النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
المفتي ثم تبين عدم الوقوع لم يقع: يعني ديانة. قنية.
إقرار المكره باطل إلا إذا أقر السارق مكرهاً فأفتى بعضهم بصحته. ظهيرية.
الرواية التي اختارها المتأخرون أن دعوى الهزل في الإقرار تصح ويحلف المقر له أنه ما كان
كاذباً في إقراره اهـ. وهذا يدل على أنه يقبل ويحلف، اللهم إلا أن يحمل كلام الخانية على
أنه لا يقبل في حق البينة، أو أنه على قول أبي حنيفة ومحمد لا على قول أبي يوسف الذي
اختاره المتأخرون للفتوى وهو الظاهر، فتأمله هذا.
وقد ذكر في الخانية في باب اليمين الخلاف المذكور. ثم قال: يفوّض ذلك إلى رأي
القاضي والمفتي فراجعه إن شئت. ثم إنا لم نر في إقرار الخانية هذه العبارة، والشارح هنا
تبع في النقل ما في الأشباه والنظائر فإن هذه الفروع منقولة منه فكن على بصيرة.
وفي البحر عن خزانة المفتين: لو أقر بالدين ثم ادعى الإيفاء لا تقبل إلا إذا تفرقا
عن المجلس اهـ. قوله: (لم يقع يعني ديانة) أما إذا كان ذلك بين يدي القاضي فلا يصدقه
في البناء المذكور كما يؤخذ من مفهومه، وبه صرح في حواشى الأشباه، كما لو أقر أن
هذه المرأة أمه مثلاً ثم أراد أن يتزوجها وقال وهمت ونحوه وصدقته المرأة فله أن يتزوجها
لأن هذا مما يجري فيه الغلط، وكذا لو طلق امرأة ثلاثاً ثم تزوجها وقال لم أكن تزوجتها
حین الطلاق صدق وجاز النكاح. بيري.
فإن قيل: كيف يتبين خلافه أجيب بأنه يحتمل أن يكون المفتي غير ماهر في المذهب
فأفتى من أعلم منه بعدم الوقوع، ويحتمل أن المفتي أفتى أوّلاً بالوقوع من غير تثبت ثم
أفتی بعد التثبت بعدمه.
قال في البزازية: ظن وقوع الثلاث بإفتاء من ليس بأهل فأمر الكاتب بصك الطلاق
فكتب ثم أفتاه عالم بعدم الوقوع له أن يعود إليها في الديانة لكن القاضي لا يصدقه لقيام
الصك ا هـ.
ومن فروع هذه المسألة ما في جامع الفصولين: تكلمت فقال هذا كفر وحرمت
عليّ به فتبين أن ذلك اللفظ ليس بكفر، فعن النسفي أنها لا تحرم.
وفي مجمع الفتاوى: ادعى على إنسان مالاً أو حقاً في شيء فصالحه على مال ثم تبين
أنه لم یکن ذلك المال عليه وذلك الحق لم یکن ثابتاً کان للمدعی علیه حق استرداد ذلك
المال. كذا ذكره الحموي. قوله: (فأفتى بعضهم بصحته) ولا يفتى بعقوبة السارق لأنه
جور. تجنیس وقهستاني وقد سلف ط.
نقل في كتاب السرقة عن إكراه البزازية: من المشايخ من أفتى بصحة إقراره بها
مكرهاً. قال: وهو الذي يسع الناس وعليه العمل، وإلا فالشهادة على السرقات من أندر
الأمور. ونقل عن الزيلعي جواز ذلك سياسة، وينبغي التعويل عليه في زماننا لغلبة

٢٨٢
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
الإقرار بشيء محال وبالدين بعد الإبراء منه باطل ولو بمهر بعد هبتها له على
الفساد. وحكي عن عصام أنه سئل عن سارق ينكر فقال: عليه اليمين، فقال الأمير
سارق ويمين، هاتوا بالسوط فما ضربوه عشرة حتى أقر، فأتى بالسرقة فقال: سبحان الله
ما رأيت جوراً أشبه بالعدل من هذا. قوله: (الإقرار بشيء محال) كقوله إن فلاناً أقرضني
كذا في شهر كذا وقد مات قبله أو أقر له بأرش يده التي قطعها خمسمائة دينار ويداه
صحیحتان لم يلزمه شيء كما في حيل التاترخانية.
وعلى هذا أفتيت ببطلان إقرار إنسان بقدر من السهام لوارث وهو أزيد من الفريضة
الشرعية لكونه محالاً شرعاً، مثلاً لو مات عن ابن وبنت فأقر الابن أن التركة بينهما
نصفان بالسوية فالإقرار باطل لما ذكرنا، ولكن لا بد من كونه محالًا من كل وجه، وإلا
فقد ذكر في التاترخانية من كتاب الحيل لو أقر أن لهذا الصغير عليّ ألف درهم قرضاً
أقرضنيه أو من ثمن مبيع باعينه صح الإقرار مع أن الصبي ليس من أهل البيع والقرض
ولا يتصور أن يكون منه، لكن إنما يصح باعتبار أن هذا المقر محل لثبوت الدين للصغير
عليه في الجملة اهـ.
أقول: قال المحشي الحموي: هل منه ما إذا أقرت عقب العقد أن مهرها لزيد
مثلاً. قال في شرح المنظومة والقنية: إذا أقرت وقالت المهر الذي لي على زوجي لفلان أو
لولدي فإنه لا يصح اهـ.
ويؤخذ من هذا واقعة الفتوى أن الرجل لو أقر لزوجته بنفقة مدة ماضية هي فيها
ناشرة ومن غير سبق قضاء أو رضا وهي معترفة بذلك فإقراره باطل لكونه محالاً شرعاً.
قال بعض الفضلاء: وقد أفتيت أخذاً من ذلك بأن إقرار أم الولد لمولاها بدين
لزمها بطريق شرعي باطل شرعاً، وإن كتب به وثيقة لعدم تصور دين للمولى على أم ولده
إذ الملك له فيها كامل والمملوك لا يكون عليه دين لمالكه اهـ.
وفي الحموي أن عدم صحة إقرار المرأة بالمهر الذي لها على زوجها لوالدها لكونه
هبة دين لغيره من عليه الدين، ومنه ما إذا أقر أنه باع عبده من فلان ولم يذكر الثمن ثم
جحد صح جحوده، لأن الإقرار بالبيع بغیر ثمن باطل کما في قاضیخان، وهو إحدى
روايتين كما في الولوالجية. ومنه إذا زوج بنته ثم طلبوا منه أن يقر بقبض شيء من
الصداق فالإقرار باطل لأن أهل المجلس يعرفون أنه كذب. الولوالجية.
قال في البيري: يؤخذ منه حكم كثير من مسائل الإقرار الواقعة في زماننا. قوله:
(وبالدين بعد الإبراء منه الخ) قيد به لأن إقراره بالعين بعد الإبراء العام صحيح مع أنه
أمن الأعيان في الإبراء العام كما صرح به في الأشباه. وتحقيق الفرق في رسالة الشرنبلالي
في الأبراء العام.

٢٨٣
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
قال الطحطاوي: صورة المسألة: وهبت لزوجها مهرها ثم أقر به بعد الهبة لا يصح
إقراره. وهذا لا ينافي ما ذكره العلامة عبد البر نقلاً عن الخلاصة والصغرى قال: رجل
أقر لامرأته بمهر ألف درهم في مرض موته ومات ثم أقامت الورثة البينة أن المرأة وهبت
مهرها من زوجها في حياة الزوج لا تقبل لاحتمال الإبانة والإعادة على المهر المذكور، لكن
في فصول العمادي ما يقتضي أن الإقرار إنما يصح بمقدار مهر المثل ا هـ ملخصاً. ثم نقلًا
عن المصنف أن الهبة في المهر تخالف الإبراء، فلو أبرأته منه ثم أقر به لا يصح إقراره.
انتهت عبارة الطحطاوي.
قال في جامع الفصولين: برهن أنه أبرأني عن هذه الدعوى ثم ادعى المدعي ثانياً أنه
أقر لي بالمال بعد إبرائي، فلو قال المدعى عليه أبرأني وقبلت الإبراء وقال صدقته فيه لا
يصح الدفع: يعني دعوى الإقرار، ولو لم يقله يصح الدفع لاحتمال الرد، والإبراء يرتد
بالرد فيبقى المال عليه، بخلاف قبوله إذ لا يرتد بالرد بعده اهـ. لكن كلامنا في الإبراء
عن الدين، وهذا في الإبراء عن الدعوى.
وفي الرابع والعشرين من التاترخانية: ولو قال أبرأتك مما لي عليك فقال عليّ ألف
قال صدقت فهو بريء استحساناً. لا حق لي في هذه الدار فقال كان لك سدس فاشتريته
منك فقال لم أبعه فله السدس، ولو قال خرجت من كل حق لي في هذه الدار أو برئت
منه إليك أو أقررت لك فقال الآخر اشتريتها منك فقال لم أقبض الثمن فله الثمن اهـ.
وفيها عن العتابية: ولو قال لا حق لي قبله بريء من كل عين ودين، وعلى هذا
لو قال فلان بريء مما لي قبله دخل المضمون والأمانة، ولو قال هو بريء مما لي عليه
دخل المضمون دون الأمانة، ولو قال هو بريء مما لي عنده فهو بريء من كل شيء
أصله أمانة، ولا يبرأ عن المضمون، ولو ادعى الطالب حقاً بعد ذلك وأقام بينة: فإن
كان أرخ بعد البراءة تسمع دعواه وتقبل بينته، وإن لم يؤرخ فالقياس أن تسمع ويحمل
على حق وجب بعدها. وفي الاستحسان: لا تقبل بينته انتهى. قال بعض الفضلاء بعد
أن ذكر عبارة جامع الفصولين المذكورة: فهذا أولى بالاستثناء مما ذكره وسيذكره المصنف
في بيان الساقط لا يعود، وبحث فيه بعض الفضلاء بأنه لا أولوية ولا مساواة عند
التأمل، لأن هنا إنما صحت دعواه لاحتمال الرد كما اعترف به. وأما ما استثناه
المصنف فالمقصود بالهبة الهبة المعتبرة شرعاً المشتملة على الإيجاب والقبول وشرط الصحة
واللزوم لأنها عند الإطلاق تنصرف إلى الكاملة.
هذا، وعندي في كون هذا الفرع داخلًا تحت الأصل المذكور في التاتر خانية نظر
يعرف بالتأمل في كلامهم، لأنه إنما جاز ذلك لأنه يجعل زيادة في المهر، والزيادة في المهر

٢٨٤
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
الأشبه؛ نعم لو ادعى ديناً بسبب حادث بعد الإبراء العام وأنه أقر به يلزمه. ذكره
المصنف في فتاويه.
قلت: ومفاده أنه لو أقر ببقاء الدين أيضاً فحكمه كالأول وهي واقعة
الفتوى، فتأمل الفعل في المرض أحط من فعل الصحة، إلا مسألة إسناد الناظر
النظر لغيره بلا شرط فإنه صحيح في المرض لا في الصحة تتمة. وتمامه في الأشباه
جائزة عندنا. وأما ما وقع الإبراء منه وسقط فلا يعود لأن الساقط لا يعود. وعبارة
البزازية تفید ما قلته بعينه.
قال في المحيط: وهبت المهر منه ثم قال اشهدوا أن لها عليّ مهر كذا فالمختار عند
الفقيه أن إقراره جائز، وعليه المهر المذكور إذا قبلت لأن الزيادة لا تصح بلا قبولها.
والأشبه أن لا يصح ولا تجعل زيادة بغير قصد الزيادة، فاستثناؤه في غير محله كما لا
يخفى. كذا في الحواشي الحموية، ويأتي أواخر الباب إن شاء الله تعالى. قوله: (ذكره
المصنف في فتاوته) ونصه: سئل عن رجلين صدر بينهما إبراء عام ثم إن رجلاً منهما بعد
الإبراء العام أقر أن في ذمته مبلغاً معيناً للآخر فهل يلزمه ذلك أم لا؟ أجاب: إذا أقر
بالدين بعد الإبراء منه لم يلزمه كما في الفوائد الزينية نقلاً عن التاترخانية. نعم إذا ادعى
عليه ديناً بسبب حادث بعد الإبراء العام وأنه أقر به يلزمه انتهى. وانظر ما في إقرار
تعارض البينات لغانم البغدادي. قوله: (قلت ومفاده) أي مفاد تقييد اللزوم بدعواه
بسبب حادث. قوله: (أنه) أي الغريم. قوله: (ببقاء الدين) أي الذي أبرأه منه فليس
ديناً حادثاً: أي بأن ما أبرأني منه باق في ذمتي، والفرق بين هذا وبين قوله السابق
وبالدين بعد الإبراء منه أنه قال هناك بعد الإبراء لفلان عليّ كذا وفي الثانية قال دين
فلان باق عليّ، والحكم فيهما واحد وهو البطلان. تأمل. قوله: (فحكمه كالأول) أي
الإقرار بالدين بعد الإبراء منه: أي فإنه باطل. قوله: (الفعل في المرض) كالإقرار فيه
بدين وكالتزوج والعتق والهبة والمحاباة. قوله: (أحط من فعل الصحة) فإن الإقرار فيه
بدين مؤخر عن دين الصحة والتزوج ينفذ فيه بمهر المثل وتبطل الزيادة، بخلاف الصحة
والعتق وما بعده في المرض تنفذ من الثلث، وفي الصحة من الكل. قوله: (إلا في مسألة
إسناد الناظر النظر لغيره) المراد بالإسناد التفويض، فإنه إذا فوضه في صحته لا يصح إلا
إذا شرط له التفويض، وإذا فوضه في مرضه صح. قوله: (بلا شرط) أي شرط الواقف
التفويض له، أما إذا كان هناك شرط فيستويان. قوله: (تتمة) أي انتهى من التتمة،
وهي اسم كتاب.
والحاصل: أن الناظر إذا فوّض النظر لغيره فتارة يكون بالشرط وتارة لا، وعلى كل
إما في الصحة أو في المرض، وقد تقدم في الوقف فارجع إليه. قوله: (وتمامه في الأشباه)

٢٨٥
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
وفي الوهبانية: [الطويل]
أقرّ بمهر المثل في ضعف مَوْته فَبَينةُ الإِيهَابِ مِنْ قَبْلِ تْدَرُ
قال فيها بعد عبارة التتمة: وفي كافي الحاكم من باب الإقرار في المضاربة: لو أقر المضارب
بربح ألف درهم في المال ثم قال غلطت أنها خمسمائة لم يصدق وهو ضامن لما أقر به
انتھی.
اختلفا في كون الإقرار للوارث في الصحة أو في المرض فالقول لمن ادعى أنه في
المرض، وفي كونه في الصغر أو البلوغ فالقول لمن ادعى الصغر. كذا في إقرار البزازية:
ولو طلق أو أعتق ثم قال کنت صغيراً فالقول له وإن أسند إلى حال الجنون، فإن كان
معهوداً قبل، وإلا فلا.
مات المقر فبرهن وارثه على الإقرار ولم يشهدوا له أن المقر له صدق المقر أو كذبه
تقبل كما في القنية.
أقر في مرضه بشيء وقال كنت فعلته في الصحة كان بمنزلة الإقرار بالمرض من غير
١
إسناد إلى زمن الصحة.
قال في الخلاصة: لو أقر في المرض الذي مات فيه أنه باع هذا العبد من فلان في
صحته وقبض الثمن وادعى ذلك المشتري فإنه يصدق في البيع، ولا يصدق في قبض الثمن
إلا بقدر الثلث.
وفي العمادية: لا يصدق على استيفاء الثمن إلا أن يكون العبد قد مات قبل مرضه
انتهى. وتمامه في شرح ابن وهبان انتهى. قوله: (أقر بمهر المثل) هو إصلاح بيت
الوهبانية لشارحها ابن الشحنة، وبيت الأصل: [الطويل]
أَقَرَّ بِأَلفِ مَهْرُهَا صَحَّ مُشْرِفَا وَلَوْ وَهَبَتْ مِنْ قَبْلُ لَيْسَ يُغَيرُ
وصورتها: مريض مرض الموت أقر لزوجته بألف مهرها ثم مات فأقامت ورثته بينة
أن المرأة وهبت مهرها لزوجها قبل مرضه لا تقبل والمهر لازم بإقراره. وفي فصول
العمادي ما يقتضي أن ذلك إذا كان بمقدار مهر المثل، وقد تقدم ذلك قريباً فلا تنسه،
وسيأتي قريباً. قال ابن الشحنة: ومسألة البيت من الخلاصة والصغرى.
أقول: وقيد بمهر المثل، إذ لو كان الإقرار بأزيد منه لم يصح، ولا ينافي هذا ما
قدمه الشارح من بطلان الإقرار بعد الهبة لاحتمال أنه أبانها ثم تزوجها على المهر المذكور
في هذه الصورة. وفيه أن الاحتمال موجود ثمة. تأمل. قوله: (فبينة الإيهاب) أي لو
أقامت الورثة البينة ومثله الإبراء كما حققه ابن الشحنة. قوله: (من قبل تهدر) أي البينة
في حال الصحة أن المرأة وهبت مهرها من زوجها في حياته لا تقبل، وهذا ظاهر على قول

٢٨٦
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
وَإِسْناهُ بَيْع فيهِ للصِّحة آقْبَلن وَفيِ القَبْضِ مِنْ تُلْثِ التُراثِ يُقَدَّرُ
وَلَيْسَ بِإِشْهَادِ مُقِراً.
. نَعُدَّهُ وَلَوْ قَالَ لَا تُخْبِرْ فَخُلْفٌ يُسَطَّرُ
الفقيه الذي اختاره. وأما على المذهب فيظهر لي أن الإقرار بعد الهبة هو المهدر، لأنهم
على ما يظهر فرضوا هذا الخلاف في الصحة فيكون في المرض بالأولى، قال في المنح: أقر
بالدين بعد الإبراء منه لم يلزمه إلا إذا أقر لزوجته بمهر بعد هبتها المهر منه على ما اختاره
الفقيه ويجعل زيادة على المهر إن قبلت، والأشبه خلافه لعدم قصد الزيادة اهـ. ومر نحوه
قريباً فلا تنسه. قوله: (وإسناد بيع) بالنصب مفعول لأقبلن أو مبتدأ خبره جملة اقبلن.
قوله: (فيه) أي في مرض موته. قوله: (اقبلن) أي إذا صدقه المشتري.
وصورة المسألة كما في المنتقى: لو أقر في المرض الذي مات فيه أنه باع هذا العبد
من فلان في صحته وقبض الثمن وادعى ذلك المشتري فإنه يصدق في البيع، ولا يصدق في
قبض الثمن إلا بقدر الثلث. هذه مسألة النظم إلا أنه أغفل فيه تصديق المشتري ابن
الشحنة. وفي العمادية: لا يصدق على استيفاء الثمن إلا أن يكون العبد قد مات قبل موته
اهـ.
أقول: عدم التصديق في القبض يفيد عدم نفاذ المحاباة في هذا البيع، ويشهد له ما
في شرح تحفة الأقران: أقر في مرضه بشيء وقال كنت فعلته في الصحة كان بمنزلة الإقرار
في المرض من غير إسناد إلى زمن الصحة اهـ. وارجع إلى ما قدمناه أوائل إقرار المريض عند
قوله وإبرائه مديونه ولا تغفل. قوله: (التراث) أي الميراث. قوله: (وليس بلا تشهد الخ)
هذا تصويب العلامة عبد البر لا بيت الأصل وهو: [الطويل]
وَلَيْسٌ بِإِقْرَارٍ مَقَالَةُ لَا تَكُنْ شَهِيداً وَلَا تُخْبْ يُقَالُ فَيْظَرُ
ملخصه أنه لو قال لا تشهد أن لفلان عليّ كذا لا يكون إقراراً بالاتفاق، وإن قال
لا تخبره أن له عليّ كذا من حقه أو لحقه اختلف فيه. قال الكرخي وعامة مشايخ بلخ:
أن الصحيح أنه ليس بإقرار وقال مشايخ بخارى: الصواب أنه إقرار. قال في القنية
والمنية: هو الصحيح.
والفرق على كونه إقراراً أن النهي عن الشهادة نهي عن زور يشهد به، والنهي عن
خبر استكتام علمه عليه، وقوله تشهد بسكون الدال المهملة. قوله: (نعده) بالنون وتشديد
الدال: أي لا نعد ذلك في حكم الإقرار. قوله: (فخلف) قال المقدسي: ذكر محمد أن
قوله لا تخبر فلاناً أن له عليّ ألفا إقرار.
وزعم السرخسي أن فيه روايتين. قال ط: ينظر فيما إذا قاله ابتداء، وذكر رواية

٢٨٧
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
وَمَنْ قَالَ مِلْكِي ذَا لِذَا كَانَ مُنْشِئاً وَمَنْ قَالَ هَذَا مِلْكُ ذَا فَهْوَ مُظْهِرُ
وَمِنْ قَالَ لَا دَعْوَى لي اليَوْمَ عِنْدَذَا فَمَا يُدَّعَى مِنْ بَعْدُ مِنْهَا فَمُنْكَرُ
الکرخي ومشایخ بلخ ورواية مشایخ بخاری المذكورتين. ثم قال: وجه كونه إقراراً أن
النهي عن الإخبار يصح مع وجود المخبر عنه لقوله تعالى - وإذا جاءهم أمر من الأمن أو
الخوف أذاعوا به . ذمهم على الإخبار مع وجود المخبر عنه، ومن شرط صحة الإخبار عنه
في الإثبات فكذلك في النفي، فكأنه أثبت المخبر عنه، وكأنه قال لفلان عليّ ألف درهم
فلا تخبره بأن له عليّ ذلك، ولو قال ذلك كان إقراراً اهـ. ووجه كونه غير إقرار ما تقدم
في لا تشهد، ومسألتا البيت المذكورتان من قاضيخان من المنتقى. قوله: (ومن قال ملكي
الخ) ملخصه: ولو أضاف الشيء إلى نفسه فقال ملكي هذا المعين لفلان كان هبة يقتضي
التسليم فلا يتم إلا به، وإن لم يضفه إلى نفسه كان إظهاراً وإقراراً لا يقتضي التسليم، وهبة
الأب لصغيره تتم بالإيجاب فلا يحتاج لقبض ابنه الصغير.
والحاصل: أنه إذا قال ملكي ذا لهذا الشخص كان منشئاً لتمليكه فيعتبر فيه شرائط
الهبة، ومن قال هذا ملك ذا فهو مظهر: أي مقر ومخبر فلا يشترط فيه شروط الهبة.
قوله: (لذا) أي لهذا الشخص. قوله: (كان منشئاً) أي لتمليكه هبته. قوله: (فهو مظهر)
أي مقر وخبر ومسألة البيت من قاضيخان من الملتقى. قوله: (ومن قال لا دعوى لي
اليوم) صورتها: قال لآخر لا دعوى لي عليك اليوم فلا تسمع دعواه بعد ذلك اليوم بما
تقدم لأنه إبراء عام حتى يتجدد له غيره عليه بعده، وكذا لو قال تركته أصلاً فهو إبراء
وكذا لو قال تركت دعواي على فلان وفوّضت أمري إلى الآخرة لا تسمع دعواه بما لم
يتجدد بعد الإبراء، والله تعالى أعلم كما في الشرنبلالية: أي ولو إرثاً حيث علم بموت
مورثه وقته. بزازية.
وفي الخلاصة: أبرأه عن الدعاوى والخصومات ثم ادعى عليه مالاً بالإرث عن
أبيه: إن مات أبوه قبل إبرائه صح الإبراء ولا تسمع دعواه، وإن لم يعلم بموت الأب
عند الإبراء ا هـ. وتقدم ذلك. قوله: (لي اليوم) بتحريك الياء من لي. قوله: (منها) أي
من دعاوى اليوم أو ما تقدمه، أماإذا كان بسبب حادث فتسمع كما سمعت. قوله:
(فمنكر) بتخفيف الكاف مع إشباع الراء: أي ينكره الشرع، ولا يقبله.
أقول: ومسألة البيت من القنية على ما نقله صاحب الفوائد عنها، والله تعالى أعلم،
وأستغفر الله العظيم.

٢٨٨
كتاب الصلح
كِتَابُ الضُّلْحِ
مناسبته أن إنكار المقر سبب للخصومة المستدعية للصلح.
(هو) لغة: اسم من المصالحة. وشرعاً: (عقد يرفع النزاع) ويقطع الخصومة.
(وركنه: الإيجاب) مطلقاً (والقبول) فيما يتعين، أما فيما لا يتعين كالدراهم
فيتم بلا قبول. عناية وسيجيء.
(وشرطه العقل لا البلوغ والحرية
كِتَابُ الصَّلْحِ
قوله: (مناسبته الخ) يعني أن الصلح يتسبب عن الخصومة المترتبة على إنكار المقر
إقراره: أي فتناسب الصلح والإقرار بواسطتين ولكنها مناسبة خفية. والأظهر أن يقال: إن
الصلح یکون عن الإقرار في بعض وجوهه كما سيبينه، فلذا ذكره بعده ثم ذكر معه قسميه
تتميماً للفائدة. قوله: (المقر) الصواب: المدعى عليه كما في الدرر قوله: (اسم من
المصالحة) وهي المسالمة، والأولى اسم للمصالحة والتصالح خلاف المخاصمة والتخاصم،
وأصله من الصلاح وهو استقامة الحال على ما يدعو إليه العقل، ومعناه دالّ على حسنه
الذاتي، وكم من فساد انقلب به إلى الصلاح، ولهذا أمر الله تعالى به عند حصول الفساد
والفتن بقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينِ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنِهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].
﴿وَالصُّلْحُ خَير﴾ [النساء: ١٢٨] والصالح: المستقيم الحال في نفسه. ذكره القهستاني.
وفي صلاة الجوهرة: الصالح القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد، وإنما ذكر
الضمير بقوله هو لكونه مما يذكر ويؤنث كما في الصحاح. قوله: (ويقطع الخصومة) عطف
تفسير كما يفيده الحموي، فإنه فسر رفع النزاع بقطع الخصومة. قوله: (مطلقاً) أي فيما
يتعين وفيما لا يتعين. قوله: (فيما يتعين) إنما اشترط القبول لأنه ليس من الإسقاط حتى
يتم بالمسقط وحده لعدم جريانه في الأعيان ط. قوله: (فيتم بلا قبول) أي من المطلوب إذا
بدأ هو بطلبه، بأن ادعى شخص على شخص دراهم ونحوها فطلب المدعى عليه الصلح
على نصفها فقال المدعي صالحتك على ذلك، فلا يشترط قبول المدعى عليه لأن ذلك
إسقاط من المدعي وهو يتم بالمسقط وحده، وهذا إنما يظهر في صورة الإقرار ط.
والحاصل: أن الموجب هو المدعي فيشترط قبول المدعى عليه فيما يتعين لا فيما لا
يتعين. وأما إذا كان الموجب هو المدعى عليه فلا بد من القبول من المدعي مطلقاً سواء فيه
ما يتعين وما لا يتعين. قوله: (وسيجيء) أي قريباً. قوله: (العقل) لا حاجة إليه لأنه
شرط في جميع العقود والتصرفات الشرعية، فلا يصح صلح مجنون وصبيّ لا يعقل. درر.
وكذا لا يصح صلح المعتوه والنائم والمبرسم والمدهوش والمغمى عليه إذ ليس لهم قصد

٢٨٩
كتاب الصلح
فصح من صبي مأذون إن عري) صلحه (عن ضرر بين و) صح (من عبد مأذون
ومكاتب)
شرعي؛ وخص بذكرهما لكونهما منصوصاً عليهما بعدم جريان الأحكام الفرعية عليهما
فيدخل حكم هؤلاء في حكمهما بالدلالة أو بالقياس، لأن حالهم كحالهما بل أشد تارة.
صرح به في الفصول. وأما السكران فلا يدخل فيهم لأنه مخاطب زجراً له وتشديداً عليه
لزوال عقله بمحرم، ولذلك قال في منية المفتي: صلح السكران جائز.
أقول: قد سبق في كتاب الطلاق وفي شتى الإقرار إنما هو عند أكثر أئمتنا. وأما
الكرخي والطحاوي ومحمد بن سلام قالوا بعدم وقوعه فيجري على الخلاف المذكور،
لكن علمت أن الأصح الوقوع، وعليه فينبغي صحة صلحه على الأصح. قوله: (فصح
من صبي مأذون) ويصح عنه بأن صالح أبوه عن داره وقد ادعاها مدع وأقام البرهان
ط. قوله: (إن عري) بكسر الراء: أي خلا، وأما بفتحها فمعناه حلّ ونزل. قوله:
(عن ضرر بين) بأن كان نفعاً محضاً أو لا نفع فيه ولا ضرر أو فيه ضرر غير بين؛ فإذا
ادعى الصبي المأذون على إنسان ديناً وصالحه على بعض حقه، فإن لم يكن له عليه بينة
جاز الصلح إذ عند انعدامها لا حق له إلا الخصومة والحلف والمال أنفع منهما، وإن
كانت البينة لم يجز لأن الحط تبرّع وهو لا يملكه، ومثال ما لا ضرر فيه ولا نفع: صلحه
عن عين بقدر قيمتها، ومثال ما لا ضرر فيه بين: ما إذا أخر الدين فإنه يجوز لأنه من
أعمال التجارة ط.
أقول: وهذا ظاهر في الصبي والمكاتب والمأذون المديون. وأما المأذون الغير المديون
فينبغي صحة صلحه كيفما كان حيث كان بإذن سيده لأنه وما في يده لمولاه فيكون صلحه
كصلح مولاه، ولا حق في ماله لغريم كالمديون ولا تصرفه منوط بالمصلحة کالصبي
والمكاتب، تأمل. قوله: (وصح من عبد مأذون) لو لم يكن فيه ضرر بين، لكنه لا يملك
الصلح على حط بعض الحق إذا كان له عليه بينة ويملك التأجيل مطلقاً وحط بعض الثمن
للعيب لما ذكر، ولو صالحه البائع على حط بعض الثمن جاز لما ذكر في الصبي المأذون كما
في الدرر. قوله: (ومكاتب) فإنه نظير العبد المأذون في جميع ما ذكر لأنه عبد ما بقي عليه
درهم، فإن عجز المكاتب فادعى عليه رجل ديناً فاصطلحا أن يأخذ بعضه ويؤخر بعضه،
فإن لم يكن له عليه بينة لم يجز لأنه لما عجز صار محجوراً فلا يصح صلحه. درر.
أقول: قوله فادعى عليه رجل ديناً: أي كان في زمن كتابته إلا أن الصلح واقع بعد
العجز، هذا هو المراد، فحينئذ لا یکون الشرط الثاني مستغنی عنه، وقید به لأنه لو كان
للمدعي بينة صلح المحجور لا من حيث إنه محجور بل من حيث أن دينه دين في زمن
کتابته. تدبر .

٢٩٠
كتاب الصلح
لو فيه نفع (و) شرطه أيضاً (كون المصالح عليه معلوماً إن كان يحتاج إلى قبضه و)
وأقول: ومثل المكاتب المعتوه المأذون فإنه نظير العبد المأذون على ما سبق. قوله:
(ولو فيه نفع) لو قال لو لم يكن فيه ضرر بين لكان أولى، ليشمل ما إذا لم يكن فيه نفع
ولا ضرر أو كان فيه ضرر غير بين كما تقدم أمثلة ذلك قريباً. قوله: (معلوماً) سواء كان
مالاً أو منفعة، بأن صالح على خدمة عبد بعينه سنة أو ركوب دابة بعينها أو زراعة أرض
أو سكنى دار وقتاً معلوماً فإنه يجوز ويكون في معنى الإجارة، وخرج ما لم يكن كذلك،
فلا يصح الصلح عن الخمر والميتة والدم وصيد الإحرام والحرم ونحو ذلك، لأن في
الصلح معنى المعاوضة، فما لا يصلح للعوض والبيع لا يصلح عوضاً في الصلح ط. قال
في المنح: أن يكون معلوماً بذكر المقدار في مثل الدراهم فيحمل على النقد الغالب في
البلد، ويذكر المقدار والصفة في نحو برّ، وبمكان التسليم أيضاً عند أبي حنيفة، وبالأجل
أيضاً في نحو ثوب، وبإشارة وتعيين في نحو حيوان كما في العمادية، لأن جهالة البدل
تفضي إلى النازعة فيفسد الصلح !لنتهى.
قال في جامع الفصولين عازياً للمبسوط: الصلح على خمسة أوجه:
صلح على دارهم أو دنانير أو فلوس، فيحتاج إلى ذكر القدر.
الثاني: على تبر أوكيلي أو وزني مما لا حمل له، ولا مؤنة، فيحتاج إلى قدر وصفة،
إذ یکون جيداً أو وسطاً أو رديئاً فلا بد من بيانه.
الثالث: علی کیلي أو وزني مما له حمل ومؤنة، فیحتاج إلى ذكر قدر وصفة ومكان
تسليمه عند أبي حنيفة كما في السلم ..
الرابع: صلح على ثوب، فيحتاج إلى ذكر ذرع وصفة وأجل إذ الثوب لا يكون ديناً
إلا في السلم وهو عرف مؤجلاً.
الخامس: صلح على حيوان، ولا يجوز إلا بعينه، إذ الصلح من التجارة والحيوان لا
يصلح ديناً فيما انتهى. قوله: (إن كان يحتاج إلى قبضه) فإن كان لا يحتاج إلى قبضه لا
يشترط معلوميته مثل أن يدعي حقاً في دار رجل وادعى المدعى عليه حقاً في أرض بيد
المدعي فاصطلحا على ترك الدعوى جاز وإن لم يبين كل منهما مقدار حقه، لأن جهالة
الساقط لا تفضي إلى المنازعة كما في الدرر.
قال في العناية: ويفسده جهالة المصالح عليه لأنها تفضي إلى المنازعة دون جهالة
المصالح عنه لأنه يسقط، وهذا ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل، وهو أن الصلح باعتبار
بدليه على أربعة أوجه: إما أن يكون عن معلوم على معلوم وهو جائز لا محالة، وإما أن
يكون عن مجهول على مجهول، فإن لم يحتج فيه إلى التسليم والتسلم، مثل أن يدعي حقاً في
دار رجل وادعى المدعى عليه حقاً في أرض بيد المدعي فاصطلحا على ترك الدعوى جاز

٢٩١
كتاب الصلح
كون (المصالح عنه حقاً يجوز الاعتياض عنه ولو) كان غير مال كالقصاص والتعزير
(معلوماً كان) المصالح عنه (أو مجهولًا لا) يصح (لو) المصالح عنه (مما لا يجوز
وإن احتيج إليه، وقد اصطلحا على أن يدفع أحدهما مالًا ولم يبينه على أن يترك الآخر
دعواه أو على أن يسلم إليه ما ادعاه لم يجز، وإما أن يكون عن مجهول على معلوم وقد
احتيج إليه إلى التسليم، كما لو ادعى حقاً في دار يد رجل ولم يسمه فاصطلحا على أن
يعطيه المدعي مالاً معلوماً ليسلم المدعى عليه ما ادعاه وهو لا يجوز، وإن لم يحتج فيه إلى
التسليم كما إذا اصطلحا في هذه الصورة على أن يترك المدعي دعواه جاز، وإما أن يكون
عن معلوم على مجهول وقد احتيج فيه إلى التسليم لا يجوز، وإن لم يحتج إليه جاز.
والأصل في ذلك أن الجهالة المفضية للمنازعة المانعة عن التسليم والتسلم هي المفسدة، فما
لا يجب التسلم والتسليم جاز، وما وجبا فيه لم يجز مع الجهالة، لأن القدرة على تسليم
البدل شرط لكونه في معنى البيع انتهى .. قوله: (وكون المصالح عنه حقاً) أي للمصالح
ثابتاً في المحل لا حقاً لله تعالى فخرج بقولنا: أي للمصالح ما إذا ادعت مطلقة على زوجها
أن صبياً في يد أحدهما ابنها منه فصالحها على شيء لتترك الدعوى فإنه يبطل، لأن النسب
حق الصبي لا حقهما فلا تملك الاعتياض عن حق غيرها. وخرج بقولنا ثابتاً في المحل
مصالحة الكفيل بالنفس على مال على أن يبرئه من الكفالة، لأن الثابت للطالب حق
المطالبة بتسليم نفس الأصيل، وهو عبارة عن ولاية المطالبة وأنها صفة الوالي فلا يجوز
الصلح عنه كما يأتي.
واختلفت الرواية في بطلان الكفالة كما في الكافي، والأصح بطلانها كما في منية
المفتي، وبه يفتى كما في العناية والبيانية: وبقي من الشروط قبض بدله إن كان ديناً بدين،
وإلا لا كما سيأتي. قوله: (كالقصاص) في النفس، إنما جاز الصلح عنه لأن المحل فيه
يصير مملوكاً في حق الاستيفاء فكان الحق ثابتاً في المحل فيملك الاعتياض عنه بالصلح ط.
قوله: (والتعزير) الذي هو حق العبد كأن صالحه عن سبه بما دون قذف. أما التعزير الذي
هو حق الله تعالى كقبلة من أجنبية فالظاهر عدم صحة الصلح عنه، لأن الصلح لا يكون إلا
من صاحب الحق كما أفاده الرحمتي. قوله: (أو مجهولًا) كأن ادعى عليه قدراً من المال
فصولح أو ادعى عليه القصاص ولم يبين أنه في نفس أو طرف أو شتمه ولم يبين بماذا
شتمه، وتقدم في باب الاستحقاق صحة الصلح عن مجهول على معلوم، لأن جهالة الساقط
لا تفضي إلى المنازعة، ولأن المصالح عنه ساقط فهو مثل الإبراء عن المجهول فإنه جائز
عندنا لما ذكر؛ بخلاف عوض الصلح، فإنه لما كان مطلوب التسليم اشترط كونه معلوماً لئلا
يفضي إلى المنازعة، وانظر ما تقدم عن الفتح أواخر العيب، وكونه مجهولاً: أي بشرط أن
يكون مالاً يحتاج إلى التسليم كترك الدعوى مثلاً، بخلاف ما لو كان عن التسليم المدعى به.

٢٩٢
كتاب الصلح
الاعتياض عنه) وبينه. بقوله: (كحق شفعة وحدّ قذف
قال في جامع الفصولين: ادعى عليه مالاً معلوماً فصالحه على ألف درهم وقبض
بدل الصلح وذكر في آخر الصك وأبرأ المدعي عن جميع دعواه وخصوماته إبراء صحيحاً
عاماً، فقيل لم يصح الصلح لأنه لم يذكر قدر المال المدعى به، ولا بد من بيانه ليعلم أن
هذا الصلح وقع معاوضة أو إسقاطاً أو وقع صرفاً شرط فيه التقابض في المجلس أو لا،
وقد ذكر قبض بدل الصلح ولم يتعرض لمجلس الصلح، فمع هذا الاحتمال لا يمكن
القول بصحة الصلح. وأما الإبراء فقد حصل على سبيل العموم فلا تسمع دعوى المدعي
بعده للإبراء العام لا للصلح.
قال في البحر: والجهالة فيه إن كانت تفضي إلى المنازعة كوقوعها فيما يحتاج إلى
التسليم منعت صحته، وإلا لا، فبطل إن كان المصالح عليه، أو عنه مجهولاً لا يحتاج إلى
التسليم كصلحه بعد دعواه مجهولاً على أن يدفع له مالاً ولم يسمه اهـ.
أقول: لكن في قول جامع الفصولين: ولا بد من بيانه نظر، لأن المال بالصورة
معلوم بدليل قوله أول عبارته: ادعى عليه مالاً معلوماً، والظاهر أن لفظ معلوماً زائد
حتى يتم المراد تأمل. قوله: (كحق شفعة) يعني إذا صالح المشتري الشفيع عن الشفعة
التي وجبت له على شيء على أن يسلم الدار للمشتري فالصلح باطل، إذ لا حق للشفيع
في المحل سوى حق التمليك، وهو ليس بأمر ثابت في المحل، بل هو عبارة عن ولاية
الطلب، وتسليم الشفعة لا قيمة له فلا يجوز أخذ المال في مقابلته كما في الدرر وأطلقه.
وهو على ثلاثة أوجه: أن يصالح على دراهم معلومة على أن يسلم الدار للمشتري، وأن .
يصالح على بيت معين منها بحصته من الثمن وأن يصالح على نصف الدار بنصف الثمن،
ففي الأولين يبطل الصلح وكذا الشفعة في الأول، ويصح الصلح في الثالث والشفعة لا
تبطل فيه وفي الثاني كما في المبسوط وغيره فظهر أن المراد بقول الدرر على شيء: دراهم
معلومة ونحوها. قوله: (وحد قذف) بأن قذف رجلاً فصالحه على مال على أن يعفو عنه،
لأنه وإن كان للعبد فيه حق فالغالب فيه حق الله تعالى والمغلوب ملحق بالمعدوم، وكذلك
لا يجوز الصلح عن حق الله تعالى ولو مالياً کالزكاة، ولا حد الزنا والسرقة وشرب
الخمر، بأن أخذ زايناً أو سارقاً من غيره أو شارب خمر فصالحه على مال على أن لا يرفعه
إلى وليّ الأمر لأنه حق الله تعالى، ولا يجوز عنه الصلح لأن المصالح بالصلح يتصرف إما
باستيفاء كل حقه أو استيفاء بعضه وإسقاط الباقي أو بالمعاوضة، وكل ذلك لا يجوز في
غير حقه كما في الدرر. وإنما لا يجوز الصلح عن حقوقه تعالى لأن الأصل فيه أن
الاعتياض عن حق الغير لا يجوز، والحدود المشروعة لما كانت حقاً لله تعالى خالصاً أو
غالباً، فلا يجوز لأحد أن يصالح على شيء في حق الله تعالى، والمراد من حق الله تعالى ما

٢٩٣
كتاب الصلح
وكفالة بنفس) ويبطل به الأول والثالث، وكذا الثاني لو قبل الرفع للحاكم لا حد
يتعلق به النفع العام لأهل العالم فلا يختص به أحد كحرمة الزنا، فإن نفعه عائد إلى جميع
أهل العالم وهو سلامة أنسابهم وصيانة فرشهم وارتفاع السيف بين العشائر بسبب التنازع
بين الزناة، ولذلك لا يباح الزنا بإباحة المرأة أو أهلها. وإنما نسب إلى الله تعالى مع أن
النفع عائد إلى العباد تعظيماً لأنه متعال عن أن ينتفع بشيء، ولا يجوز أن يكون حقاً له
بجهة التخليق لأن الكل سواء في ذلك، كذا في شرح المنار لجلال الدين. قوله: (وكفالة
بنفس) الوجه فيه كالوجه في سابقه، وقدمنا الكلام عليها قريباً، وقيد الكفالة بكفالة
النفس، لأنه لو صالحه عن كفالة المال يكون إسقاطاً لبعض الدين عنه وهو صحيح.
قوله: (ويبطل به الأول) أي حق الشفعة لرضا الشفيع بسقوط حقه. قوله: (والثالث) أي
كفالة النفس كما قدمناه لرضا الطالب بسقوط حقه. قوله: (وكذا الثاني) أي حد القذف.
قوله: (لو قبل الرفع للحاكم) ظاهره أنه يبطل الصلح أصلًا وهو الذي في الشرنبلالية عن
قاضيخان، فإنه قال: بطل الصلح وسقط الحد إن كان قبل أن يرفع إلى القاضي، وإن كان
بعده لا يبطل الحد، وقد سبق أنه إنما سقط بالعفو لعدم الطلب، حتى لو عاد وطلب
حد.
قال في الأشباه: لا يصح الصلح عن الحد ولا يسقط به حد القذف إن كان قبل
المرافعة كما في الخانية. قال البيري: أي فإن الحد يسقط وإن كان الصلح لم يجز. أما إذا
كان بعد المرافعة فلا يسقط.
أقول: هذا الذي في الخانية ينافي ما ذكره في الإيضاح بأن له أن يطالب بعد العفو
والصلح عن ذلك، فراجعه في الإقرار. وعبارة الأشباه في الإقرار: ولا يملك المقذوف
العفو عن القاذف، ولو قال المقذوف كنت مبطلًا في دعواي سقط الحد. كذا في حيل
التاترخانية من حيل المداينات. قال البيري: قال في الإيضاح: وإذا ثبت الحد لم يجز
الإسقاط ولا العفو، ولذا إذا عفا قبل المرافعة أو أبرأ أو صالح على مال فذلك باطل ويرد
مال الصلح، وله أن يطالبه بالحد بعد ذلك اهـ.
وقدم الشارح في باب حد القذف: ولا رجوع بعد إقرار ولا اعتياض: أي أخذ
عوض ولا صلح ولا عفو فيه وعنه. نعم لو عفا المقذوف فلا حد لا لصحة العفو بل
لترك الطلب؛ حتى لو عاد وطلب حد. شمني. ولذا لا يتم إلا بحضرته؛ فأفاد أنه لا
صلح فلا يسقط، وظاهره ولو قبل المرافعة، ولا يقام إلا بطلب المقذوف في الموضعين إلا
أن يحمل ما في الخانية على البطلان لعدم الطلب، وكذا يقال في حد السرقة فإنه لا يصح
عنه الصالح كما في مجمع الفتاوى، فكان على المصنف والشارح أن يستثنيه أيضاً. قوله:
(لا حد زنا) أي لا يصح الصلح عنه.

٢٩٤
كتاب الصلح
زنا وشرب مطلقاً .
(وطلب الصلح كاف عن القبول من المدعى عليه إن كان المدعى به مما لا
يتعين بالتعيين) كالدراهم والدنانير وطلب الصلح على ذلك، لأنه إسقاط للبعض
وهو يتم بالمسقط (وإن كان مما يتعين) بالتعيين (فلا بد من قبول المدعى عليه) لأنه
كالبيع.
صورته: زنى رجل بامرأة رجل فعلم الزوج وأراد أحدهما الصلح فتصالحا معاً أو
أحدهما على معلوم على أن يعفو كان باطلاً وعفوه باطل، سواء كان قبل الرفع أو بعده.
والرجل إذا قذف امرأته المحصنة حتى وجب اللعان كان باطلاً، وعفوها بعد الرفع باطل
وقبل الرفع جائز. خانية. قوله: (وشرب مطلقاً) أي إذا صالح شارب الخمر القاضي على
أن يأخذ منه مالاً ويعفو عنه لا يصح الصلح ويردّ المال على شارب الخمر سواء كان ذلك
قبل الرفع أو بعده كما في الخانية، فليحفظ، والآن مبتلون بذلك، ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم.
فرع قال في البزازية: وفي نظم الفقه: أخذ سارقاً في دار غيره فأراد رفعه إلى
صاحب المال فدفع له السارق مالاً على أن يكفّ عنه يبطل ويرد البدل إلى السارق، لأن
الحق ليس له، ولو كان الصلح مع صاحب السرقة برىء من الخصومة بأخذ المال، وحد
السرقة لا يثبت من غير خصومة ويصح الصلح اهـ.
وفيها أيضاً: أتهم بسرقة وحبس فصالح ثم زعم أن الصلح كان خوفاً على نفسه،
إن حبس الوالي تصح الدعوى لأن الغالب أنه حبس ظلماً، وإن كان في حبس القاضي لا
تصح لأن الغالب أنه يحبس بحق اهـ.
أقول: وهذا على ما كان في زمنهم من تصرف الوالي برأيه وأما في زماننا فلا فرق
يظهر بينهما فإنهما على السواء حتى صار حبسهما واحداً، إذ لا يحبس الواحد إلا بعد ثبوت
حبسه بوجهه. قوله: (من المدعى عليه) متعلق بالقبول وحذف نظيره من الأول، فإن
المعنى: وطلب الصلح من المدعى عليه. قوله: (كالدراهم والدنانير) الكاف للاستقصاء إذ
ليس معناه مالاً يتعين غيرهما. قوله: (وطلب الصلح) لا حاجة إلى هذه الجملة بعد قول
المتن ((وطلب الصلح كاف)). قوله: (على ذلك) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها ((عن))
بدل ((على)). قوله: (لأنه إسقاط) سيأتي في الصلح في الدين أنه أخذ لبعض حقه وإسقاط
للباقي، لكن ليس ذلك مخصوصاً بما لا يتعين بالتعيين بل كل ما يثبت في الذمة. قوله:
(وهو يتم بالمسقط) هذا يفيد أنه لا يشترط الطلب كما لا يشترط القبول، وإن هذا في
الإقرار كما صرح به الشارح نقلاً عن العناية، فتأمل. قوله: (لأنه كالبيع) أي فتجرى فيه
أحكام البيع فينظر، إن وقع على خلاف جنس المدعي فهو بيع قبض كما يذكره بعد، وإن

٢٩٥
كتاب الصلح
(وحكمه وقوع البراءة عن الدعوى) ووقوع الملك في مصالح وعنه لو مقراً
(وهو صحيح
وقع على جنسه، فإن وقع بأقل من المدعي فهو حط وإبراء، وإن كان مثله فهو قبض
واستيفاء، وإن كان بأكثر منه فهو فضل وربا. قوله: (وحكمه) أي أثره الثابت له. منح.
قال في البحر: وحكمه في جانب المصالح عليه وقوع الملك فيه للمدعي سواء كان
المدعى عليه مقراً أو منكراً، وفي المصالح عنه وقوع الملك فيه للمدعى عليه إن كان مما
يحتمل التمليك كالمال وكان المدعى عليه مقراً به، وإن كان مما لا يحتمل التمليك
كالقصاص ووقوع البراءة كما إذا كان منكراً مطلقاً اهـ. وظاهره أنه لا يملك المصالح عنه
مع الإنكار مع أنه معاوضة في حق المدعي، ولذا يؤخذ منه بالشفعة إن كان عقاراً وهذا
يقتضي أنه يملك. قوله: (وقوع البراءة عن الدعوى) لما مر أنه عقد يرفع النزاع: أي ما لم
يعرض مبطل كاستحقاق البدل، أطلقه فشمل أن حكمه ذلك في أنواعه الثلاثة، حتى لو
أنكر فصالح ثم أقر لا يلزمه ما أقر به، وكذا لو برهن بعد صلحه لا يقبل، ولو برهن
على إقرار المدعي أنه لا حق له من قبل الصلح أو قبل قبض البدل لا يصح الصلح كصلح
بعد الحلف فإنه لا يصح عند الشيخين، خلافاً لمحمد، وصلح مودع يدعي الاستهلاك مع
المودع يدعي الضياع فإنه لا يصح عند الطرفين، خلافاً لأبي يوسف كما في المقدسي.
قوله: (ووقوع الملك) أي للمدعي أو للمدعى عليه. قوله: (في مصالح عليه) أي مطلقاً
ولو منكراً. قوله: (وعنه لو مقراً) قال في المنح: وفي المصالح عنه وقوع الملك فيه للمدعى
عليه إن كان مما يحتمل التملك كالمال وكان المدعى عليه مقراً به إلى آخر ما تقدم عن
البحر. وقوله ((لو مقراً) قيد في قوله ((وعنه)). وأما إذا كان منكراً فالحكم البراءة عن
الدعوى سواء كانت فيما يحتمل التمليك أو لا. أفاده الحموي. قوله: (وهو صحيح)
لقوله تعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيرِ﴾ [النساء: ١٢٨] وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كُلُّ صُلْحِ
جَائِزٌ فِيِمَا بَيْن الْمُسْلِمِينَ، إِلَّ صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرّمَ حَلَالًا))(١) ومعنى جواز الصلح
اعتباره حق يملك المدعي بدل الصلح ولا يسترده المدعى عليه ويبطل حق المدعي في
الدعوى؛ والمراد بقوله: ((صلحاً أحل حراماً) أي لعينه كالخمر، وقوله ((أو حرم حلالاً))
أي لعينه كالمصالحة على ترك وطء الضرة. وأما دفع الرشوة لدفع الظلم فجائز، وليس
بصلح أحل حراماً، ولا بسحت إلا على من أكله.
قال محمد في السير الكبير: بلغنا عن الشعثاء جابر بن زيد أنه قال: ما وجدنا في
زمن الحجاج أو زياد بن زياد شيئاً خيراً لنا من الرشا اهـ.
(١) أخرجه الترمذي ٦٣٤/٣ (١٣٥٢) وقال: حسن صحيح وابن ماجة ٧٨٨/٢ (٢٣٥٣) وأبو داود ١٩/٤
(٣٥٩٤) والحاكم في المستدرك ٤٩/٢ وابن حبان أورده الهيثمي في الموارد (١١٩٩).

٢٩٦
كتاب الصلح
مع إقرار أو سکوت أو إنكار، فالأول) حکمه (کبیع) إن وقع عن مال بمال وحينئذ
(فتجري فيه) أحكام البيع (كالشفعة
قال أبو السعود: ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام ((أُحَلَّ حَرَاماً الخ)) كما إذا
صالح على أن لا يتصرف في بدل الصلح أو أن يجعل عوض الصلح خمراً أو خنزيراً،
وقوله عليه الصلاة والسلام (لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي))(١) والمراد به إذا كان هو الظالم
فيدفعها لبعض الظلمة يستعين بها على الظلم. وأما لدفع الضرر عن نفسه فلا شبهة فيها،
حتى روي عن أبي يوسف أنه أجاز ذلك للوصيّ من مال اليتيم لدفع الضرر عن اليتيم
الخ. رملي. قوله: (مع إقرار الخ) قال الأكمل: الحصر في هذه الأنواع ضروري، لأن
الخصم وقت الدعوى إما أن يسكت أو يتكلم مجيباً وهو لا يخلو عن النفي والإثبات. لا
يقال: قد يتكلم بما لا يتصل بمحل النزاع لأنه سقط بقولنا مجيباً اهـ منح. وقوله ((مع
إقرار)) أطلقه فشمل ما يكون حقيقة وصريحاً وحكماً كطلب الصلح والإبراء عن المال أو
الحق فيرجع إليه بالبيان كما في المحيط، وفيه تفصيل لطيف فراجعه إن شئت. قوله:
(فالأول حکمه کبیع) أي فتجري فیه أحکام البیع فینظر، إن وقع على خلاف جنس
المدعی فهو بيع وشراء كما ذكر هنا، وإن وقع على جنسه، فإن كان بأقل من المدعى فهو
حط وإبراء، وإن كان بمثله فهو قبض واستيفاء، وإن كان بأكثر منه فهو فضل وربا،
ذكره الزيلعي، وقدمناه قريباً.
قال في البحر: فإن وقع عن مال بمال بإقرار اعتبر بيعاً إن كان على خلاف الجنس،
إلا في مسألتين:
الأولى: إذا صالح من الدين على عبد وصاحبه مقر بالدين وقبض العبد ليس له
المرابحة من غير بيان.
الثانية: إذا تصادقا على أن لا دين بطل الصلح، كما لو استوفى عين حقه ثم تصادقا
أن لا دين، فلو تصادقا على أن لا دين لا يبطل الشراء اهـ. قوله: (وحينئذ) زيادة
((حينئذ)) اقتضت زيادة الفاء في ((فتجري)) أي التفريعية في المصنف، وقوله ((فيه)) أي في هذا
الصلح. منح. فيشمل المصالح عنه والمصالح عليه وهو بدل الصلح، حتى لو صالح عن
دار بدار وجب فيهما الشفعة. قوله: (الشفعة) أي ويلزم الشفيع مثل بدل الآخر لو مثلياً
وقيمته لو قيمياً غير عقار، حتى لو كان البدلان عقاراً لا شفعة في واحد منهما. قهستاني.
ثم قال في فصل السكوت والإنكار: تجب الشفعة في الدار المصالح عليها عن دار أو
غيرها فإنه معاوضة في زعم المدعي اهـ. تأمل. هذا مع ما قبله ممعناً.
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣٨٧/٢ والحاكم ١٠٣/٤ والخطيب في التاريخ ٢٥٤/١٠ وذكره في المجمع ١٩٩/٤
والتلخيص ١٨٩/٤.

٢٩٧
كتاب الصلح
والرد بعيب وخيار رؤية وشرط، ويفسده جهالة البدل) المصالح عليه لا جهالة
المصالح عنه لأنه يسقط
والذي يظهر لي أنه إذا كان الصلح عن إقرار على دار بدار تجب الشفعة فيهما لأن
كلَّ منهما عوض عن الثانية، وإن كان عن سكوت أو إنكار فتجب في الدار المصالح
عليها دون الدار المصالح عنها، لأن المعاوضة هنا في الدار المصالح عليها فقط. أما عبارة
القهستاني الأولى فلم أر ما يدل عليها بل صريح النقول يخالفها.
قال في المجلة من كتاب الصلح في المادة الخمسين وخمسمائة بعد الألف ما نصه:
عن إنكار ياخود عن سكوت صلح أو لمق مدعي حقنده معاوضة ومدعى عليه حقنده
يميندن خلاص إيله قطع منازعه در بناء على ذلك مصالح عليه، أو لأن عقار ده شفعة
جريان أيدر إما مصالح عنه، أو لأن عقار ده شفعة جريان ايتمز. قوله: (والرد بعيب)
نحو إذا كان بدل الصلح عبداً مثلاً فوجد المدعي فيه عيباً له أن يرده، وظاهر إطلاقه أنه
يرده بيسير العيب وفاحشه، وقد ذكره الطحاوي. أفاده الحموي وأطلق الرد بالعيب وهو
المراد في الإقرار، قال الطحاوي بالإقرار يرد بيسير وفاحش، وفي الإنكار بالفاحش كخلع
ومهر وبدل صلح عن دم عمد. قوله: (وخيار رؤية) فيرد العوض إذا رآه وكان لم يره
وقت العقد، وكذلك يرد المصالح عنه إن كان لم يره. قوله: (وشرط) بأن تصالحا على
شيء فشرط أحدهما الخيار لنفسه مثلًاً. قال في المنبع: ويبطل الصلح بالرد بأحد هذه
الخيارات الثلاث. قوله: (ويفسده جهالة البدل المصالح عليه) أي إن كان يحتاج إلى تسليمه
وإلا فلا يفسد، كما إذا ادعى عليه ثلث داره فصالحه على أن يترك دعواه في حق مجهول في
أرض المدعي كما في العناية لأنه بيع فصار كجهالة الثمن. عيني. وكذا يفسد بجهالة
الأجل إذا جعل البدل مؤجلاً. زيلعي.
قال الرملي: إن جهالة المصالح عليه تفسد الصلح، وكذا جهالة المصالح عنه إن كان
يحتاج إلى التسليم.
وأقول: ليس جهالة المصالح عليه مفسدة للصلح مطلقاً، بل محله إذا لم يكن
مستغنياً عن القبض والتسليم فإن جهالته لا تفسد كما في السراج الوهاج.
وفي القهستاني: ويكفي أن يكون بيان قدر المصالح عليه فحسب إذا كان دراهم
أو دنانير أو فلوساً لأن معاملات الناس تغني عن بيان الصفة فيقع على الند الغالب
أهـ. قال السائحاني: ولطالما طلبت نفسي هذا النقل لأن المشهور أنه لا بد في العقود
من بيان الوصف على أن العرف بخلافه. قوله: (لا جهالة المصالح عنه) أي إذا لم
يحتج إلى تسليمه كما مر أيضاً أشار إلى ذلك بقوله لأنه يسقط فإنه تعليل لقوله: ((لا
جهالة المصالح عنه)) أي والساقط لا تفضي جهالته إلى المنازعة، لكن قال بعض

٢٩٨
كتاب الصلح
وتشترط القدرة على تسلیم البدل.
(وما استحق من المدعي) أي المصالح عنه (يردّ المدعي حصته من العوض) أي
البدل إن كلَّ فكلًا أو بعضاً فبعضاً.
(وما استحق من البدل يرجع) المدعي (بحصته من المدعى)
الأفاضل: لا جهالة المصالح عنه إلا إذا احتيج إلى تسليمه كأن يصالحه على أن يدفع له
الحق المجهول الذي يدعيه أو يدفع المدعي البدل من عنده اهـ. تأملَ. قوله: (وتشترط
القدرة على تسليم البدل) استئناف واقع موقع التعليل لقوله ((ويفسده جهالة البدل)) ولا
يصح عطفه على ((يسقط)) وحيث كان كلاماً مستأنفاً استفيد منه أنه لا يصح الصلح على
عبده الآبق وطيره في الهواء وسمكه في الماء وجذعه في السقف وذراع من ثوب تضره
القسمة وحمل الجارية والبهيمة لأنه لا يقدر على تسليمه، ومنه جهالة البدل فإنه لا يقدر
على تسليم المجهول، فبذلك يصير الكلام تعليلاً. لقوله ((ويفسده جهالة البدل)) فبين
التعليل والمعلل لفّ ونشر مشوش، الأول للثاني والثاني للأول. قوله: (وما استحق من
المدعي الخ) هذا لو الصلح على ترك المدعي في يد المدعى عليه. أما لو أخذه ويدفع لمن في
يده شيئاً صلحاً فلا يرجع لو استحق لأنه أخذه على أنه ملكه زعماً فيؤاخذ به فلا يرجع
بالشيء الذي دفعه لرفع النزاع كما في العمادي. قوله: (إن كلَّ فكلًّا أو بعضاً فبعضاً)
المصنف صريح في البعض. لقوله ((حصته)) فلو قال المؤلف بعد المتن وإن استحق الكل رد
الكل لكان أوضح، وأشار بأن إلى أنها بيانية أو تبعيضية وكل مراد، فتأمل. قوله:
(بحصته من المدعي) أي المصالح عنه، هذا إذا كان البدل مما يتعين بالتعيين، فإن كان مما
لا يتعين بالتعيين وهو من جنس المدعي به فحينئذ يرجع بمثل ما استحق، ولا يبطل
الصلح كما إذا ادعى ألفاً فصالحه على مائة وقبضها فإنه يرجع عليه بمائة عند استحقاقها
سواء كان الصلح بعد الإقرار أو قبله، كما لو وجدها ستوقة أو نبهرجة، بخلاف ما إذا
كان من غير الجنس كالدنانير هنا إذا استحقت بعد الافتراق فإن الصلح يبطل، وإن كان
قبله رجع بمثلها، ولا يبطل الصلح كالفلوس. كذا في حاشية الحموي نقلاً عن البحر.
وفي المنح: هذا إذا كان البدل مما يتعين بالتعيين، وإن كان مما لا يتعين كالدراهم
والدنانير لا يبطل بهلاكه لأنهما لا يتعينان في العقود والفسوخ فلا يتعلق العقد بهما عند
الإشارة إليهما، وإنما يتعلق بمثلهما في الذمة فلا يتصور فيه الهلاك اهـ. فقول الماتن ((وما
استحق من البدل)) محمول على ما إذا أمكن استحقاقه وهو ما يتعين بالتعيين، وأما ما لا
يتعين بالتعيين فلا يمكن استحقاقه لأنه ينعقد الصلح على جنسه وقدره لا على عينه، فتأمل.
وفي القهستاني: وللمدعي أن يرد الباقي ويرجع بكل المدعي، كما لو استحق كل
العوض، وهذا إذا كان المستحق لم يجز الصلح، فإن أجازه وسلم العوض للمدعي رجع

٢٩٩
كتاب الصلح
-
كما ذكرنا لأنه معاوضة وهذا حكمها (و) حكمه (كإجارة إن وقع) الصلح (عن
مال بمنفعة) کخدمة عبد وسکنی دار
المستحق على المدعى عليه بقيمته كما في شرح الطحاوي. قوله: (كما ذكرنا) أي إن كلَّا
فكلًا أو بعضاً فبعضاً ح. وهذا إذا كان البدل يتعين بالتعيين إلى آخر ما قدمناه في المقولة
السابقة. قوله: (لأنه معاوضة) مقتضى المعاوضة أنه إذا استحق الثمن فإن مثلياً رجع
بمثله أو قيمياً فبقيمته ولا يفسد العقد فالصلح يجري على هذا. سيدي الوالد.
أقول: لكن هذا فيما يتمحض للثمنية كالدراهم، وأما مثل المذكور فهي من
المقايضة، وحكمها أن كلَّ من البدلين يكون ثمناً وبيعاً باعتبارين فلذا فسد العقد: أي
باعتبار أنه مبيع، وعليه فكان على الشارح أن يقول: لأنه مقايضة. تأمل. قوله:
(وحكمه كإجارة الخ) صورته: ادعى رجل على رجل شيئاً فاعترف به ثم صالحه على
سكنى داره سنة أو على ركوب دابة معلومة أو على لبس ثوبه أو على خدمة عبده أو على
زراعة أرضه مدة معلومة فهذا الصلح جائز فيكون في معنى الإجارة، فيجري فيه أحكام
الإجارة. كذا صوره العيني. قوله: (إن وقع الصلح عن مال بمنفعة الخ) قال في الحواشي
الحموية: وكذا إذا وقع عن منفعة بمال اعتبر بالإجارة لأن العبرة في العقود للمعاني،
فيشترط فيه العلم بالمدة كخدمة العبد وسكنى الدار والمسافة كركوب الدابة، بخلاف صبغ
الثوب وحمل الطعام فالشرط بيان تلك المنفعة، ويبطل الصلح بموت أحدهما في المدة إن
عقده لنفسه، وكذا بفوات المحل قبل الاستيفاء؛ ولو كان بعد استيفاء البعض بطل فيما
بقي ويرجع المدعي بقدر ما لم يستوف من المنفعة، ولو كان الصلح على خدمة عبد فقتل
وإن كان القاتل المولى بطل، وإلا ضمن قيمته واشترى بها عبداً يخدمه إن شاء كالموصى
بخدمته، بخلاف المرهون حيث يضمن المولى بالاتلاف والعتق، والاعتبار بالإجارة قول
محمد. قال في شرح المختلف: وهو الأظهر، واعتمده المحبوبي والنسفي، وكذا بطلان
الصلح بموت أحدهما في المدة قول محمد. وقال أبو يوسف: إن مات المدعى عليه لا
يبطل الصلح، وللمدعي أن يستوفي جميع المنفعة من العين بعد موته كما لو كان حياً، وإن
مات المدعي لا يبطل الصلح أيضاً في خدمة العبد وسكنى الدار وزراعة الأرض، وتقوم
ورثة المدعي مقامه في استيفاء المنفعة، ويبطل الصلح في ركوب الدابة ولبس الثوب لأنه
يتعين فيه العاقد، ثم إنما يعتبر إجارة عند محمد إذا وقع على خلاف جنس المدعى به، فإن
ادعى داراً فصالحه على سكناها شهراً فهو استيفاء بعض حقه لا إجارة فتصح إجارته
للمدعى عليه كما في البحر.
وصورة الصلح عن منفعة بمال: ادعى السكنى لدار سنة وصية من مالكها فأقر به
وارثه فصالحه على مال. ذكره الحموي. قال بعض الفضلاء: إنما قيد بكون المصالح عنه

٣٠٠
كتاب الصلح
(فشرط التوقيت فيه) إن احتيج إليه، وإلا لا كصبغ ثوب.
(ويبطل بموت أحدهما وبهلاك المحل في المدة) وكذا لو وقع عن منفعة بمال
أو بمنفعة عن جنس آخر.
مالاً لأنه لو صالح عن منفعة بمال كان الإنكار كالإقرار، فلو ادعى ممراً في دار ومسيلاً
على سطح أو شرباً في نهر فأقر أو أنكر ثم صالحه على شيء معلوم جاز. والظاهر أن هذا
حكمه غير حكم الإجارة لأنها لا تجري في هذه الأشياء فكان حكم الصلح في هذه
الصحة، ولعل كلام الشارح الآتي في منفعة غير هذه. قوله: (فشرط التوقيت فيه) أي في
الصلح الواقع عن مال بمنفعة. قوله: (إن احتيج إليه) كسكنى دار: أي إن كانت المنفعة
تعلم بالوقت كالذي مثل به. قال العلامة مسكين: وإنما يشترط التوقيت في الأجير
الخاص، حتى لو تصالحا على خدمة عبده أو سكنى داره يحتاج إلى التوقيت، وفي المشترك
لا يحتاج إليه كما إذا صالحه على صبغ ثوب أو ركوب دابة إلى موضع كذا أو حمل طعام
إليه اهـ. قوله: (وإلا لا كصبغ ثوب) أي مما تعلم المنفعة فيه بالتسمية، وكذا ما تعلم
المنفعة فيه بالإشارة كنقل هذا الطعام إلى كذا فالمدار على العلم بالمنفعة كما يأتي بيانه في
كتاب الإجارة. قوله: (ويبطل بموت أحدهما) أي إن عقده لنفسه. بحر. وهذا عند محمد
أيضاً. وقال أبو يوسف: إن مات المدعى عليه لا يبطل الصلح، وللمدعي أن يستوفي
جميع المنفعة من العين بعد موته كما قدمناه.
فرع: إذا أقر المدعي في ضمن الصلح أنه لا حق له في هذا الشيء ثم بطل الصلح
يبطل إقراره الذي في ضمنه، وله أن يدعيه بعد ذلك، والمدعى عليه إذا أقر عند الصلح
بأن هذا الشيء للمدعي ثم بطل الصلح فإنه يرد ذلك الشيء إلى المدعي انتهى. وقد
أوضحه الحموي في شرحه. قوله: (وبهلاك المحل) أي قبل الاستيفاء، فلو قبض بعضه
بطل فيما بقي فيرجع بقدره، وما ذكر من البطلان بالموت والهلاك قول محمد، وقال أبو
يوسف: إن مات المطلوب لا يبطل الصلح والمدعي يستوفيه إلى آخر ما قدمناه. قوله:
(في المدة) تنازع فيه موت وهلاك على أن يكون صفة لكل منهما: أي لو هلك أحد
المتصالحين عن مال بمنفعة في المدة أو هلك المحل الذي قامت به تلك المنفعة فيها بطل
الصلح لانه إجارة، وهي تبطل بذلك إن كانت في كل المدة، وإن كانت في بعضها
فبقدره من حين الموت والهلاك. قوله: (وكذا) يصح لو وقع: أي الصلح عن دعوى
منفعة بمال وأقر بها. وفيه أن المنفعة منفعة ملك المدعى عليه ولا يصح استئجار منفعة
ملكه. قوله: (أو بمنفعة عن جنس آخر) كخدمة عبد في سكنى دار، بخلاف ما إذا اتحد
الجنس، كما إذا صالح عن سكنى دار على سكنى دار أو الخدمة بالخدمة والركوب
بالركوب فإنه لا يجوز بيع المنفعة بالمنفعة مع اتحاد الجنس، كما لا يجوز استئجار المنفعة