النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب الصلح
(فهو موقوف فإن أجازه المدعى عليه جاز ولزمه) البدل (وإلا بطل. والخلع في جميع
ما ذكرنا من الأحكام) الخمسة (كالصلح. ادعى وقفية أرض ولا بينة له فصالحه
المنكر لقطع الخصومة جاز وطاب له) البدل (لو صادقاً في دعواه، وقيل) قائله
أو يقول: وإلا يوجد شيء مما ذكر من الصور الأربعة، فهو موقوف لأنه لم يسلم للمدعي
عوض فلم يسقط حقه مجاناً لعدم رضاه، فإن أجازه المدعى عليه جاز ولزمه المشروط
لالتزامه باختياره، وإن رده بطل لأن المصالح لا ولاية له على المطلوب فلا ينفذ عليه
تصرفه، ومن جعل الصور أربعاً جعل الرابعة بشقيها وهي التسليم وعدمه صورة واحدة
كالزيلعي، وبعضهم جعلها خمسة باعتبار التسليم صورة وعدمه أخرى، وهذه الصورة
الخامسة مترددة بين الجواز والبطلان.
ووجه الحصر كما في الدرر أن الفصولي إما أن يضمن المال أو لا، فإن لم يضمن،
فإما أن يضيف إلى ماله أو لا، فإن لم يضفه، فإما أن يشير إلى نقد أو عرض أو لا، فإن لم
يشر، فإما أن يسلم العوض أو لا، فالصلح جائز في الوجوه كلها إلا الأخيرة، وهو ما
إذا لم يضمن البدل ولم يضفه إلى ماله ولم يشر إليه ولم يسلم إلى المدعي حيث لا يحكم
بجوازه، بل يكون موقوفاً على الإجازة إذ لم يسلم للمدعي عوض انتهى. وجعل الزيلعي
الصور أربغاً، وألحق المشار بالمضاف.
أقول: لكن غير الصورة المذكورة لا يتوقف على الإجازة، وحينئذ فلا يتوجه على
الشارح اعتراض تأمل. قوله: (ولزمه البدل) المشروط لالتزامه باختياره. قوله: (وإلا
بطل) لأن المصالح لا ولاية له على المطلوب فلا ينفذ عليه تصرفه. قوله: (والخلع) أي إذا
صدر من فضولي عن المرأة ببدل، فإن ضمنه أو أضافه إلى مال نفسه أو أشار صح ولزمه
وكان متبرعاً، وإن أطلق إن سلم صح وإلا توقف على إجازتها. قال في التبيين: وجعل في
بعض شروح الجامع في باب الخلع الألف المشار إليه أو العبد المشار إليه مثل الألف المنكر
حتى جعل القول إلى المرأة انتهى. قوله: (من الأحكام الخمسة) التي خامسها قوله وإلا
بطل، أو التي خامسها قوله وإلا فهو موقوف بعد قوله أو على هذا، ويؤيده قول الشارح
سابقاً في الصورة الرابعة. والأولى في التعبير أن يقول: والخلع في جميع ما ذكرنا من
الأحكام في الصور الخمسة كالصلح، لأنه ليس لنا إلا حكمان، وهما الجواز في الصور
الأربع، وعدمه في الخامسة، فتأمل. قوله: (ادعى وقفية أرض) أطلق فيه فعم الوقفية من
نفسه وغيره. قوله: (ولا بينة له) مفهومه أنه: إذا أوجد البينة لا يجوز الصلح لأنه لا
مصلحة فيه، ولا نظر لكون البيئة قد تردّ والقاضي قد لا يعدل. قوله: (وطاب له) أي
للمدعي ولم يذكر هل يطيب للمدعى عليه الأرض إذا كان المدعي صادقاً، والظاهر أنها لا
تطيب. قوله: (لو صادقاً في دعواه) فيه أنه لو كان صادقاً في دعواه كيف يطيب له؟ وفي

٣٢٢
كتاب الصلح
صاحب الأجناس (لا) يطيب لأنه بيع معنى وبيع الوقف لا يصح.
(كل صلح بعد صلح فالثاني باطل، وكذا) النكاح بعد النكاح
زعمه أنها وقف وبدل الوقف حرام تملكه من غير مسوغ فأخذه مجرد رشوة ليكفّ دعواه
فكان كما إذا لم يكن صادقاً.
وقد يقال: إنه إنما أخذه ليكف دعواه لا ليبطل وقفيته، وعسى أن يوجد مدّع آخر
ط. لكن أطلق في وقف الحامدية الجواب بأنه لا يصح، قال: لأن المصالح يأخذ بدل
الصلح عوضاً عن حقه على زعمه فيصير كالمعاوضة، وهذا لا يكون في الوقف لأن
الموقوف عليه لا يملك الوقف فلا يجوز له بيعه، فها هنا إن كان الوقف ثابتاً فالاستبدال به
لا يجوز، وإلا فهذا يأخذ بدل الصلح لا عن حق ثابت فلا يصح ذلك على حال. كذا في
جواهر الفتاوى اهـ. ثم نقد الحامدي ما هنا، ثم قال فتأمل.
أقول: تأملته فوجدت أن المعاوضة في الوقف والحالة هذه جائزة لما صرحوا به من
جواز استبداله إذا وقع في يد غاصب. نعم يلزم أن يجعله حينئذ بدل الموقوف، أما إذا
كان من أهل الاستحقاق لغلة الوقف وأخذه ما أخذه بالمصالحة عوضاً عن حقه في الغلة
طاب له ذلك ما لم يتجاوز عن قدر استحقاقه منه. تأمل. وانظر ما تقدم في باب البيع
الفاسد عن النهر عند قوله ((بخلاف بيع قن ضم إلى مدبر)). قوله: (وبيع الوقف لا يصح)
الظاهر أنه من قال يطيب له: أي يطيب له الأخذ ويجعله مكاناً موقوفاً لعجزه عن تحصيل
الوقف بفقد البينة، ومن قال لا یطیب له أراد لا یطیب له التصرف فيه لأنه بدل الوقف
في زعمه فیکون له حکم الوقف. تأمل. قوله: (فالثاني باطل) فلو ادعی داراً فأنكر ذو
اليد فصالحه على ألف على أن يسلم الدار لذي اليد شم برهن ذو اليد على صلح قبله
فالصلح الأول ماض والثاني باطل. حموي. وهذا إذا كان الصلح على سبيل الإسقاط، أما
إذا كان الصلح على عوض ثم اصطلحا على عوض آخر فالثاني هو الجائز ويفسخ الأول
كالبيع. نور العين عن الخلاصة. وكذا نقله البيري عن الخلاصة عن المنتقى.
قلت: لكن استظهر سيدي الوالد رحمه الله تعالى أن الصلح على سبيل الإسقاط
بمعنى الإبراء، وبطلان الثاني ظاهر ولكنه بعيد الإرادة هنا، فالمناسب حمل الصلح على
المتبادر منه، ويكون المراد به ما إذا كان بمثل العوض الأول بقرينة قوله كالبيع، وعليه
فالظاهر أن حكمه كالبيع في التفصيل المار فيه كما ذكره في أول البيوع. قوله: (وكذا
النكاح بعد النكاح) فلا يلزمه إلا المهر الأول، ولا ينفسخ العقد الأول إذ النكاح لا يحتمل
الفسخ، والمسألة ذات خلاف؛ فقيل تجب التسمية الثانية، وقيل كل منها.
قال في جامع الفتاوى: تزوج امرأة بألف ثم تزوجها بألفين فالمهر ألفان، وقيل
ألف.

٣٢٣
كتاب الصلح
والحوالة بعد الحوالة و (الصلح بعد الشراء) والأصل أن كل عقد أعيد فالثاني
باطل، إلا في ثلاث مذكورة في بيوع الأشباه الكفالة والشراء
وفي المنية: تزوج على مهر معلوم ثم تزوج على آخر تثبت التسميتان في الأصح.
حموي. قوله: (والحوالة بعد الحوالة) أي إذا صدرت حوالة عن شخص فقبلها، ثم إذا
صدرت على شخص آخر فالثانية باطلة، لأن الدين ثبت في ذمة الأول بالحوالة عليه فلا
ينتقل بالحوالة الثانية على غيره كما ذكره ط .
واستفيد منه أن المحال عليه في الثانية غيره في الأولى، وبه صرح في الأشباه.
بقوله: الكفالة بعد الكفالة صحيحة لزيادة التوثق، بخلاف الحوالة فإنها نقل فلا يجتمعان
كما في التنقيح. قال الحموي: وهذا يخرج المسألة عن كونها من جزئيات القاعدة، إذ
المتبادر من تجديد عقد البيع تجديده بالنسبة إلى البيع الأول بعينه والمشتري الأول بعينه،
وكذا الكلام في الصلح بعد الصلح والكفالة بعد الكفالة، ووزانه في الحوالة اتحاد المحال
عليه والمحال به في الحوالتين معاً، وحينئذ لا ينتهض قوله لأنها نقل فلا يجتمعان، وينبغي
أن تصح الحوالة الثانية وتكون تأكيداً للأولى على طبق الكفالة، فتدبر ذلك ا هـ.
وعليه فالمناسب في تصوير المسألة بأن يقال: بأن کان له على آخر ألف فأحال علیه بها
شخصاً ثم أحال علیه بها شخصاً آخر، أو كما تقدم بأن أحال زید عمراً بدینه علی بکر
حوالة صحيحة ثم أحاله بها على بشر لا تصلح الحوالة الثانية، لأن الحوالة نقل الدين من
ذمة إلى ذمة، وحيث فرغت ذمة المحيل فكيف يصح أن يحيل مرة ثانية؟ نعم لو تفاسخا
الإحالة الأولى صحت الثانية. قوله: (والصلح بعد الشراء) بعد ما اشترى المصالح عنه.
أقول: فيه أنه تكون الدعوى حينئذ فاسدة، والصلح بعد الدعوى الفاسدة
صحيح. تأمل.
وصورتها: إذا اشترى شخص داراً مثلاً من آخر ثم ادعى المشتري على البائع أن
الدار ملكه فصالحه البائع فهذا الصلح باطل لتناقضه، فإن إقدامه على الشراء منه دليل أنها
ملك البائع ثم الدعوى والصلح بعدها يناقضه. قال في جامع الفصولين: ولو كان الشراء
بعد الصلح فالشراء صحيح والصلح باطل اهـ. قوله: (إلا في ثلاث مذكورة في بيوع
الأشباه الكفالة) أي لزيادة التوثق، فلو أخذ منه كفيلاً ثم أخذ منه كفيلاً آخر صح ولا
يبرأ الأول بكفالة الثاني كما في الخانية. قوله: (والشراء) أي يصح بعد الشراء ويبطل
الأول. أطلقه في جامع الفصولين، وقيده في القنية بأن يكون الثاني أكثر ثمناً من الأول أو
أقل أو بجنس آخر، وإلا فلا يصح. أشباه.
وفي البحر: وإذا تعدد الإيجاب والقبول انعقد الثاني وانفسخ الأول إن كان الثاني
بأزيد من الأول أو أنقص، وإن كان مثله لم ينفسخ الأول انتهى.

٣٢٤
كتاب الصلح
والإجارة، فلتراجع.
(أقام) المدعى عليه (بينة بعد الصلح عن إنكار، إن المدعي قال قبله) قبل
الصلح (ليس لي قبل فلان حق فالصلح ماض) على الصحة (ولو قال) المدعي (بعده
ما كان لي قبله) قبل المدعى عليه (حق بطل) الصلح. بحر.
قال في التاترخانية: قال بعتك عبدي هذا بألف درهم بعتکه بمائة دينار فقال
المشتري قبلت ينصرف إلى الإيجاب الثاني ويكون بيعاً بمائة دينار، ولو قال بعتك هذا
العبد بألف درهم وقبل المشتري ثم قال بعته منك بمائة دينار في المجلس أو في مجلس آخر
وقال المشتري اشتريت ينعقد الثاني وينفسخ الأول، وكذا لو باعه بجنس الثمن الأول
بأقل أو بأكثر نحو أن يبيعه منه بعشرة ثم باعه بتسعة أو بأحد عشر، فإن باع بعشرة لا
ينعقد الثاني ويبقى الأول بحاله اهـ. فهذا مثال لتكرار الإيجاب فقط ومثال لتكرار العقد.
قوله: (والإجارة) أي بعد الإجارة من المستأجر الأول فالثانية فسخ للأولى كما في
البزازية. قال في البحر: وينبغي أن المدة إذا اتحدت فيهما واتحد الأجران لا تصح الثانية
كالبيع. وزاد في الفصولين الشراء بعد الصلح فإنه يجوز ويبطل الصلح. قوله: (عن
إنكار) إنما خصه لأن ما ذكره لا يتأتى عند الإقرار.
قال في جامع الفصولين: ادعى عليه ثوباً فأنكر ثم برهن أن المدعي أقر قبل الصلح
أنه ليس لي لا يقبل ونفذ الصلح والقضاء لافتداء اليمين، ولو برهن أنه أقر بعد الصلح
أن الثوب لم يكن له بطل الصلح لأن المدعي بإقراره هذا زعم أنه أخذ بدل الصلح بغير
حق، بخلاف إقراره قبل الصلح لجواز أن يملكه بعد إقراره قبل الصلح. ذكره الحموي.
قوله: (فالصلح ماض على الصحة) ولا تقبل البينة لاحتمال أنه ثبت له حق بعد هذا
الإقرار، بخلاف المسألة الثانية فإنه إقرار من المدعي أنه مبطل في دعواه.
وذكر الشرنبلالي في رسالة الإبراء عن هاشم عن محمد في توجيه المسألة أنه إنما
صالحه على اعتبار أنه فدى يمينه بالصلح وافتداء اليمين بالمال جائز، فكان إقدامه على
الصلح اعترافاً بصحة الصلح فبدعواه بعد ذلك أنه لم يصح الصلح صار متناقضاً والمناقضة
تمنع صحة الدعوى. وأفاد تعليل الثانية بنحو ما ذكرناه.
صورة ذلك: ادعى ثوباً فأنكر فصالح على شيء ثم أقام البينة أن المدعي قال قبل
الصلح إنه لا حق لي في هذا الثوب لا تقبل بينته ويكون الصلح والقضاء ماضيين لأنه
افتدى لليمين حيث وقع عن إنكار فلا ينقض. أفاده بعض الفضلاء. قوله: (بطل
الصلح) لأنه بإقراره هذا زعم أنه أخذه بعد الصلح بغير حق، بخلاف إقراره قبل الصلح
لجواز أن يملكه بعد إقراره قبل الصلح.
والحاصل: أن عدم قبول بينته في الأولى لما فيه من التناقض؛ لأن التناقض يمنع
:

٣٢٥
كتاب الصلح
قال المصنف: وهو مقيد لإطلاق العمادية، ثم نقل عن دعوى البزازية أنه لو
قبول البينة لإقراره، بخلاف الثانية لأنه لم يظهر وجه التناقض لأن الصلح ليس اعترافاً
بالملك كما صرحوا به فإنه يكون عن إقرار وسكوت وإنكار قوله: (قال المصنف وهو
مقيد لإطلاق العمادية) نصه: وفي العمادية: ادعى فأنكر فصالحه ثم ظهر بعده أن لا
شيء عليه بطل الصلح ! هـ.
أقول: يجب أن يقيد قوله ثم ظهر بغير الإقرار قبل الصلح لما تقدم من مسألة
المختصر، وبه صرح مولانا في بحره ح. ولا يخفى أن علة مضيّ الصلح على الصحة في
مسألة المتن المتقدمة عدم قبول الشهادة لما فيه من التناقض، فلم يظهر حينئذ أن لا شيء
عليه فلم تشملها عبارة العمادية فافهم. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى.
أقول: لكن ليس هذا من التناقض المردود لأنه يدعي أمراً كان خفياً عليه وهو إقرار
المدعي بعدم حقه في المدعي قبل الصلح، ولو كانت العلة ما ذكره لما صحت في الثانية
أيضاً لأنه متناقض فيهما بعد إقدامه على الصلح. والعلة الصحيحة في ذلك أنه إن ثبت أنه
قال ذلك قبل الصلح لا یکون مانعاً من صحة الصلح لاحتمال حصول حق له بعد ذلك
قبل الصلح، وفي الثانية لا يحتمل.
قال في الخلاصة من آخر الدعوى: لو استعار من آخر دابة فهلكت فأنكر ربّ
الدابة الإعارة فصالحه المستعير على مال جاز، فلو أقام المستعير بينة بعد ذلك على العارية
قبلت بينته وبطل الصلح اهـ: أي لظهور أن لا شيء، والله أعلم.
وفي البزازية أيضاً ما يفيد أن المراد بالظهور لا من طريق إقامة المصالح البيئة أنها لا
تقبل لما فيه من التناقض. ونص عبارته في كتاب الدعوى من نوع في الصلح.
وفي المنتقى: ادعى ثوباً أو صالح ثم برهن المدعى عليه على إقرار المدعي إنه لا حق
له فيه إن على إقراره قبل الصلح فالصلح صحيح، وإن بعد الصلح يبطل الصلح، وإن
علم الحاكم إقراره بعدم حقه ولو قبل الصلح يبطل الصلح، وعلمه بالإقرار السابق
كإقراره بعد الصلح، هذا إذا اتحد الإقرار بالملك بأن قال لا حق لي بجهة الميراث ثم قال
إنه ميراث لي عن أبي، فأما غيره إذا ادعى ملكاً لا بجهة الإرث بعد الإقرار بعدم الحق
بطريق الإرث بأن قال حقي بالشراء أو الهبة لا يبطل اهـ. قوله: (ثم نقل) أي المصنف.
قوله: (عن دعوى البزازية) عبارتها عن المنتقى: ادعى ثوباً وصالح ثم برهن المدعى عليه
على إقرار المدعي أنه لا حق له فيه: إن على إقراره قبل الصلح فالصلح صحيح، وإن بعد
الصلح يبطل، وإن علم الحاكم إقراره بعدم حقه ولو قبل الصلح يبطل الصلح، وعلمه
بالإقرار السابق كإقراره بعد الصلح. هذا إذا اتحد الإقرار بالملك بأن قال إنه ميراث لي عن
أبي ثم قال لا حقّ لي من هذه الجهة، فأما إذا ادعى ملكاً لا بجهة الإرث بعد الإقرار

٣٢٦
كتاب الصلح
1
ادعى الملك بجهة أخرى لم يبطل، فيحرر.
(الصلح عن الدعوى الفاسدة بصح وعن الباطلة لا) والفاسدة ما يمكن
تصحيحها. بحر.
بعدم الحق بطريق الإرث بأن قال حقي بالشراء أو بالهبة لا يبطل اهـ. فظهر أن مراده أنه
لو قال بعد الصلح لا حقّ لي قبل المدعي إنما يبطل الصلح إذا أطلق. أما إذا عين، بأن
قال لا حقّ لي من جهة الإرث مثلاً فقيل له قد بطل الصلح فقال إنه حقي بجهة الشراء
مثلاً بقي الصلح صحيحاً على حاله وإن علم الحاكم غير معتبر الآن على المفتى به. قوله:
(فيحرر) ما نقله عن البزازية.
أقول: لا يحتاج إلى تحرير، لأن ما ذكره البزازي من قوله هذا إذا اتحد الإقرار تقييد
لعدم صحة الصلح إذا أقر المدعي، ولا إشكال فيه، ولعله أراد تحرير ما قاله المصنف من
تقييد ما في العمادية فإنه غير ظاهر كما علمت، والله تعالى أعلم.
فرع ذكر المصنف عن آخر الدعوى من الخلاصة: لو ادعى أنه استعار دابة فلان
وهلكت عنده فأنكر المالك الإعارة وأراد التضمين فصالحه مدعي العارية على مال ثم أقام
بينة على العارية قبلت بينته وبطل الصلح. قوله: (عن الدعوى الفاسدة) کدعوى وقع فيها
تناقض. قوله: (وعن الباطلة) كدعوى خمر وخنزير من مسلم. قوله: (والفاسدة ما يمكن
تصحيحها) بالتوفيق في التناقض مثلاً: أي والباطلة ما لا يمكن تصحيحها، كما لو ادعى
أنها أمته فقالت أنا حرة الأصل فصالحها عنه فهو جائز، وإن أقامت بينة على أنها حرة
الأصل بطل الصلح إذ لا يمكن تصحيح هذه الدعوى بعد ظهور حرية الأصل.
ومثال الدعوى التي يمكن تصحيحها: لو أقامت بينة أنها كانت أمة فلان أعتقها عام
أول وهو يملكها بعد ما ادعى شخص أنها أمته: أي وصالحها لا يبطل الصلح، لأنه يمكن
تصحيح دعوى المدعي وقت الصلح بأن يقول إن فلاناً الذي أعتقك كان غصبك مني، حتى
لو أقام بينة على هذه الدعوى تسمع. مدني. وقوله هنا وهو يملكها جملة حالية ط.
أقول: وشهادة الشهود أنه أعتقها وهو يملكها لا تنافي ذلك، لأن لهم أن يشهدوا
بالملك له بظاهر اليد. تأمل. ومن الباطلة عن دعوى حد وعن دعوى أجرة نائحة أو
مغنية أو تصوير محرم اهـ. وعلم أن قوله قالت أنا حرة الأصل: أي وبرهنت عيه بدلیل
ما قال بعد ظهور حرية الأصل، فإن الظهور بالبينة وبدليل ما قال في مقابلتها لو أقامت
بينة أنها كانت الخ، وقول صاحب الأشباه وهو توفيق واجب.
قال محشيه في شرح الوقاية لصدر الشريعة: ومن المسائل المهمة أنه هل يشترط
لصحة الصلح صحة الدعوى أم لا؟ فبعض الناس يقولون: يشترط، ولكن هذا غير

٣٢٧
كتاب الصلح
وحرر في الأشباه أن الصلح عن إنکار بعد دعوی فاسدة فاسد، إلا في دعوى
بمجهول فجائز، فليحفظ (وقيل اشتراط صحة الدعوى لصحة الصلح غير صحيح
مطلقاً) فيصح الصلح مع بطلان الدعوى كما اعتمده صدر الشريعة آخر الباب،
صحيح لأنه إذا ادعى حقاً مجهولًا في دار فصولح على شيء يصح الصلح على ما مر في
باب الحقوق والاستحقاق، ولا شك أن دعوى الحق المجهول دعوى غير صحيحة، وفي
الذخيرة ألحق مسائل تؤيد ما قلناه.
قال الشيخ محمد في معين المفتي: إذا علمت هذا علمت أن الصحيح عدم اشتراط
صحة الدعوى لصحة الصلح وعليه فلا يحتاج إلى التوفيق ا هـ.
أقول: إنما صح الصلح في المسألة التي استند إليها صدر الشريعة، لأن الدعوى
فيها يمكن تصحيحها بتعيين الحق المجهول وقت الصلح. على أن دعوى أن الصحيح عدم
اشتراط صحة الدعوى مطلقاً سواء أمكن تصحيح الدعوى أم لا ممنوع لما في الفتاوى
البزازية، والذي استقر عليه فتوى أئمة خوارزم أن الصلح عن دعوى فاسدة لا يمكن
تصحيحها لا يصح. والذي يمكن تصحيحها كما إذا ترك ذكر الحد أو غلط في أحد
الحدود يصح.
وفي مجمع الفتاوى: سئل شيخ الإسلام أبو الحسن عن الصلح عن الإنكار بعد
دعوى فاسدة هل هو صحيح أم لا؟ قال لا، ولا بد أن تكون صحيحة اهـ. وقد ذكر بما
ذكرنا أن قوله فلا يحتاج إلى التوفيق من عدم التوفيق. ذكره الحموي. وحينئذ فلا بد من
التوفيق، فليحرر. قوله: (وحرر في الأشباه) هذا التحرير غير محرر. ورده الرملي وغيره
بما في البزازية .
والذي استقر عليه فتوى أئمة خوارزم أن الصلح عن دعوى الخ وهذا ما ذكره
المصنف، وقد علمت أنه الذي اعتمده صدر الشريعة وغيره فكان عليه المعول. قوله:
(فليحفظ) أقول: عبارة الأشباه: الصلح عن إنكار بعد دعوى فاسدة فاسد كما في القنية،
ولكن في الهداية في مسائل شتى من القضاء أن الصلح عن إنكار جائز بعد دعوى مجهول
فليحفظ. ويحمل على فسادها بسبب مناقضة المدعي لا لترك شرط المدعي كما ذكره وهو
توفيق واجب فيقال إلا في كذا، والله تعالى أعلم اهـ. قال الحموي: وعليه لا يظهر لهذا
الحمل فائدة، لأن صاحب الهداية صرح بجواز الصلح فيها سواء كان فسادها بسبب
المناقضة أو لترك شرط الدعوى، فإذا صح الصلح مع فسادها بأيّ سبب كأن خالف ما في
القنية، فتأمل. قال الرملي وغيره: ما حرره في الأشباه غير محرر كما علمته آنفا قوله:
(وقيل اشتراط صحة الدعوى) تطويل من غير فائدة، فلو قال وقيل يصح مطلقاً لكان
أوضح، وقد علمت المفتى به. قوله: (كما اعتمده صدر الشريعة آخر الباب) قد علمت

٣٢٨
كتاب الصلح
وأقره ابن الكمال وغيره في باب الاستحقاق كما مر، فراجعه.
(وصح الصلح عن دعوى حق الشرب
ما فيه من النظر وقد علمت عبارته وأن المتبادر أنه أراد الفاسدة بدليل التمثيل؛ لأنه يمكن
تصحيحها بتعيين الحق المجهول الخ.
قال الرملي في حاشيته على المنح بعد نقل عبارته أقول: هذا لا يوجب كون الدعوى
الباطلة كالفاسدة إذ لا وجه لصحة الصلح عنها؛ كالصلح عن دعوى حد أو ربا حلوان
الكاهن وأجرة النائحة والمغنية، ودعوى الضمان على الراعي الخاص أو المشترك إذا قال
أكلها السبع أو سرقت فصالحه ربّ الغنم على دراهم معلومة لا يجوز على قول أبي حنيفة
كما في الخانية، فقول المصنف المتقدم في كتابه معين المفتي كما قدمناه قريباً: الصحيح عدم
اشتراط صحة الدعوى لصحة الصلح فيه نظر، لأنه إن أراد بعدم الصحة ما يشمل الباطل
فهو باطل، وإن أراد به الفاسد فقد قدمه، فتأمل اهـ.
وكذا ذكر في حاشيته على الفصولين نقلاً عن المصنف بعد ذكر عبارة صدر
الشريعة. قال ما نصه: فقد أفاد أن القول باشتراط صحة الدعوى لصحة الصلح ضعيف
اهـ. قوله: (كما مر فراجعه) أي في باب الاستحقاق عند قوله ولا رجوع في دعوى حق
مجهول من دار صولح على شيء معين واستحق بعضها لجواز دعواه فيما بقي ولو استحق
كلها رد كل العوض لدخول المدعي في المستحق.
واستفيد منه: أي من جواب المسألة أمران:
أحدهما: صحة الصلح عن مجهول على معلوم، لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى
المنازعة.
والثاني: عدم اشتراط صحة الدعوى لصحته لجهالة المدعى به، حتى لو برهن لم
يقبل ما لم يدع إقراره به ا هـ.
والحاصل: أن ما استدل به صدر الشريعة من أنه إذا ادعى حقاً مجهولًا في دار
فصولح على شيء يصح الصلح لا يفيد الإطلاق، بل إنما صح الصلح فيه، لأن الدعوى
يمكن تصحيحها بتعيين الحق المجهول وقت الصلح، ومع هذا فقد علمت المفتى به مما
استقر عليه فتوى أئمة خوارزم من أن الصلح إذا كان من دعوى فاسدة لا يمكن
تصحيحها لا يصح، وإن أمكن تصحيحها يصح، هذا غاية ما حققه المحشون فاغتنمه.
قوله: (وصح الصلح عن دعوى حق الشرب) والشرب وهو نصيب الماء، وكذا مرور الماء
في أرض على ما يظهر ط: أي فتسقط الدعوى، ولا يلزم من صحة الصلح لزوم البدل،
لما تقدم من أن الصلح عن الشفعة يسقطها ولا یوجب البدل وکذلك عن دعوی حق
الشرب ووضع جذوع فإنه دعوى حق لا يجوز الاعتياض عنه، إذ لا يجوز بيع الشرب ولا

٣٢٩
كتاب الصلح
وحق الشفعة وحق وضع الجذوع على الأصح) الأصل أنه متى توجهت اليمين نحو
الشخص في أيّ حق كان فافتدى اليمين بدراهم جاز حتى في دعوى التعزير.
مجتبی .
بيع حق وضع الجذوع. قوله: (وحق الشفعة) معطوف على حق الشرب: أي يجوز
الصلح عن دعوى حق الشفعة لدفع اليمين. أما الصلح عن حق الشفعة الثابت فلا يجوز،
لما مر أنه غير مال فلا يجوز الاعتياض عنه. قوله: (وحق وضع الجذوع على الأصح) لما
علمت من أنه يجوز الصلح عما ذكر في حق سقوط الدعوى، ولا يلزم من صحة الصلح
لزوم البدل، لما مر أن الصلح عن الشفعة إلى آخر ما قدمناه قريباً.
قال الزيلعي: ولو كان لرجل ظلة أو كنيف على طريق العامة فخاصمه رجل على
نقضه فصالحه على شيء كان الصلح باطلًا، لأن الحق في طريق النافذ لجماعة المسلمين فلا
يجوز أن يصالح واحد على الانفراد، وبخلاف ما إذا صالح الإمام عنه على مال حيث يجوز
لأن للإمام ولاية عامة، وله أن يتصرف في مصالحهم، فإذا رأى في ذلك مصلحة ينفذ
لأن الاعتياض من المشترك العام جائز من الإمام، ولهذا لو باع شيئاً من بيت المال صح
بيعه، وبخلاف ما إذا كان ذلك في طريق غير نافذ فصالحه رجل من أهل الطريق حيث
يجوز في حقه، لأن الطريق مملوكة لأهلها فيظهر في حق الأفراد، والصلح معه مفيد لأنه
يسقط به حقه ثم يتوصل إلى تحصيل رضا الباقين فيجوز ا هـ. قوله: (في أي حق كان)
ولو كان مما لا يقبل الاعتياض عنه. قوله: (حتى في دعوى التعزير) بأن ادعى أنه كفره أو
ضلله أو رماه بسوء ونحوه حتى توجهت عليه اليمين فافتداها بدراهم فإنه يجوز على
الأصح. منح. وهذا يدل على أنه يستحلف في دعوى التعزير. قوله: (مجتبى) قال فيه
بعد أن رمز سنج صالح عن دعوى حق الشرب وحق الشفعة أو حق وضع الجذوع
ونحوه، فقيل لا يجوز افتداء اليمين لأنه لا يجوز شراؤه قصداً، والأصح أنه يجوز لأن
الأصل أنه متی توجهت الیمین نحو الشخص بأيّ حق کان فافتدی الیمین بدراهم يجوز
على الأصح.
قلت: وهذا يدل على أنه يستحلف في دعوى التعزير. قال: وكذلك إن صالحه من
يمينه على عشرة أو من دعواه فهو کله جائز ا هـ. وهذا مناف لما قدمه أول الباب من أن
شرط صحة الصلح كون المصالح عليه حقاً يجوز الاعتياض عنه، وما في المجتبى أعم منه
كما ترى. ولعل التوفيق أن يقال: إنه جائز في حق المدعى عليه لدفع الخصومة عنه لا في
حق المدعي إذا كان حقاً لا يجوز الاعتياض عنه، لأن ما يأخذه عوض عن حقه في زعمه
فلا بد من إمكان الاعتياض عن حقه، ولعله في المجتبى يفرق بين الصلح عن الشفعة
وعن دعوى الشفعة فلا يصح في الأول کما أطبقوا علیه من عدم لزوم البدل ووجوب

٣٣٠
كتاب الصلح
بخلاف دعوی حد ونسب. درر .
(الصلح إن كان بمعنى المعاوضة) بأن كان ديناً بعين (ينتقض بنقضهما) أي
بفسخ المتصالحين (وإن كان لا بمعناها) أي المفاوضة بل بمعنى استيفاء البعض
وإسقاط البعض (فلا) تصح إقالته ولا نقضه لأن الساقط لا يعود. قنية وصيرفية،
فليحفظ .
رده بعد أخذه، ويصح في الثاني، فليحرر. قوله: (بخلاف دعوى حد) أي لا يصح
الصلح عنها، لما عرفت أن الصلح لا يجوز في حق الله تعالى ولو حد قذف، ولا عن
الإبراء منه. منح.
قال في الفوائد الزينية: لا يصح الصلح عن الحدود، ولا يسقط به إلا حد القذف
إلا إذا كان قبل المرافعة كما في الخانية. قوله: (ونسب) كما إذا ادعت أن هذا ولده منها
فصالحها لترك دعواها فالصلح باطل، لأن الصلح إما إسقاط أو معاوضة والنسب لا
يحتملهما. درر. وأطلقه فشمل ما لو كانت الدعوى من المطلقة أنه ابن المطلق منها أو
الدعوى من الابن أنه ابنه منها وجحد الرجل فصالح عن النسب على شيء فالصلح باطل
في كلتا الصورتين، لما سبق أن النسب لا يقبل الاعتياض مطلقاً، وعليه إطلاق المصنف في
الدعوى وفي عدم احتمال النسب المعاوضة هذا، فظهر أن من أراد التخصيص بالصورة
الأولى لم يصب كما لا يخفى. قوله: (بأن كان ديناً بعين) أي بدل الصلح ديناً والمصالح
عليه عيناً أو عكسه فالباء للمقابلة والعوض، وكذا بدين من غير جنسه كالدراهم عن
الدنانير وعكسه كان ذلك معاوضة إن كان بإقرار، وكذا بإنكار وسكوت في حق المدعي،
والمعاوضة تصح الإقالة فيها فلذا ينتقض بنقضهما: أي لو فسخ ذلك الصلح المتصالحان
انفسخ لجواز الإقالة فيه كما تقدم أول الكتاب، وفي نسخة ((بدين)) عوضاً عن قوله ((بعين))
ومثله فيما يظهر العين بالعين. قوله: (ينتقض بنقضهما) أي بفسخ المتصالحين: أي لو
فسخ ذلك الصلح المتصالحان انفسخ لجواز الإقالة فيه. قوله: (بل بمعنى الخ) وذلك
الصلح عن الدين ببعضه فإنه أخذ لبعض حقه وإسقاط للباقي فلا ينتقض بنقضهما لأنه
قد سقط والساقط لا يعود. قوله: (قنية وصيرفية) الأولى الاختصار على العزو إلى القنية،
لأنه في الصيرفية نقل الخلاف في الصحة وعدمها مطلقاً. وأما في القنية فقد حكى القولين
ثم وفق بينهما بما هنا بحثاً منه، فقال: الصواب أن الصلح إن كان الخ.
وحاصله: أن الصلح إن كان بمعنى المعاوضة ينتقض بنقضهما، وإن كان بمعنى
استيفاء البعض وإسقاط البعض لا ينتقض بنقضهما.
أقول: والذي يظهر لي أن الصلح: إن تحصيل من فسخه ثمرة وجدت البيئة أو
توسم الإقرار أو النكول يصح، وقوله الساقط لا يعود لا يرد علينا، لأن الساقط في هذا

٣٣١
كتاب الصلح
(ولو صالح عن دعوى دار على سكنى بيت منها أبداً أو صالح على دراهم إلى
الحصاد أو صالح مع المودع بغير دعوى الهلاك لم يصح الصلح) في الصور الثلاث.
الباب إنما هو قضاء لا ديانة، فهو في الحقيقة باق غير ساقط وإن لم تظهر ثمرة من الفسخ
يفتي برواية عدم الصحة. قوله: (ولو صالح) العلة فيه ما تقدم فيما لو صالحه على بيت
منها، وقد تقدم أن فيها يصح الصلح ويجعل إبراء عن دعوى الباقي في ظاهر الرواية
فينبغي أن يكون هنا كذلك. قاله الرحمتي لكن قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: قيد
بالسكنى لأنه لو صالحه على بيت منها كأن وجد عدم الصحة كونه جزءاً من المدعي بناء
على خلاف ظاهر الرواية الذي مشى عليه في المتن سابقاً، وقيد بقوله أبداً ومثله حتى
يموت كما في الخانية لأنه لو بين المدة يصح لأنه صلح على منفعة فهو في حكم الإجارة
فلا بد من التوقيت كما مر، وقد اشتبه الأمر على بعض المحشين اهـ. قوله: (إلى الحصاد)
لأنه أجل مجهول فيؤدي إلى المنازعة، ولأنه بيع معنى فيفسده جهالة الأجل. قوله: (أو
صالح مع المودع بغير دعوى الهلاك) أي الدعوى من المودع لم يصح الصلح في الصور
الثلاثة.
أما الأولى: فلأنه صلح عن بعض ما يدعيه، وقد تقدم أنه باطل.
وأما الثانية: فلأن الصلح بيع معنى كما ذكرنا. وهاتان المسألتان من مسائل
السراجية التي نقلها عنها صاحب المنية.
وأما الثالثة: فعلى أربعة أوجه.
الأولى: ادعى صاحب المال الإيداع وجحد المودع ثم صالحه على شيء معلوم جاز
الصلح في قولهم، لأن الصلح يبنى جوازه على زعم المدعي، وفي زعمه أنه صار غاصباً
بالجحود فيجوز الصلح معه.
الثاني: إذا ادعى صاحب المال الوديعة وطالبه بالرد فأقر المستودع بالوديعة وسكت
ولم يقل شيئاً وصاحب المال يدعي عليه الاستهلاك ثم صالحه على شيء معلوم جاز الصلح
في قولهم أيضاً.
الثالث: ادعی الاستهلاك والآخر الرد أو الھلاك ثم صالحه جاز في قول محمد وأبي
يوسف الأول، وعليه الفتوى. وأجمعوا على أنه لو صالح بعد حلف المستودع أنه رد أو
هلك لا يجوز.
الرابع: إذا ادعى المودع الرد أو الهلاك وصاحب المال لا يصدقه في ذلك ولا يكذبه
بل سكت ذكر الكرخي أنه لا يجوز هذا الصلح في قول أبي يوسف الأول، ويجوز في قول
محمد. ولو ادعى صاحب المال الاستهلاك والمودع لم يصدقه في ذلك ولم يكذبه فصالحه
على شيء ذكرنا أنه يجوز هذا الصلح في قولهم أهـ كما في المنح. فقد ظهر من هذا أن

٣٣٢
كتاب الصلح
سراجية. قيد بعدم دعوى الهلاك لأنه لو ادعاه وصالحه قبل اليمين صح، به يفتى.
خانية .
(ويصح) الصلح (بعد حلف المدعى عليه دفعاً للنزاع) بإقامة البينة، ولو
الصلح بغير دعوى الهلاك يصح كما سمعته ولم يذكر فيما إذا أقرّ بالوديعة وصالحه عليها،
والذي يقتضيه الفقه جوازه لأنه صلح عن مال بمال بإقرار. تأمل. قوله: (قيد بعدم
دعوى الهلاك) صادق بسكوته وبدعواه الرد، وقد تقدم أنه يصح الصلح فيهما. قوله:
(لأنه لو ادعاه) أي الهلاك والمالك يدعي أنه استهلكه. قوله: (وصالحه قبل اليمين) أما لو
صالحه بعد حلف المستودع أنه هلك أو رد لا يجوز الصلح إجماعاً. وفيه أن ذلك داخل في
مسألة المصنف المذكورة بعد، وفيها خلاف كما ذكره المصنف. قوله: (خانية) هذا ما نقله
في المنح عنها لكن سقط من عبارته شيء اختل به المعنى، فإنه قال في الوجه الثالث: جاز
الصلح في قول محمد وأبي يوسف الأول، وعليه الفتوى.
والذي رأيته في الخانية أن الفتوى على عدم الجواز.
وبقي خامسة ذكرها المقدسي وهي: ادعى ربها الاستهلاك فسكت فصلحه جائز،
لكن هذا هو الثاني في الخانية.
ثم اعلم أن كلام الماتن والشارح غير محرر لأن قوله: (بغير دعوى الهلاك) شامل
للجحود والسكوت، ودعوى الرد هو الوجه الأول والثاني وأحد شقي الثالث والرابع،
وقد علمت أنه في الأول والثاني جائز اتفاقاً، وكذا في أحد شقي الثالث والرابع على
الراجح. والصواب أن يقول بعد دعوى الرد أو الهلاك بإسقاط غير والتعبير ببعد وزيادة
الرد، فيدخل فيه الوجه الثالث بناء على المفتى به. الوجه الرابع بناء على قول أبي يوسف
وهو المعتمد لتقديم صاحب الخانية إياه كما هو عادته. وقوله: (لأنه لو ادعاء) أي الهلاك
شامل لما إذا ادعى المالك الاستهلاك وهو أحد شقي الوجه الثالث أو سكت وهو أحد
شقي الرابع، وعلمت ترجيح الجواز فيهما، فقوله: (صح به يفتى) في غير محله، وقوله:
(وصالحه قبل اليمين) هذا وارد على إطلاق المتن أيضاً، ورأيت عبارة الأشباه نحو ما
ذكرنا. ونصها: الصلح عقد يرفع النزاع ولا يصح مع المودع بعد دعوى الهلاك إذ لا
نزاع. ثم رأيت عبارة متن المجمع مثل ما قلته، ونصها: وجاز صلح الأجير الخاص
والمودع بعد دعوى الهلاك أو الرد، ولله الحمد. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله:
(ويصح الصلح الخ) أي لو ادعى مالاً فأنكر وحلف ثم ادعاه عند قاض آخر فأنكر
فصولح صح، ولا ارتباط لهذه بمسألة الوديعة. قوله: (دفعاً للنزاع) علة لقوله ((يصح))
وقوله ((بإقامة البينة)) متعلق بالنزاع: يعني أن الصلح عن الإنكار يكون افتداء لليمين
وقطعاً للنزاع، وبعد الحلف يصح للاحتياج إلى قطع النزاع، فإن المدعي يمكنه بعد اليمين

٣٣٣
كتاب الصلح
برهن المدعي بعده على أصل الدعوى لم تقبل إلا في الوصي عن مال اليتيم على
إنكار إذا صالح على بعضه ثم وجد البيئة فإنها تقبل، ولو بلغ الصبي فأقامها تقبل،
ولو طلب يمينه لا يحلف. أشباه (وقيل لا) جزم بالأول في الأشباه وبالثاني في
السراجية،
أن يأتي بالبيئة فلم يكن اليمين قاطعاً للنزاع بل القاطع له الصلح، ولذا قال: ولو برهن
المدعي بعده على أصل الدعوى لم تقبل، لأن بالصلح قد أبرأه عن الدعوى فسقط توجهها
عليه والساقط لا يعود. قوله: (بعده) أي بعد الصلح: أي وإن لم يكن هناك حلف.
قوله: (إلا في الوصي) ومثله الأب. قوله: (عن مال اليتيم) أي إذا صالح عن مال
اليتيم، وقوله ((إذا صالح على بعضه)) بدل من هذا المقدر ط. ويمكن أن تكون (عن)
بمعنى ((في)) أي في ماله إذا صالح عن إنكار على بعضه، فعن بمعنى في، وقوله: (على
إنكار) على بمعنى عن متعلق بصالح: أي ولم يكن هناك بينة. أما إذا كان الخصم مقراً
بدين اليتيم أو كان عليه بينة فالذي يؤخذ من المفهوم أنه لا يجوز الصلح على البعض لعدم
المصلحة لليتيم، وصرح بذلك في أدب الأوصياء. قوله: (فإنها تقبل) لأنه إنما يتصرف له
بحسب المصلحة فيجوز صلحه عند عدم البينة، فإذا وجدت البينة تبين أن لا مصلحة في
هذا الصلح وأنه باطل فتقبل البيئة. وصرح في البزازية بأن البيئة لو موجودة عند الصلح
وفيه غبن لا يصح الصلح اهـ. وهو مستفاد أيضاً من كلام الشارح. قوله: (ولو بلغ
الصبي فأقامها تقبل) يعني إذا ادعى وصيّ أو أب على رجل ألفاً لليتيم ولا بينة له وصالح
بخمسمائة عن ألف عن إنكار ثم وجد بينة عادلة فله أن يقيمها على الألف، سواء في
ذلك الأب أو الوصيّ أو الیتیم بعد بلوغه.
قال في القنية: وفائدة قوله في الكتاب: إذا لم يكن للأب أو الوصي بينة على ما
يدعي للصبي فصالح بأقل منه يجوز أن تمتنع دعواهما في الحال، ودعوى الصبي بعد
البلوغ في حق الاستخلاف فليس لهم أن يحلفوه وإنما لهم إقامة البينة كما في حاشية
الأشباه. قوله: (ولو طلب) بالبناء للمجهول: أي لو طلب الوصي بعد الصلح يمين
المدعى عليه أو طلبه اليتيم بعد بلوغه كما في حواشي الأشباه. قوله: (وقيل لا) أي لا
يصح الصلح بعد حلف المدعى عليه، لأن اليمين بدل عن المدعي، فإذا حلف فقد استوفى
البدل فلا يصح، وقدمناه عن القنية قريباً. قوله: (جزم بالأول في الأشباء) هو رواية محمد
عن الأمام. قوله: (وبالثاني في السراجية) وهو قولهما، وهو الصحيح كما في معين
المفتي، وكذا جزم به في البحر. قال الحموي: وما مشی عليه في الأشباه، رواية محمد عن
أبي حنيفة، وما مشى عليه في البحر قولهما وهو الصحيح انتهى. وجعله نظير الصلح مع
المودع بعد دعوى الاستهلاك: أي فإنه لا يصح. قال المصنف في منحه: وبالأول جزم ابن

٣٣٤
كتاب الصلح
وحكاهما في القنية مقدماً للأول.
(طلب الصلح والإبراء عن الدعوى لا يكون إقراراً) بالدعوى عند المتقدمين،
وخالفهم المتأخرون والأول أصح. بزازية (بخلاف طلب الصلح) عن المال
(والإبراء عن المال فإنه) إقرار. أشباه.
(صالح عن عيب) أو دين وظهر عدمه
نجيم في الفوائد الزينية ولم يعزه إلى كتاب معروف. وقيل لا يصح ذكره صاحب السراجية
ولم يحك به خلافاً انتهى. إنما ذكر الخلاف في القنية كما يأتي بعده قريباً. قوله: (وحكاهما
في القنية) فقال: ادعى عليه مالاً فأنكر وحلف ثم ادعاه عند آخر فأنكر فصولح لا يصح،
وقيل يصح وروى عن الإمام. ووجه القول بعدم الصحة أن اليمين بدل المدعي فإذا حلفه
فقد استوفى البدل فلا يصح انتهى. قوله: (مقدماً للأول) صوابه ((الثاني)) على ما نقله
الحموي وعلى ما سمعت من عبارته. قوله: (طلب الصلح والإبراء) الواو هنا وفيما يأتي
بمعنى أو، ومثلهما طلب تأخير الدعوى كما في الخلاصة. قوله: (لا يكون إقراراً
بالدعوى) أي بالمدعى به. كذا في البزازية في بحث الاستثناء من كتاب الإقرار.
وفي الخلاصة: لو قال أخرها عني أو صالحني فإقرار، ولو قال أبرثني عن هذه
الدعوى أو صالحني عن هذه الدعوى لا يكون إقراراً، وكذا في دعوى الدار انتهى.
وفي البزازية: إذا صالحه من حقه فقد أقر بالحق، والقول في بيان الحق له لأنه
المجمل، وإن صالحه من دعوى الحق لم يكن إقراراً انتهى.
ووجهه أن الصلح عن الدعوى أو الإبراء عنها المقصود منه قطع النزاع فلا يفيد
ثبوت الحق، بخلاف طلب الصلح أو الإبراء عن الحق فإنه يقتضي ثبوته، وحينئذ يلزمه
المدعى به. قوله: (والأول أصح بزازية) قال الشيخ أبو الطيب: عزو الشارح إلى البزازية
فيه ما فيه، لأن هذه المسألة بتمامها ليست فيها، وإنما فيها دعوى البراءة الخ. وأما ما في
الصرفية فهو الموافق لما في المتن، وليس من عادة البزازية أن تنقل عن الصيرفية فليتأمل
اهـ. قوله: (من عيب) أيّ عيب كان بياضاً في العين أو حبلاً أو تزوجاً. قوله: (وظهر
عدمه) أي العيب أو الدين، بأن ظهر أن لا دين عليه أصلاً، أو أنه على غيره.
وعبارة الغرر كهذا المتن: صالح عن عيب فظهر عدمه أو زال بطل الصلح، فلو
قال الشارح بعد قوله فظهر عدمه أو عن دين فظهر كذلك كان أوضح، لأن عبارته هذه
ظاهرة في أن ضمير عدمه للدين وضمير زال للعيب والحال أنهما للعيب.
وصورة العيب على ما في الدرر عن العمادية: ادعى عيباً في جارية اشتراها فأنكر
البائع فاصطلحا على مال على أن يبرىء المشتري البائع من ذلك العيب ثم ظهر أنه لم يكن
بها عيب أو كان ولكنه قد زال فللبائع أن يستردّ بدل الصلح اهـ.

٣٣٥
كتاب الصلح
(أو زوال) العيب (بطل الصلح) ويردّ ما أخذه. أشباه درر.
فَضْلٌ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ
(الصلح الواقع على بعض جنس ما له عليه)
وقال في المنح عن السراجية: اشترى حيواناً فوجد بعينه بياضاً فصالحه منه على
دراهم ثم ذهب البياض بطل الصلح اهـ.
وفي البدائع: ولو صالحه من العيب ثم زال العيب بأن كان بياضاً في عين العبد
فانجلى بطل الصلح اهـ. قال أبو الطيب.
أقول: وفي المنح فروع نفيسة فراجعها إن شئت. قوله: (أو زال العيب الخ) عزاه
في الدرر إلى العمادية، لكن في منية المفتي ما يناقضه. وعبارتها: اشترى حيواناً فوجد في
عينه بياضاً فصالحه على دراهم ثم ذهب البياض يصح الصلح ا هـ. لكن ما نقله الشارح
ذكره من نقلنا عنهم كما سمعت.
وذكره مؤيد زاده عن الخزانة ونصها: ادعى المشتري العيب وأنكر البائع فاصطلحا
على أن يرد البائع شيئاً من الثمن ثم يبين أنه لم يكن بالمبيع عيب كان على البائع أن يسترد
ما أدى، كما لو كان العيب متحققاً ثم زال بعد الصلح.
وعلى هذا لو ادعى على إنسان حقاً أو مالاً ثم صالحه على مال فتبين أنه لم يكن عليه
ذلك المال أو ذلك الحق: أي إن لم يكن ثابتاً كان للمدعى عليه حق استرداد كل المال اهـ.
والله تعالى أعلم وأستغفر الله العظيم.
فَضْلٌ في دَغْوَى الذَّیْنِ
وهو الذي يثبت في الذمة عيني. والأول أن يقول: فصل في الصلح عن دعوى
الدين، ويقال مثله في العبارة الآتية للمصنف.
قال الحموي: لما ذكر الصلح مطلقاً في عموم الدعاوى ذكر الصلح في الدين لأنه
صلح مقيد والمقيد بعد المطلق اهـ. لأن ما ذكره في هذا الباب حكم الخاص وهو دعوى
الدين، لأن الخصوص أبداً يكون بعد العموم، والأصل أنه متى كان المصالح عليه أدون
من حقه قدراً ووصفاً أو في أحدهما فهو إسقاط للبعض وأخذ للباقي، وإن كان أزيد منه
بأن دخل فيه ما لم يستحق من وصف أو ما هو في معناه كتعجيل مؤجل فمعاوضة.
قوله: (الصلح الواقع الخ) أطلق الصلح ولكن المراد كونه على أقل مما عليه من الدين كما
هو ظاهر العادة، فتخرج منه صورة التساوي إذ هي استيفاء وقبض عين حقه، وصورة
كون المصالح عليه زيادة من الدين فيكون ربا وحراماً ليسا بصلح، وأشار بالصلح إلى أنه
لو باع ما في ذمته من الألف بخمسمائة مثلاً لم يجز، صرح به في الظهيرية وسيأتي تمامه.

٣٣٦
كتاب الصلح
من دين أو غصب (أخذ لبعض حقه وحط لباقيه لا معاوضة) للربا، وحينئذ (فصح
الصلح بلا اشتراط قبض بدله عن ألف حال عليّ مائة حالة أو عليّ ألف مؤجل
وعن ألف جياد على مائة زيوف، ولا يصح عن دراهم على دنانير مؤجلة)
قوله: (من دين) يشمل بدل القرض وثمن المبيع وضمان المتلف وبدل المغصوب وكل ما
لزم في الذمة، وقيد في البعض ليفيد أنه لا يجوز على الأكثر، وأنه يشترط معرفة قدره.
لكن قال في غاية البيان عن شرح الكافي: ولو كان لرجل على رجل دراهم لا يعرفان
وزنها فصالحه منها على ثوب أو غيره فهو جائز؛ لأن جهالة المصالح عنه لا تمنع مع صحة
الصلح، وإن صالحه على دراهم فهو فاسد في القياس لأنه يحتمل أن بدل الصلح أكثر
منه، ولكني أستحسن أن أجيزه لأن الظاهر أنه كان أقل مما عليه؛ لأن مبنى الصلح على
الخط والإغماض فكان تقديرهما بدل الصلح شيء دلالة ظاهرة على أنهما عرفاه أقل مما
عليه وإن كان لا يعرفان قدر ما عليه في نفسه ا هـ.
أقول: لكن في قوله أستحسن أن أجيزه الخ شبهة الربا كما علمت وهي محرمة
أيضاً، فالظاهر اعتماد ما في الشرح. تأمل. قوله: (أو غصب) أي غصب قيمي أو مثلي
أو غصب منه أحد النقدين وهو باق في يده معترفاً ببقائه فصالحه على بعض مقدار من
جنسه. قوله: (أخذ) خبر مبتدأ. قوله: (وحط لباقيه) لأن تصرف العاقل البالغ يصح ما
أمكن، ولا يمكن تصحيحه معاوضة لما فيه من الربا، وقد أمكن الإسقاط فيحمل عليه،
فلو قال المدعي للمدعى عليه المنكر صالحتك على مائة من ألف عليك كان أخذاً لمائة
وإبراء عن تسعمائة وهذا قضاء لا ديانة إلا إذا زاد أبرأتك. قهستاني. وقدمنا مثله معزياً
للخانية. قوله: (للربا) أي لا يجعل معاوضة لما يلزم عليه من الربا ولا يصح، وتصرف
العاقل يحمل على الصحة ما أمكن كما ذكرنا فيجعل حطاً. قوله: (وحينئذ) أي حين إذا
كان ما ذكر أخذ البعض الحق وإسقاطاً لباقيه لا معاوضة. قوله: (فصح الصلح) أي عن
ألف على مائة، أطلق الصلح فشمل كون المدعى عليه مقراً أو منكراً أو ساكتاً، والمراد
بالألف ثمن مبيع كما هو مقتضى عقد المداينة، وقيد بالألف والمائة بكونهما حالتين
احترازاً عما إذا كانت الألف مؤجلة والمائة حالة کما سیذكره بعد، وسنذكر أن هذا فيما
إذا شرط ذلك. قوله: (بلا اشتراط قبض بدله) أي الصوري وهو ما وقع عليه الصلح،
وإلا فليس هناك بدل بل هو أخذ لبعض الحق، وهذا إنما يظهر في غير المغصوب، أما هو
مع الاعتراف ببقائه فليس ما دفعه عين حقه إلا أن يجعل عينه حكماً، وذلك إنما هو في
العقود والفسوخ لا في الغصب فلیحرر. ولعله أراد بالغصب بدله بعد هلاكه. قوله:
(على مائة حالة) ويكون الصلح إسقاطاً لبعض الحق فقط. قوله: (أو على ألف مؤجل)
ويحمل على إسقاط وصف الحلول. قوله: (عن ألف جياد على مائة زيوف) هذا شامل لما

٣٣٧
كتاب الصلح
لعدم الجنس فكان صرفاً فلم يجز نسيئة (أو عن ألف مؤجل على نصفه حالاً) إلا في
صلح المولى مكاتبه فيجوز. زيلعي (أو عن ألف سود على نصفه بيضاً) والأصل
إذا كان بدل الصلح مؤجلاً أو حالاً لأنه يصح كما ذكره، بخلاف ما إذا كان له ألف
زيوف وصالحه على خمسمائة جياد حيث لا يجوز لعدم استحقاق الجياد فيكون معاوضة
ضرورة كما في التبيين، وحينئذ فيكون قد أسقط حقه في الكم والكيف فأسقط من الكم
تسعمائة ومن الكيف صفة الجودة، وكذا لو كانت المائة مؤجلة يصح أيضاً لأنه قد أسقط
فيها أيضاً وصف الحلول، وإنما جاز هذا لأن من استحق الجياد استحق الزيوف، وهذا
لو تجوز به في الصرف والسلم جاز، ولو لم يستحقه بالعقد لما جاز لأن المبادلة برأس مال
السلم وبدل الصرف لا تجوز، بخلاف ما إذا كان له ألف زيوف وصالحه على خمسمائة
جياد حيث لا يجوز لعدم استحقاق الجياد فيكون معاوضة ضرورة: أي لأنه لا يمكن حمله
على أنه استوفى بعض حقه وأسقط الباقي، لأنه لا يستحق الجياد فلا يجوز التفاضل فيها
لأن جيدها ورديئها سواء كما في الشرنبلالية. قوله: (لعدم الجنس) فكان معاوضة، ولو
كان من الجنس لكان أخذ البعض الحق فيجوز مؤجلاً. قوله: (فكان صرفاً) أي بدلاً
عنه، والاستبدال بالأثمان بعضها عن بعض صرف فيشترط فيه التقابض. قوله: (فلم يجز
نسيئة) أي ولا حالاً بدون القبض لاشتراطه في الصرف كما علم في بابه. قوله: (أو عن
ألف مؤجل على نصفه حالاً) لأن المعجل غير مستحق بعقد المداينة، إذ المستحق به هو
المؤجل والمعجل خير منه، فقد وقع الصلح على ما لم يكن مستحقاً بعقد المداينة فصار
معاوضة والأجل کان حق المدیون وقد تركه بإزاء ما حطه عنه من الدين فكان اعتیاضاً
عن الأجل وهو حرام؛ ألا يرى أن ربا النسيئة حرم لشبهة مبادلة المال بالأجل فلأن يحرم
حقيقة أولى اهـ. درر. قوله: (إلا في صلح المولى مكاتبه) يعني إذا صالح المولى مكاتبه على
ألف مؤجلة على خمسمائة حالة فإنه يجوز، لأن معنى الإرفاق فيما بينهما أظهر من معنى
المعاوضة فلا يكون هذا مقابلة الأجل ببعض المال ولكنه إرفاق من المولى بحط بعض البدل
وهو مندوب إليه في الشرع، ومساهلة من المكاتب فيما بقي قبل حلول الأجل لتوصل به
إلى شرف الحرية، وهو أيضاً، مندوب إليه في الشرع. ذكره الزيلعي.
وذكر في شرح الكافي للإسبيجابي جواز هذا الصلح مطلقاً على قياس قول أبي
يوسف لأنه إحسان من المديون في القضاء بالتعجيل وإحسان من صاحب الدين في
الاقتضاء بحط بعض حقه، وحسن هذا إذا لم يكن مشروطاً في الآخر؛ وأما إذا شرط
أحدهما في مقابلة الآخر فدخل في الصلح معاوضة فاسدة فيكون فاسداً، وهكذا في غاية
البيان. قوله: (أو عن ألف سود على نصفه بيضاً) لأن البيض غير مستحقة بعقد المداينة،
لأن من له السود لا يستحق البيض فقد صالح على ما لا يستحق بعقد المعاوضة فكان

٣٣٨
كتاب الصلح
أن الإحسان إن وجد من الدائن فإسقاط وإن منهما فمعاوضة.
(قال) لغريمه (أد إلي خمسمائة غداً من ألف لي عليك على أنك بريء من)
النصف (الباقي فقبل) وأدى فيه برىء، وإن لم يؤد ذلك في الغد (عاد دينه) كما
كان لفوات التقييد بالشرط.
معاوضة الألف بخمسمائة وزيادة وصف الجودة فكان ربا. منح. بخلاف ما لو صالح
على قدر الدين وهو أجود لأنه معاوضة المثل بالمثل، ولا معتبر بالجودة لأنها ساقطة
الاعتبار في الأموال الربوية إلا أنه يشترط القبض في المجلس لأنه صرف الأصل أنه متی
كان الذي وقع عليه الصلح عليه دون الحق قدراً أو وصفاً أو وقتاً فهو إسقاط للبعض
واستيفاء للباقي لأنه استوفى دون حقه، وإن كان أزيد منه بأن دخل فيه ما لا يستحق من
وصف أو تعجيل مؤجل أو كان خلاف جنسه فهو معاوضة لتعذر استيفاء في غير المستحق
فيشترط فيه شروط المعاوضة كما في الشمني.
أقول: وشرطها عند اتحاد الجنس المساواة، فمن له دراهم سود لا يستحق البيض
فيكون أخذها بطريق المعاوضة ولو توجد، حتى لو صالحه على ألف حالة عن الألف
المؤجلة أو صالحه على ألف بيض عن الألف السود جاز بشرط قبضه في المجلس لوجود
المساواة في القدر وهو المعتبر في الصرف دون المساواة في الصفة، ولو كان عليه ألف
فصالحه على طعام موصوف في الذمة مؤجل لم يجز لأنه یکون افتراقاً عن دین بدین، ولو
كان عليه ألف درهم ومائة دينار فصالحه على مائة درهم جاز، سواء كانت حالة أو
مؤجلة لأنه يجعل إسقاطاً للدنانير كلها وللدراهم إلا مائة وتأجيلاً للمائة التي بقيت، ولا
يحمل على المعاوضة لأن فيه فساداً كما في العيني.
أقول: ويظهر مما قدمناه قريباً عن شرح الإسبيجابي أن المديون لو أعطى الدائن
خمسمائة بيضاً فأسقط الدائن الألف السود من ذمته وأسقط هو البيض من ذمة الآخر لا
بشرط المقابلة ينبغي أن يصح، ولكنه لا يسمى ذلك صلحاً كما لا يخفى. قوله: (أن
الإحسان إن وجد من الدائن) بأن صالح على شيء هو أدون من حقه قدراً أو وصفاً أو
وقتاً. قوله: (وإن منهما) أي من الدائن والمدين، بأن دخل في الصلح ما لا يستحقه
الدائن من وصف كالبيض بدل السود أو ما هو في معنى الوصف كتعجيل المؤجل أو عن
جنس، بخلاف جنسه. قوله: (فمعاوضة) أي ويجري فيه حكمها، فإن تحقق الربا أو
شبهته فسدت وإلا صحت. قوله: (عاد دينه) عندهما. وعند أبي يوسف يبرأ. قوله:
(لفوات التقييد بالشرط) أي من حيث المعنى فكأنه قيد البراءة من النصف بأداء خمسمائة
في الغد، فإذا لم يؤد لا يبرأ لعدم تحقق الشرط.
والحاصل: أن كلمة ((على)) وإن كانت للعوض لكنها قد تكون بمعنى الشرط، وقد

٣٣٩
كتاب الصلح
ووجوهها خسة: أحدها هذا. (و) الثاني (إن لم يوقت) بالغد (لم يعد) لأنه
إبراء مطلق، والثالث (وكذا لو صالحه من دينه على نصفه يدفعه إليه غداً وهو بريء
مما فضل على أنه إن لم يدفعه غداً فالكل عليه كان الأمر) كالوجه الأول (كما قال)
لأنه صرح بالتقييد. والرابع (فإن أبرأه عن نصفه على أن يعطيه ما بقي غداً فهو
بريء أدى الباقي) في الغد (أولا) لبداءته بالإبراء بالأداء. (و) الخامس (لو علق
بصريح الشرط كإن أديت إليّ) كذا أو إذا أو متى (لا يصح) الإبراء لما تقرر أن
تعذر العمل بمعنى المعاوضة فتحمل على الشرط تصحيحاً لتصرفه كما في الدرر. قوله:
(والثاني إن لم يوقت بالغد) أي لم يذكر لفظ غد بل قال ادفع إليّ خمسمائة على أنه بريء
من الباقي لم يعد دينه لعدم الأداء، ويبرأ مطلقاً أدى الخمسمائة في الغد أو لم يؤدّ؛ لأن
البراءة قد حصلت بالإطلاق وإلا فلا تتغير بما يوجب الشك في آخره. منح. قوله: (لم
يعد) أي الدين مطلقاً أدى أو لم يؤد. قوله: (لأنه إيراء مطلق) لأنه لما لم يوقت للأداء
وقتاً لم يكن الأداء غرضاً صحيحاً لأنه واجب على الغريم في كل زمان فلم يتقيد بما حمل
على المعاوضة وهو لا يصلح عوضاً، والظاهر أن الإبراء مقيد بأدائه ولو في آخر جزء من
أجزاء حياته، حتى إذا مات ولم يؤد يؤخذ كل الدين من تركته؛ لأن التعليق بالأداء
موجود معنى، بخلاف الوجه الرابع فإنه يبرأ مطلقاً لبداءته بالإبراء. قوله: (كالوجه
الأول) خبر أول. وقوله: (كما قال) خبر ثان. قوله: (لبداءته بالإبراء لا بالأداء) قال في
الدرر: لأنه أطلق الإبراء وأداء خمسمائة لا يصلح عوضاً ويصلح شرطاً مع الشك في
تقييده بالشرط فلا يتقيد بالشك، بخلاف ما إذا بدأ بأداء خمسمائة لأن الإبراء حصل
مقروناً به، فمن حيث إنه لا يصلح عوضاً يقع مطلقاً، ومن حيث إنه يصلح شرطاً لا يقع
مطلقاً فلا يثبت الإطلاق بالشك فافترقا اهـ. قوله: (بصريح الشرط) قال القهستاني: وفيه
إشعار بأنه لو قدم الجزاء صح.
في الظهيرية: لو قال حططت عنك النصف إن نقدت إليّ نصفاً فإنه حط عندهم
وإن لم ينقده. قوله: (كإن أديت إليّ كذا) الخطاب للغريم، ومثله الكفيل كما صرح به
الإسبيجابي في شرح الكافي وقاضيخان في شرح الجامع.
قال في غاية البيان: وفيه نوع إشكال، لأن إبراء الكفيل إسقاط محض ولهذا لا يرتد
برده فينبغي أن يصح تعليقه بالشرط. إلا أنه كإبراء الأصيل من حيث إنه لا يحلف به كما
يحلف بالطلاق فيصح تعليقه بشرط متعارف لا غير المتعارف، ولذا قلنا: إذا كفل بمال عن
رجل وكفل بنفسه أيضاً على أنه إن وافى بنفسه غداً فهو بريء عن الكفالة بالمال فوافى بنفسه
برىء عن المال لأنه تعليق بشرط متعارف فصح اهـ. قوله: (لما تقرر الخ) قال في المنح:
إنما لا يصح لأن الإبراء المعلق تعليقاً صريحاً لا يصح، لأن الإبراء فيه معنى التمليك

٣٤٠
كتاب الصلح
تعليقه بالشرط صريحاً باطل لأنه تمليك من وجه.
(وإن قال) المديون (لآخر سراً لا أقر لك بمالك حتى تؤخره عني أو تحط)
عني (ففعل) الدائن التأخير أو الخط (صح) لأنه ليس بمكره عليه.
ومعنى الإسقاط، فالإسقاط لا ينافي تعليقه بالشرط والتمليك ينافيه فراعينا المعنيين. وقلنا:
إن كان التعليق صريحاً لا يصح وإن لم يكن صريحاً يصح اهـ. قوله: (لأنه تمليك من وجه)
بدليل أنه لا يرتد بالرد والتمليكات لا تحتمل التعليق بالشرط، وهو إسقاط أيضاً بدليل أنه
لا يتوقف على القبول والإسقاط يحتمل ذلك، فلمعنى التمليك فيها قلنا: إذا صرح
بالتعليق بالشرط لم يصح، ولمعنى الإسقاط(١) إذا لم يصرح بالتعليق بالشرط بتقييد. كذا في
الكافي. قوله: (وإن قال المديون لآخر سراً الخ) هذا القيد أهمله في الكنز ولم ينبه عليه
شارحه الزيلعي، ونبه عليه ملا مسكين وصاحب الدرر وملتقى الأبحر والهداية، وعبارته
بعد ذكر المسألة مطلقة. ومعنى المسألة: إذا قال ذلك سراً، أما إذا قال علانية يؤخذ به،
لأن قوله لا أقر بمالك الخ يتضمن الإقرار به حيث أضافه إليه بقوله مالك، أو لأنه تعليق
الإقرار بالشرط فيلزم في الحال، ولذا قيد به ملا مسكين في عبارة الكنز حيث لم تتقيد.
بقوله: سراً كما علمت، وقد عزاه هنا وفي البحر إلى المجتبى، ولكن النظر إلى العلة التي
ذكرها الزيلعي وغيره وهي كونه ليس بمكره لتمكنه من إقامة البينة أو التحليف فينكل،
وهو نظير الصلح مع الإنكار لأن كل واحد منهما لا ينافي الطوع، والاختيار في تصرفه
أقصى ما في الباب أنه مضطر، لكن الاضطرار لا يمنع من نفوذ تصرفه كبيع ماله بالطعام
عند المخمصة يوجب التسوية بين الحالتين فتأمل. ذكره الرملي.
أقول: معنى الأخذ: أي بإقراره وهو. قوله: (بمالك) والمال مجهول فيؤمر ببيانه
ولا يلزمه ما ادعاه المدعي لعدم إقراره به. تأمل. قوله: (قوله بمالك) بفتح اللام
وكسرها. حموي. قوله: (صح) أي فليس له المطالبة في الحال بعد التأخير ولا في
المخطوط كما في المنح. قوله: (لأنه ليس بمكره) لأنه لو شاء لم يفعل ذلك إلى أن يجد
البينة، أو يحلف فينكل عن اليمين. إتقاني. وقوله ((وليس بمكره) على صيغة اسم
المفعول، إذ يمكنه أن يبرهن أو يحلفه فينكل عن اليمين ففعله بلا شروع إلى أحدهما كان
رضاً بذلك فنفذ فيكون كصلح عن إنكار، ومن ذلك ذكرت هذه المسألة هنا، هذا هو
الموافق لما في غاية البيان وشرح المقدسي، وما في الكفاية يقتضي كون الضمير المنصوب
عائد إلى المديون، وأن يكون مكره على صيغة اسم الفاعل كما فسر به البعض هنا،
والأول هو المتبادر كما لا يخفى. قوله: (عليه) جعل لفظ عليه صلة لمكره وهو خلاف ما
(١) في ط (قوله والمعنى الإسقاط الخ) هكذا بالأصل، ولعله ((ولا لمعنى الإسقاط)) قلنا: إذا لم يصرح بالتعليق
بالشرط يصح.