النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب الصلح وَصَحَّ عَلَى الإِبْرَاءِ مِنْ كُلِّ عَائِبٍ وَلَوْ زَالَ عَيْبٌ عَنْهُ صَالَحَ يُهْدَرُ وَمَنْ قَالَ إِنْ تَخْلِفْ فَتَبرأْ فَلَمْ يُجُزْ وَلَوْ مُدَّعٍ كَالأَجْنبيِّ يُصَوّرُ وحاصل المعنى: إذا كان لطفل مال بشهود لم يجز الصلح فيه، ولم يجز مصالحة من يدعي شيئاً على الصغير بدون بينة بمال الصغير، لأن المدعي لم يستحق سوى الاستحلاف، ولا يستحلف الأب ولا الوصي ولا الصبي حال صغره، والأب لا يصح أن يفدي اليمين بمال الصغير، وإن تبرع الأب بماله صح كالأجنبي. وإذا كان للمدعي بينة يصح الصلح بمال الصغير بمثل القيمة وزيادة يتغابن فيها كالشراء. وهذه المسائل تجري في الأب والجد ووصيهما والقاضي ووصيه، وسواء كان الصلح في عقار أو عبد أو غيرهما في الكل أو البعض. وعليه فالصور أربع فيما إذا لم يكن للطفل بينة وحيث كان للخصم بينة، فهذه أربع صور. وأشار المصنف إلى أن الأربعة تجري مع الأب والجد والوصي من جهة الأب أو الجد، ومن جهة الوصي أو من جهة أحدهما أو القاضي أو وصي القاضي فبلغ اثنتين وثلاثين مسألة، وسواء كان الصلح في عقار أو عبد أو غيرهما فيبلغ ستة وتسعين، وسواء كان في الجميع أو البعض فيبلغ مائة واثنين وتسعين حكماً كل ذلك مما ذكره صاحب المبسوط. قلت: بقي عليه وصي الأم في تركتها ووصيه والأخ. قال في المبسوط: وصلح وصي الأم والأخ مثل صلح وصي الأب في غير العقار، فيبلغ أضعاف ذلك کما في شرح الوهبانية لابن الشحنة، وتمامه فيه. قوله: (وصح على الإبراء عن كل عائب) الضمير في صح يعود إلى الصلح: يعني جاز الصلح عن البراءة من كل عيب، لأن الإبراء عن العيب بلا بدل صحيح فكذلك معه، كما لو سمي عيباً معلوماً لأنه إسقاط الحق. ولو قال اشتريت منك العيوب بكذا لم يصح ط. وهذا البيت للعلامة عبد البر ذكره بعد أبيات بعد البيت الأول. قوله: (ولو زال عيب) أي لو صالحه على عيب في المبيع ودفع له بدلاً عن الصلح ثم زال العيب بطل الصلح ويسترد البدل ويسقط عنه إن لم يكن دفعه لعود السلامة، وكذا كل عيب زال كطلاق المشتراة، أو لم يوجد يرد بدله كعدم الحبل، وكما لو ظهر الدين على غير المصالح يرد بدله كما في الشرنبلالية. قوله: (ومن قال) أي لو ادعى عليه شيئاً فأنكر فقال له إن تحلف على عدم ثبوت هذا الحق عليك فأنت بريء منه لم تجز هذه البراءة لعدم جواز تعليقها بالشرط، فإن كان حلف عند غير القاضي له أن يحلفه عند القاضي، ولو أقام بينة قبلت، وإن عجز أعاد اليمين عليه. قوله: (ولو مدع) لو للوصل: أي لو قال للمدعي إن حلفت على ما تدعيه فهو لك فحلف لا يستحق المدعي. قوله: (كالأجنبي) خبر لمبتدأ محذوف: أي وما ذكر من المدعى عليه والمدعي كالأجنبي حال كونه يصور: أي لو قال له إن حلف فلان الأجنبي فلك ما تدعيه أو أنت بريء مما ادعى عليك فحلف الأجنبي لا يبرأ. ٣٦٢ كتاب الصلح والحاصل: أنه اشتمل هذ البيت على ثلاث مسائل من قاضيخان. الأولى: اصطلحا على أنه إن حلف المدعى عليه فهو بريء فحلف أن ماله قبله شيء فالصلح باطل. الثانية: اصطلحا على أنه إن حلف المدعي على دعواه فالمدعى عليه يكون ضامناً لما يدعي فالصلح باطل، فلا يجب المال على المدعى عليه. الثالثة: اصطلحا على أنه إن حلف فلان وهو غير الطالب فالمال على المدعى عليه كان باطلاً فلا يلزمه المال، وهي المفادة بقوله كالأجنبي، وهذه المسائل تقدمت في كتاب الدعوى. خاتمة نسأل الله حسنها. في البحر عن مجموع النوازل: وقع بين امرأة وزوجها مشاجرة فتوسط المتوسطون بينهما للصلح فقالت لا أصالحه حتى يعطيني خمسين درهماً يحل لها ذلك؛ لأن لها عليه حقاً من المهر وغيره اهـ. قال الحموي نقلاً عن المقدسي: قلت: هذه دعوى لا دليل عليها فقد يكون لا شيء لها وتطلب ذلك اهـ. وأقول: ما ذكره في مجموع النوازل من أنه يحل لها الأخذ مفروض فيما إذا وافقها الزوج بأن أعطاها ما طلبت بطريق الصلح، وحينئذ لا يتوقف الأخذ على أن يكون لها شيء عليه إذ ليس هو بأدنى مما سبق التصريح به من أن الصلح يجوز ولو عن إنكار، وقدمنا عن الزيلعي التصريح بأنه يحل للمدعي أخذه لأنه في زعمه عین حقه أو بدله وإن كان المدعى عليه يزعم أنه لا شيء عليه، ومع هذا حل له الدفع أيضاً للشرّ عن نفسه، وحينئذ فقوله لأن لها عليه حقاً من المهر وغيره إنما ذكره تحسيناً للظن بها، لا لأنه شرط لجواز الصلح. أبو السعود. وفي البحر عن الخلاصة: ولو استقرض من رجل دراهم بخارية ببخارى أو اشترى سلعة بدراهم بخارية ببخارى فالتقيا ببلدة لا يوجد بها البخارية، قالوا: يؤجل قدر المسافة ذاهباً وجائياً ويستوثق منه بكفیل. وفيه عنها: إذا أقر الوصي أن عنده ألف درهم للميت وللميت ابنان فصالح أحدهما من حقه على أربعمائة لم يجز، وإن كان استهلكها ثم صالحهما جاز اهـ. ولو صالح امرأته من نفقتها سنة على حيوان أو ثوب سمي جنسه جاز مؤجلاً وحالًا، بخلاف ما لو صالحها بعد الفرض أو بعد تراضيهما عن النفقة لا يجوز. كذا في محيط السرخسي. ولو صالحته عن أجر رضاع الصبي بعد البينونة كان جائزاً، ثم ليس لها أن تصالح بما ثبت لها من دراهم الأجر على طعام بغير عينه كذا في المبسوط. رجل صالح امرأته المطلقة من نفقتها على دراهم معلومة على أن لا يزيدها عليها ٣٦٣ كتاب الصلح حتى تنقضي عدتها وعدتها بالأشهر جاز ذلك، وإن كان عدتها بالحيض لا يجوز لأن الحيض غير معلوم، قد تحيض ثلاث حيض في شهرين وقد لا تحيض عشرة أشهر. كذا في فتاوی قاضیخان. لو صالحت مع زوجها من نفقتها ما دامت زوجة له على مال لا يجوز. لو كانت امرأته مكاتبة أو أمة قد بوأها المولى بيتاً فصالحها على دراهم مسماة من النفقة والكسوة لكل سنة جاز ذلك، وكذلك لو صالح مولى الأمة، فلو لم يكن بوأها المولى بيتاً لم يجز هذا الصلح، وكذلك إن كانت المرأة صغيرة لا يستطيع الزوج أن يقر بها فصالح أباها عن نفقتها لم يجز، وإن كانت كبيرة والزوج صغير فصالح أبوه عن النفقة وضمن جاز. وإذا صالح الفقير امرأته على نفقة كثيرة في الشهر لم يلزمه إلا نفقة مثلها. كذا في المبسوط. لو صالح على نفقة المحارم ثم ادعى الإعسار صدق وبطل الصلح. كذا في التاتر خانية . إذا صالح الرجل بعض محارمه عن النفقة وهو فقير لم يجبر على إعطائه إن أقروا أنه محتاج، فإن لم يعرف حاله وادعى أنه فقير فالقول قوله، ويبطل عنه ما صالح عليه، إلا أن تقوم بينة أنه موسر فيقضي بالصلح عليه، ونفقة الولد الصغير كنفقة الزوجة من حيث إن اليسار ليس بشرط لوجوبها، فالصلح فيه يكون ماضياً، وإن كان الوالد محتاجاً، فإن كان صالح على أكثر من نفقتهم بما يتغابن الناس فيه أبطلت الفضل عنه، وكذلك الصلح في الكسوة للحاجة، والمعتبر فيه الكفاية كالنفقة. لو صالح امرأته من کسوتها على درع يهودي ولم يسمّ طوله وعرضه ورفعته جاز ذلك، وكذلك كسوة القرابة. ولو صالح رجل أخاه وهو صحیح بالغ على دراهم مسماة لنفقته و کسوته کل شهر لم يجبر ذلك ولم يجبر عليه. كذا في المبسوط. إن صالحت المبانة زوجها عن سكناها على دراهم لا يجوز. كذا في فتاوى قاضیخان. إذا صالح امرأته من نفقتها وكسوتها لعشر سنين على وصيف وسط إلى شهر أو لم يجعل له أجلاً فهو جائز. كذا في المبسوط. سئل الحسن بن علي عمن ادعى على آخر فساداً في البيع بعد قبض المبيع ولم يتهيأ له إقامة البيئة فصولح بينهما عن دعوى الفساد على دنانير هل يصح الصلح؟ فقال لا. قيل: ولو وجد بينة بعد الصلح هل تسمع البينة؟ فقال نعم، كذا في التاترخانية ناقلاً عن ٣٦٤ كتاب الصلح اليتيمة. وفي حكم الرد بالعيب المصالح عليه كالبيع يرد بالعيب اليسير والفاحش ويرجع في الدعوى إن كان رده بحكم أو غير حكم. كذا في المبسوط. لو وجد بما وقع عليه الصلح عيباً فلم يقدر على رده لأجل الهلاك أو لأجل الزيادة أو لأجل النقصان في يد المدعي فإنه يرجع على المدعى عليه بحصة العيب، فإن كان الصلح عن إقرار رجع بحصة العيب على المدعى عليه في المدعي، وإن كان عن إنكار رجع بحصة العيب على المدعى عليه في دعواه، فإن أقام البينة أو حلفه فنكل استحق حصة العيب منه، فإن حلفه فحلف فلا شيء عليه. كذا في السراج الوهاج. لو اشترى جارية فولدت عند المشتري ثم وجدها عوراء وأقر البائع أنه دلسها له فصالحه على أن يردها وولدها وزيادة ثوب على أن يرد عليه الآخر الثمن فهو جائز، وكذلك هذا في نقض بناء الدار وزيادة بنائها. هكذا في المبسوط. ادعى عيباً في جارية اشتراها وأنكر البائع فاصطلحا على مال على أن يبرىء المشتري البائع من ذلك العيب ثم ظهر أنه لم يكن بها عيب أو كان ولكنه قد زال فللبائع أن يسترد بدل الصلح. كذا في الفصول العمادية. اشتری رجلان شیئاً فوجدا به عیباً فصالح أحدهما في حصته جاز، ولیس للآخر أن يخاصم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وعندهما لآخر على خصومته، لأن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لو أبرأ أحدهما عن حصته بطل حق الآخر خلافاً لهما. كذا في محيط السرخسي. إذا اشترى ثوبين كل واحد بعشرة دراهم وقبضهما ثم وجد بأحدهما عيباً فصالح على أن يرده بالعيب على أن يزيد في ثمن الآخر درهماً فالرد جائز، وزيادة الدرهم باطلة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. كذا في الحاوي. لو قال لجارية أنت أمتي وقالت لا بل أنا حرة وصالحها من ذلك على مائة درهم فهو جائز، فإن أقامت البية أنها كانت أمته أعتقها عام أول أو أنها حرة الأصل من الموالي أو من العرب حرة الأبوين رجعت بالمائة عليه، ولو أقامت البينة أنها كانت أمة لفلان فأعتقها عام أول لم أقبل ذلك منها ولم ترجع بالمائة. كذا في المبسوط. إذا ادعى داراً في يد رجل وأنكر المدعى عليه فصالحه المدعي على دراهم ثم أقر المدعى عليه فأراد المدعي أن ينقض صلحه وقال إنما صالحتك لأجل إنكارك ليس له أن ينقض الصلح. كذا في المحيط. لو ادعى في بيت رجل حقاً فصالحه المدعى عليه من ذلك على أن يبيت على سطحه ٣٦٥ كتاب الصلح سنة ذكر في الكتاب أنه يجوز. وقال بعض المشايخ: هذا إذا كان السطح محجراً، فإن لم يكن محجراً لا يجوز الصلح، كما لا يجوز إجارة السطح. وقال بعضهم: يجوز الصلح على كل حال. كذا في الظهيرية. اختصم رجلان في حائط فاصطلحا على أن يكون أصله لأحدهما وللآخر موضع جذوعه وأن يبني عليه حائطاً معلوماً ويحمل جذوعاً معلومة لا يجوز. كذا في محيط السرخسي. إذا اختصم رجلان في حائط فاصطلحا على أن يهدماه وكان مخوفاً وأن يبنياه على أن لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثيه والنفقة عليهما على قدر ذلك، وعلى أن يحملا عليه من الجذوع بقدر ذلك فهو جائز. كذا في الحاوي. إذا وقع الصلح من دعوى الدار على دراهم وافترقا قبل قبض بدل الصلح لا ينتقض الصلح. كذا في المحيط. إذا كان الإنسان نخلة في ملكه فخرج سعفها إلى دار جاره فأراد الجار قطع السعف فصالحه رب النخلة على دراهم مسماة على أن يترك النخلة فإن ذلك لا يجوز، وإن وقع الصلح على القطع، فإن أعطى صاحب النخلة جاره دراهم ليقطع كان جائزاً وأنه أعطى الجار دراهم لصاحب النخلة ليقطع كان باطلاً. رجل اشترى داراً لها شفيع فصالح الشفيع على أن يعطي للشفيع دراهم مسماة ليسلم الشفيع الشفعة بطلت الشفعة ولا يجب المال، وإن كان أخذ المال رده على المشتري. كذا في فتاوی قاضیخان. ولو صالح المشتري مع الشفيع على أن أعطاه الدار وزاده الشفيع على الثمن شيئاً معلوماً فهو جائز كذا في المبسوط. وإن صالح على أن يأخذ نصف المشتري أو ثلثه أو ربعه على أن يسلم الشفعة في الباقي كان جائزاً فإن وجد هذا الاصطلاح منهما بعد تأكد حق الشفيع بطلب المواثبة وطلب الإشهاد فإنه يصير آخذاً للنصف بالشفعة حتى لا يتجدد فيما أخذ بالشفعة مرة أخرى ويصير مسلم الشفعة في النصف، حتى لو كان هذا الشفيع شريكاً في المبيع أو في الطريق كان للجار أن يأخذ النصف الذي لم يأخذه هذا الشفيع بالشفعة، وإن كان هذا الاصطلاح قبل وجود الطلب من الشفيع فإنه يصير آخذاً للنصف بشراء مبتدأ ويتجدد فيما أخذ الشفعة. هكذا في المحيط. لو صالح المشتري الشفيع على أن يسلم الشفعة على بيت من الدار بحصته من الثمن فالصلح باطل وحق الشفعة باطل، وهذا إذا كان الصلح بعد تأكد حقه بالطلب، فأما قبل الطلب بطلت الشفعة. كذا في محيط السرخسي. ٣٦٦ كتاب الصلح إذا ادعى رجل شفعة في دار فصالحه المشتري على أن يسلم له داراً أخرى بدراهم مسماة على أن يسلم له الشفعة فهذا فاسد لا يجوز. كذا في المبسوط. رجل قتل رجلاً عمداً وقتل آخر خطأ ثم صالح أولياءهما على أكثر من دیتین فالصلح جائز ولصاحب الخطأ الدية وما بقي فلصاحب العمد، ولو صالح أولياءهما على ديتين أو أقل منهما كان بينهما نصفين. كذا في محيط السرخسي. وبدل الصلح في دم العمد جار مجرى المهر، فكل جهالة تحملت في المهر تتحمل هنا، وما يمنع صحة التسمية يمنع وجوبه في الصلح، وعند فساد التسمية يسقط القود ويجب بدل النفس وهو الدية، نحو أن يصالح على ثوب كما يجب مهر المثل في النكاح إلا أنهما يفترقان من وجه، وهو أنه إذا تزوجها على خمر يجب مهر المثل. ولو صالح عن دم العمد على خمر لا يجب شيء كذا في الكافي. وفي الخطأ تجب الدية. كذا في الاختيار شرح المختار. ولو صالحه بعفو عن دم على عفو عن دم آخر جاز كالخلع. كذا في الاختيار. جرح رجلاً عمداً فصالحه لا يخلو: إما إن برىء أو مات منها، فإن صالحه من الجراحة أو من الضربة أو من الشجة أو من القطع أو من اليد أو من الجناية لا غير جاز الصلح إن برىء بحيث بقي له أثر وإن برىء بحيث لم يبق له أثر بطل الصلح، فأما إذا مات من ذلك بطل الصلح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ووجبت الدية خلافاً لهما، وإن صالحه عن الأشياء الخمسة وما يحدث منها فالصلح جائز إن مات منها، وأما إذا برىء منها ذكرها هنا أن الصلح جائز. وذكر في الوكالة لو أن رجلاً شج رجلاً موضحة فوكل إنساناً ليصالح عن الشجة وما يحدث منها إلى النفس: فإن مات كان الصلح من النفس. وإن برىء يجب تسعة أعشار المال ونصف عشره ويسلم للمشجوج نصف عشر المال. وقال عامة مشايخنا اختلفا لاختلاف الوضع، فإن الوضع ثمة أنه صالح عن الجراحة وعما يحدث منها إلى النفس وهو معلوم فأمكن قسمة البدل على القائم والحادث جميعاً، وها هنا صالحه عن الجراحة، وكل ما يحدث منها وهو مجهول قد يحدث وقد لا يحدث، وإذا حدث لا يدري أيّ قدر يحدث فتعذر قسمة البدل على القائم والحادث فصار البدل كله بإزاء القائم، وأما إذا صالحه عن الجناية يجوز الصلح في الفصول كلها إلا إذا برىء بحيث لم يبق له أثر. كذا في محيط السرخسي. رجل قتل عمداً وله ابنان فصالح أحدهما عن حصته على مائة درهم فهو جائز ولا شركة لأخيه فيها، ولو كان القتل خطأ فصالحه أحدهما على مال كان لشريكه أن يشاركه في ذلك إلا أن يشاء المصالح أن يعطيه ربع الأرش. هكذا في المبسوط. في المنتقى عن ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله قال في رجل قطع يمين رجل ٣٦٧ كتاب الصلح فصالحه المقطوع يده على أن يقطع يسار القاطع فقطعه فهذا عفو عن الأول، ولا شيء على قاطع اليسار ولا شيء له على قاطع اليمين، وإن اختصما قبل أن يقطع يساره وقد صالحه على ذلك فليس له أن يقطع يساره ولكن رجع بدية يمينه، وإن صالحه على أن يقطع يد القاطع ورجله أو على أن يقتل عبد القاتل، إن قطع يده ورجله رجع عليه بدیة رجله، وإن قتل عبده فله عليه قيمة عبده مقاصة منها بدية يده ويترادان الفضل. ولو صالح على أن يقطع يد هذا الحر أو على أن يقتل عبد فلان ففعل يغرم دية الحر الآخر وقيمة عبده ويرجع المقطوع يده على القاطع بدية يده. كذا في محيط السرخسي. إذا كان في الديوان عطاء مكتوب باسم رجل فنازعه فيه آخر وادعى أنه له فصالحه المدعى عليه على دراهم أو دنانير حالة أو إلى أجل فالصلح باطل، وكذلك لو صالحه على شيء بعينه فهو باطل. كذا في المبسوط. له عطاء في الديوان مات عن ابنين فاصطلحا على أن يكتب في الديوان باسم أحدهما ويأخذ العطاء والآخر لا شيء له من العطاء ويبذله من كان له العطاء مالً معلوماً فالصلح باطل، ويرد بدل الصلح والعطاء للذي جعل الإمام العطاء له. كذا في الوجيز للكردي. مَطْلَبٌ: لَا يَصِحُ صُلْحُ وَكِيلِ الخُصُومَةِ الوكيل بالخصومة إذا صالح لا يصح، بخلاف ما إذا أمر. كذا في متفرقات الذخيرة. لا يجوز التصرف في بدل الصلح قبل الصلح إذا كان منقولًا، فلا يجوز للمدعي بيعه وهبته ونحو ذلك، فإن كان عقاراً يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى. لا ينبغي للقاضي أن يباشر الصلح بنفسه، بل يفوض ذلك إلى غيره من المتوسطين، وسبيل القاضي أن لا يبادر في القضاء بل يرد الخصوم إلى الصلح مرتين أو ثلاثاً إذا كان يرجو الإصلاح بينهم بأن كانوا يميلون إلى الصلح ولا يطلبون القضاء لا محالة، فأما إذا طلبوا القضاء لا محالة وأبوا الصلح: إن كان وجه القضاء ملتبساً غير مستبين للقاضي أن يردهم إلى الصلح، أما إذا كان وجه القضاء مستبيناً: فإن وقعت الخصومة بين أجنبيين يقضى بينهم ولا يردهم إلى الصلح حين أبوا، وإن وقعت الخصومة بين أهل قبيلتين أو بين المحارم يردهم إلى الصلح مرتين أو ثلاثاً وإن أبوا الصلح. هكذا في الذخيرة. الكفيل بالنفس إذا صالح على مال على أن يبرثه من الكفالة فالصلح باطل، وهل تبطل الكفالة؟ فيه روايتان. في رواية تسقط. هكذا في البدائع، وبه يفتى. كذا في الذخيرة اهـ. والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم. ٣٦٨ كتاب المضاربة كِتَابُ المضاربة (هي) لغة: مفاعلة من الضرب في الأرض وهو السير فيها. وشرعاً: (عقد شركة كِتَابُ المُضَارَبة قالا منلا مسكين: هي كالمصالحة من حيث إنها تقتضي وجود البدل من جانب واحد اهـ. قال الحموي: وفيه تأمل، لأن الصلح إذا كان عن مال بإقرار يكون بيعاً والبيع يقتضي وجود المبادلة من الجانبين اهـ. وأجاب عنه أبو السعود عن شيخه بأنه يكفي في بيان وجه المناسبة اشتراك المضاربة والصلح في الوجود الصوري، وباعتباره يكون قاصراً على المصالح عليه، ولا شك أن وجوده من جانب واحد كرأس مال المضاربة. وأما اعتبار الصلح عن مال بإقرار بيعاً فبالنظر إلى المعنى كما لا يخفى اهـ: أي أنه لا يلزم في المناسبة أن تكون من كل الوجوه وقد اعتبرت هنا في قسمين من الصلح عن إنكار أو سكوت. قوله: (هي مفاعلة) لكونها على غير بابها. قوله: (وهو السير فيها) قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني يسافرون للتجارة؛ وسمي هذا العقد بها لأن المضارب يسير في الأرض غالباً لطلب الربح، ولهذا قال الله تعالى . يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله - وهو الربح وأهل الحجاز يسمون هذا العقد مقارضة، وهو مشتق من القرض لأن صاحب المال يقطع قدراً من ماله ويسلمه للعامل. وأصحابنا اختاروا لفظة المضاربة لكونها موافقة لما تلونا من نظم الآية، وهي مشروعة لشدة الحاجة إليها من الجانبين، فإن من الناس من هو صاحب مال ولا يهتدي إلى التصرف، ومنهم من هوبالعكس فشرعت لتنتظم مصالحهم، فإنه عليه الصلاة والسلام بعث والناس يتعاملون بها فأقرهم عليها وتعاملتها الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ ألا ترى إلى ما يروى ((أن عباس بن عبد المطلب كان إذا دفع مالاً مضاربة شرط عليه أن لا يسلك به بحراً ولا ينزل وادياً ولا يشتري ذات كبد رطب، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ ذلك رسول الله ﴿ فاستحسنه)) فصارت مشروعة بالسنة والإجماع. كذا ذكره الزيلعي. ووجه المناسبة بين الكتابين من حيث أن كلَّ منهما مشتمل على الاسترباح. أما المضاربة فإن مبناها على هذا. وأما الصلح فإن المصالح من المدعى عليه مستريح سواء كان الصلح عن إقرار أو عن إنكار أو عن سكوت. عيني. قوله: (وشرعاً عقد شركة) قال في النهاية: ومن يحذو حذوه أنها دفع المال إلى غيره ليتصرف فيه ويكون الربح بينهما على ما شرطا. ورجح البرجندي هذا التعريف، وضعفه صاحب التكملة بأن المضاربة ليست الدفع المذكور، بل هي عقد يحصل قبل ذلك أو معه. ثم عقد الشركة في الربح لا يستلزم وجود الربح، فلا يرد عليه أنه قد لا يوجد الربح أصلاً، وخروج الفاسدة عن التعريف لا ٣٦٩ كتاب المضاربة في الربح بمال من جانب) رب المال (وعمل من جانب) المضارب. يقدح فيه لأنها تنقلب حينئذ إلى الإجارة كذا أفاده المنلا عبد الحليم. قوله: (في الربح) وإن لم يشتركا في الربح خرج العقد إلى البضاعة أو القرض. قال في البحر: فلو شرط الربح لأحدهما لا تكون مضاربة اهـ. ويجوز التفاوت في الربح، وإذا كان المال من اثنين فلا بد من تساويهما فيما فضل من الربح، حتى لو شرط لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث فیما فضل فهو بينهما نصفان لاستوائهما في رأس المال ا هـ كما يأتي. قوله: (بمال من جانب الخ) أي هذا مسمى المضاربة، وأما كونه إبداعاً ابتداء فليس هو مفهوماً لها بل هو حكمها کما ذكره، لأنه ترك ماله في يد غيره لا علی طریق الاستبدال ولا الوثيقة فيكون أمانة، فهو داخل في معنى الوديعة وليس هو مسمى عقد المضاربة، فإذا عمل فيه کان عاملاً فيه بإذن مالكه، وهو معنی الوکیل له فلذلك كان من حكمها أنها توكيل مع العمل، فإن ربح كان شريكاً لأنها قد عقدت بمال من جانب رب المال وعمل من جانب الآخر على أن يكون الربح بينهما، فلما حصل الربح كان له نصيب منه فکانت شرکة حیٹنذ وغصب إن خالف، لأنه تصرف في ماله بغير إذنه حیث خالف ما شرطه عليه وخرجت حينئذ عن كونها مضاربة، فلذا لا تعود وإن أجاز رب المال، لأن عقد المضاربة قد انفسخ بالمخالفة والمفسوخ لا تلحقه الإجازة، وإجارة فاسدة إن فسدت لأن الربح إنما يستحق بعقد المضاربة، فإذا فسدت لا يستحق شيئاً منه، ولذا قال: فلا ربح للمضارب، لكنه عمل في ماله بإذنه غير متبرع فيكون إجارة فلذا وجب أجر مثله ربح أو لا كما هو حكم الإجارة، وإنما كانت فاسدة لعدم وجود العقد الصحيح المفيد للإجارة، وبهذا التقرير اندفع ما أورده صدر الشريعة. تأمل. قوله: (وعمل من جانب المضارب) لأنه قبض المال بإذن مالكه لا على وجه المبادلة والوثيقة، بخلاف المقبوض على سوم الشراء لأنه قبضه بدلًاً، ويخلاف الرهن لأنه قبضه وثيقة. درر. وهو أي عمل بالرفع. كذا ضبطه الشرح اهـ. شلبي. فيكون عطفاً على قوله عقد فيقتضي أن حقيقتها العقد والعمل وهو ينافي ما بعد من قوله ((وركنها الخ)) فلو كان مجروراً عطفاً على مال والجار والمجرور في قوله بمال متعلق بمحذوف تقديره وتكون لكان وجيهاً. فالأولى أن يقول: وهي عبارة عن عقد على الشركة في الربح بمال من أحد الجانبين وعمل من الآخر كما فعل في الهندية، وهو مؤيد ما قلنا كما في ط. وإنما قيد الشارح بالمضارب لأنه لو اشترط رب المال أن يعمل مع المضارب فسدت، كما سيصرح به المصنف في باب المضارب يضارب، وكذا تفسد لو أخذ المال من المضارب بلا أمره وباع واشترى به، إلا إذا صار المال عروضاً فلا تفسد لو أخذه من ٣٧٠ كتاب المضاربة (وركنها: الإيجاب والقبول. وحكمها): أنواع لأنها (إيداع ابتداء). ومن حيل الضمان أن يقرضه المال إلا درهماً المضارب كما سيأتي في فصل المتفرقات. قوله: (وركتها الإيجاب والقبول) قال الحموي في شرحه: وركنها اللفظ الدالّ عليها كقوله دفعت إليك هذا المال مضاربة أو مقارضة أو معاملة أو خذ هذا المال واعمل به على أن لك من الربح نصفه أو ثلثه أو قال ابتع به متاعاً فما كان من فضل فلك منه كذا أو خذ هذا بالنصف، بخلاف خذ هذا الألف واشتر هرویاً بالنصف ولم يزد علیه فليس مضاربة بل إجارة فاسدة له أجر مثله إن اشتری ولیس له البيع إلا بأمر اهـ. ويقول المضارب قبلت أو ما يؤدي هذا المعنى اهـ. قاضي زاده. قوله: ((وحكمهما أنواع) لكنها بأنظار مختلفة. قال المنلا عبد الحليم. قوله: (وحكمها أنواع): الأول: أقول: اللائق أن يدرج في غيره أيضاً قولنا الثاني والثالث وغيرهما كما أدرج في قوله وشرطها وعد الأنواع المذكورة أحكامها بناء على أن حكم الشيء ما يثبت به ويبتني عليه، ولا خفاء في أنه يراعي ذلك في کل حكم منها في وقته، فلا يرد عليه أن معنى الإجارة والغصب ناقض لعقد المضاربة مناف لصحتها فكيف يجعل حكماً من أحكامها، ومن هذا يظهر حسن سبك المصنف في تحرير المتن حيث قال ((وأما دفع المال الخ)) لأن الإيضاع والإقراض لم يبتنيا على هذا العقد بل يفترقان عنه أول الأمر كما لا يخفى اهـ. قوله: (لأنها إيداع ابتداء) لأنه قبض المال بإذن مالكه لا على وجه المبادلة والوثيقة إلى آخر ما قدمناه قريباً، ولو حذف. قوله: (لأنها) ويكون. قوله: (إيداع) بدلًا مما قبله ماضره، وقوله ((ابتداء)) ظاهره أنها لا تكون في البقاء كذلك مع أنها تكون أمانة فيه فحكم الابتداء والبقاء سواء. فإن قيل: أراد الإيداع حقيقة وهي في البقاء أمانة قلنا: هذا غير ظاهر، فتدبر ط. قال الخير الرملي: سيأتي أن المضارب يملك الإيداع في المطلقة مع ما تقرر أن المودع لا يودع، فالمراد في حكم عدم الضمان بالهلاك وفي أحكام مخصوصة لا في كل حكم فتأمل. قوله: (ومن حيل الضمان الخ) ليست هذه حيلة في المضاربة بل قد خرج العقد إلى الشركة في رأس المال. وذكر الزيلعي حيلة أخرى أيضاً فقال: وإذا أراد رب المال أن يضمن المضارب بالهلاك يقرض المال منه ثم يأخذه منه مضاربة ثم يبضع المضارب كما في الواقعات. وذكر هذه الحيلة القهستاني. وفيه نظر لأنها تكون شركة عنان شرط فيها العمل على الأكثر مالاً وهو لا يجوز، بخلاف العكس فإنه يجوز كما ذكره في الظهيرية في كتاب الشركة عن الأصل للإمام محمد. تأمل. وكذا في شركة البزازية حيث قال: وإن لأحدهما ألف ولآخر ٣٧١ كتاب المضاربة ثم يعقد شركة عنان بالدرهم وبما أقرضه على أن يعملا والربح بينهما ثم يعمل المستقرض فقط، فإن هلك فالقرض عليه (وتوكيل مع العمل) لتصرفه بأمره (وشر کة إن ربح، ألفان واشتركا واشترطا العمل على صاحب الألف والربح أنضافاً جاز؛ وكذا لو شرطا الربح والوضيعة على قدر المال والعمل من أحدهما بعينه جاز، ولو شرطا العمل على صاحب الألفين والربح نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما أثلاثاً، لأن ذا الألف شرط لنفسه بعض ربح الآخر بغير عمل ولا مال، والربح إنما يستحق بالعمل أو المال أو بالضمان اهـ ملخصاً. لكن في مسألة الشارح شرط العمل على كل منهما لا على صاحب الأكثر فقط وهو صحیح سالم من الفساد کما سیصرح به. والحاصل: أن المفهوم من كلامهم أن الأصل في الربح أن يكون على قدر المال كما قدمناه عن البحر، إلا إذا كان لأحدهما عمل فيصح أن يكون أكثر ربحاً بمقابلة عمله، وكذا لو كان العمل منهما يصح التفاوت أيضاً تأمل. قوله: (ثم يعقد شركة عنان) وهي لا يلزمها أن يكون الربح فيها على قدر المال فلهما أن يتفقا على مناصفة الربح. ح قوله: (على أن يعملا) ذكره لأنه لو شرط العمل على أحدهما فسدت كما مر فيها والمفسد اشتراط عمل أحدهما لا الإطلاق. قوله: (ثم يعمل المستقرض فقط) أي بطيب نفس منه لا بشرط عليه، لأن شرط الشركة أن يكون العمل عليهما كما قال على أن يعملا، لكن الشرط إنما هو اشتراط العمل عليهما لا وجوده منهما، فإن العمل لا يتأتى من اثنين عادة فيصح أن ينفرد أحدهما به بعد أن شرط عليهما كما هو مقتضى عقد الشركة ويكون الربح بينهما على حسب الشرط؛ لأن كلاً منهما وكيل بما يعمله عن صاحبه فيقع شراء كل لهما بالأصالة عن نفس المباشر، وبالوكالة عن شريكه لأن الشركة تتضمتها ويكون الربح على حسب الشرط كما تقدم في بابها. قوله: (وتوكيل مع العمل) حتى يرجع بما لحقه من العهدة عليه. منح. كما لو رد على المضارب بالعيب ولم يوجد ما يؤدي ثمنه من مال المضاربة أو استحق في يد المشتري ورجع على المضارب بثمنه ولم يوجد ما يؤديه فأدى من مال نفسه يرجع إلى رب المال. هذا ما ظهر لي وكما سيجيء من قوله شرى عبداً بألفها وهلك الألف قبل نقده دفع المال ثمنه ثم وثم: يعني يرجع المضارب بالثمن على المالك. وأقول: هذه الوكالة ضمنية كما في وكالة الشركة كما ذكرنا، فشملت وكالة بمجهول الجنس وجازت، بخلاف الوكالة القصدية فإنها لم تجز وكالة بمجهول الجنس نحو التوكيل بشراء ثوب ونحوه على ما مر. قوله: (وشركة إن ربح) لأن الربح حصل بالمال والعمل فيشتركان فيه. منح. ٣٧٢ كتاب المضاربة وغصب إن خالف وإن أجاز) ربّ المال (بعده) لصيرورته غاصباً بالمخالفة (وإجارة فاسدة إن فسدت فلا ربح) للمضارب (حينئذ بل له أجر مثل عمله مطلقاً) ربح أو أقول: بل تكون شركة بمجرد الشراء؛ ألا ترى ليس لرب المال فسخها بعده، ولو كانت وكالة لكان له فسخها حينئذ وأخذ البضاعة. نعم استحقاقه لشيء من المال موقوف على ظهور الربح، ولذا لو عتق عبد المضاربة لا يعتق ما لم يتحقق الربح. تأمل. قوله: (وغصب إن خالف) لتعديه على مال غيره فیکون ضامناً، واستشكل قاضي زاده عد الغصب والإجارة من أحكامها، لأن معنى الإجارة إنما يظهر إذا فسدت المضاربة، ومعنى الغصب إنما يتحقق إذا خالف المضارب، وكلا الأمرين ناقض لعقد المضاربة مناف لصحتها فكيف يصح أن يجعلا من أحكامها وحكم الشيء ما يثبت به، والذي يثبت بمنافیه لا يثبت به قطعاً. فإن قلت: قد صلحا أن يكونا حكماً للفاسدة. قلنا: الأركان والشروط المذكورة هنا للصحيحة، فكذا الأحكام، على أن الغصب لا يصح حكماً للفاسدة؛ لأن حكمها أن يكون للعامل أجر عمله ولا أجر للغاصب اهـ مختصراً ط. ولا تنس ما قدمناه عند قوله بمال من جانب الخ. قوله: (وإن أجاز رب المال بعده) حتى لو اشترى المضارب ما نهى عنه ثم باعه وتصرف فيه ثم أجاز رب المال لم يجز. منح. فيضمن بالغصب ويكون الربح بعد ما صار مضموناً علیه له ولکن لا یطیب له عندهما. وعند الثاني یطیب له کالغاصب والمودع إذا تصرفا وربحا فإنهما على الخلاف المذكور اهـ. شلبي عن الغاية. وفي سري الدين عن الكافي أنه بعد الإجازة يكون كالمستبضع: يعني أن البضاعة وديعة في يده، وإذا خالف ينقلب إلى الغصب ولو أجاز بعده اهـ. وفيه مخالفة لما هنا كل المخالفة، وينبغي اعتماد ما هنا ط بزيادة. قوله: (لمصيرورته غاصباً بالمخالفة) فيه تعليل الشيء بنفسه. قوله: (بل له أجر مثل عمله مطلقاً) وهو ظاهر الرواية. قهستاني. لأنه لا يستحق المسمى لعدم الصحة ولم يرض بالعمل مجاناً فيجب أجر المثل. وعن أبي يوسف: إن لم يربح فلا أجر له، وهو الصحيح لئلا تربو الفاسدة على الصحيحة. شيخنا عن ابن الغرس على الهداية اهـ. أبو السعود. وفي الهداية: وعن أبي يوسف إذا لم يربح لا يجب الآخر اعتباراً بالمضاربة الصحيحة اهـ. اتفق الشراح على صحة هذا التعليل، لأن الفاسد يؤخذ حكمه من الصحيح من جنسه أبداً كما في البيع الفاسد، ولكن تصدوا في الجواب عنه بأنه نعم كذلك إذا كان انعقاد الفاسد كانعقاد الصحيح كما في المنبع، وهنا ليس كذلك لأن المضاربة الصحيحة تنعقد شركة والفاسدة تنعقد إجارة فتعتبر بالإجارة الصحيحة عند إيفاء العمل. ورده صاحب البيانة باعتبار فاسد المضاربة بصحيحها أولى من جعلها إجارة، لأنهما رضيا أن ٣٧٣ كتاب المضاربة لا (بلا زيادة على المشروط) خلافاً لمحمد والثلاثة (إلا في وصيّ أخذ مال يتيم مضاربة فاسدة) كشرطه لنفسه عشرة دراهم يكون للعامل جزء من الربح لو حصل، وبالحرمان إن لم يحصل ولم يرض رب المال أن يكون في ذمته شيء في مقابلة عمله، فإيجابه يكون إيجاباً بغير دليل، فهدم الأصل الضعيف أولى من إلغاء التعليل الصحيح هذا. قوله: (بلا زيادة على المشروط) أي المسمى كما هو حكم الإجارة الفاسدة وقد مر، وهذا فيما إذا ربح، وإلا فلا تتحقق الزيادة ولا يكون له أجر ما لم يربح أو يكن الفساد بسبب تسمية دراهم معينة للعامل لأنه لم يرض حينئذ بالحرمان عند عدم الربح. تأمل. قوله: (خلافاً لمحمد) فیه إشعار بأن الخلاف فيما إذا ربح، وأما إذا لم يربح فأجر المثل بالغاً ما بلغ، لأنه لا يمكن تقدير بنصف الربح المعدوم کما في الفصولین، لكن في الواقعات ما قاله أبو يوسف مخصوص بما إذا ربح، وما قاله محمد بأن له أجر المثل بالغاً ما بلغ فيما هو أعم. ذكره الشمني. وأفاد في الشرنبلالية نقلاً عن التبيين وشرح المجمع والخلاصة أن وجوب أجر المثل مطلقاً قول محمد؛ ومعنى الإطلاق ربح أو لم يربح زاد على المسمى أولًا. وعند أبي يوسف: يجب إن ربح، وإلا فلا، ولا يجاوز المشروط اهـ. وحينئذ فيكون مشى في وجوب الأجر مطلقاً على قول محمد، ومشى في عدم مجاوزة المشروط على قول أبي يوسف. فحاصل ما قاله أبو يوسف مخصوص بما إذا ربح، وما قاله محمد بأن له أجر المثل بالغاً ما بلغ فهو أعم كما ذكرنا. قوله: (إلا في وصي أخذ مال يتيم مضاربة الخ) ظاهره أن للوصي أن يضارب في مال اليتيم بجزء من الربح، وسيأتي بيانه في الفروع، وكلام الزيلعي فيه أظهر، وأفاد الزيلعي أيضاً أن للوصي دفع المال إلى من يعمل فيه مضاربة بطريق النيابة عن اليتيم كأبيه. أبو السعود. قال في أحكام الصغار: الوصي يملك أخد مال اليتيم مضاربة، فإن أخذ على أن له عشرة دراهم من الربح فهذه مرابحة فاسدة ولا أجر له، وهذا مشكل لأن المضاربة متى فسدت تنعقد إجارة فاسدة ويجب أجر المثل، ومع هذا قال لا يجب، لأن حاصل هذا راجع إلى أن الوصي يؤجر نفسه لليتيم وأنه لا يجوز ا هــ ومنه يعلم أن الاستثناء الذي ذكره ليس في عبارة الكتاب المذكور وأنه أسقط من عبارته ما به يتضح الحكم المذكور. وفي البزازية: بعد أن ذكر الإشكال الذي ذكره في جامع أحكام الصغار قال: والجواب أنه قد برهن على أن المنافع غير مقوّمة وأنه الأصل فيها، فلو لزم الأجر لزم إيجاب التقوّم في غير المتقوم نظراً إلى الأصل، وأنه لا يجوز في مال اليتيم والصغير والتقوم بالعقد الصحيح بالنصوص الدالة عليه والنص لم يرد في الفاسد، والوارد في الصحيح لا يكون وارداً في الفاسد في حق الصغير اهـ. ذكره الحموي. قوله: (كشرطه لنفسه عشرة ٣٧٤ كتاب المضاربة (فلا شيء له) في مال اليتيم (إذا عمل) أشباه. فهو استثناء من أجر عمله (و) الفاسدة (لا ضمان فيها) أيضاً (كصحيحة) لأنه أمين (ودفع المال إلى آخر مع شرط الربح) كله (للمالك بضاعة) فيكون وكيلاً متبرعاً (ومع شرطه للعامل قرض) لقلة ضرره. (وشرطها): أمور سبعة (كون رأس المال من الأثمان) دراهم) الكاف لتمثيل المضاربة الفاسدة. حلبي. قوله: (فلا شيء له) لأنه من باب إيجار الوصي لنفسه لليتيم وهو لا يجوز كما ذكرنا. قوله: (فهو استثناء من أجر عمله) لا حاجة إليه لأن المصنف دفع الإيهام الذي وقع فيه بقوله ((فلا شيء له)) وذلك لأنه يحتمل أن يكون استثناء من قوله ((بل له أجر مثله)) أو من قوله ((بلا زيادة)) والمؤلف قصد التوضيح. قوله: (والفاسدة لا ضمان فيها) لأن الفاسد من العقود يأخذ الحكم من الصحيح منها، ولأنه عين في يد أجيره، ولو تلف بعد العمل فله أجر مثله، وقيل هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: يضمن إذا تلف في يده بما يمكن التحرز عنه اهـ. وفي النهاية: والمضاربة الفاسدة غير مضمونة بالهلاك، وذكر ابن سماعة عن محمد أنه ضامن للمال، فقيل المذكور في الكتاب قول أبي حنيفة وهو بناء على اختلافهم في الأجير المشترك إذا تلف المال في يده من غير صنعه، وعندهما: هو ضامن إذا هلك في يده بما يمكن التحرز عنه، وكذلك في كل مضاربة فاسدة. كذا في المبسوط. قوله: (كله للمالك بضاعة) هو أن يعمل له متبرّعاً. قوله: (فيكون وكيلاً متبرعاً) أي بعمله حيث لم يشترط له جزءاً من الربح. قوله: (لقلة ضرره) أي القرض بالنسبة للهبة فجعل قرضاً ولم يجعل هبة، لكن فيه اختصار محلّ، وكان عليه أن يقول قرض لا هبة لقلة ضرره. قال في التبيين: وإنما صار المضارب مستقرضاً باشتراط كل الربح له، لأنه لا يستحق الربح كله إلا إذا صار رأس المال ملكاً له لأن الربح فرع المال كالثمر للشجر وكالولد للحيوان، فإذا شرط أن يكون جميع الربح له فقد ملكه جميع رأس المال مقتضى. وقضيته أن لا يرد رأس المال؛ لأن التمليك لا يقتضي الرد كالبهة، لكن لفظ المضاربة يقتضي رد رأس المال فجعلناه قرضاً لاشتماله على المعنيين عملً بهما، ولأن القرض أدنى التبرعين لأنه يقطع الحق عن العين دون البدل والهبة تقطعه عنهما فكان أولى لكونه أقل ضرراً اهـ. قوله: (سبعة) بضم قوله ومن شروطها. مَطْلَبٌ: لَا تَصِحُ المُضَارَبَّةُ بِالقُلُوسِ الكَاسِدَةِ قوله: (كون رأس المال من الأثمان) أي الدراهم والدنانير عندهما، وبالفلوس النافقة، ولو دفع له عرضاً وقال له بعه واعمل مضاربة في ثمنه فباع بدراهم أو دنانير فتصرف صح. ذكره مسكين. لكن فيه مخالفة لما في القهستاني عن الكبرى ونصه: في 1 ٣٧٥ كتاب المضاربة كما مر في الشركة (وهو معلوم) للعاقدين المضاربة بالتبر روايتان. وعن الشيخين أنها تصح بالفلوس، وعند محمد لا تصح، وعليه الفتوى ا هـ. وإنما جاز في مسألة ثمن الثوب لأن المضاربة ليس فيها إلا توكيل وإجازة، وكل ذلك قابل للإضافة على الانفراد، فكذا عند الاجتماع كما في الزيعلي. وإنما اشترط كون رأس المال من الأثمان لأنها شركة عند حصول الربح فلا بد من مال تصح به الشركة وهو الدراهم والدنانير والتبر والفلوس النافقة اهـ. منح. وجوازها بالتبر إن كان رائجاً، وإلا فهو كالعروض فلا تجوز المرابحة عليه إلا إذا بيعت العروض فصارت نقوداً فإنها تنقلب مضاربة، وكذلك الكيلي والوزني لا يصلح أن يكون رأس المال عندنا، خلافاً لابن أبي ليلى کما في النهاية. وذکر في تکلمة الدنیري وما نقله البعض أنه عند مالك تصح بالعروض لا یکاد يصح، وإنما المنقول عن ابن أبي ليلى أنه يجوز بكل مال وعليه كلام الكاكي اهـ. وقيد في الدرر بالفلوس النافقة أيضاً. قال في الهندية: والفتوى على أنه تجوز بالفلوس الرائجة. كذا في التاترخانية ناقلاً عن الكبرى. ولا يجوز بالذهب والفضة إذا لم تكن مضروبة في رواية الأصل. كذا في فتاوی قاضیخان. وفي الكبرى: في المضارية بالتبر روايتان، ففي كل موضع يروج التبر رواج الأثمان تجوز المضاربة، هكذا في التاترخانية والمبسوط والبدائع. وتجوز بالدراهم النبهرجة والزيوف ولا يجوز بالستوقة، فإن كانت الستوقة، تروج فهي كالفلوس. كذا في فتاوى قاضیخان. وفي الحامدية: سئل فيما إذا دفع زيد لعمرو بضاعة على سبيل المضاربة وقال لعمرو بعها ومهما ريحت يكون بيننا مثالثة فباعها وخسر فيها فالمضاربة غير صحيحة ولعمرو أجر مثله بلا زيادة على المشروط اهـ. رجل دفع لآخر أمتعة وقال بعها واشتر بها وما ربحت فبيننا نصفين فخسر فلا خسران على العامل، وإذا طلب صاحب الأمتعة بذلك فتصالحا على أن يعطيه العامل إياه لا يلزمه، ولو كفل إنسان ببدل الصلح لا يصح ولو عمل هذا العامل في هذا المال فهو بينهما على الشرط؛ لأن ابتداء هذا ليس بمضاربة بل هو توكيل ببيع الأمتعة، ثم إذا صار الثمن من النقود فهو دفع مضاربة بعد ذلك فلم يضمن أولاً لأنه أمين بحق الوكالة ثم صار مضارياً فاستحق المشروط. جواهر الفتاوى. قوله: (كما مر في الشركة) من أنها لا تصح مفاوضة وعناناً بغير النقدين والفلوس النافقة والتبر والنقرة إن جرى التعامل بهما. قوله: (وهو معلوم للعاقدين) لئلا يقعا في المنازعة ولو مشاعاً، لما في التاترخانية. ٣٧٦ كتاب المضاربة (وكفت فيه الإشارة) والقول في قدره وصفته للمضارب بيمينه، والبينة للمالك. (وأما المضاربة بدين فإن على المضارب لم يجز، مَطْلَبٌ: قَرْضُ المَشَاعِ جَائِزٌ وإذا دفع ألف درهم إلى رجل وقال نصفها عليك قرض ونصفها معك مضاربة بالنصف صح، وهذه المسألة نص على أن قرض المشاع جائز، ولا يوجد لهذا رواية إلا ما هنا. وإذا جاز هذا العقد كان لكل نصف حكم نفسه، وإن قال على أن نصفها قرض وعلى أن تعمل بالنصف الآخر مضاربة على أن الربح كله لي جاز، ویکره لأنه قرض جرّ منفعة، وإن قال على أن نصفها قرض عليك ونصفها مضاربة بالنصف فهو جائز، ولم يذكر الكراهية هنا، فمن المشايخ من قال: سكوت محمد عنها هنا دليل على أنها تنزيهية. وفي الخانية: قال على أن تعمل بالنصف الآخر على أن الربح لي جاز ولا يكره، فإن ربح كان بينهما على السواء، والوضيعة عليهما لأن النصف ملكه بالقرض والآخر بضاعة في يده، وفي التجرید یکره ذلك. وفي المحيط: ولو قال على أن نصفها مضاربة بالنصف ونصفها هبة لك وقبضها غير مقسومة فالهبة فاسدة والمضاربة جائزة، فإن هلك المال قبل العمل أو بعده ضمن النصف حصة الهبة فقط. وهذه المسألة نص على أن المقبوض بحكم الهبة الفاسدة مضمون على الموهوب له اهـ. ملخصاً. وتمامه فيه فليحفظ فإنه مهم. وهذه الأخيرة ستأتي قبيل كتاب الإيداع قريباً من أن الصحيح أنه لا ضمان في حصة الهبة أيضاً، لأن الصحيح أن الهبة الفاسدة تملك بالقبض اهـ. لكن فيه أن الواهب سلط الموهوب له على قبض ماله في الهبة المذكورة فكيف يضمن، وقد أوضح الجواب عنه في [نور العين] بأن الهبة الفاسدة تنقلب عقد معاوضة فتكون كالمقبوض على حكم البيع الفاسد وهو مضمون اهـ. وقوله: ((فإن ربح كان بينهما على السواء)»: أي ربح جميع الألف بدليل التعليل المذكور. ولا يشكل هذا على قولهم: إن الشرط الموجب انقطاع الشركة يفسدها: أي المضاربة به. لأنا نقول: ما في الصورة المذكورة بحق نصف الألف هو بضاعة لا مضاربة. تأمل. قوله: (وكفت به) أي في الإعلام. منح. قوله: (الإشارة) كما إذا دفع الرجل دراهم مضاربة وهو لا يعرف قدرها فإنه يجوز، فيكون القول في قدرها وصفتها للمضارب مع يمينه والبيئة للمالك: أي إذا أشار إليها لئلا يقعا في المنازعة له في الدرر. قوله: (والبينة للمالك) أي لو ادعى رب المال أنه دفع إليه ألفين وقال المضارب ألفاً فسقط أو ادعى رب المال أنها بيض وقال المضارب سود فالقول للمضارب بيمينه لأنه منكر والبينة لرب المال لأنه مدع. قوله: (لم يجز) لأن المضارب أمين ابتداء ولا يتصور كونه أميناً فيما عليه من الدين: أي لأنه لا يبرأ إلا بتسليمه لربه ويكون الربح للمشتري ٣٧٧ كتاب المضاربة وإن على ثالث جاز وكره) ولو قال اشتر لي عبداً نسيئة ثم بعه وضارب بثمنه ففعل جاز، كقوله لغاصب أو مستودع أو مستبضع اعمل بما في يدك مضاربة بالنصف جاز. مجتبى (كون رأس المال عيناً لا ديناً) كما بسط في الدرر • في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: الربح لرب الدين ويبرأ المضارب عن الدین. كذا في الخانية عن العزمية. قال في البحر، وأما المضاربة بدين: فإن كان على المضارب فلا يصح وما اشتراه له والدين في ذمته اهـ. والأوجه تأخير هذا عند قوله وكون رأس المال عيناً لا ديناً بطريق التفريع عليه كما فعل صاحب الدرر. قوله: (وإن على ثالث) بأن قال اقبض مالي على فلان ثم اعمل به مضاربة، ولو عمل قبل أن يقبض الكل ضمن، ولو قال فاعمل به لا يضمن، وكذا بالواو، لأن ثم للترتيب فلا يكون مأذوناً بالعمل إلا بعد قبض الكل، بخلاف الفاء والواو، ولو قال اقبض ديني لتعمل به مضاربة لا يصير مأذوناً ما لم يقبض الكل. بحر: أي فلو عمل قبل أن يقبضه كله ضمن. وبحث فيه بأن القول بأن الفاء كالواو في هذا الحكم نظر، لأن ثم تفيد الترتيب والتراخي والفاء تفيد التعقيب والترتيب، فينبغي أن لا يثبت الإذن فيهما قبل القبض بل يثبت عقبه، بخلاف الواو فإنها لمطلق الجمع من غير تعرض لمقارنة ولا ترتيب، وعليه عامة أهل اللغة وأئمة الفتوى. تأمل. قوله: (جاز) لأن هذا توكيل بالقبض وإضافة للمضاربة إلى ما بعد قبض الدين وذلك جائز، بخلاف ما إذا قال اعمل بالدين الذي لي عليك حيث لا يجوز للمضاربة، لأن المضاربة توكيل بالشراء والتوكيل بالشراء بدين في ذمة الوكيل لا يصح حتى يعين البائع أو المبيع عند أبي حنيفة فبطل التوكيل بالكلية، حتى لو اشترى كان للمأمور، وكذا لا يصح التوكيل بقبض ما في ذمة نفسه فلا يتصور المضاربة فيه. وعندهما: يصح التوكيل بالشراء بما في ذمة الوكيل من غير تعيين ما ذكرنا حتى يكون مشترياً للآمر، لكن المشتري عروض فلا تصح المضاربة بها على ما بينا اهـ. زيلعي. مَطْلَبٌ: حِيلةُ جَوَازِ المُضَارَبَةِ في المُرُوضِ قوله: (وكره) لأنه اشترط لنفسه منفعة قبل العقد. منح. ويظهر هذا في المسألة التي بعد. قوله: (ولو قال اشتر لي عبداً نسيئة الخ) هذا يفهم أنه لو دفع عرضاً وقال له بعه واعمل بثمنه مضاربة أنه يجوز بالأولى كما ذكرنا، وقد أوضحه الشرح، وهذه حيلة لجواز المضاربة في العروض. وحيلة أخرى ذكرها الخصاف أن يبيع المتاع من رجل يثق به ويقبض المال فيدفعه إلى المضارب مضاربة ثم يشتري هذا المضارب هذ المتاع من الرجل الذي ابتاعه من صاحبه ط. قوله: (مجتبى) ومثله في البحر. قوله: (وكون رأس المال عيناً) أي معيناً، وليس المراد بالعين العرض. قوله: (كما بسط في الدرر) حيث قال فيه: ٣٧٨ كتاب المضاربة (وكونه مسلماً إلى المضارب) ليمكنه التصرف (بخلاف الشركة) لأن المضارب أمين ابتداء، ولا يتصور كونه أميناً فيما عليه من الدين، فلو قال اعمل بالدين الذي بذمتك مضاربة بالنصف لم يجز، بخلاف ما لو كان له دين على الثالث فقال اقبض مالي من فلان واعمل به مضاربة حيث يجوز، لأنه أضاف المضاربة إلى زمان القبض والدین فیه یصیر عيناً وهو يصلح أن يكون رأس المال اهـ. وهو كالذي قدمه في الدين قريباً، وذكر فيه تفصيل كما هنا بأن هذا إذا كان ديناً على المضارب. أما لو كان على غيره جاز وكره، لأن ما كان على الغير بقبضه يصير عيناً فتقع المضاربة عليه لا على الدين كما سمعت. فمن قال إنه مكرر مع ما تقدم توهم أنه متقدم متناً، ومن قال إنه موهم للإطلاق: أي يوهم أنه لا فرق أن يكون الدين على المضارب أو على الأجنبي، وقد علمت الجواب أن ما على الأجنبي يصير عيناً بقبضه فلم يقع العقد على الدين بل على العين المقبوضة. قوله: (وكونه مسلماً إلى المضارب) لأن المال في المضاربة من أحد الجانبين والعمل من جانب الآخر فلأن يخلص المال للعامل ليتمكن في التصرف منه ولأن المال يكون أمانة عنده فلا يتم إلا بالتسليم إليه كالوديعة، فلو شرط رب المال أن يعمل مع المضارب لا تجوز المضاربة، لأنه شرط يمنع من التسليم، والتخلية بين المال والمضارب سواء كان المالك عاقلاً أو لا كالأب والوصي إذا دفع مال الصغير مضاربة وشرط عمل شريكه: أي الصغير مع المضارب لا تصح المضاربة. وفي السغناقي: وشرط عمل الصغير لا يجوز، وكذا أحد المتفاوضين أو شريكي العنان إذا دفع المال مضاربة وشرط عمل صاحبه فسد العقد. تاترخانية. ولو شرط أن يكون المال كل ليلة عند المالك فسدت المضاربة. قهستاني. وقال الإسبيجابي: إذا رد المضارب رأس المال على المالك وأمره أن يبيع يشتري على المضاربة ففعل وربح فهو جائز على المضاربة والربح على ما شرطا لأنه لم يوجد صريح النقد ولا دلالته لأنه صار مستعيناً به على العمل. وإذا وقع العمل من رب المال إعانة لا يجعل استرداداً، بخلاف ما إذا شرط عمل رب المال حال العقد أفسد. وحكى الإمام القاضي العامري عن محمد بن إبراهيم الضرير أن شرط عمل رب المال مع المضارب إنما يكون مفسداً إذا شرط العمل جملة، أما إذا شرط رب المال لنفسه أن يتصرف في المال بانفرداه متى بدا له وأن يتصرف المضارب في جميع المال بانفراده متى بدا له جازت المضاربة كما في الذخيرة، وقيد برب المال لأن العاقد لو لم يكن رب المال: فإن كان أهلاً لأن يكون مضارياً في ذلك المال كالأب والوصي يجوز شرط العمل عليه، وإن لم يكن أهلاً كالمأذون لا يجوز كما في الشروح اهـ. وسيأتي في الباب الآتي متناً بعض هذا. قوله: (ليمكنه التصرف) أي ولأنها في معنى الإجارة والمال محل فيجب تسليمه. ٣٧٩ كتاب المضاربة لأن العمل فيها من الجانبين (صح الربح بينهما شائعاً) فلو عين قدراً فسدت قوله: (لأن العمل فيها من الجانبين) فلو شرط خلوص اليد لأحدهما لم تنعقد الشركة لانتفاء شرطها وهو العمل منهما. كذا في الدرر. قوله: (شائعاً) أنصافاً أو أثلاثاً مثلاً لتحقق المشاركة بينهما في الربح قل أو كثر. قاله في البرهان. وفي البحر: الرابع أن يكون الربح بينهما شائعاً كالنصف والثلث لا سهماً معيناً. يقطع الشركة كمائة درهم أو مع النصف عشرة ؛ هـ ط: أي لاحتمال أن لا يحصل من الربح إلا مقدار ما شرط له. وإذا انتفى الشركة في الربح لا تتحقق المضاربة لأنها جوّزت، بخلاف القياس بالنص بطريق الشركة في الربح فيقتصر على مورد النص. وفي المتن إيماء إلى أن المشروط للمضارب إنما يكون من الربح، حتى لو شرط من رأس المال أو منه ومن الربح فسدت كما في الخزانة، وعليه تعريف المضاربة. قوله: (فلو عين قدراً فسدت) لقطعه الشركة في الربح. وإذا فسدت فله أجر مثله لا يجاوز المشروط عند أبي يوسف لرضاه به إذا کان المسمی معلوماً. أما لو کان مجهولاً کما منا أو لم یوجد ربح لا يقال رضي بالقدر المشروط زيادة عن حصته من الربح لأنه لم يرض بها إلا مع نصف الربح وهو معدوم، فالمسمى غير معلوم فيجب أجر المثل بالغاً ما بلغ، وقد يجاب بأن هذا العقد لما كان فاسداً كان ما سمى فيه محظوراً فقطع النظر عما هو موجب المضاربة وعوّل على ما عين معه على أنه أجر مثل في إجارة لا موجب مضاربة، ولهذا قالوا: هذه إجارة في صورة مضاربة. حموي عن المقدسي. قلت: ما بحثه المقدسي صرح به القهستاني معزياً للفصولين، ونصه بعد أن حكى الخلاف عن الصاحبين في أن أجر المثل هل يجب بالغاً ما بلغ أو لا يجاوز به المشروط؟ قال: والخلاف فيما إذا ربح، وأما إذا لم يربح فأجر المثل بالغاً ما بلغ لأنه لا يمكن تقديره الخ، وحينئذ لا حاجة إلى تكلف الجواب، ولا ينافي كلام القهستاني ما سيأتي في الشارح من قوله: وعن أبي يوسف إن لم يربح فلا أجر له، لأنه ذكره بلفظ عن فلا ينافي كون المذهب عنده استحقاق الأجر له بالغاً ما بلغ. بقي أن يقال: ظاهر كلام المقدسي أن المسمى للمضارب من الربح إذا كان جزءاً شائعاً كالنصف يقال إنه معلوم، وهو مخالف لما في الشمني حيث قال: فإن كان المسمى معلوماً لا يزاد عليه، وإن كان مجهولًا كدابة أو ثوب يجب بالغاً ما بلغ، وإن كان معلوماً من وجه دون وجه كالجزء الشائع مثل النصف والربع: فعند محمد يجب بالغاً ما بلغ لأنه مجهول إذ يكثر بكثرة ما يحصل وينقص بقلته. وعندهما: لا يزاد على المسمى لأنه معلوم من جملة ما يحصل بعمله اهـ. أبو السعود. وإنما تكون إجارة فاسدة إذا فسدت إن لم يبين مدة معلومة. أما لو بينها ينبغي أن يكون أجيراً خاصاً فيستحق بتسليم نفسه في المدة كما ٣٨٠ كتاب المضاربة (وكون نصيب كل منهما معلوماً) عند العقد. ومن شرطها كون نصيب المضارب من الربح، حتى لو شرط له من رأس المال أو منه ومن الربح فسدت. وفي الجلالية: كل شرط يوجب جهالة في الربح أو يقطع الشركة فيه هو حكم الأجير الخاص، وليراجع. قوله: (وكون نصيب كل منهما معلوماً عند العقد) لأن الربح هو المعقود عليه وجهالته توجب فساد العقد اهـ. درر. قوله: (فسدت) لأنهما شرطان لا يقتضيهما العقد. قال في التاترخانية: وما لا يوجب شيئاً من ذلك لا يوجب فساد المضاربة نحو أن يشترطا أن تكون الوضيعة عليهما. وفي الفتاوى العتابية: ولو قال إن الربح والوضيعة بيننا لم يجز، وكذا لو شرطا الوضيعة أو بعضها على المضارب فسدت. وذكر الكرخي: أن الشرط باطل، وتصح المضاربة إذا شرط فيه نصف الربح. وفي الذخيرة: ذكر شيخ الإسلام في أول المضاربة أن المضاربة لا تفسد بالشروط الفاسدة. وإذا شرط للمضارب ربح عشرة فسدت لأنه شرط فاسد لأنه شرط تنتفي به الشركة في الربح ١ هـ. قوله: (يوجب جهالة في الربح) كما إذا شرط له نصف الربح أو ثلثه أو ربعه بأو الترديدية حلبي: يعني ذكر مجموع الثلاثة بطريق الترديد لاقتضاء الترديد جهالة الربح. قوله: (أو يقطع الشركة) كما لو شرط لأحدهما دراهم مسماة. حلبي. وأورد الأکمل شرط العمل على رب المال فإنه يفسدها وليس بواحد منهما، وأجيب بأن المراد بالفساد ما بعد الوجود وهي عند اشتراط ذلك لم توجد المضاربة أصلًا، إذ حقيقتها أن يكون العمل فيها من طرف المضارب. وفي المقدسي: قال الزيلعي وغيرها: فالأصل أن كل شرط يوجب جهل الربح أو قطع الشركة مفسد، وما لا فلا. قال الأكمل: شرط العمل على رب المال لا يفسدها وليس بواحد منهما فلم يطرد. والجواب أنه قال: وغير ذلك من الشروط الفاسدة لا يفسدها. وإذا شرط العمل عليه فليس ذلك مضاربة وسلب الشيء عن المعدوم صحيح يجوز أن تقول زيد المعدوم ليس ببصير، وقوله بعد: وشرط العمل على المالك مفسد معناه مانع عن تحققه. قال بعض المحققين: مضمونه وإن لم يكن فاسداً في نفسه إلا أنه مفسد لمعنى المقام، لأن معنى القسم الثاني من الأصل على ما صرحوا به هو أن غير ذلك من الشروط لا يفسد المضاربة بل تبقى صحيحة ويبطل الشرط، وقد أشار إليه المصنف بقوله ((كاشتراط الوضيعة على المضارب))، وقد كان اعترف به أولاً حيث قال: ولما كان من الشروط ما يفسد العقد ومنها ما يبطل في نفسه وتبقى المضاربة صحيحة أراد أن يشير إلى ذلك بأمر جليّ فقال شرط الخ، ولا شك أن المضاربة لا تندرج في هذا المعنى اهـ ما في المقدسي. وعبارة الدرر كذا: أن يفسد المضاربة كل شرط يوجب جهالة الربح، كما لو قال لك نصف الربح أو