النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب الإيداع
فهو إيداع (والقبول من المودع صريحاً) كقبلت (أو دلالة) كما لو سكت عند وضعه
وفيه أيضاً عن الذخيرة: ولو قال لم أقبل حتى لم يصر مودعاً وترك الثوب ربه
فذهب فرفعه من لم يقبل وأدخله بيته ينبغي أن يضمن لأنه لما ثبت الإيداع صار غاصباً
برفعه.
يقول الحقير: فيه إشكال، وهو أن الغصب إزالة يد المالك ولم توجد ورفعه الثوب
لقصد النفع لا للضرر بل ترك المالك ثوبه إيداع ثان ورفع من لم يقبل قبول ضمناً،
فالظاهر أنه لا يضمن، والله تعالى أعلم ا هـ.
وفي البحر عن الخلاصة: لو وضع عند قوم فذهبوا وتركوه ضمنوا إذا ضاع، وإن
قاموا واحداً بعد واحد ضمن الأخير لأنه تعين للحفظ فتعين للضمان اهـ. فكل من
الإيجاب والقبول فيه غير صريح كمسألة الخاني الآتية قريباً بل بطريق الدلالة.
أقول: لكن في النفس شيء من بحث نور العين في مسألة البقار، وهو أن البقار لما
لم يقبل البقرة لم يصر مودعاً قطعاً والرسول لما أدى الرسالة انتهت يده المأذون بها من
المالك وصار كل منهما أجنبياً في حق حفظ البقرة والبقرة في حكم اللقطة حينئذ، فإذا أمر
أجنبياً برفع اللقطة وحفظها لربها لا يضمن. الآمر قطعاً، فكذا لا يضمن هنا. وأما
تضمين الرسول فلا وجه له أيضاً لأنه من قبيل من رد الضالة لربها وهو مأذون به عادة،
هذا ما ظهر لي فليراجع.
فرع في جامع الفصولين: لو أدخل دابته دار غيره وأخرجها رب الدار لم يضمن
لأنها تضر بالدار، ولو وجد دابة في مربطه فأخرجها ضمن. قوله: (فهو إيداع) أي
الوضع المرقوم إيداع.
وفي الفصولین في الغصب: والوديعة إذا وضع بين يدي المالك باریء لا في الدین
حتى يضعه في يده أو حجره اهـ. فصار ابتداء الإيداع وانتهاؤه سواء. قوله: (أو دلالة
كما لو سكت) أي فإنه قبول. وبعد أن ذكر هذا في الهندية قال: وضع شيئاً في بيته بغير
أمره فلم يعلم حتى ضاع لا يضمن لعدم التزام الحفظ.
وضع عند آخر شيئاً وقال احفظه فضاع لا يضمن لعدم التزام الحفظ اهـ. ويمكن
التوفيق بالقرينة الدالة على الرضا وعدمه. سائحاني. قوله: (دلالة) أي حالية، ولو قال لا
أقبل لا يكون مودعاً لأن الدلالة لم توجد ذكره المصنف، والأولى ما في شرح المنتقی حیث
قال: لأن الدلالة لا تعارض الصريح اهـ. ومثله في كثير من الكتب. فظهر من هذا
سقوط ما في القنية من أول كتاب الوديعة: وضع عنده شيئاً وقال له احفظه حتى أرجع
فصاح لا أحفظه وتركه صاحبه صار مودعاً، ويضمن إن ترك حفظه فهو مشكل لأن فيه
تقديم الدلالة على الصريح، بخلاف ما إذا قال ضعه في الجانب من بيتي إلا أني لا ألتزم

٤٤٢
كتاب الإبداع
فإنه قبول دلالة كوضع ثيابه في حمام بمرأى من الثياب. وكقوله: لربّ الخان أين
حفظه حتى يصير مودعاً لتعارض الصريحين فتساقط فبقي وديعة عنده. قوله: (بمرأى من
الثيابي) ولا يكون الحمامي مودعاً ما دام الثيابي حاضراً، فإذا كان غائباً فالحمامي مودع
اهـ. بحر.
وفيه عن الخلاصة: لبس ثوباً فظن الثیابي أنه ثوبه فإذا هو ثوب الغير ضمن وهو
الأصح اهـ: أي لأنه بترك السؤال والتفحص يكون مفرطاً فلا ينافي ما يأتي من أن اشتراط
الضمان على الأمين باطل. أفاده أبو السعود. والثيابي: بكسر الثاء المثلثة هو حافظ الثياب
في الحمام، وهو المعروف في بلادنا بالناطور. قال في القاموس: محمود بن عمر المحدث:
الثيابي كان يحفظ الثياب في الحمام ا هـ.
وفي الذخيرة: رجل دخل الحمام وقال لصاحب الحمام احفظ الثياب فلما خرج لم
يجد ثيابه، فإن أقر صاحب الحمام أن غيره رفعها وهو يراه ويظن أنه رفع ثياب نفسه فهو
ضامن، لأنه ترك الحفظ حيث لم يمنع القاصد وهو يراه، وإن أقر إني رأيت واحداً قد
رفع ثيابك إلا أني ظننت أن الرافع أنت فلا ضمان عليه، لأنه لم يصر تاركاً للحفظ لما ظن
أن الرافع هو؛ وإن سرق وهو لا يعلم به فلا ضمان عليه إن لم يذهب عن ذلك الموضع
ولم يضيع وهو قول الكل؛ لأن صاحب الحمام مودع في حق الثياب إذا لم يشترط له بإزاء
حفظه الثياب أجراً، أما إذا شرط له بإزاء حفظ الثياب أجراً وقال الأجرة بإزاء الانتفاع
بالحمام والحفظ فحينئذ يكون على الاختلاف، وإن دفع الثياب إلى الثيابي وهو الذي يقال
بالفارسية جامه دار فعلى الاختلاف لا ضمان عليه فيما سرق عند أبي حنيفة خلافاً لهما
لأنه أجير مشترك.
رجل دخل الحمام ونزع الثياب بين يدي صاحب الحمام ولم يقل بلسانه شيئاً فدخل
الحمام ثم خرج ولم يجد ثيابه: إن لم يكن للحمام ثيابي يضمن صاحب الحمام ما يضمن
المودع، وإن كان للحمام ثيابي إلا أنه لم يكن حاضراً فكذلك، وإن كان حاضراً لا يضمن
صاحب الحمام، لأن هذا استحفاظ إلا إذا نص على استحفاظ صاحب الحمام، بأن قال
له أين أضع الثياب فيصير صاحب الحمام مودعاً فيضمن ما يضمن المودع.
وفي التجنيس: رجل دخل الحمام ونزع الثياب بمحضر من صاحب الحمام ثم
خرج فوجد صاحب الحمام نائماً وسرقت ثيابه، إن نام قاعداً أو مضطجعاً بأن وضع
جنبه على الأرض، ففي الوجه الأول لا يضمن، وفي الوجه الثاني قال بعضهم: يضمن
اهـ.
وفي الفصول العمادية: رجل دخل حماماً وقال للحمامي أين أضع ثيابي فأشار
الحمامي إلى موضع فوضعه ثمة ودخل الحمام ثم خرج رجل ورفع الثياب فلم يمنعه

٤٤٣
كتاب الإيداع
أربطها فقال هناك، كان إبداعاً. خانية. وهذا في حق وجوب الحفظ؛ وأما في حق
الأمانة فتتم بالإيجاب وحده، حتى لو قال للغاصب أودعتك المغصوب برىء عن
الضمان وإن لم يقبل. اختيار.
(وشرطها كون المال قابلاً لإثبات اليد عليه) فلو أودع الآبق أو الطير في
الحمامي لما أنه ظنه صاحب الثوب ضمن الحمامي لأنه استحفظه وقد قصر في الحفظ،
وهذا قول ابن سلمة وأبي نصير الدبوسي. وكان أبو القاسم يقول: لا ضمان على
الحمامي، والأول أصح اهـ.
أقول: وهو الموافق لما مر قريباً عن الذخيرة.
وفي فتاوى الفضلي: امرأة دخلت الحمام ودفعت ثيابها إلى المرأة التي تمسك الثياب
فلما خرجت لم تجد عندها ثوباً من ثيابها: قال محمد بن الفضل: إن كانت المرأة دخلت
أولاً في هذا الحمام ودفعت ثيابها إلى التي تمسك الثياب فلا ضمان على الثيابية في قولهم إذا
لم تعلم أنها تحفظ الثياب بأجر، لأنها إذا دخلت أول مرة ولم تعلم بذلك ولم تشترط لها
الأجر على الحفظ كان ذلك إبداعاً، والمودع لا يضمن عند الكل إلا بالتضييع؛ وإن كانت
هذه المرأة قبل هذه المرأة قد دخلت الحمام وكانت تدفع ثيابها إلى هذه الممسكة وتعطيها
الأجر على حفظ الثياب فلا ضمان عليها عند أبي حنيفة، خلافاً لهما لأنها أجيرة
مشتركة. والمختار في الأجير المشترك قول أبي حنيفة، وقيل هو قول محمد، والفتوى على
قول أبي حنيفة أن الثيابي لا يضمن إلا بما ضمن المودع. وذكر قاضيخان أنه ينبغي أن
يكون الجواب في هذه المسألة عندهما على التفصيل إن كان الثيابي أجير الحمامي يأخذ منه
كل يوم أجراً معلوماً بهذا العمل لا يكون ضامناً عند الكل بمنزلة تلميذ القصار والمودع
اهـ.
وفي منهوات الأنقروي: دخل الحمام فوضع الحارس له الفوطة ليضع ثيابه عليها فنزع
أثوابه ووضعها على الفوطة ودخل واغتسل وخرج ولم يجد عمامته هل يضمنها الحارس؟
أجاب: نعم يضمنها لأنه استحفظ وقد قصر في الحفظ. كذا في فتاوى ابن نجیم.
وفي زماننا الثيابي أجير مشترك بلا شبهة، والمختار في الأجير المشترك الضمان
بالنصف، فعلى هذا ينبغي أن يفتى في الثيابي بضمان النصف. تأمل اهـ. قوله: (كان
إبداعاً) هذا من الإيجاب والقبول دلالة. قوله: (وهذا) أي اشتراط القبول أيضاً. قال في
المنح: وما ذكرنا من الإيجاب والقبول شرط في حق وجوب الحفظ، وأما في حق الأمانة
فتتم بالإيجاب اهـ. والمراد بحق الأمانة أنه لا يكون مضموناً. قوله: (وإن لم يقبل) قد مر
أن القبول صريح ودلالة فنفيه هنا بمعنى الرد، أما لو سكت فهو قبول دلالة. والحاصل:
أن المراد نفي القبول بقسميه فتأمل. قوله: (وشرطها كون المال قابلًا الخ) فيه تسامح إذ

٤٤٤
كتاب الإبداع
الهواء لم يضمن (وكون المودع مكلفاً شرط لوجوب الحفظ عليه) فلو أودع صبياً
فاستهلكها لم يضمن، ولو عبداً محجوراً ضمن بعد عتقه
المراد إثبات اليد بالفعل وبه عبر الزيلعي، ولا يكفي قبول الإثبات كما أشار إليه في
الدرر. بقوله: وحفظ شيء بدون إثبات اليد عليه محال ا هـ. وجرى عليه بعضهم
كالحموي والشرنبلالي. وأجاب عنه العلامة أبو السعود بأنه ليس المراد من جعل القابلية
شرطاً عدم اشتراط إثبات اليد بالفعل، بل المراد الاحتراز عما لا يقبل ذلك بدليل التعليل
والتفريع اللذين ذكرهما الشارح، فتدبر اهـ.
أقول: لكن الذي قدمه في الدرر یفید کفایة قبول وضع اليد؛ فإن من وضع ثيابه
بين يدي رجل ساكت كان إبداعاً، وكذلك وضع الثياب في الحمام وربط الدابة في الخان
مع أنه ليس فيه إثبات اليد بالفعل. وقوله: وحفظ الشيء بدون إثبات اليد عليه معناه
بدون إمكان إثباتها، فتأمل. وعليه فيكون المراد بقبولها إثبات اليد وقت الإيداع والطائر
ونحوه ساعة الإيداع غير قابل لذلك. قوله: (لم يضمن) الأولى أن يقول ((لا يصح)) لأنه
إذا وجده بعد ووضع يده عليه وهلك من غير تعدّ لم يضمن فتدبر ط.
قال في الجوهرة: أودع صبياً وديعة فهكلت منه لا ضمان عليه بالإجماع، فإن
استهلكها: إن كان مأذوناً في التجارة ضمنها إجماعاً، وإن كان محجوراً عليه، إن قبضها
بإذن وليه ضمن أيضاً إجماعاً، وإن قبضها بغير إذن وليه لا ضمان عليه عندهما لا في الحال
ولا بعد الإدراك. وقال أبو يوسف: يضمن في الحال، وإن أودعه عبداً فقتله ضمن
إجماعاً.
والفرق أن الصبيّ من عادته تضييع الأموال فإذا سلمه مع علمه بهذه العادة فكأنه
رضي بالإتلاف فلم يكن له تضمينه، وليس كذلك القتل لأنه ليس من عادة الصبيان
فیضمنه ویکون قیمته على عاقلته، وإن جنی علیه فیما دون النفس کان أرشه في مال
الصبي اهـ.
قال العلامة الخير الرملي: أقول: يستثنى من إيداع الصبي ما إذا أودع صبي محجور
مثله وهي ملك غيرهما فللمالك تضمين الدافع والأخذ. كذا في الفوائد الزينية.
وأجمعوا على أنه لو استهلك مال الغير من غير أن يكون عنده وديعة ضمن في
الحال. كذا في العناية لأنه محجور عليه في الأقوال دون الأفعال كما ذكر في الحجر،
وسيأتي مزيد تفصيل في المسألة في كتاب الجنايات قبل القسامة بأسطر فراجعه إن شئت
اهـ. قوله: (ولو عبداً محجوراً ضمن بعد عتقه) أي لو بالغاً، فلو قاصراً لا ضمان عليه
أصلاً. أبو السعود. وإنما لم يضمن في الحال لحق مالكه فإن المودع لما سلطه على الحفظ
وقبله العبد حقيقة أو حكماً كما لو كان ذلك بالتعاطي فكان من قبيل الأقوال، والعبد

٤٤٥
كتاب الإيداع
(وهي أمانة) هذا حكمها مع وجوب الحفظ والأداء عند الطلب واستحباب قبولها
محجور عنها في حق سيده، فإذا عتق ظهر الضمان في حقه لتمام رأيه، وهذا إذا لم تكن
الوديعة عبداً، فلو أودع صبياً عبداً فقتله الصبي ضمن عاقلته سواء قتله عمداً أو خطأ،
لأن عمده خطأ، وليس مسلطاً على القتل من جانب المولى لأن المولى لا يملك القتل فلا
يملك التسليط عليه، فإن أودع العبد عند عبد محجور فقتله خطأ كان من قبيل الأفعال
وهو غير محجور عنها، ولم تكن من الأقوال لأن مولى العبد لا يملك تفويض قتله
للمودع، فكان على مولى العبد المودع القاتل أن يدفعه أو يفديه كما هو حكم الخطأ، وإن
قتله عمداً قتل به إلا أن يعفو وليه. رحمتي. قوله: (وهي أمانة) هذا من قبيل حمل العام
على الخاص وهو جائز كالإنسان حيوان، ولا يجوز عكسه لأن الوديعة عبارة عن كون
الشيء أمانة باستحفاظ صاحبه عند غيره قصداً، والأمانة قد تكون من غير قصد،
والوديعة خاصة والأمانة عامة، والوديعة بالعقد والأمانة أعم، فتنفرد فيما إذا هبت الربح
بثوب إنسان وألقته في حجر غيره، وتقدم أنه يبرأ عن الضمان في الوديعة إذا عاد إلى
الوفاق، والأمانة غيرها لا يبرأ عن الضمان بالوفاق ط: ومثله في النهاية والكفاية. قال
يعقوب باشا: وفيه كلام، وهو أنه إذا اعتبر في إحداهما القصد وفي الأخری عدمه كان
بينهما تباين لا عموم وخصوص. والأولى أن يقال: والأمانة قد تكون بغير قصد كما لا
يخفى انتهى. لكن يمكن الجواب بأن المراد. بقوله: (والأمانة ما يقع في يده من غير قصد
كونها بلا اعتبار قصد)، لأن عدم القصد معتبر فيها حتى يلزم التباين، بل هي أعم من
الوديعة لأنها تكون بالقصد فقط والأمانة قد تكون بالقصد بغير تدبر.
وما في العناية من أنه قد ذكرنا أن الوديعة في الاصطلاح هي التسليط على الحفظ
وذلك يكون بالعقد والأمانة أعم من ذلك فإنها قد تكون بغير عقد فيه كلام، وهو أن
الأمانة مباينة للوديعة بهذا المعنى لا أنها أعم منها، لأن التسليط على الحفظ فعل المودع
وهو المعنى والأمانة عين من الأعيان فيكونان متباينين. والأولى أن يقول: والوديعة ما
تترك عند الأمين كما في هذا المختصر. داماد. قوله: (والأداء عند الطلب) أي إلا في
مسائل ستأتي: منها ما إذا كانت سيفاً وأراد قتل آخر ظلماً كما في الدر المنتقى. قوله:
(واستحباب قبولها) قال الشمني: وشرعية الإيداع. بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وأداء الأمانة لا يكون إلا بعدها، ولأن قبول
الوديعة من باب الإعانة لأن يحفظها لصاحبها، وهي مندوبة لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَىَ
الْبِ والتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((وَاللَّهُ تَعَالَى في عَوْنِ العَبْدِ
مَادَامَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ) اهـ. قال الزيلعي: وقال عليه الصلاة والسلام ((عَلَى اليَدِ مَا
أَخَذَتْ حَتَّی تُؤدِّیهُ» رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، وحفظها يوجب سعادة

٤٤٦
كتاب الإيداع
(فلا تضمن بالهلاك) إلا إذا كانت الوديعة بأجر أشباه معزياً للزيلعي (مطلقاً) سواء
أمكن التحرز عنه أم لا، هلك معها شيء أم لا،
الدارين، والخيانة توجب الشقاء فيهما الخ. ومن محاسنها اشتمالها على بذل منافع بدنه
وماله في إعانة عباد الله واستيجابه الأجر والثناء. حموي.
والحاصل: أنه يبتنى على الإيداع أربعة أشياء: كون الوديعة أمانة، ووجوب الحفظ
على المودع، ووجوب الأداء عند الطلب، واستحباب قبولها. قوله: (فلا تضمن بالهلاك)
تفريع على كونها أمانة. قوله: (إلا إذا كانت الوديعة بأجر) سيأتي أن الأجير المشترك لا
يضمن وإن شرط عليه الضمان، وبه يفتى. وأيضاً قول المصنف قريباً واشتراط الضمان
على الأمين باطل به يفتى، فكيف يقال مع عدم الشرط أنه يضمن.
وفي البزازية: دفع إلى صاحب الحمام واستأجره وشرط عليه الضمان إذا تلف فذكر
أنه لا أثر له فيما عليه الفتوى، لكن قال الخير الرملي: صرح الزيلعي في كتاب الإجارة في
باب ضمان الأجير الوديعة إذا كانت بأجر تكون مضمونة، وسيأتي مثله في هذا الشرح،
ومثله في النهاية والكفاية شرح الهداية وكثير من الكتب اهـ. وعللوه بأن الحفظ حينئذ
مستحق عليه كما قدمنا. فأفاد أن الأجرة تخرج الوديعة عن كونها أمانة إلى الضمان.
وفي صدر الشريعة: إذا سرق من الأجير المشترك والحال أنه لم يقصر في المحافظة
يضمن عندهما، كما في الوديعة التي تكون بأجر فإن الحفظ مستحق عليه. وأبو حنيفة
يقول: الأجرة في مقابلة العمل دون الحفظ فصار كالوديعة بلا أجر اهـ. فأفاد أن الوديعة
يأجر مضمونة اتفاقا وبلا أجر غير مضمونة اتفاقا. وأما الأجير المشترك فيضمن عندهما،
لأن الأجرة في مقابلة العمل والحفظ، ولا يضمن عنده لأنها في مقابلة العمل فقط،
فحصل الفرق بين المودع بأجر والأجير المشترك.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: وقد يفرق بأنه هنا مستأجر على الحفظ قصداً،
بخلاف الأجير المشترك فإنه مستأجر على العمل اهـ. يؤيده ما سمعت وما قدمنا.
والحاصل: أن الأجير المشترك من يعمل لغيره عملاً غير مؤقت ولا مخصوص
كالحمامي والحارس فهو مستأجر لحفظ المكان الذي فيه المتاع فلم يكن مودعاً، بخلاف
المودع بأجر فإنه يقال له احفظ هذه الوديعة ولك من الأجر كذا، فينطبق عليه اسم المودع
وهو تسليط الغير على حفظ ماله، فتأمل. قوله: (معزياً للزيلعي) ذكره في ضمان
الأجير، وعلل الضمان بأن الحفظ واجب عليه مقصوداً ببدل اهـ. قوله: (سواء أمكن
التحرز عنه أم لا) ولیس منه النسيان، کما لو قال وضعت عندي فنسيت وقمت بل يكون
مفرطاً، بخلاف ما إذا قال ضاعت ولا أدري كيف ذهبت الوديعة من منزلي ولم يذهب من
منزلي شيء فإن القول قوله مع يمينه، ولا يضمن لأنه أمين ا هـ. حموي بتصرف ط.

٤٤٧
كتاب الإيداع
لحديث الدارقطني ((ليس على المستودع غير المغلّ ضمان)) (واشتراط الضمان على
الأمين) كالحمامي والخاني (باطل به يفتى) خلاصة وصدر الشريعة. (وللمودع
حفظها بنفسه
قال مؤيد زاده: إذا قال ذهبت يقبل قوله مع يمينه واقعات. قوله: (لحديث
الدارقطني) قال في المنح: وإنما كانت الوديعة أمانة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:
((لَيْسَ عَلَى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمَانٌ، وَلَا عَلَى المُسْتَوْدِعِ غَيرِ المُغِلِّ ضَمَانٌ(١)
والغلول والإغلال: الخيانة، إلا أن الغلول في المغنم خاصة والإغلال عام، وهذا الحديث
مسند عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اهـ ملخصاً. ولأن
شرعيتها لحاجة الناس إليها، ولو ضمنا المودع امتنع الناس عن قبولها وفي ذلك تعطيل
المصالح. قوله: (واشتراط الضمان الخ) ولو ضمن تسليمها صح أبو السعود. قوله:
(كالحمامي) أي معلم الحمام الذي يأخذ الأجرة في مقابلة انتفاع الداخل بالحمام، أما من
جرى العرف بأنه يأخذ في مقابلة حفظه شيئاً وهو المسمى بالناطور في زماننا وهو الذي
سماه الشارح الثيابي فإنه يضمن لأنه وديعة بأجرة كما تقدم، لكن الفتوى على عدمه ويأتي
تمامه. قوله: (والخاني) أي فإنه لا نفع له غير الحفظ فينبغي أن يكون من قبيل الحافظ
بالأجر، إلا أن يقال: قد يقصد الخان لدفع الحر والبرد ومنع الدابة عن الهروب فلم يكن
مستأجراً للحفظ. تأمل. قوله: (باطل به يفتى) قال مؤيد زاده في أنواع الضمانات:
استأجر رجلاً لحفظ خان أو حوانيت فضاع منها شي قيل يضمن عندهما لو ضاع من
خارج الحجرة لأنه أجير مشترك، وقيل لا في الصحيح، وبه يفتى. ولو ضاع من داخلها
بأن نقب اللص فلا يضمن الحارس في الأصح وحارس السوق على هذا الخلاف، واختار
أبو جعفر أنه يضمن ما كان خارج السوق لا داخله. جامع الفصولين.
وفي البزازية: نقب حانوت رجل وأخذ متاعه لا يضمن حارس الحوانيت على ما
عليه الفتوى، لأن الأمتعة محروسة بأبوابها وحيطانها والحارس يحرس الأبواب. وعلى قول
أبي حنيفة: لا يضمن مطلقاً وإن كان المال في يده لأنه أجیر ا هـ.
وفي المنية: دفع الثوب إلى الحمامي ليحفظه فضاع لا يضمن إجماعاً لأنه مودع لأن
محل الأجر بإزاء الانتفاع بالحمام، إلا أن يشترط بإزاء الانتفاع به الحفظ فحينئذ على
الخلاف. وإذا دفع إلى من يحفظ بأجر كالثيابي فعلى الاختلاف. خلاصة وصدر الشريعة.
قوله: (حفظها بنفسه) قال في المنح: وذلك بالحرز وباليد. أما الحرز فداره ومنزله وحانوته
سواء كان ملكاً أو إجارة أو عارية.
(١) أخرجه الدارقطني ٤١/٣ بنحوه والبيهقي ٩١/٦ وذكره المتقي الهندي في الكنز (٤٦١٣٦).

٤٤٨
كتاب الإيداع
وعياله) کما له (وهم من يسكن معه حقيقة،
قال الرملي: أقول: لا يخفى أن لفظ الحرز مشعر باشتراط كونه حصيناً، حتى لو لم
یکن کذلك بحیث یعد الوضع فيه تضييعاً يضمن ذلك كالدار التي ليس لها حيطان ولا
لبيوتها أبواب. وقد سئلت عن خياطة في دار بهذه الصفة خرجت منها هي وزوجها ليلاً
لعرس جارتها فسرقت أثواب الناس منها فأفتيت بالضمان والحالة هذه، لأن مثل ذلك
يعد تضييعاً. تأمل اهـ.
وفي الأنقروي من الوديعة: سوقي قام من حانوته إلى الصلاة وفي حانوته ودائع
فضاع شيء منها لا ضمان عليه، لأنه غير مضيع لما في حانوته لأن جيرانه يحفظونه، إلا
أن يكون هذا إبداعاً من الجيران فيقال ليس للمودع أن يودع، لكن هذا مودع لم يضيع.
واقعات: في الوديعة: قوله ليس للمودع أن يودع الخ ذكر الصدر الشهيد ما يدل على
الضمان، فتأمل عند الفتوى. فصولين من الثالث والثلاثين.
وفي البزازية: قام من حانوته إلى الصلاة وفيه ودائع الناس وضاعت لا ضمان، وإن
أجلس على بابه ابناً له صغيراً فضاع: إن كان الصبي يعقل الحفظ ويحفظ لا يضمن، وإلا
يضمن اهـ.
وقال قبيله: والحاصل أن العبرة للعرف، حتى لو ترك الحانوت مفتوحاً أو علق
الشبكة على بابه ونام ففي النهار ليس بتضييع، وفي الليل إضاعة. وفي خوارزم: لا يعد
إضاعة في اليوم والليلة.
أقول: الذي يظهر في مسألة الحانوتي عدم الضمان سَواء أجلس صبياً أو لا حيث
جرى عرف أهل السوق لأنه غير مودع قصداً بل تركها في حرزها مع ماله فقد حفظها بما
يحفظ به ماله. ولهذا نقل في جامع الفصولين بعد ما تقدم رامزاً إلى فتاوى القاضي ظهير
الدين أنه يبرأ على كل حال لأنه تركها في الحرز فلم يضيع اهـ.
والحاصل: أنه يجب حرز كل شيء في حرز مثله، بخلاف الحرز في السرقة فإن كل
ما كان حرز النوع فهو حرز لسائر الأنواع فيقطع بسرقة لؤلؤة من اصطبل، أما هنا فإن
حرز كل شيء بحسبه.
ففي البزازية: لو قال وضعتها بين يديّ وقمت ونسیتها فضاعت يضمن، ولو قال
وضعتها بين يديّ في دار والمسألة بحالها إن مما لا يحفظ في عرصة الدار كصرة النقدين
ضمن، ولو کانت مما یعد عرصتها حصناً له لا یضمن اهـ. وسيأتي تمامه إن شاء الله
تعالی: قوله: (وعياله) بالكسر جمع عيل بفتح فتشديد وهو من يقوته، لكن المراد هنا في
تفسير من في عياله أن يسكن معه سواء كان في نفقته أو لم يكن، والعبرة في هذا للمساكنة
إلا في حق الزوجة والولد الصغير والعبد، لكن يشترط في الولد الصغير أن يقدر على

٤٤٩
کتاب الإيداع
أو حكماً لا من يمونه) فلو دفعها لولده المميز أو زوجته ولا يسكن معهما ولا ينفق
عليهما لم يضمن. خلاصة وكذا لو دفعتها لزوجها لأن العبرة للمساكنة لا للنفقة،
وقيل يعتبران معاً. عيني (وشرط كونه) أي من في عياله (أميناً) فلو علم خيانته
ضمن. خلاصة.
(و) جاز (لمن في عياله الدفع لمن في عياله، ولو نهاه عن الدفع إلى بعض من
الحفظ، فعلى هذا التفسير ينبغي أن لا يضمن بالدفع إلى أجنبي يسكن معه. ذكره حفيد
السعد في حواشي صدر الشريعة.
ويؤيده ما في الولوالجية: رجل أجر بيتاً من داره إنساناً ودفع الوديعة إلى هذا
المستأجر: إن كان لكل واحد منهما غلق على حدة يضمن لأنه ليس في عياله ولا بمنزلة
من في عياله، وإن لم يكن لكل منهما غلق على حدة وكل واحد منهما يدخل على صاحبه
بغير حشمة لا يضمن لأنه بمنزلة من في عیاله ا هـ.
وفي الخلاصة: مودع غاب عن بيته ودفع مفتاحه إلى غيره فلما رجع إلى بيته لم يجد
الوديعة لا يضمن ويدفع المفتاح إلى غيره، ويدفع المفتاح إلى غيره لم يجعل البيت في يد غيره
اهـ ط. قوله: (أو حكماً) تفسير لمن يسكن معه في عياله. قوله: (فلو دفعها) تفريع على.
قوله: (أو حكماً) وتفسير له كما تشعر به عبارة المنح. قوله: (المميز) بشرط أن يكون
قادراً على الحفظ. بحر. قوله: (ولا يسكن معها) لأنها في الحكم كأنها في مسكن زوجها.
قوله: (خلاصة) قال فيها: وفي النهاية: لو دفعها إلى ولده الصغير أو زوجته وهما في محلة
والزوج يسكن في محلة أخرى لا يضمن، ولو كان لا يجيء إليهما ولا ينفق عليهما، لكن
يشترط في الصغير أن يكون قادراً على الحفظ، فإن الزوجة: أي والولد الصغير وإن كانا
في مسكن آخر إلا أنهما في الحكم كأنهما في مسكن الزوج والأب اهـ.
قال الرملي: وقد زاد صاحب المجتبى العبد الذي لم يكن في منزله، وكل ذلك
يرجع إلى قولهم يحفظها بما يحفظ به ماله، فتنبه لذلك اهـ. قوله: (وقيل يعتبران معاً)
أقول: وعليه فيدخل عبده وأمته وأجيره الخاص كالمشاهرة، بشرط أن يكون طعامه
وكسوته عليه دون الأجير بالمياومة وولده الكبير إن كان في عياله كما ذكره بعضهم،
فتأمل. قوله: (عيني) نصه: وتعتبر المساكنة وحدها دون النفقة، حتى أن المرأة لو دفعتها
إلى زوجها لا تضمن وإن لم يكن الزوج في عيالها، لأن العبرة في هذا الباب للمساكنة دون
النفقة. وقيل تعتبر المساكنة مع النفقة اهـ. قوله: (ضمن) أي بدفعها له، وكذا لو تركه في
بيته الذي فيه ودائع الناس وذهب فضاعت ضمن. بحر عن الخلاصة. قال ط: فلا
يضمن في صورتين: أما إذا علم أمانته وما إذا لم يعلم حاله أصلاً. قوله: (الدفع لمن في
عياله) الضمير في عياله الأخير يصح أن يرجع للعيال الأول، وبه صرح الشرنبلالي،

٤٥٠
کتاب الإيداع
في عیاله فدفع إن وجد بدّاً منه)، بأن کان له عيال غيره. ابن مالك
ويصح أن يرجع للمودع وبه صرح المقدسي. وفيه لا يشترط في الأبوين كونهما في عياله،
وبه يفتى. ولو أودع غير عياله وأجاز المالك خرج من البين، ولو وضع في حرز غيره بلا
استئجار يضمن لأن الوضع في الحرز وضع في يد من في يده الحرز فیکون کالتسليم إليه.
زيلعي : أي فیکون ودیعة ولیس للمودع أن يودع. رملي.
وفي سكوتهم عن الدفع لعيال المودع بكسر الدال إشارة إلى أنه لا يملكه. ونقل
العلامة أبو السعود اختلافاً فقال: والرد إلى عيال المالك كالرد إلى المالك فلا يكون إبداعاً،
بخلاف الغاصب إذا رد إلى من في عيال المالك فإنه لا يبرأ.
وفي الخلاصة: إذا ردّ الوديعة إلى منزل المودع أو إلى من في عياله فضاعت لا
يضمن. وفي رواية القدوري يضمن، بخلاف العارية.
قال في البحر: والفتوى على الأول، وهذا إذا دفع إلى المرأة للحفظ. أما إذا أخذت
لتنفق على نفسها وهو دفع يضمن اهـ. فعلى ما ذكر إذا كان ابنها في عيالها ولم يكن متهماً
يلزمها اليمين أنها دفعتها لابنها المذكور ويسأل المدفوع إليه ماذا صنع ويجعل كأنه نفس
المودع، ويجري الحكم الشرعي فيه، لما في فتاوى مؤيد زاده وصور المسائل عن الفصولين:
أتلفها من في عيال المودع ضمن المتلف صغيراً أو كبيراً لا المودع اهـ.
المودع إذا قال دفعت الوديعة إلى ابني وأنكر الابن ثم مات الابن فورث الأب مال
ابنه كان ضمان الوديعة في تركة الابن. خاينة.
وفي فتاوى قاضيخان: عشرة أشياء إذا ملكها إنسان ليس له أن يملك غيره لا قبل
القبض ولا بعده: المرتهن لا يملك أن يرهن، والمودع لا يملك الإيداع، والوكيل بالبيع لا
يملك أن يوكل غيره، ومستأجر الدابة أو الثوب لا يؤجر غيره، والمستعير لا يعير ما
يختلف بالمستعمل، والمزارع لا يدفع الأرض مزارعة إلى غيره والمضارب لا يضارب،
والمستبضع لا يملك الإبضاع، والمودع لا يملك الإيداع اهـ. ولم يذكر العاشر في البحر.
وذكره الخير الرملي فقال: العاشر المساقي لا يساقي غيره بغير إذن كما في السراجية وشرح
الوهبانية ١ هـ.
وفي الخلاصة: والوديعة لا تودع ولا تعار ولا تؤجر ولا ترهن، وإن فعل شيئاً منها
ضمن، والمستأجر يؤجر ويعار ولم يذكر حكم الرهن، وينبغي أن لا يرهن كما هو
الصحيح من عبارة الخلاصة، ويأتي بيانها في العارية موضحاً.
وفي التجريد: وليس للمرتهن أن يتصرف بشيء في الرهن غير الإمساك، لا يبيع
ولا يؤجر ولا يعير ولا يلبس ولا يستخدم، فإن فعل كان متعدياً ولا يبطل الرهن انتهى.
قوله: (بأن کان له عیال غيره) أي غیر البعض الذي نهاه عنه ضمن بدفعه إلى المنهي عنه،

٤٥١
كتاب الإيداع
(ضمن وإلا لا وإن حفظها بغيرهم ضمن)، وعن محمد: إن حفظها بمن يحفظ ماله
كوكيله ومأذونه وشريكه مفاوضة وعناناً جاز وعليه الفتوى: ابن ملك. واعتمده
ابن الكمال وغيره، وأقره المصنف (إلا إذا خاف الحرق أو الغرق
وإن لم يكن له إلا ذلك البعض لا يضمن بدفعه إليه. قوله: (وإلا لا) يعني مع كون
المدفوع إليه أميناً لأنه شرط جواز الدفع كما مر. قوله: (وإن حفظها بغيرهم ضمن) أي
لأن صاحبها لم يرض بيد غيره والأيدي تختلف بالأمانة، ولأن الشيء لا يتضمن مثله
كالمضارب لا يضارب. أبو السعود. قال الرملي: إنما يضمن إذا كان بغير إذن صاحبها
هـ.
فرع لو قال ادفعها لمن شئت يوصلها إليّ فدفعها إلى أمين فضاعت: قيل يضمن،
وقيل لا يضمن: تاترخانية.
فرع آخر حضرتها الوفاة فدفعت الوديعة إلى جارتها فهلكت عند الجارة. قال
البلخي: إن لم يكن بحضرتها عند الوفاة أحد ممن يكون في عيالها لا تضمن، كما لو وقع
الحريق في مال المودع له دفعها لأجنبي. خانية. قوله: (وعن محمد) رحمه الله تعالى أن
المودع إذا دفع الوديعة إلى وكيله وليس في عياله أو دفع إلى أمين من أمنائه من يثق في ماله
وليس في عياله لا يضمن، لأنه حفظه مثل ما يحفظ ماله وجعله مثله فلا يجب عليه أكثر
من ذلك. ذكره في النهاية. ثم قال: وعليه الفتوى، وعزاه إلى التمرتاشي، وهو إلى
الحلواني. ثم قال: وعلى هذا لم يشترط في التحفة في حفظ الوديعة العيال، فقال: ويلزم
المودع حفظه إذا قبل الوديعة على الوجه الذي يحفظ ماله، وذكر فيه أشياء، حتى ذكر أن
له أن يحفظ بشريك العنان والمفاوضة وعبده المأذون له الذي في يده ماله، وبهذا يعلم أن
العیال لیس بشرط في حفظ الوديعة ا هـ. وسیأتي ذکره ط. قوله: (کو کیله) أتی بالکاف
لأن أمينه كذلك وإن لم يكن في عياله، وعليه الفتوى كما علمت، وبه صرح في الذخيرة.
وفي التاترخانية: ولو قال ادفعها لمن شئت يوصلها إليّ فدفعها إلى أمين فضاعت،
قيل يضمن، وقيل لا يضمن. قوله: (واعتمده ابن الكمال) حيث قال: وله حفظها بنفسه
وأمينه، لم يقل وعياله لأن الدفع إلى العيال إنما يجوز بشرط الأمانة، وعند تحققه لا حاجة
إلی کونه عیالًا.
قال في الذخيرة: لو دفعها إلى أمين من أمنائه ليس في عياله يجوز، وعليه الفتوى
اهـ. قوله: (وأقره المصنف) ونقله في البحر وقال قبله: وظاهر المتون أن كون الغير في
عياله شرط، واختاره في الخلاصة وقال: والأبوان كالأجنبي حتى يشترط كونهما في
عياله، لكن قد علمت ما قدمناه قريباً عن المقدسي من أن المفتى به عدم اشتراط كونهما
في عياله فلا تنسه. قوله: (إلا إذا خاف الحرق أو الغرق) الحرق بالسكون من النار،

٤٥٢
كتاب الإبداع
وكان غالباً محيطاً) فلو غير محيط ضمن (فسلمها إلى جاره أو) إلى (فلك آخر)،
وبالتحريك من دق القصار، وقد روى فيه السكون. مغرب. وفي المصباح: الحرق
بفتحتين اسم من إحراق النار اهـ. وللغرق: بفتحتين مصدر غرق في الماء فهو غريق.
مكي. ومثل خوف الغرق والحرق خوف اللصوص.
وفي الخلاصة: فإن دفع لضرورة بأن احترق بيت المودع فدفعها إلى جاره، وكذا
فيما يشبه هذا اهـ. إتقاني: أي فإنه لا يضمن ط. قوله: (وكان غالباً محيطاً) لا حاجة إليه
لأن فرض المسألة أنه خاف الحرق أو الغرق وهو إنما يكون عند كونه غالباً. محيط. إلا
أن يراد الغالب الكثير، وحينئذ فلا منافاة، والمراد أن ذلك في بيت المودع.
قال الحموي: لا بد أن يكون غالباً محيط بمنزلة المودع. وفي القهستاني: إلا إذا
حاف الحرق: أي حرقاً يحيط بجميع محلها انتهى. قوله: (فلو غير محيط ضمن) إذ الخوف
منتف عند عدم الغلبة والإحاطة فتأمل. قاله الرملي. قال في الخلاصة: أما إذا لم يكن
محيطاً يضمن بالدفع إلى الأجنبي اهـ. قوله: (فسلمها إلى جاره) الظاهر أن أساليب الكلام
أنه لا يجب أن يسلمها إلى جاره، حتى لو تركها في داره فحرقت لا يضمن، وليحرر.
أفاده سري الدين عن المجتبى، لكن في الهندية عن التمرتاشي أنه يضمن ط.
وفي التاترخانية عن التتمة: وسئل حميد الوبري عن مودع احترق بيته ولم ينقل
الوديعة إلى مكان آخر إن مع تمكنه منه فتركها حتى احترقت ضمن اهـ. ومثله في الحاوي
وجامع الفتاوى. ومثله ما لو تركها حتى أكلها العث خلافاً لما يأتي في النظم. قال في
الحاوي: ويعرف من هذا كثير من الواقعات.
وفي نور العين: ذکر محمد في حريق وقع في دار المودع فدفعها إلى أجنبي لم یضمن،
فلو خرج من ذلك ولم يستردها ضمن، كما لو دفعها إلى امرأته ثم طلقها ومضت عدتها،
فلو لم يستردها ضمن إذ يجب عليه الاسترداد، ولأن الإيداع عقد غير لازم فكان لبقائه
حكم الابتداء. وقال قاضيخان: لا يضمن، إذ المودع إنما ضمن بالدفع وحين دفع كان
غير مضمون علیه فلا یضمن عليه.
يقول الحقير: هذا الدليل عليل، إذ للبقاء حكم الابتداء، فلو دفع الوديعة إلى
أجنبي ابتداء ضمن، فكذا إذا لم يستردها في كلتا المسألتين خصوصاً في مسألة الحريق، فإن
الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، فبعد زوال الحريق ارتفعت الضرورة فلم يستردها من
الأجنبي فكأنه أودعها إياه ابتداء، فالصواب أن يضمن في كلتا المسألتين كما ذكره صاحب
المحيط. والله تعالى أعلم.
وفي عدة الفتاوى: لا يضمن بدفعها إلى جاره لضرورة كحريق. قال أبو جعفر في
فتاويه: هذا لو لم يجد بداً من الدفع إلى أجنبي، أما لو أمكنه الدفع إلى من في عیاله ضمن

٤٥٣
كتاب الإيداع
إلا إذا أمكنه دفعها لمن في عياله أو ألقاها فوقعت في البحر ابتداء أو بالتدحرج
ضمن. زيلعي (فإن ادعاء) أي الدفع لجاره أو فلك آخر (صدّق إن علم وقوعه) أي
الحرق (ببيته) أي بدار المودع (وإلا) يعلم، وقوع الحرق في داره (لا) يصدق (إلا
ببينة) فحصل بين كلامي الخلاصة والهداية التوفيق، وبالله التوفيق.
بدفعها إلى أجنبي. قال الإمام خواهر زاده: هذا لو أحاط الحريق بالمنزل وإلا ضمن
بدفعها إلى أجنبي ا هـ.
وفي العتابية: لا يشترط هذا الشرط في الفتوى. تاترخانية في الفصل الثاني من
الوديعة. قوله: (إلا إذا أمكنه الخ) أي وقت الحرق والغرق. قوله: (أو ألقاها) أي أو
ألقى الوديعة في السفينة فوقعت في البحر یضمن، لأنها قد تلفت بفعله، وإن كان ذلك
بالتدحرج لأنه منسوب إليه فهو كفعله. والظاهر أن قيد في السفينة ساقط من النساخ
لوجوده في الأصل.
قال الزيلعي: هذا إذا لم يمكنه أن يدفعها إلى من هو في عياله، وإن أمكنه أن
يحفظها في ذلك الوقت بعياله فدفعها إلى الأجنبي يضمن لأنه لا ضرورة فيه، وكذا لو
ألقاها في سفينة أخرى وهلكت قبل أن تستقر فيها بأن وقعت في البحر ابتداء بالتدحرج
يضمن لأن الإتلاف حصل بفعله اهـ. قوله: (صدق) أي بيمينه كما هو الظاهر. أبو
السعود. قوله: (أي بدار المودع) كأن هذا من قبيل الاحتباك وأصلها: أي الحرق أو
الغرق. وقوله: (بدار المودع) راجع إلى الحرق وحذف من الثاني، أو سفينته الراجع إلى
الغرق لدلالة كل مذكور على ما حذف بإزائه، وهذا على ما نحاه الشارح في شرحه، وأما
على ما بينا من أصل عبارة الزيلعي فالأمر ظاهر، وأما جوهر المتن على أنه يصدق إن علم
دفعه لها عند خوف الحرق أو الغرق بالبيئة وهو الذي ذكره الشارح بعد. قوله: (وإلا
يعلم الخ).
وحاصله: أن صاحب المتن ذكر أنه لا يصدق مدعي الدفع للحرق أو الغرق إلا
ببينة، والشارح صرف كلامه وقال: إن علم ذلك بالبينة على وقوعه في داره وفلكه أغنى
عن البيئة عن الدفع للخوف على نفس الوديعة، وإن لم تقم البينة على وقوع الحرق والغرق
في داره وفلكه فلا بد من البينة على الدفع لخوف ذلك على نفس الوديعة، ثم إن الغرق
كما يخشى منه على نفس السفينة قد يخشى منه على نفس الدار إذا كانت البيوت متصلة
بطرف البحر أو النهر أو مجرى السيل، ومثل خوف الحرق والغرق لو خاف فسادها
بخرير أسقفه من كثرة الأمطار وعند وقوع النهب في داره ودفعها إلى جاره عند توهم
سلامتها عنده. قوله: (فحصل بين كلامي الخلاصة والهداية التوفيق وبالله التوفيق) وقد
ذكر أيضاً صاحب الذخيرة عن المنتقى.

٤٥٤
كتاب الإيداع
(ولو منعه الوديعة ظلماً بعد طلبه) لرد وديعته فلو لحملها إليه لم يضمن. ابن
ملك (بنفسه) ولو حكماً کوکیله بخلاف رسوله،
قال المصنف: فإن ادعاه: أي ادعى المودع التسليم إلى جاره أو إلى فلك آخر صدق
إن علم وقوعه ببينة: أي بينة المودع وإلا لا: أي وإن لم يعلم لا يصدق. وفي الهداية
وشرح الكنز للزيلعي أنه لا يصدق على ذلك إلا ببينة، لأن تسليم الوديعة إلى غيره يوجب
الضمان، ودعوى الضرورة دعوى مسقط فلا تقبل إلا ببينة، كما إذا أتلفها في الصرف في
حاجته بإذن صاحبها .
وفي الخلاصة: أنه إذا علم أن وقع الحريق في بيته قبل قوله، وإلا فلا. ويمكن حمل
كلام الهداية على ما إذا لم يعلم وقوع الحريق في بيته وبه يحصل التوفيق، والذي أحوجه
إلى ذلك حمل كلام صاحب الهداية والزيلعي قولهما لا يصدق على ذلك: أي على تسليم
الوديعة، ولو حمل لا يصدق على ذلك: أي على وقوع الحرق أو الغرق بدليل قولهما
ودعوى الضرورة الخ فإن الضرورة إنما هي في الحرق والغرق لا في التسليم لا تحدث مع
عبارة الخلاصة. تأمل. قوله: (فلو لحملها إليه لم يضمن) لأن مؤنة الرد على المالك.
حموي. وإنما الضمان بمنع التخلية بينه وبين الوديعة بعد الطلب، أما لو كلفه حملها
وردها إليه فامتنع عن ذلك لم يضمن لأنه لا يلزمه سوى التخلية، فلو كان طلب المودع
بكسر الدال بحملها إليه فامتنع المودع من ذلك لم يضمن، هكذا صريح عبارة ابن ملك
المنقول عنه. وأما ما وقع في نسخة الشيخ أبي الطيب فإنه تحريف. والنسخة التي كتب
عليها فلو حملها إليه: أي لو حمل المودع الوديعة إلى ربها: يعني لو طلب استردادها من
المودع فحملها إليه لم يضمن لأن حملها إليه يخرجه عن المنع.
وفي القهستاني: لو استردها فقال لم أقدر أحضر هذه الساعة فتركها فهلكت لم
يضمن لأنه بالترك صار مودعاً ابتداء ا هـ. وعزاه إلى المحيط.
وفي البحر: إن تركها عن رضا وذهب لا يضمن، وإن كان من غير رضا يضمن.
كذا في الخلاصة. ولو قال له بعد طلبه اطلبها ثم ادعى ضياعها: فإن قال ضاعت بعد
الإقرار فلا ضمان، وإلا ضمن. قوله: (ولو حكماً کو کیله بخلاف رسوله) سوّى في
التجنيس بين الوكيل والرسول وقال: إذا منعها عنهما لا يضمن. وفي العمادية ذكر
الضمان في المنع من الرسول فالمسألة ذات خلاف فيهما، واقتصار المصنف على ما ذكره
يدل على اعتماده، وقد نقله القهستاني عن المضمرات.
وفي الخلاصة: المالك إذا طلب الوديعة فقال المودع لا يمكنني أن أحضر الساعة
فتركها وذهب: إن تركها عن رضا فهلكت لا يضمن، لأنه لما ذهب فقد أنشأ الوديعة،
وإن كان عن غير رضا يضمن، ولو كان الذي يطلب الوديعة وكيل المالك يضمن لأنه

٤٥٥
کتاب الإيداع
ليس إنشاء للوديعة، بخلاف المالك انتهى. وهذا صريح في أنه يضمن بعدم الدفع إلى
وكيل المالك كما لا يخفى، وهو خلاف ما تقدم في كتاب الوكالة في باب الوكالة
بالخصومة .
ونصه: قال إني وكيل بقبض الوديعة فصدقه المودع لم يؤمر بالدفع إليه على المشهور
الخ. وكتب سيدي الوالد رحمه الله تعالى أن مقابل المشهور ما عن أبي يوسف ومحمد أنه
يؤمر بالدفع، فلعل ما هنا على هذه الرواية.
وفي مجموعة مؤيد زاده: ولو قال إني وكيل بقبض الوديعة فصدقه المودع لم يؤمر
بتسليم الوديعة إليه لأنه مأمور بالحفظ فقط، ثم قال قد جاء رسولك فدفعتها إليه وكذبه
المالك ضمنها، ولا يرجع بما ضمن على الرسول إن صدقه في كونه رسوله ولم يشترط
علیه الرجوع، وإن کذبه ودفع إليه أو لم يصدقه ولم یکذبه يرجع على الرسول، وكذلك إن
صدقه وشرط عليه الرجوع كما في الوجيز. ثم قال: ولو دفعها إلى رسول المودع فأنكر
المودع الرسالة ضمن اهـ.
وفي فصول العمادي معزياً إلى الظهيرية: ورسول المودع إذا طلب الوديعة فقال لا
أدفع إلا للذي جاء بها ولم يدفع إلى الرسول حتى هلك ضمن. وذكر في فتاوى القاضي
ظهير الدين هذه المسألة وأجاب عنها نجم الدين أنه يضمن. وفيه نظر بدليل أن المودع إذا
صدق من ادعى أنه وكيل بقبض الوديعة فإنه قال في الوكالة لا يؤمر بدفع الوديعة إليه،
ولكن لقائل أن يفرق بين الوكيل والرسول لأن الرسول ينطق على لسان المرسل ولا
كذلك الوكيل؛ ألا ترى أنه لو عزل الوكيل قبل علم الوكيل بالعزل لا يصح، ولو رجع
عن الرسالة قبل علم الرسول صح كذا في فتاواه ا هـ. منح.
قال محشيها الرملي في حاشية البحر: ظاهر ما في الفصول أنه لا يضمن في مسألة
الوكيل كما هو منقول عن التجنيس، فهو مخالف للخلاصة كما هو ظاهر، ويتراءى لي
التوفيق بين القولين بأن يحمل ما في الخلاصة على ما إذا قصد الوكيل إنشاء الوديعة عند
المودع بعد منعه ليدفع له وقت آخر. وما في فتاوى القاضي ظهير الدين والتجنيس على ما
إذا منع ليؤدي إلى المودع بنفسه، ولذلك قال في جوابه: لا أدفع إلا للذي جاء بها. وفي
الخلاصة: ما هو صريح في أن الوكيل لو تركها وذهب عن رضا بعد قول المودع لا
يمكنني أن أحضرها الساعة: أي وأدفعها لك في غير هذه الساعة، فإذا فارقه فقد أنشأ
الإيداع ليس له ذلك، بخلاف قوله لا أدفعها إلا للذي جاء بها فإنه استبقاء للإيداع الأول
لا إنشاء إيداع. فتأمل. ولم أر من تعرض لهذا التوفيق، والله تعالى هو الموفق انتهى.
فالحاصل: أنه إذا منعها عن الرسول لا يضمن على ظاهر الرواية كما نقله عن

٤٥٦
كتاب الإبداع
ولو بعلامة منه
البحر عن الخلاصة. وأما إذا منعها عن الوكيل ففيه اختلاف. ففي الخلاصة والقاعدية
والوجيز والتاترخانية والحاوي الزاهدي والمضمرات أنه يضمن، واختاره المصنف في
منحه، وتبعه الشارح هنا.
وفي شرحه على الملتقى: فتعين المصير إلى ما عليه الأكثر خصوصاً والمضمرات شرح
القدوري والشروح مقدمة. ففي مسألتنا منع المودع الوديعة من الوكيل ظلماً ولم يقل له لم
أدفعها إلا إلى الذي جاء بها حتى يكون استبقاء للإيداع الأول؛ لأن قول الشارح كوكيله
يقتضي المنع ظلماً، وبه يظهر أن ما ذكره في الفصول العمادية من الفرق المتقدم بين
الوكيل والرسول مبني على خلاف ظاهر الرواية كما نبه عليه في نور العين.
ثم اعلم أن كلام التاترخانية يفيد تفصيلاً في مسألة الوكيل، وذلك أن المودع إنما
يضمن بالمنع عن الوكيل إذا كان توكيله ثابتاً بالمعاينة أو بالبينة، أما إذا كان بتصديق المودع
فإنه لا يضمن، وكذا لو كذبه بالأولى. وانظر هل يجري على هذا التفصيل في مسألة
الرسول أيضاً، ومقتضى ما نذكره في المقولة الآتية عن الخانية من قوله فجاء رجل وبين
تلك العلامة فلم يصدقه المودع حتى هلكت الوديعة لا ضمان أنه لو صدّقه يضمن
فيخالف مسألة الوكيل. إلا أن يقال: إن قوله فلم يصدقه ليس قيداً احترازياً فلا مفهوم
له، وهذا إن حمل على أنه رسول، وكذا إن حمل على أنه وكيل يخالف ما ذكرنا من
التفصيل. ثم قال في البحر: وينبغي أن يكون محل هذا التفصيل: أي في أصل المسألة فيما
إذا ترك عن رضا وذهب لا يضمن، وفيما إذا كان عن غير رضا يضمن ما إذا كان المودع
يمكنه وكان كاذباً في قوله، أما إذا كان صادقاً فلا يضمن مطلقاً لما قلنا انتهى.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: فيه نظر، لما في التجنيس أنه لو طلبها بوكيله أو
رسوله فحبسها لا يضمن فتأمل. وانظر إلى ما ذكره بعيده من قوله ((ولو بعلامة منه)) يحتج
بأنه إنما منعه ليوصلها إلى الأصيل بنفسه لتكذيبه إياه، وفرع الخلاصة فيه المنع للعجز عن
التسليم والترك والذهاب عن رضا إلى وقت آخر، وفيه إنشاء إيداع بخلاف الأول، حتى
لو كذبه في الفرع الذي تفقه فيه مع ذلك، والمسألة بحالها لا يضمن، فتأمل. قوله: (ولو
بعلامة منه) لإمكان إتيان غير الرسول بهذه العلامة إلا أن يبرهن أنها له كما في الخلاصة
وغيرها.
قال في الخانية: رجل أودع عند إنسان وديعة وقال في السرّ من أخبرك بعلامة كذا
وكذا فادفع إليه الوديعة، فجاء رجل وبين تلك العلامة فلم يصدقه المودع حتى هلكت
الوديعة، قال أبو القاسم: لا ضمان على المودع اهـ.
وفي حاشية جامع الفصولين للخير الرملي: وهل يصح هذا التوكيل ولا يضمن

٤٥٧
كتاب الإبداع
على الظاهر (قادراً على تسليمها ضمن، وإلا)، بأن كان عاجزاً أو خاف على نفسه
المودع بالدفع أم لا يصح لكون الوكيل مجهولًا ويضمن بالدفع؟ قال الزاهدي في حاويه
رامزاً: فيه تفصيل، لو كانا عند ذلك الاتفاق بمكان لا يمكن لأحد من الناس استماع
كلامهما فالدفع لمن جاء إليه بتلك العلامة، وأما استماعه ذلك من أجنبي فنادر، وإن كان
عند ذلك بمكان فيه أحد من الناس ممن يفهم اتفاقهما على ذلك أو بمكان يمكن فيه
لأحد استماع اتفاقهما إلى ذلك خفية وهما لا يريانه فالوكالة باطلة والدفع مضمن اهـ.
هذا ما نقله الرملي.
قلت: كثيراً ما يقع أن المالك بعد اتفاقه مع المودع على ذلك يبعث رجلاً بتلك
العلامة فيسمعه آخر فيسبق الأول ويخبر المودع بتلك العلامة.
وقد يقال: إن هذا لا ينافي صحة التوكيل بعد وجود شرطه المتقدم عند اتفاق المالك
مع المودع: والظاهر أن المالك إذا قال لم أذكر العلامة لهذا الرجل الذي جاء وإنما ذكرتها
لغيره أن يكون القول له لأنه منكر فيضمن المودع، فتأمل والله تعالى أعلم. أفاده سيدي
الوالد رحمه الله تعالى قوله: (على الظاهر) أي ظاهر المذهب، وهو راجع إلى الوكيل
والرسول، وقال الثاني يضمن كما في الهندية، وقد اختلفت الفتاوى في هذا، وقد علمت
المعتمد. قوله: (ضمن) إن ضاعت لوجود التعدي بمنعه لأنه صار غاصباً، وهذا لأنه لما
طالبه لم یکن راضياً بإمساكه بعده فيضمنهما بحبسه عنه. داماد.
قال في البحر: ولو قال له بعد طلبه اطلبها غداً ثم ادعى ضياعها، فإن قال ضاعت
بعد الإقرار لا ضمان، وإلا ضمن انتهى. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: قوله بعد
الإقرار: أي الإقرار ضمناً في قوله اطلبها غداً، وقوله بعد الإقرار ظرف لضاعت لا
لقال.
وفي جامع الفصولين: طلبها ربها فقال اطلبها غداً فقال في الغد تلفت، فلو قال
تلفت قبل قولي اطلبها غداً ضمن، لا لو قال بعده للتناقض في الأول لا الثاني.
قال ربها: ادفعها إلى قني هذا فطلبها فأبى أو قال غداً يضمن اهـ: أي لأنه كأنه
وكل قنه بحضرة المودع والوكيل لا يملك ابتداء الإيداع في قوله غداً انتهى. والمسألة في
الخانية أيضاً. قوله: (بأن كان عاجزاً) أي عجزاً حسياً كأن لا يستطيع الوصول إلى محل
الوديعة أو معنوياً، وهو ما أشار إليه بقوله أو خاف على نفسه: أي من ظالم أن يقتله أو
دائن أن يحبسه وهو غير قادر على الوفاء أو كانت امرأة وخافت من فاسق أو خاف على
ماله بأن كان مدفوناً معهما، فإذا ظهر اغتصبه منه غاصب فامتنع عن التسليم لذلك لا
يضمن، لأنه لم يكن ظالماً. قوله: (أو خاف على نفسه أو ماله) في المحيط: لو طلبها أيام
الفتنة فقال لم أقدر عليها هذه الساعة لبعدها أو لضيق الوقت فأغاروا على تلك الناحية

٤٥٨
كتاب الإيداع
أو ماله بأن كان مدفوناً معها ابن ملك (لا) يضمن كطلب الظالم (فلو كانت الوديعة
سيفاً أراده صاحبه أن يأخذ ليضرب به رجلاً ظلماً فله المنع من الدفع) إلى أن يعلم
به ترك الرأي الأول وأنه ينتفع به على وجه مباح. جواهر (كما لو أودعت) امرأة
(كتاباً فيه إقرار منها للزوج بمال أو بقبض مهرها منه) فله منعه منها لئلا يذهب
حق الزوج. خانية (ومنه) أي من المنع ظلماً (موته) أي موت المودع (مجهلاً فإنه
فقال أغير عليها لم يضمن، والقول له اهـ. قوله: (كطلب الظالم) أي وديعته ليظلم بها
فإنه بمنعها لا يكون ظالماً، حتى لو ضاعت لا يكون ضامناً كمنعه منه وديعة عبده فإنه به
لا يكون ظالماً، لأن المولى ليس له قبض وديعة عبده مأذونا كان أو محجوراً ما لم يحضر
ويظهر أنه من كسبه لاحتمال أنه مال الغير، فإذا ظهر أنه للعبد بالبينة فحينئذ يأخذه.
خلاصة ط. وإنما كان المراد بالظالم هنا المالك لأن الكلام في طلبه هو فما بعده مفرع
عليه: أعني قوله فلو كانت الوديعة سيفاً الخ، يدل عليه قول المصنف في المنح لما فيه من
الإعانة على الظلم. قوله: (فلو كانت) تفريع على عدم الضمان بالمنع عند طلب الظالم.
وحاصله: أنه لا يضمن بطلب صاحب الوديعة حيث كان ظالماً بأن كانت الوديعة
سيفاً فطلبه ليقتل به رجلاً مظلوماً بغير حق ولو معاهداً أو امرأة أو صبياً، فلو منعه لا
يضمن لكون الطالب ظالماً ومثل السيف كل مؤذ فيما يظهر. قوله: (ليضرب به رجلاً)
أي مظلوماً ولو معاهداً أو امرأة أو صبياً ط. قوله: (إلى أن يعلم الخ) فلو شك فيما ذكر
لا يعد بمنعه ظالماً فلا يضمن بهلاكه. كذا يفاد من مفهومه ط. قوله: (كما لو أودعت)
أتى بالكاف ليفيد أنه مثال غير مخصص، فمثله كل ما كان في معناه فيما يظهر.
قال في الأشباه: لا يجوز للمودع المنع بعد الطلب إلا في مسائل: لو كان سيفاً
ليضرب به ظلماً، ولو كان كتاباً فيه إقرار بمال الغير أو قبض اهـ. قوله: (أي موت
المودع) بفتح الدال مجهلاً، أما بتجهيل المالك فلا ضمان، والقول للمودع بيمينه بلا
شبهة. قال الحانوتي: وهل من ذلك الزائد في الرهن على قدر الدين اهـ.
أقول: الظاهر أنه منه لقولهم: ما تضمن به الوديعة يضمن به الرهن، فإذا مات
مجهلا يضمن ما زاد، وقد أفتيت به. رملي ملخصاً. قال ط: من الوديعة الزائد من الرهن
على مقدار الدين فيضمن بالموت عن تجهيل وتكون الوديعة ونحوها كدين الصحة
فيحاصص ربها الغرماء، لأن اليد المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك، ولأنه لما مات ولم
يبين صار بالتجهيل مستهلكاً لها اهـ.
قال في مجمع الفتاوى: المودع أو المضارب أو المستعير أو المستبضع وكل من كان
المال بيده أمانة إذا مات قبل البيان ولاتعرف الأمانة بعينها فإنه یکون دین علیه في ترکته،

٤٥٩
كتاب الإيداع
يضمن) فتصير ديناً في تركته، إلا إذا علم أن وارثه يعلمها فلا ضمان.
لأنه صار مستهلكاً الوديعة بالتجهيل؛ ومعنى ((موته مجهلًا)) أن لا يبين حال الأمانة كما في
الأشباه.
وقد سئل عمر بن نجيم عما لو قال المريض عندي ورقة في الحانوت لفلان ضمنها
دراهم لا أعرف قدرها فمات ولم توجد. فأجاب بأنه من التجهيل. لقوله: في البدائع:
هو أن يموت قبل البيان ولم يعرف الأمانة بعينها اهـ. قال الحموي: وفيه تأمل. قال
سيدي الوالد رحمه الله تعالى: ولينظر ما وجه التأمل.
وفي نور العين: لو مات المودع مجهلًا ضمن: يعني لو مات ولم يبين حال الوديعة،
أما إذا عرفها الوارث والمودع يعلم أنه يعرف المودع فمات لم يضمن؛ فلو قال الوارث أنا
علمتها وأنكر الطالب، لو فسرها بأن كانت كذا وكذا وقد هلكت صدق لكونها عنده.
وفي الذخيرة: قال ربها مات المودع مجهلاً وقالت ورثته كانت قائمة يوم موت المودع
ومعروفة ثم هلكت بعد موته صدق ربها هو الصحيح، إذ الوديعة صارت ديناً في التركة
في الظاهر فلا یصدق الورثة. ولو قال ورثته ردها في حیاته أو تلفت في حیاته لا يصدقون
بلا بينة لموته مجهلاً فيقرر الضمان في التركة، ولو برهنوا أن المودع قال في حياته رددتها
يقبل إذ الثابت ببينة كالثابت بعيان اهـ. قوله: (إلا إذا علم) بالبناء للفاعل وضميره للمودع
بالفتح الذي مات مجهلاً، وإذا قال الوارث ردها في حياته أو تلفت في حياته لم يصدق بلا
بینة، ولو برهن أن المودع قال في حیاته رددتها يقبل.
قال الحموي في شرحه: وقيد في الخلاصة ضمان المودع بموته مجهلاً بأن لا يعرفها
الوارث، أما إذا عرفها والمودع يعلم أنه يعرف فمات ولم يبين لا يضمن اهـ. وذلك بأن
سئل عنها فقال عند فلان علمها.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى في تنقيحه في جواب سؤال: والذي تحرر من
كلامهم أن المودع إن أوصى بالوديعة في مرض موته ثم مات ولم توجد فلا ضمان في
تركته، وإن لم يوص فلا يخلو إما أن يعرفها الورثة أو لا: فإن عرفوها وصدقهم صاحبها
على المعرفة ولم توجد لا ضمان في التركة؛ وإن لم يعرفوها وقت موته فلا يخلو، إما أن
تكون موجودة أو لا، فإن كانت موجودة وثبت أنها وديعة إما ببينة أو إقرار الورثة أخذها
صاحبها ولا يتوهم أنه في هذه الحالة مات مجهلا فصارت ديناً فيشارك أصحاب الديون
صاحبها، لأن هذا عند عدم وجودها، أما عند قيامها فلا شك أن صاحبها أحق بها، فإن
لم توجد فحينئذ هي دين في التركة وصاحبها كسائر غرماء الصحة، وإن وجد بعضها وفقد
بعضها، فإن كان مات مجهلاً أخذ صاحبها الموجود ورجع بالمفقود في التركة وإلا أخذ
الموجود فقط؛ وإن مات وصارت ديناً، فإن كانت من ذوات الأمثال وجب مثلها وإلا

٤٦٠
كتاب الإيداع
ولو قال الوارث أنا علمتها وأنكر الطالب، إن فسرها وقال هي كذا وأنا
علمتها وهلكت، صدق هذا وما لو كانت عنده سواء، إلا في مسألة وهي أن
الوارث إذا دل السارق على الوديعة لا يضمن والمودع إذا دل ضمن. خلاصة. إلا
فقيمتها، فعليك بحفظ هذا التحرير. والله سبحانه وتعالى أعلم نقل من فتاوى
التمرتاشي .
وأجاب قارىء الهداية عن سؤال بقوله: إذا أقام المودع بينة على الإيداع وقد مات
المودع مجهلاً للوديعة ولم يذكرها في وصيته ولا ذكر حالها لورثته فضمانها في تركته، فإن
أقام بينة على قيمتها أخذت من تركته، وإن لم تكن له بينة على قيمتها فالقول فيها قول
الورثة مع يمينهم، ولا يقبل قول الورثة إن مورّثهم ردها لأنه لزمهم ضمانها فلا يبرؤن
بمجرد قولهم من غير بينة شرعية على أن مورثهم ردها اهـ.
وقال في جواب آخر: ادعوا أن مورثهم ادعى قبل موته أنه رده إلى مالكه أو أنه
تلف منه وأقاموا بينة على أنه قال ذلك في حياته تقبل بينتهم؛ وكذلك إذا أقاموا بينة أنه
حين موته كان المال المذكور قائماً وأن مورثهم قال هذا المال لفلان عندي وديعة أو قرض
أو قبضته لفلان بطريق الوكالة أو الرسالة لأدفعه إليه فادفعوه إليه ولكنه ضاع بعد ذلك
من عندنا لا ضمان عليهم ولا في ترکته ا هـ.
أقول: وفي قوله أو قرض نظر، إن حمل على أن الميت استقرضه منه لأنه دخل في
ملكه وصار مطالباً ببدله، وإذا هلك يهلك عليه بعد قبضه، إلا أن يحمل على أن المالك
كان استقرضه ووضعه عند الميت أمانة فليتأمل هذا.
وفي حاشية الأشباه للبيري عن منية المفتي ما نصه: وارث المودع بعد موته إذا قال
ضاعت في يد مورثي: فإن کان هذا في عیاله حین کان مودعاً يصدق، وإن لم یکن في
عياله لا اهـ. قوله: (صدق) يعني لو ادعى الطالب التجهيل بأن قال مات المودع مجهلًا
وادعى الوارث أنها كانت قائمة يوم مات وكانت معروفة ثم هلكت بعد موته فالقول
للطالب في الصحيح، إذ الوديعة صارت ديناً في التركة في الظاهر فلا يصدق الوارث كما
في جامع الفصولين والبزازية كما علمت. قوله: (وما لو كانت عنده) أي عند المورث:
يعني أن الوارث كالمودع فيقبل. قوله: (في الهلاك إذا فسرها فهو مثله)، إلا أنه خالفه في
مسألة وهي قوله الآتي إلا في مسألة وهي الخ. قوله: (إلا أنه إذا منعه) أي المودع
السارق: يعني أن المودع بعد ما دل السارق على الوديعة فجاء السارق ليأخذها فمنعه
فأخذها السارق قهراً لا يضمن. قال في الخلاصة: المودع إنما يضمن إذا دل السارق على
الوديعة إذا لم يمنعه من الأخذ حال الأخذ، فإن منعه لم يضمن اهـ. قوله: (إلا إذا منعه)
أي المودع السارق فأخذ كرهاً. فصولين. وهو استثناء من قوله: (والمودع إذا دل ضمن).