحبل عيب في بنات آدم لا في البهائم اهـ. فتأمل. قوله: (الموجبة لزيادة القيمة) بالرفع صفة لزيادة أما إذا كانت الزيادة في العين لا توجب الزيادة في القيمة، أما المنقصة التي توجب نقصاً في السعر كطول فاحش تنقص به القيمة وكبر طحال فإنه لا ينقطع به حق الرجوع كما في محيط السرخسي. أقول: وينبغي أن يكون السمن المفرط كالطول الفاحش، فإنه ينقص القيمة أيضاً، فلا ينقطع به حق الرجوع فتأمل. قال في البحر: وخرج الزيادة في العين فقط كطول الغلام، وفداء الموهوب له لو كان الموهوب جنی خطأ اهـ. وتمامه فيه. لكن سيأتي قريباً عن قاضيخان ما ينافيه. قوله: (المتصلة) قيد بها لأن المنفصلة غير مانعة من الرجوع في الأصل والزيادة للموهوب له، بخلاف الرد بالعيب حيث يمتنع بزيادة الولد كما يأتي. قوله: (وإن زالت قبل الرجوع كأن