النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
(و) صح (بالمولى) من جهة العتاقة (وإن لم يكن ولاؤه ثابتاً من جهة غيره) أي. غير
المقر (و) المرأة صح (إقرارها بالوالدين والزوج والمولى) الأصل أن إقرار الإنسان على
نفسه حجة لا على غيره.
قلت: وما ذكره من صحة الإقرار بالأم كالأب هو المشهور الذي عليه
الجمهور.
وقد ذكر الإمام العتابي في فرائضه: أن الإقرار بالأم لا يصح، وكذا في ضوء
السراج لأن النسب للآباء لا للأمهات،
قال العلامة الرملي: أقول: أيتوهم متوهم صحة الإقرار بالزوجة مع وجود زوج
وعدته أو أختها أو أربع سواها فلا أدري لهذا مثلً إلا ما اعترض به بعض جهلة الأروام
على قول الكنز في الماء الجاري، وهو ما يذهب بتبنه حيث قال: الجمل يذهب بأتبان،
فتأمل وأنصف. قوله: (وصح بالمولى من جهة العتاقة) سواء كان أعلى أو أسفل بأن كان
معتقاً أو معتقاً، فإن الإقرار لكل واحد صحيح إذا صدقه المقر له وقوله من جهة العتاقة:
أي وكذا من جهة الموالاة إن كان الأول قد عقل عنه. قوله: (إن لم يكن ولاؤه ثابتاً من
جهة غيره) قال المصنف في المنح: وهذا قيد لا بد منه، وقد أخل به في الكنز والوقاية
أيضاً، لأن موجب إقراره يثبت بينهما بتصادقهما من غير إضرار بأحد فينفذ اهـ.
قال الخير الرملي أقول: إذا كان ولاؤه ثابتاً من جهة غيره لا يصح إقرار الصحيح به
فكيف يصح إقرار المريض به؟ والكلام إنما هو في مسائل يخالف المريض الصحيح فيها فما
الحاجة إلى ذكر ما لا حاجة إلى ذكره لعدم خطوره ببال من له بال، وهذا الاستدراك
كالذي قبله ففي ذكره خلل لا في تركه، فليتأمل اهـ. قوله: (أي غير المقر) صوابه ((المقر
له» وکأنها سقطت من قلم الناسخ، وذلك لأن موجب الإقرار یثبت بتصادقهما، ولیس
فيه تحميل النسب على الغير.
والحاصل: أن الولاء كالنسب وثبوت النسب من الغير يمنع صحة الإقرار، فكذا
الولاء. قوله: (من صحة الإقرار بالأم) في جانب الرجل والمرأة. قوله: (لأن النسب
للآباء لا للأمهات) فيه أنه لا ينكر انتساب الولد إلى أمه، وإنما معناه أنه ينظر في النسب
والدعوة للأب.
قال الحموي: وفي حواشي شيخ الإسلام الحفيد على صدر الشريعة: هذا: أي ما
ذكر من صحة إقرار الرجل بالولد والوالدين والزوجة والمولى وما ذكر من صحة إقرارها
بالوالدين والزوج والمولى موافق لتقدير الهداية والكافي وتحفة الفقهاء، لكنه مخالف لعامة
الروايات على ما في النهاية، ولتقرير الخلاصة والمحيط وقاضيخان حيث صرحوا بأنه لا
يجوز إقرار الرجل بوارث مع ذي قرابة معروفة إلا بأربعة: الابن والأب والزوجة والمولى،

٢٤٢
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
وفيه حمل الزوجية على الغير فلا يصح اهـ. ولكن ألحق صحته بجامع الأصالة
فکانت کالأب، فليحفظ (و) كذا صح (بالولدان شهدت) امرأة ولو (قابلة) بتعيين
الولد، أما النسب فبالفراش. شمني.
ولو معتدة
ففيما وراء الأربعة كالأم مثلاً لا ترث مع الوارث المعروف، أما الإقرار فصحيح في نفسه
حتى يقدم المقر له على بيت المال إذا لم يبق وارث معروف. تأمل اهـ ط. قوله: (وفيه
حمل الزوجية على الغير) المضرّ تحميل النسب على الغير لا الزوجية على أن المقر يعامل
بإقراره من جهة الإرث، وإن كان إقراره لا يسري على الزوج ط. قوله: (ولكن الحق
الخ) الظاهر من نقل الحفيد أنهما قولان. قوله: (بجامع الأصالة) وهو في الأب معلول
بأن الانتساب إليه كما قدمه من التعليل على ما فيه، ولا يظهر ذلك في حق الأم، وليست
العلة الأصالة وإلا لثبت النسب في الآباء الأعلين، وقد تقدم عن الزيلعي خلافه. قوله:
(وكذا صح) أي إقرارها. قوله: (ولو قابلة) أشار به إلى أن القابلة ليست بقيد، ومن قيد
به فباعتبار العادة من حضورها وقت الولادة. أفاده الرحمتي. وأفاد بمقابلته بقوله بعده أو
صدقها الزوج أن هذا حيث جحد الزوج وادعته منه، وأفاد أنها ذات زوج، بخلاف
المعتدة كما صرح به الشارح، أما إذا لم تكن ذات زوج ولا معتدة أو كان لها زوج
وادعت أن الولد من غيره فلا حاجة إلى أمر زائد على إقرارها، صرح بذلك كله ابن
الكمال وسيأتي، فقد علم أن قوله ((إن شهدت الخ)) محله عند التجاحد، وأفاد كلامه أنه
إذا لم يوجد شرط صحة الإقرار لا يعمل به في حقه أيضاً.
وفي الشلبي عن الإتقاني: ولا يجوز إقرار المرأة بالولد وإن صدقها، ولكنهما
يتوارثان إن لم يكن لهما وارث معروف، لأنه اعتبر إقرارها في حقها، ولا يقضى
بالنسب، لأنه لا يثبت بدون الحجة وهو شهادة القابلة، فإن شهدت لها امرأة على ذلك
وقد صدقها الولد ثبت نسبه منها، وكذلك إذا لم تشهد لها امرأة وقد صدقها زوجها ثبت
النسب منهما، لأن النسب يثبت بتصادقهما لأنه لا يتعدى إلى غيرهما، كذا في شرح
الكافي اهـ. فليتأمل. وهذا يفيد أن شهادة القابلة مثلاً لثبوت النسب إذا أنكر ولادتها.
فقوله: (بتعيين الولد) إنما يكون هذا إذا تصادقا على الولادة، واختلفا في التعيين. وعبارة
غاية البيان عن شرح الأقطع: فتثبت الولادة بشهادتها، ويلتحق النسب في الفراش اهـ.
والظاهر أن ما أفاده الشارح حكمه كذلك. قوله: (بتعيين الولد) وكذا بإثباته لو جحد:
أما الثابت بالفراش فبعد اعترافه بالولادة: أي إذا اعترف أنها ولدت ثبت أنه منه لقيام
فراشه، فإن نفاه لاعن أما لو جحد للولادة أو تعيين الولد فإنه يثبت بشهادة امرأة لأنه مما
لا یطلع علیه الرجال عادة، حتی لو شهد به رجل صح کما یفهم هذا کله من باب ثبوت
النسب، ولا بد فيه من العدالة كما هو في سائر أنواع الشهادة. قوله: (ولو معتدة الخ)

٢٤٣
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
جحدت ولادتها فبحجة تامة كما مر في باب ثبوت النسب (أو صدقها الزوج إن
كان) لها زوج (أو كانت معتدة) منه (و) صح (مطلقاً إن لم تكن كذلك) أي مزوجة
ولا معتدة (أو كانت) مزوجة (وادعت أنه من غيره) فصار كما لو ادعاه منها لم
يصدق في حقها إلا بتصديقها.
قلت:
إلا معتدة الرجعي إذا جاءت به لأكثر من سنتين فإنه يثبت به الرجعة، فكانت زوجة لا
معتدة، فيكتفي في إثباته عند الجحد بشهادة امرأة على ما اختاره في البحر وأقره عليه في
النهر والشارح في باب ثبوت النسب. قوله: (جحدت) بالنباء للمجهول أي جحد
الزوج، أو ورثته. قوله: (أو صدقها الزوج إن كان لها زوج) بيان لمحل اشتراط شهادة
المرأة وما عطف عليها. قوله: (أو كانت معتدة منه) بأن طلقها أو مات عنها فادعت
الولد، فلا بد من تصديق الزوج أو الورثة، فإن كذبت يكفي شهادة القابلة أو امرأة
غيرها، هذا ما يفهم مما هنا، وبه صرح العيني تبعاً للزيلعي، لكن تقدم في باب ثبوت
النسب أن المعتدة إذا جحدت ولادتها لا يثبت نسب ولدها إلا بحجة تامة، ويكتفي
بالقابلة عندهما، فلعله جرى هنا على قولهما.
وفي المواهب: لو جحد ولادة معتدته فثبوتها بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو
بحبل ظاهر أو اعترافه أو تصدیق الورثة، واکتفینا بامرأة ثقة کتعینه بها ا هـ. وهذا كله في
عدة البائن. أما معتدة الرجعي فإنه يثبت نسبه، وإن جاءت به لأكثر من سنتين، ويكون
رجعة، وحينئذ فتكون زوجة لا معتدة، ويكتفي في إثباته عند الجحد بشهادة امرأة على ما
اختاره في البحر كما قدمناه آنفاً.
واعلم أن ما ذكره من الشروط إنما هو لصحة الإقرار بالنسب لئلا يكون تحميلاً
على الزوج، فلو فقط شرط صح إقرارها عليها فيرثها الولد وترثه إن صدقها، ولم يكن
لهما وارث غيرهما فصار كالإقرار بالأخ، ويفهم هذا مما قدمناه. قوله: (وصح) أي
إقرارها مطلقاً: أي وإن لم يوجد شهادة ولا تصديق من زوج. قوله: (ولا معتدة) لأن
فيه إلزاماً على نفسها دون غيرها فينفذ عليها. قوله: (وادعت أنه من غيره) أي فيصح
إقرارها في حقها فقط. قوله: (فصار كما لو ادعاه منها الخ) لكن يفرق بينها وبين ما
قبلها بأن دعوى الزوج لا تتوقف على تصديق المرأة لأنه يتزوج غيرها، ويتسرّى بملك
اليمين، ولكن لا يلزمها لو ادعى أنه منها إلا بتصديقها، والمرأة لو صح إقرارها بالولد
للزم الزوج، لأن الولد للفراش فلا بد من تصديقه أو حجة تقوم عليه، ويكفي الواحدة
لأنه مما لا يطلع عليه الرجال، إلا إن قالت هو من غيره فقد نفته عنه فيلزمها ولا يلزمه.
قوله: (قلت) أقول: غاية ما يلزم على عدم معرفة زوج آخر كونه من الزنا مع أنه ليس

٢٤٤
کتاب الإقرار / باب إقرار المريض
بقي لو لم يعرف لها زوج غيره لم أره، فیحرر.
(ولا بد من تصديق هؤلاء إلا في الولد إذا كان لا يعبر عن نفسه) لما مر أنه
حينئذ كالمتاع (ولو كان المقر عبد الغير اشترط تصديق مولاه) لأن الحق له (وصح
التصديق) من المقر له (بعد موت المقر) لبقاء النسب والعدة بعد الموت (إلا تصديق
الزوج بعد موتها) مقرة لانقطاع النكاح بموته، ولهذا ليس له غسلها، بخلاف
عكسه.
بلازم، ويفرض تحقق كونه من الزنا يلزمها أيضاً، لأن ولد الزنا واللعان يرث بجهة الأم
فقط، فلا وجه للتوقف في ذلك. أبو السعود. قوله: (بقي لو لم يعرف لها زوج غيره)
أي وقد ادعت أنه من غير هذا الزوج، والظاهر ثبوته منها لعدم تحميل نسب على معلوم
فيرثها. قال الرحمتي: هو داخل تحت قوله ((وادعت أنه من غيره)) لشموله ما إذا عرف
لها زوج غيره أو لم يعرف، إذ يكفي في ذلك الإمكان العقلي كما هو ظاهر إطلاقهم.
قوله: (فیحرر) وهو أنه يثبت نسبه من الأم کما علمت، لأن غاية ما یکون کونه من
الزنا، وهو يثبت من الأم لا الأب. قوله: (ولا بد من تصديق هؤلاء) يعني الولد
والوالدين والزوجة والمولى والزوج؛ لأن إقرار غيرهم لا يلزمهم لأن كلّ منهم في يد
نفسه. عيني. قوله: (ولو كان المقر له عبد الغير) أي فادعى أنه ابنه أو أبوه أو أنه
زوجها أو كانت أمة فأقر أنها زوجته. قوله: (وصح التصديق من المقر له) بنسب أو
زوجية: أي ولو بعد جحود المقر لقول البزازي: أقر أنه تزوج فلانة في صحة أو مرض
ثم جحد وصدقته المرأة في حياته أو بعد موته جازا هـ. قوله: (لبقاء النسب والعدة بعد
الموت) بهذا علم أن المراد بموت المقر في جانب الزوجية الزوج، وإذا صح إقراره كان لها
الميراث والمهر. أبو السعود: أي لبقاء حكم النكاح وهو العدة. قوله: (إلا تصديق الزوج
بعد موتها) أي إنها أقرت بنكاح لرجل وماتت، فصدقها الزوج لم يصح تصديقه عند أبي
حنيفة، وعندهما يصح، فعليه مهرها وله الميراث منها لأبي حنيفة أنها لما ماتت زال
النكاح بعلائقه، حتى يجوز له أن يتزوج أختها وأربعاً سواها، ولا يحل له أن يغسلها
فبطل إقرارها، فلا يصح التصديق بعد بطلان الإقرار. وقول العيني: وكذا إذا أقر
الرجل بالزوجية فصدقته المرأة بعد موته عند أبي حنيفة ظاهر في التسوية بين الزوج
والزوجة، وليس كذلك، ولهذا تعقبه الشيخ شاهين بأن تصديق الزوجة بعد موت الزوج
صحيح بالاتفاق، لأن حكم النكاح باق في حقها وهي العدة فإنها من آثار النكاح، ولهذا
جاز لها غسله ميتاً كما في حال الحياة، وإنما الخلاف في تصديق الزوج بعد موتها، فعند
أبي حنيفة لا يجوز، وعندهما يجوز. زيلعي. قوله: (بموتها) كذا في نسخة، وهو الصواب
موافقاً لما في شرحه على الملتقى. قوله: (بخلاف عكسه) أي فإن النكاح لم ينقطع

٢٤٥
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
(ولو أقر) رجل (بنسب) فيه تحميل (على غيره) لم يقل من غير ولاد كما في
الدرر لفساده بالجد وابن الابن كما قال (كالأخ والعم والجد وابن الابن لا يصح)
الإقرار (في حق غيره) إلا ببرهان، ومنه إقرار اثنين
بعلائقه. قوله: (ولو أقر رجل) مثله المرأة. قوله: (كما في الدرر) عبارته: أقر بنسب من
غير ولاد كأخ وعم لا يثبت: أي النسب ولا يقبل إقراره في حقه، لأن فيه تحميل النسب
على الغير، فإن ادعى نفقة أو حضانة يقبل في حقها، ويورث إلا مع وارث وإن بعد:
يعني إذا كان للمقر وارث معروف قريب أو بعيد فهو أحقّ بالإرث من المقر له، حتى لو
أقر بأخ وله عمة أو خالة فالإرث للعمة والخالة، لأن نسبه لم يثبت فلا يزاحم الوارث
المعروف اهـ. قوله: (لفساده بالجد وابن الابن) فإنهما في حكم غيرهما مما فيه تحميل على
الغير، إلا أن يخص كلام الدرر بالأب والابن، لأنه أراد به الولاد الأصلي أو الفرعي بلا
واسطة، وهو الكامل، فيشمل الغير ابن الابن والجد كما صرح بهما في الكافي: أراد بابن
الابن فرع الولد وبالجد أصل الأبوين، ومثل هذا الإجمال غير قليل في المتون فلا يعد مخلاً
كما لا يخفى. لا يقال: إن صاحب الدرر قال: وإن أقر بنسب من غير ولاد لا يصح
وهو غير شامل لمن إذا ادعى أنه جده أو ابن ابنه مع أنه لا يصح أيضاً لما فيه من تحميل
النسب على الغير، وقوله هنا ((وإن أقر بنسب فيه تحميل الخ)) شامل لذلك، فكان أولى
لحمل كلامه على ما قلنا. تأمل.
أقول: ولا تنس ما تقدم من صحته عن البرهان ومن تنظير المقدسي له، وقول
صاحب الدرر أيضاً: ويرث إلا مع وارث وإن بعد أطلقه، فشمل الزوج والزوجة وهذا
مستقيم على قول بعض مشايخنا أنه يرد عليهما أيضاً في زماننا كما في القنية، والأصح أن
ليس لهما الرد فيرث المقر له معهما كما في البرجندي، وأراد بالقريب صاحب فرض
وعصبة ولو مولى العتاقة، وبالبعيد من كان من ذوي الأرحام ومولى الموالاة، ولا يكون له
الثلث بالوصية، لأنه ما أوجبه وصية وإنما أوجبه إرثاً كما في الكافي وغيره، وأنت خبير
بأن هذا لم يخالف ما سبق عن القنية. ندبر. قوله: (وابن الابن) أي إذا كان في حياة ابنه،
لأن فيه حمل النسب على الغير كما قيده الحموي.
قال العلامة أبو السعود: وعلم أن الإقرار بابن الابن ذكره في التنوير وشرحه
مطلقاً، لکن ذكره الحموي بخطه مقيداً بما إذا أقر به في حياة ابنه معللاً بأن فيه حمل
النسب على الغير اهـ. فليحفظ. قوله: (إلا ببرهان) يعم ما إذا أقامه المقر أو المقر له على
المقر عليه، وهو من حمل عليه النسب. قوله: (ومنه إقرار اثنين) أي من ورثة المقر عليه
فيتعدى الحكم إلى غيرهما، وإنما قيد باثنين لأن المقر لو كان واحداً اقتصر حكم إقراره
عليه، أما إقرار ورثة المقر له لا يثبت النسبة فإنه كتصديقه، وأطلق في الاثنين فشمل

٢٤٦
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
كما مر في باب ثبوت النسب فليحفظ. وكذا لو صدقه المقر عليه أو الورثة، وهم
من أهل التصديق (ويصح في حق نفسه حتى تلزمه) أي المقر (الأحكام من النفقة
والحضانة والإرث إذا تصادقا عليه) أي على ذلك الإقرار، لأن إقرارهما حجة
عليهما (فإن لم يكن له) أي لهذا المقر (وارث غيره مطلقاً) لا قريباً كذوي الأرحام،
الرجل والمرأتين. قال في البدائع: إن الوارث لو كان كثيراً فأقر واحد منهم بأخ آخر
ونحوه لا يثبت نسبه ولا يرث معهم، ولو أقر منهم رجلان أو رجل وامرأتان يثبت نسبه
بالاتفاق، ولو کان الوارث واحداً فأقر به يثبت به عند أبي يوسف، خلافاً لأبي حنيفة
ومحمد، وبقول أبي يوسف أخذ الكرخي اهـ. وظاهر إطلاق المتون على ترجيح قولهما
کما لا يخفى. قوله: (کما مر في باب ثبوت النسب) حیث قال «أو تصدیق بعض الورثة)
فيثبت في حق المقرين، وإنما يثبت النسب في حق غيرهم، حتى الناس كافة إن تم نصاب
الشهادة بهم: أي بالمقرين، وإلا يتم نصابها لا يشارك المكذبين لأنها لا تكون شهادة حيثنذ
حتى تتعدى، بل يكون مجرد إقرار وهو قاصر على المقر فقط، بل لا بد من الشهادة
ونصابها حتى تكون حجة تتعدى على غيرهما. قوله: (وكذا لو صدقه المقر عليه) هو من
حمل عليه النسب. قوله: (أو الورثة) يغني عنه قوله ((ومنه إقرار اثنين)) لكن كلامه هنا في
تصديق المقر وهناك في نفس الإقرار، وإن كان في المعنى سواء لكن بينهما فرق، وهو أن
التصديق بعد العلم بإقرار الأول كقوله نعم أو صدق، والإقرار لا يلزم منه العلم تأمل.
قال: ويمكن التفرقة بينهما بأن صورة الأولى: أقر اثنان من ورثة المقر عليه فيه يثبت
النسب، وصورة الثانية: أقر المقر وصدقه اثنان من ورثة المقر عليه. قوله: (وهم من أهل
التصديق) بأن يكونوا بالغين عاقلين، وتم نصاب الشهادة كما يأتي قريباً ما يفيده، لكن
هذا بالنظر لثبوت النسب، أما بالنظر لاستحقاق الإرث فيستحقه، ولو المصدق امرأة
واحدة كانت هي الوارثة فقط مع المقرّ. ط. قوله: (حتى تلزمه) برفع تلزم لأن حتى
للتفريع لا للغاية. قوله: (من النفقة) أي إذا كان ذا رحم محرم من المقر. قوله:
(والحضانة) فيه أنه يشترط في لزوم هذه الأحكام تصديق المقر له، وهو لا يكون محضوناً
فيراد بالحضانة الضم إليه فيما إذا كان المقر له بنتاً بالغة يخشى عليها، ولا يقال: تظهر في
فرع المقر له إذا مات عنه.
قلنا: الظاهر أن الحضانة كالإرث لا تظهر في غير المقر له، أفاده العلامة
الطحطاوي. قوله: (والإرث) أي في حقهما فقط بحيث لا يمنعان بإقرارهما وارثاً آخر
كما سيأتي. قوله: (كذوي الأرحام) قد علمت مما قدمناه عن الكافي تفسير القریب
والبعيد.
قال في الشرنبلالية ناقلاً عن العناية مفسراً للقريب بذوي الفروض، والعصبات

٢٤٧
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
ولا بعيداً كمولى الموالاة. عيني وغيره (ورثه وإلا لا) لأن نسبه لم يثبت فلا يزاحم
الوارث المعروف، والمراد غير الزوجين لأن وجودهما غير مانع. قاله ابن الكمال.
ثم للمقر أن يرجع عن إقراره لأنه وصية من وجه. زيلعي: أي وإن صدقه المقر
والبعيد بذوي الأرحام بعد ذكر ما مشى عليه الشارح، والأول أوجه، لأن مولى الموالاة
إرثه بعد ذوي الأرحام مقدماً على المقر له بنسب الغير اهـ. فتنبه. قوله: (ورثه) أي المقر
له ويكون مقتصراً عليه، ولا ينتقل إلى فرع المقر له ولا إلى أصله لأنه بمنزلة الوصية. أبو
السعود عن جامع الفصولين. قوله: (لأن نسبه لم يثبت) قال في المنح: وهذا لأنه أقر
بشيئين: بالنسب، وباستحقاق ماله بعده، وهو في النسب مقر على غيره فیرد وفي
استحقاق ماله مقر على نفسه، فيقبل عند عدم المزاحم، لأن ولاية التصرف في ماله عند
عدم الوارث له فيضعه حيث شاء، حتی کان له أن يوصي بجمیع المال فلذا كان له أن
يجعله لهذا المقر له. والظاهر أن المقر يرث المقر له، لأنه صدقه وهو إقرار، ولكنه يتأخر
عن الوارث المعلوم. قوله: (فلا يزاحم الوارث المعروف) قريباً أو بعيداً فهو أحق بالإرث
من المقر له، حتى لو أقر بأخ وله عمة أو خالة فالإرث للعمة أو للخالة لأن نسبه لم يثبت
فلا يزاحم الوارث المعروف. قوله: (والمراد غير الزوجين) أي بالوارث الذي يمنع المقر له
من الإرث لأنه وصية من وجه، لأن نسبه لم يثبت فثبت حق الرجوع وارث من وجه،
حتى لو أوصى لغيره بأكثر من الثلث لا ينفذ إلا بإجازة المقر له ما دام المقر مصراً على
إقراره لأنه وارث حقيقة كما في الزيلعي، وفيه إشارة إلى أن المقر بنحو الولد والوالدين
ليس له الرجوع عنه، وبذلك صرح في الاختيار. قوله: (أي وإن صدقه المقر له) صوابه:
المقر عليه كما عبر به فيما مر، ويدل عليه قطعاً كلام المنح حيث قال: قوله: أي
الزيلعي: للمقر أن يرجع عنه محله ما إذا لم يصدق المقر له على إقراره، أو لم يقر بمثل
إقراره الخ، وعزاه لبعض شروح السراجية فقوله أو لم يقر لا شك أن الضمير فيه للمقر
عليه لا للمقر له، فعلم أن قوله المقرّ له صوابه المقر عليه كما عبر به صاحب المنح في
كتاب الفرائض، ويدل عليه قوله الآتي «إن بالتصدیق یثبت النسب» ولا یکون ذلك إلا
من المقر عليه.
قال في روح الشروح على السراجية: واعلم أنه إن شهد مع المقر رجل آخر أو
صدقه المقر عليه أو الورثة وهم من أهل الإقرار، فلا يشترط الإصرار على الإقرار إلى
الموت، ولا ينفع الرجوع لثبوت النسب حينئذ ا هـ.
وفي شرح فرائض الملتقى للطرابلسي: وصح رجوعه لأنه وصية معنى ولا شيء
للمقر له من تركته. قال في شرح السراجية المسمى بالمنهاج: وهذا إذا لم يصدق المقر عليه
إقراره قبل رجوعه أو لم يقر بمثل إقراره، أما إذا صدق إقراره قبل رجوعه أو أقر بمثل

٢٤٨
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
كما في البدائع، لكن نقل المصنف عن شروح السراجية أن بالتصديق يثبت النسب
فلا ينفع الرجوع فليحرر عند الفتوى
إقراره، فلا ينفع المقر رجوعه عن إقراره، لأن نسب المقر له قد ثبت من المقر عليه اهـ.
فهذا كلام شراح السراجية، فالصواب التعبير بعليه كما عبر به في المنح في كتاب
الفرائض، وإن كانت عبارتها هنا كعبارة الشارح وعبارة الشارح في الفرائض غير محررة.
فتنبه .
أقول: لكن قد يقال: إن هذا التصويب غير صحيح، وإنما الخطأ في الاستدراك
بعده، لأن الإقرار هنا من المقر له وهناك من المقر عليه فالاستدراك به غلط. تأمل.
قوله: (لكن الخ) استدراك عن الزيلعي والبدائع، ولا شك أن الزيلعي وصاحب البدائع
أولى بالاعتماد من شروح السراجية، مع أن الوجه ظاهر معهما لأنه جعله وصية من وجه
فباعتباره يصح الرجوع، والوصية يصح الرجوع عنها، سواء قبل الموصى له أم لا، وما
في الزيلعي والبدائع موافق لما في الكتب، وعبارة الهداية: حتى لو أقر في مرضه بأخ
وصدقه المقر له ثم أنكر المقر وراثته ثم أوصى بماله كله لإنسان كان ماله للموصى له،
ولو لم يوص لأحد كان لبيت المال، لأن رجوعه صحيح لأن النسب لم يثبت فبطل
الإقرار اهـ. وأقره الشراح. وقد صرح بأنه بعد تصديق المقر له لم يصح رجوعه، ونقله .
المصنف مزاد به بعد تصديق المقر عليه، وهو الأب مثلًا فيما إذا أقر بأخ.
وقال في الدار المنتقى: وعندي في ثبوته بمجرد تصادقهما تردد، ولعل مراد بعض
شراحها بالتصديق تصديق أخ آخر كما مر فتدبر اهـ. وذكر بعده فرعاً آخر: لو أقر الأخ
بابن هل يصح؟ قال الشافعية لا لأن ما دعا وجوده إلى نفيه انتفى من أصله، ولم أره
لأئمتنا صريحاً وظاهر كلامهم نعم، فليراجع اهـ.
وتوضيحه: أن أخا الميت لو أقر أن للميت ابناً، قالت الشافعية: لا يصح إقراره،
لأنه لو صح لبطل كونه وارثاً، وإذا بطل كونه وارثاً لم يصح إقراره، وظاهر كلام أئمتنا
أنه أقر بسقوط حق في الميراث، وأن المستحق له من أقر ببنوته للميت فينفذ عليه.
قال في غاية البيان: ويبنغي لك أن تعرف أن الرجوع عن الإقرار بالنسب إنما يصح
إذا كان الرجوع قبل ثبوت النسب كما نحن فيه، لأن النسب لم يثبت لكونه تحميلاً على
الغير وليس له ذلك، فإذا ثبت النسب فلا يصح الرجوع بعد ذلك، لأن النسب لا يحتمل
النقض بعد ثبوته اهـ. وإنما يثبت النسب بتصديق المقر عليه وهو الأب فيما إذا أقر بأخ
لا بتصديق الأخ المقر له، والله تعالى أعلم. قوله: (فليحرر عند الفتوى) تحريره أنه لو
صدقه المقر له فله الرجوع، لأنه لم يثبت النسب وهو ما في البدائع، ولو صدقه المقر عليه
لا يصح رجوعه، لأنه بعد ثبوته وهوما في شروح السراجية، فمنشأ الاشتباه تحريف
.-

٢٤٩
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
(ومن مات أبوه فأقر بأخ شاركه في الإرث) فيستحق نصف المقر (ولم يثبت نسبه) لما
تقرر أن إقراره مقبول في حق نفسه فقط.
الصلة فالموضوع مختلف، ولا يخفى أن هذا كله في غير الإقرار بنحو الولد. أفاده سيدي
الوالد رحمه الله تعالى.
أقول: ويقال أيضاً في تحريره أن الإقرار بالنسب إن لم يكن فيه تحميل على الغير
ووجد التصديق لا يصح الرجوع فيه، وإن كان فيه تحميل على الغير وصدقه المقر عليه فله
الرجوع، فالكلام في مقامين، وهذا حيث لم يكن الإقرار بنحو الولد كما علمت،
فتأمل(١). قوله: (ومن مات أبوه الخ) هذه المسألة بعينها فهمت مما تقدم فتقع مكررة، إلا
أن يقال: إن المقر في المسألة السابقة مورث وهنا وارث، وإن كانتا سواء في عدم ثبوت
النسب كما في أبي السعود عن العيني.
قال في البدائع: إذا أقر وارث واحد بوارث كمن ترك ابناً فأقر بأخ لا يثبت نسبه
عندهما.
وقال أبو يوسف: يثبت وبه أخذ الكرخي، لأنه لما قبل في الميراث قبل في النسب
وإن كان أكثر من واحد بأن كانا رجلين أو رجلاً وامرأتين فصاعداً يثبت النسب بإقرارهم
بالإجماع لكمال النصاب، ويستحق حظه من نصيب المقراهـ. حموي. قوله: (فأقر بأخ)
وإن كان للمقر له أولاد فلا يشترط في المقر أن يكون وارثاً للمقر له، بل ولو في الجملة
ط. قوله: (فيستحق نصف نصيب المقر) ولو معه وارث آخر شرح الملتقى وبيانه في
الزيلعي قوله: (لما تقرر أن إقراره مقبول في حق نفسه فقط) فصار كالمشتري إذا أقر أن
البائع كان أعتق العبد المبيع يقبل إقراره في العتق، ولم يقبل في الرجوع بالثمن بيانية.
وفي الزيلعي: فإذا قبل إقراره في حق نفسه يستحق المقر له نصف نصيب المقر مطلقاً
عندنا، وعند مالك وابن أبي ليلى: يجعل إقراره شائعاً في التركة فيعطى المقر من نصيبه ما
يخصه من ذلك، حتى لو كان لشخص مات أبوه أخ معروف فأقر بأخ آخر، فكذبه أخوه
المعروف فيه أعطي المقر نصف ما في يده. وعندهما: يعني عند مالك وابن أبي ليلى ثلث
ما في يده؛ لأن المقر قد أقر له بثلث شائع في النصفين فنفذ إقراره في حصته، وبطل ما
(١) وأقول: فالذي تحرر من كلامهم أن من أثبت بشاهدين إقرار الميت بالبنوة أو الأبوة صح، لا بالأخوة ونحوها
إلا أن يبرهن على تصديق المقر عليه أو يقر أحد الورثة أو يشهد آخر بنحو إقرار الميت. واعلم أن إثبات
الأخوة لا بد من تفسيرها في الدعوى والشهادة. هل هي لأب مع أم أو لأب فقط أو لام فقط؟ وكذا كل
قرابة. وفي البزازية: إن لم يدع مالاً وادعى الأخوة المجردة لا يقبل؟ لأن هذا في الحقيقة إثبات النبوة على أبي
المدعى عليه والخصم فيه هو الأب لا الأخ وفي الزيلعي: ولو أقر ابن وبنت بأخ وكذبهما ابن وبنت يقسم
نصيب المقرين أخماساً. فانظر كيف المصادق لاثنين والمقاسم لهما ما ثبت لنسبه لاحتياجه إلى امرأة أخرى؟
فكيف بمن صادق واحد فقط؟.

٢,٥٠
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
قلت: بقي لو أقرّ الأخ بابن هل يصح؟ قال الشافعية: لا لأن ما أدى
کان في حصة أخيه، فیکون له ثلث ما في يده وهو سدس جميع المال والسدس الآخر في
نصيب أخيه بطل إقراره فيه لما ذكرنا، ونحن نقول: إنه في زعم المقر أنه يساويه في
الاستحقاق والمنكر ظالم بإنكاره، فيجعل ما في يد المنكر كالهالك، فيكون الباقي بينهما
بالسوية، ولو أقر بأخت تأخذ ثلث ما في يده، وعندهما خمسة، ولو أقر ابن وبنت بأخ
وكذبهما ابن وبنت يقسم نصيب المقرين أخماساً، وعندهما أربعاً والتخريج ظاهر، ولو أقر
بامرأة أنها زوجة أبيه أخذت ثمن ما في يده، ولو أقر بجدة هي أم الميت أخذت سدس ما
في يده فيعامل فیما في يده كما يعامل لو ثبت ما أقر به اهـ. وتمامه فيه. قوله: (بابن) أي
من أخيه الميت. قوله: (لأن ما أدى الخ) أي لأن ما أدى صحة وجوده وهو الإقرار إلى
نفيه انتفى، وهنا لو صح إقراره بابن الأخ تبين أنه ليس بوارث وإذا لم يكن وارثاً لا يصح
إقراره، فأدى وجود هذا الإقرار إلى نفيه، فينتفي من أصله: يعني لا يصح.
والحاصل: أن الأخ بإقراره بالابن يصير مقراً على نفيه فيحرم من الميراث بسبب
الابن، وإذا خرج من الميراث صار أجنبياً، فإقراره غير صحيح، ولم يكن مقراً على نفيه
فلا يرث الابن فيعود الميراث له، وهكذا فيلزم الدور الحكمي الذي عده الشافعية من
موانع الإرث لأنه يلزم من التوريث عدمه، فقد أدى وجود الإقرار إلى عدمه بيانه كما في
شرح البولاقي على شرح الشنشوري: أنه إذا أقر أخ حائز بابن للميت يثبت نسبه ولا
يرث، لأنه لو ورث لحجب الأخ، فلا يكون الأخ وارثاً حائزاً فلا يقبل إقراره بالابن فلا
يثبت نسبه فلا يرث؛ لأن إثبات الإرث يؤدي إلى نفيه، وما أدى إثباته إلى نفيه انتفى من
أصله، وهذا هو الصحيح من مذهبهم. ويجب على المقر باطناً أن يدفع له التركة إن كان
صادقاً في إقراره، لأنه يعلم استحقاقه المال، والقول الثاني للشافعي: أنه يثبت نسبه
ويرث، وبه قال أحمد، ونقل عن أبي حنيفة. وقيل لا يثبت ولا يرث، وبه قال داود.
وقال أبو يوسف: لا يثبت نسبه إلا بإقرار اثنين من الورثة. وعند مالك: يرث المقر له
ولا يثبت نسبه إلا إذا أقر به عدلان من الورثة أو أقرّ به عدل وصدقه عدل آخر من
الورثة، هذا غاية ما رأيته.
ثم رأيت بعض الأفاضل أوضح المقام. بقوله: بيان الملازمة أو الإقرار لا يصح إلا
من وارث، وإذا صح هذا الإقرار صار هذا الأخ مع وجود الابن غير وارث، وإذا صار
غير وارث لم يصح الإقرار بالنبوة فلم تحصل فائدة، فصار هذا الإقرار عبثاً.
ولنا أنه أقر بشيئين المال والنسب على الغير. ومن المعلوم أن إقرار الشخص يسري
على نفسه، والمال ملك نفسه فينفذ فيه، ويلزمه دفعه له. وأما تحميل النسب على غيره فلا
يملكه، فلا ينفذ فيه إقراره، على أن النسب يثبت في حق المقر مؤاخذة له بزعمه، حتى لو

٢٥١
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
وجوده إلى نفيه انتفى من أصله ولم أره لأئمتنا ضريحاً، وظاهر كلامهم نعم،
فليراجع.
(وإن ترك) شخص (ابنين وله على آخر مائة فأقر أحدهما بقبض أبيه خمسين
منها فلا شيء للمقر) لأن إقراره ينصرف إلى نصيبه (وللآخر خمسون)
مات المقر لا عن وارث فإرثه لهذا المقر له لا لبيت المال. هذا ما أفاده المتن قريباً.
فلهذا قال الشارح: وظاهر كلامهم نعم. والأولى أن يجزم لأن الإطلاق السابق
يعمل به حتى يوجد ما يخصصه، والمطلق السابق هو قوله وإن أقر بنسب على غيره إلى
قوله ويصح في حق نفسه، ونظيره لو أقر بعبد فاكتسب ثم مات ثم صدقه المقر له يلزمه
دفع الأكساب له، مع أن الإقرار بالعبد نفسه بطل بالموت، وكذا لو أقر المشتري بأن
البائع أعتق العبد ينفذ في حق نفسه. قوله: (وظاهر كلامهم نعم فليراجع) أي يصح
الإقرار، لأن مقتضى ما ذكروه هنا أن المقر إذا ثبت إقراره بنصاب الشهادة يثبت النسب
وإن كان النصاب من الورثة، وإلا فيعمل بالإقرار في حق نفسه وإن لم يثبت النسب، وهنا
أقر بنسب على الغير فلا يقبل، وأقر بالمال الذي يستحقه ظاهراً إنما هو للمقر له فيكون
إقراره به على نفسه فيقبل. ويكفي في إقراره کونه وارثاً ظاهراً، وإن تبین بإقراره أنه ليس
بوارث لكن تقدم في الشهادات أنه تقبل شهادة العتيق على معتقه إلا في مسألة وهي: رجل
مات عن عم وبنت وأمتين وعبدين فأعتق العم العبدين فشهدا أن الثانية أخت الميت قبل
الأولى: أي قبل الشهادة بالبينة أو بعدها أو معها لا تقبل بالإجماع. لأنا لو قبلناها
لصارت عصبة مع البنت، فيخرج العم عن الوراثة فيبطل العتق اهـ.
والحاصل: أن ظاهر كلامهم صحة إقرار هذا الأخ بالابن وثبت نسبه في حق نفسه
فقط، فیرث الابن دونه ما قالوا: إن الإقرار بنسب على غيره يصح في حق نفسه، حتى
تلزمه الأحكام من النفقة والحضانة لا في حق غيره. وقد رأيت المسألة منقولة ولله الحمد
والمنة في فتاوى العلامة قاسم بن قطلو بغا الحنفي.
ونصه: قال محمد في الأصل: ولو كانت للرجل عمة أو مولى نعمة فأقرت العمة أو
مولى النعمة بأخ للميت أبيه أو أمه أو بعم أو بابن عم أخذ المقر له الميراث كله، لأن
الوارث المعروف أقر بأنه مقدم عليه في استحقاق ماله وإقراره حجة على نفسه اهـ. هذا
كلامه.
ثم قال: فلما لم يكن في هذا دور عندنا لم يذكر في الموانع وذكر في بابه ١ هـ. وهذا
مؤيد لما قدمناه قريباً عن بعض الأفاضل أيضاً فاغتنمه. قوله: (فلا شيء للمقر) سبق
قبل الاستثناء أن مختار أبي الليث أنه لا يلزمه قدر حصته، وكان وضع هذا الفرع هناك
أولى؛ لأن الديون تقضى بأمثالها قوله: (لان إقراره ينصرف إلى نصيبه) وذلك لأن المائة

٢٥٢
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
بعد حلفه أنه لا يعلم أن أباه قبض شطر المائة. قاله الأكمل.
قلت: وكذا الحكم لو أقر أن أباه قبض كل الدين لكنه هنا يحلف لحق
الغريم. زيلعي.
صارت ميراثاً بينهما، فلما أقر أحدهما باقتضاء أبيه ذلك صح في نصيبه خاصة لا في
نصيب أخيه، فبقيت حصة الآخر كما كانت، فيجعل كأن المقر استوفى نصيبه، ولأن
الديون تقضى بأمثالها. وقد أقر المقر أن أباه أخذ خمسين فوجبت، ثم تلتقي قصاصاً على
المديون فقد أقر بدين على الميت هو لا ينفذ في حق الوارث الآخر، وينفذ في حقه
خاصة، والدين مقدم على الميراث فاستغرق نصيبه فلا يأخذ منه شيئاً، كما إذا أقر عليه
بدين آخر فيلزم المقر كما مر قبيل باب الاستثناء، ولا يجري في هذه المسألة الخلاف
السابق كما لا يخفى على الحاذق. قوله: (بعد حلفه) أي حلف المنكر لأجل الأخ لأجل
الغريم؛ لأنه لا ضرر على الغريم، فلا ينافي ما يأتي، ولو نكل شاركه المقر في الخمسين.
قوله: (لكنه الخ) الاستدارك يقتضي أن لا يحلف في الأولى، وبه صرح الزيلعي. وهو
مخالف لما قدمه عن الأكمل ومر جوابه. قوله: (يحلف) أي المنكر بالله لم يعلم أنه قبض
الدين، فإن نكل برئت ذمة المدين، وإن حلف دفع إليه نصيبه، بخلاف المسألة الأولى
حيث لا يحلف لحق الغريم، لأن حقه كله حصل له من جهة المقر فلا حاجة إلى تحليفه،
وهنا لم يحصل إلا النصف فيحلفه. زيلعي. وقد وفق أبو السعود بين العبارتين كما
ذكرنا، وحينئذ اندفع ما أبداه الحلبي من التنافي وحينئذ، فقوله حيث لا يحلف مخالف لما
قاله الأكمل في المسألة الأولى يحلف الأخ بالله الخ. ولعل الذي نفاه الزيلعي الحلف لحق
الغريم، والذي قاله الأكمل لحق أخيه المقر، لأن كل من إذا أقر بشيء لزمه يحلف عند
إنكاره ليقضي عليه بالنكول. تأمل.
وفي الدر المنتقى: لو مات عن ابنين وكان لأبيهما الميت دين على شخص فأقر
أحدهما بقبض أخيه نصفه صح في حصته، وحينئذ فالنصف الباقي للآخر بعد حلفه.
قلت: وكذا الحكم لو أقر بقبض كله لكن هنا يحلف لحق الغريم. ذكره الزيلعي
وغيره اهـ.
والحاصل: أن في المسألة الأولى لا يحلف لحق الغریم؛ لأن حقه کله حصل له من
جهة المقر فلا حاجة إلى تحليفه، بخلاف المسألة الثانية فإنه يحلف المنكر بالله ما تعلم أنه
قبض الدين، فإن نكل برئت ذمته، وإن حلف دفع إليه نصيبه، والله تعالى أعلم وأستغفر
الله العظيم.

٢٥٣
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
فَضْلُ فِي مَسَائِل شَنَّی
(أقرت الحرة المكلفة بدين) لآخر (فكذبها زوجها صح) إقرارها (في حقه
أيضاً) عند أبي حنيفة (فتحبس) المقرة (وتلازم) وإن تضرر الزوج، وهذه إحدى
المسائل الستّ الخارجة من قاعدة الإقرار حجة قاصرة على المقر، ولا يتعدى إلى
فَضْلٌ فِي مَسَائِلَ شَتِّی
قال عزمي زاده: أفرز صاحب التسهيل ها هنا مسائل مهمة وأدرجها تحت زيادة
على سائر المتون، واقتفى صاحب الدرر أثره، وانتخب المسائل المذكورة فيه من الكافي !
هـ. والشارح رحمه الله تعالى جمع بين ما أتى به في التسهيل وبين ما جرت به عادة المتون
من ذكر مسائل شتى، فترجم بها، وفيه ظرفية الشيء في نفسه، لأن الفصل هو المسائل،
إلا أن يقال: الفصل مراد به الألفاظ مراد بها المعاني فيكون من ظرفية الدال في المدلول.
قوله: (المكلفة) أي العاقلة البالغة: أي وهي حرة أو مأذونة ط. قوله: (فكذبها زوجها)
أما إذا صدقها فيظهر في حقه اتفاقاً. قوله: (أيضاً) أي كما يصح في حقها وتركه
لظهوره. قوله: (ولا يتعدى إلى غيره) لأن كونه حجة إنما هو في زعم المقرر وزعمه ليس
حجة على غيره، ولذا لا يظهر في حق الولد والثمرة [ ... ]، بخلاف البينة فإنها حجة في
حق الكل؛ لأن حجيتها بالقضاء وهو عام. حموي. قوله: (وهذه إحدى المسائل الست)
الثانية: لو أقر المؤجر بدين لا وفاء له إلا من ثمن العين المؤجرة فللدائن بيعها، وإن
تضرر المستأجر قال الشيخ صالح في هذا: إشارة إلى أن ربّ الدين إذا أراد حبس المديون،
وهو في إجارة الغير يحبس، وإن بطل حق المستأجر قاله تفقها، فوافق بحث المؤلف الآتي.
الثالثة: لو أقرت مجهولة النسب بأنها بنت أبي زوجها وصدقها الأب انفسخ النكاح
بينهما، ومثل الأب الجد، بخلاف ما إذا أقرت بالردة، ولو طلقها ثنتين بعد الإقرار بالرق
لم يملك الرجعة.
الرابعة: إذا ادعى ولد الأمة المبيعة وللمدعي على أخ ثبت نسبه وتعدى إلى حرمان
الأخ من الميراث.
الخامسة: المكاتب إذا ادعى نسب ولد حرة في حياة أخيه صحت، وميراثه لولده
دون أخيه.
السادسة: باع المبيع ثم أقر أن البيع كان تلجئة وصدقه المشتري، فله الرد على بائعه
بالعيب. كذا في الجامع. قال الحموي: قوله لو أقرّ المؤجر الخ، قال بعض الفضلاء:
يؤخذ من هذا جواب حادثة لم أجد فيها نقلاً، وهو أن ربّ الدين إذا أراد حبس المديون
وهو في إجارة الغير هل يخبس وإن بطل حق المستأجر؟ فهذا يشير إلى أنه يحبس وإن بطل
حق المستأجر. قوله: لو أقرت مجهول النسب الخ.

٢٥٤
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
غيره وهي في الأشباه. وينبغي أن يخرج أيضاً من كان في إجارة غيره فأقر لآخر
بدين فإن له حبسه وإن تضرر المستأجر، وهي واقعة الفتوى ولم نرها صريحة
(وعندهما لا) تصدق في حق الزوج فلا تحبس ولا تلازم. درر.
قلت: وينبغي أن يعول على قولهما إفتاء وقضاء، لأن الغالب أن الأب
يعلمها الإقرار له أو لبعض أقاربها ليتوصل بذلك إلى منعها بالحبس عنده عن
زوجها كما وقفت عليه مراراً حين ابتليت بالقضاء. كذا ذكره المصنف.
(مجهولة النسب أقرت بالرقّ لإنسان) وصدقها المقر له (ولها زوج وأولاد منه)
أي الزوج (وكذبها) زوجها (صح في حقها خاصة)
وقعت حادثة بالقاهرة: وهي أن شخصاً أقر في مرض موته بأن فلاناً أخي
وشقيقي، ولهذا المقر أخت شقيقة والمقر له غير أب المقر، وكل منهما حر الأصل من
الأب وصدقت على إقرار أخيها حتى لا يشاركها بيت المال، وهي شافعية المذهب، وثبت
الإقرار بين يدي قاض حنفي، وحكم بصحة قاض شافعي، فنازع صاحب بيت المال المقر
له، ودار سؤالهم بين العلماء، فمنهم من أجاب بصحة الإقرار وهم الأكثر، ومنهم: من
أجاب ببطلانه، ومنهم علامة الورى الشمس الرملي معللاً بأنه محال شرعي، إذ يستحيل
أن يكون لواحد أبوان. وقال بعض الفضلاء من الحنفية: مقتضى مذهبنا بطلان الإقرار:
أي في خصوص هذه المسألة .. وإلا فلا يستحيل شرعاً أن يكون للواحد أبوان أو ثلاثة إلى
خمسة، كما في ولد الجارية المشتركة إذا ادعاه الشركاء، بل قد يثبت نسب لواحد الحر
الأصل من الطرفين، كما في اللقيط إذا ادعاه رجلان حران كل واحد منهما من امرأة حرة
كما في التاترخانية اهـ. قوله: (ولم نرها صريحة) هذا البحث لصاحب المنح، ومثله في
حاشية الأشباه للحموي كما قدمناه قريباً. قوله: (وعندهما لا) لما لم يقف على من يرجح
قول الإمام على قولهما صرح بذكر قولهما في المتن: فإن عادته كعادة أرباب المتون المألوفة
التصريح بقولهما أيضاً عند رجحان قولهما على قوله، وكذا عند التساوي بينهما كما في
المولى عبد الحليم، ولكن يأتي تصحيح قول الإمام. قوله: (فلا تحبس ولا تلازم) لأن فيه
منع الزوج عن غشيانها وإقرارها فيما يرجع إلى بطلان حق الزوج لا يصح انتهى. درر.
والطاهر أنه على قولهما يأمرها القاضي بالدفع وبيع عليها ما يباع في الدين ط. قوله:
(إفتاء وقضاء) منصوبين على الحال. قوله: (لأن الغالب الخ) فيه نظر، إذ العلة خاصة
والمدعي عام، لأنه لا يظهر فيما إذا كان الإقرار لأجنبي، وقوله (لتوصل بذلك إلى منعها
بالحبس عنده) لا يظهر أيضاً، إذا بالحبس عند القاضي لا عند الأب، فإذا المعول عليه
قول الإمام اهـ. إذ لم يستند في هذا التصحيح لأحد من أئمة الترجيح ط. لكن قوله إذ
الحبس عند القاضي مخالف لما مر في بابه أن الخيار فيه للمدعي. قوله: (في حقها خاصة)

٢٥٥
کتاب الإقرار / باب إقرار المريض
فولد علق بعد الإقرار رقيق خلافاً لمحمد (لا في حقه) يرد عليه انتقاص طلاقها كما
حققه في الشرنبلالية (وحق الأولاد).
وفرع على حقه بقوله: فلا يبطل النكاح) وعلى حق الأولاد. بقوله: (وأولاد
أي في بعض الأحكام، فإنه يظهر في حق الزوج في المستقبل، حتى لو جاءت بولد بعده
يكون ملكاً للمقر له، ويملك عليها الزوج طلقتين فقط، وقد كان يملك عليها ثلاثاً.
وهذا عند أبي يوسف في حق الأولاد وإجماعاً في الطلاق والعدة، فإن طلاقها اثنتان وعدتها
حيضتان، وقد كان يملك عليها ثلاثاً وتعتد بثلاث حيض، والعدة حق الزوج وحق
الشرع، فقد ظهر إقرارها في حق غيره كما نقله الشرنبلالي عن المحيط عن المبسوط.
قوله: (فولد) التفريع غير ظاهر، ومحله فيما بعد، والظاهر أن يقال: فتكون رقيقة له كما
في العزمية، ويأتي قريباً. قوله: (رقيق) عند أبي يوسف: لأنه حكم برقيتها وولد الرقيقة
رقيق. درر. قوله: (خلافاً لمحمد) هو يقول: تزوجها بشرط حرية أولاده منها فلا تصدق
في إيطال هذا الحق اهـ. منج: أي فيكون أولادها بعد الإقرار أحراراً، وهذا ليس على
إطلاقه لما في الأشباه: مجهول النسب إذا أقرّ بالرقّ لإنسان وصدقه المقر له صح وصار
عبداً، وهذا إذا كان قبل تأكد الحرية بالقضاء، أما بعد قضاء القاضي عليه بحد كامل أو
بالقصاص في الأطراف لا يصح إقراره بالرق بعد ذلك ا هـ. قوله: (يرد عليه) أي على
عدم صحة إقرارها في حقه. قوله: (انتقاص طلاقها) وکذا عدتها کما علمت. قوله:
(کما حققه في الشرنیلالیة) حيث قال: ويرد علی کون إقرارها غير صحيح في حقه انتقاص
طلاقها، لأنه نقل في المحيط عن المبسوط: أن طلاقها ثنتان وعدتها حيضتان بالإجماع،
لأنها صارت أمة، وهذا حكم يخصها.
ثم نقل عن الزيادات: ولو طلقها الزوج تطليقتين وهو لا يعلم بإقرارها ملك عليها
الرجعة، ولو علم لا يملك، وذكر في الجامع: لا يملك علم أو لم يعلم. قيل ما ذكره في
الزيادات قیاس، وما ذكره في الجامع استحسان.
وفي الكافي: آلي وأقرت قبل شهرين فهما مدته، وإن أقرت بعد مضي شهرين
فأربعة، والأصل أنه متى أمكن تدارك ما خاف فوته: بإقرار الغير ولم يتدارك بطل حقه،
لأن فوات حقه مضاف إلى تقصيره فإن لم يمكن التدارك لا يصح الإقرار في حقه، فإذا
أقرت بعد شهر أمكن الزوج التدارك وبعد شهرين لا يمكنه، وكذا الطلاق والعدة حتى
لو طلقها ثنتين ثم أقرت يملك الثالثة، ولو أقرت قبل الطلاق تبين بثنتين، ولو مضت من
عدتها حيضتان ثم أقرت يملك الرجعة، ولو مضت حيضة ثم أقرت تبين بحيضتين أ هـ.
قلت: وعلى ما في الكافي لا إشكال لقوله: إن فوات حقه مضاف إلى تقصيره.
تأمل. قوله: (وفرع على حقه) الأولى أن يقول على قوله لا في حقه. قوله: (مجهول

٢٥٦
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
حصلت قبل الإقرار وما في بطنها وقته أحرار) لحصولهم قبل إقرارها بالرّق (مجهول
النسب حرر عبده ثم أقر بالرق لإنسان وصدقه) المقر له (صح) إقراره (في حقه)
فقط (دون إيطال العتق فإن مات العتيق يرثه وارثه إن كان) له وارث يستغرق التركة
(وإلا فيرث) الكل أو الباقي. كافي وشرنبلالية.
(المقر له قال مات المقر ثم العتيق فإرثه لعصبة المقر) ولو جنى هذا العتيق
النسب) قيد به احترازاً عمن علم نسبه وحريته فلا يصح إقراره بالرق لتكذيب العيان له
كما لا يخفى، وكذا من علم أنه عتيق الغير، ويصح هذا الإقرار من المجهول، ولو كان
صبياً مميزاً كما في تنوير الأذهان، ويستثنى منه اللقيط حيث لا يصح إقراره بأنه عبد
لفلان، إلا إذا كان بالغاً. أبو السعود.
وفي الأشباه: مجهول النسب: لو أقر بالرق الإنسان وصدقه المقر له صح وصار
عبده إن كان قبل تأكد حريته بالقضاء، أما بعد قضاء القاضي عليه بحد كامل أو
بالقصاص في الأطراف لا يصح إقراره بالرق بعد ذلك، وإذا صح إقراره بالرق فأحكامه
بعده في الجنايات والحدود وأحكام العبيد وفي النتف يصدق، إلا في خمسة: زوجته،
ومکاتبه، ومدبره، وأم ولده، ومولی عتقه. انتهى.
أقول: وهذا يفيد مجهول النسب أيضاً قوله: (صح إقراره في حقه) أي وصار عبده
إن كان قبل تأكد حريته بالقضاء كما علمت. قوله: (دون إيطال العتق) أي دون ما يتعلق
بعصبة المقر من إرث المعتق بعد موت المقر. قوله: (يرثه وارثه الخ) لأنه مقدم على
المعتق. قوله: (وإلا) صادق بأن لم يكن له وارث أصلاً، أو وارث لا يرث الكل كأحد
الزوجين. قوله: (فيرث الكل) أي إن لم يكن له وارث أصلاً. قوله: (أو الباقي) إن كان
له وارث لا يستغرق. قوله: (كافي وشرنبلالية) الأولى: شرنبلالية عن الكافي، لقوله كذا
في الكافي. وعبارة الشرنبلالية عن المحيط: وإن كان للميت بنت كان النصف لها،
والنصف للمقر له اهـ.
فعلم أن المراد بالوارث ذو الفرض أو العصبة، وإن كان المقر له مقدماً على الرد
وهل يقدم على ذوي الأرحام يراجع.
- قال في الشرنبلالية: وإن جنى هذا العتيق سعى في جنايته لأنه لا عاقلة له، وإن
جني عليه يجب عليه أرش العبد، وهو كالمملوك في الشهادة، لأن حريته في الظاهر وهو
يصلح للدفع لا للاستحقاق اهـ. قوله: (المقر له) فاعل يرث: أي وإلا فيرث الكل أو
الباقي المقر له. قوله: (فإرثه لعصبة المقر) لأنه لما مات انتقل الولاء إليهم، بخلاف ما إذا
كان حياً. درر. وذلك لأن إقراره بالرق لا يظهر في حقهم، فلو كان عصبة أولاده فمن

٢٥٧
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
سعى في جنايته لأنه لا عاقلة له، ولو جتى عليه يجب أرش البعد وهو كالمملوك في
الشهادة لأن حريته بالظاهر، وهو يصلح للدفع لا للاستحقاق.
(قال) رجل لآخر (لي عليك ألف فقال) في جوابه (الصدق أو الحق أو اليقين
أو نكر). كقوله: (حقاً ونحوه) (أو كرر لفظ الحق أو الصدق). كقوله: الحق
الحق أو حقاً حقاً (ونحوه أو قرن بها البر).
قبل الإقرار أحرار يرثون، ومن بعده من أمة أرقاء لا ترثون، فتدبر ط.
والحاصل: أن الإقرار حجة قاصرة، فما دام حياً يكون إرث العتيق للمقر له عند
عدم الوارث، وبعد المقر ينتقل الولاء لعصبته، فيكون الإرث لهم فلا ينفذ إقراره عليهم،
ويستحقون الميراث دون المقر له. قوله: (لأنه لا عاقلة له) إذ الذي أعتقه صار رقيقاً والمقر
له لم يظهر حكمه في حق ذلك العتيق. قوله: (ولو جنى عليه يجب أرش العبد) وعليه فقد
صار الإقرار حجة متعدية في حق المجني عليه، فينبغي زيادة هذه المسألة على الست
المتقدمة آنفاً. قوله: (لأن حريته بالظاهر) لأنا نظرنا فيها إلى ظاهر حرية المعتق حال
إعتاقه. قوله: (قال رجل لآخر لي عليك ألف الخ). أقول: هذه المسائل معرفة أو منكرة
أو مكررة أو مقروناً بها البرّ ينبغي أن تذكر عند قول المصنف في كتاب الإقرار قال: أليس
لي عليك ألف؟ فقال بلى الخ لوجهين.
الأول: أنها من قبيل نعم.
والثاني: أنها نظيرة اتزنها واتزن، فنظير الأول قوله الحق ونحوه، لأن المفعول
المطلق أو المفعول به لا يستقل بنفسه، لأن الهاء لا بد له من مرجع سابق، ونظير الثاني
قوله الحق حق ونحوه، لأنه كلام تام غير محتاج إلى ما قبله، وكذلك اتزن، ثم هذه
الألفاظ الرواية فيها النصب، وعليه كلام المصنف حيث صرح به في النكرة: إما بكونه
على المصدرية والتقدير القول الحق الخ، أو بكونه مفعولاً به: أي ادعيت الحق الخ،
وجاز في الكل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف يدل عليه فحوى الكلام. فالتقدير: قولك
الحق أو دعواك الحق الخ، ولو قدر مجروراً فله وجه أيضاً فيكون التقدير قولك: أو
دعواك بالحق، ولو لم يعرب فيحمل على واحد منهما، فلا يختلف الحكم في الجميع في
الصحيح. كذا في الجامع العاملي. قوله: (ونحوه) بأن كرر اليقين أيضاً معرفاً أو منكراً.
قوله: (أو قرن بها البر) قيد به لأنه لو قرن بها الصلاح لم يكن إقراراً، لأن الصلاح محكم
في الرد، إذ القول لا يوصف به فيكون أمراً بالصلاح والاجتناب عن الكذب، فيحمل ما
قرن به عليه أطلقه ولكنه مقيد بالنصب، إذ لو رفع يكون جملة تامة من مبتدأ وخبر فلا
يجعل جواباً لما سبق، بخلاف تكرير هذه الألفاظ حيث يحمل على التأكيد. وأشار بالمقارنة
إلى أن البرّ لو انفرد معرفاً أو منكراً أو مكرراً لا يكون إقراراً لعدم العرف. عبد الحليم.

٢٥٨
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
كقوله: البرّ حق أو الحق برّ الخ (فإقرار، ولو قال الحق حق أو الصدق صدق أو
اليقين يقين لا) يكون إقراراً لأنه كلام تام، بخلاف ما مر لأنه لا يصلح للابتداء
فجعل جواباً، فكأنه قال ادعيت الحق الخ.
(قال لأمته يا سارقة يا زانية يا مجنونة يا آبقة أو قال هذه السارقة فعلت كذا
وباعها فوجد بها واحد منها) أي من هذه العيوب (لا ترد به) لانه نداء أو شتمة لا
إخبار (بخلاف هذه سارقة أو هذه آبقة أو هذه زانية أو هذه مجنونة) حيث ترد بأحدهما
لأنه إخبار وهو لتحقيق الوصف (وبخلاف يا طالق) أو هذه المطلقة فعلت كذا حيث
تطلق امرأته لتمكنه من إثباته شرعاً فجعل إيجاباً ليكون صادقاً، بخلاف الأول. درر.
(إقرار السكران بطريق محظور) أي ممنوع محرم (صحيح) في كل حق، فلو أقر
قوله: (البر حق) هذا مما يصلح للإخبار ولا يتعين جواباً، والذي في نسخة الدرر: البرّ
الحق، وهو في بعض النسخ كذلك، وهو ظاهر فإنه يحمل على الإبدال ط. قوله: (لأنه
كلام تام) من مبتدأ وخبر مستقل بنفسه، هذا هو المنطوق، وجعله جواباً إنما هو باعتبار
دلالة الحال، وذا ساقط في مقابله. وقوله: (لأنه لا يصلح للابتداء) أي لأن يكون كلاماً
مبتدأ، هذا هو الظاهر، أو لا يصلح لأن يكون مبتدأ، لأنه لو رفع يكون خبراً لمبتدأ
يقدر بدلالة الحال، وهو قولك أو دعواك على ما أشرنا إليه. قوله: (يا سارقة الخ) مأخذ
هذه المسألة بتفاريعها من باب الإقرار بالعيب في الجامع الكبير وإتيان المصنف بها في أواخر
باب العيب أنسب من إتيانه بها هنا كما لا يخفى. قوله: (لأنه نداء) أي فيما عدا الأخير
والنداء إعلام المنادى وإحضاره لا تحقيق الوصف، ولهذا لو قال لامرأته يا كافرة لا يفرق
بينهما ا هـ. درر. قوله: (أو شتمة) أي في الأخيرة وهي قوله هذه السارقة فعلت كذا:
أي ولم يكن لتحقيق الوصف، وفي نسخة (شتيمة)) ويحتمل أن أو بمعنى الواو، فإن كل
أمثلة النداء تصلح للشتم وينفرد الشتم في الأخيرة ط. قوله: (بخلاف هذه سارقة) وكذا
هذه السارقة بلام التعريف، الحاصل أن الاعتبار إلى مجيء الوصف خبراً فيستوي حينئذ
كونه معرفاً أو منكراً، بخلاف مجيئه نعتاً فيحنئذ يحمل على الشتم، هذا هو المصرح به في
تلخيص الجامع الكبير، وعليه كلام الكافي، فيظهر منه أن تنكير هذه الأوصاف في عبارة
المصنف ليس للاحتراز. قوله: (حيث ترد بأحدها) أي لو اشتراها من لم يعلم بهذه
الأخبار ثم علم ط.
أقول: فيه نظر، لأن الشرط في رد المبيعة بالعيب أن يوجد عند المشتري والبائع،
فلو أقر البائع بالعيب عنده ولم يوجد عند المشتري لا ترد بل يكون قد زال. تأمل. قوله:
(بخلاف الأول) فإن السيد لا يتمكن من إثبات هذه الأوصاف فيها. قوله: (بطريق
محظور) متعلق بالسكران. قوله: (محرم) لا حاجة إليه. قوله: (صحيح) لتكليفه شرعاً

٢٥٩
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
بقود أقيم عليه الحد في سكره، وفي السرقة يضمن المسروق كما بسطه سعدي
أفندي في باب حد الشرب (إلا في) ما يقبل الرجوع كالردة و (حد الزنا وشرب
لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] خاطبهم تعالى ونهاهم
حال سكرهم. أشباه. قوله: (أقيم عليه الحدّ في سكره) لعله سبق قلم. والصواب
القصاص لأنه لا فائدة في انتظاره، وأشار إلى أن الحدّ تارة يقصد به تأديب بإيصال الألم
إليه، وهذا لا يحصل في حال السكر فلا يقام عليه فيه لأنه لا يحس به كحد الشرب
والقذف، وتارة يقصد به تأديب غيره أو تحصيل ثمرته، وإن أقيم في حال السكر لبقاء
أثره بعده كالقود فإنه إن كان في النفس يحصل به إزهاق الروح، فلا فرق أن يكون في
حال الصحو لحصول المقصود به، وهو زجر غيره أن يفعل كفعله، وكذا فيما دون النفس
المقصود به يحصل في حال السكر أو في حال الصحو. وينبغي أن يكون حد السرقة كذلك
لبقاء أثره بعد الصحو. قوله: (وفي السرقة يضمن المسروق) أي لو أقر بالسرقة يتضمن
ذلك الإقرار حق الله، وهو إقامة الحد وحق العبد، وهو ضمان المال فلا يلزمه الحدّ لدرئه
بالشبهات، ويصح في حق العبد فيضمن المال المسروق. قوله: (سعدي أفندي) وعبارته
هناك.
وقال صاحب النهاية: ذكر الإمام التمرتاشي: ولا يحد السكران بإقراره على نفسه
بالزنا والسرقة، لأنه إذا صحا ورجع بطل إقراره ولكن يضمن المسروق، بخلاف حد
القذف والقصاص حيث يقام عليه في حال سكره لأنه لا فائدة في التأخير لأنه لا يملك
الرجوع، لأنهما من حقوق العباد، فأشبه الإقرار بالمال والطلاق والعتاق انتهى.
ولا يخفى عليك أن قوله لأنه لا فائدة في التأخير محل بحث، وفي معراج الدراية:
بخلاف حد القذف فإنه يحبس حتى يصحو ثم يحد للقذف، ثم يحبس حتى يخف منه
الضرب، ثم يحد للسكر. ذكره في المبسوط. وفي معراج الدراية: قيد بالإقرار لأنه لو زنى
أو سرق في حاله يجد بعد الصحو، بخلاف الإقرار، وكذا في الذخيرة انتهى انتهت.
أقول: لكن في قوله بخلاف الإقرار أن الإقرار كذلك فما وجه المخالفة. تأمل.
قوله: (إلا فيما يقبل الرجوع كالردة) أي ولو بسبّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فإنها
کسائر ألفاظ الردة خلافاً لما قدمه الشارح في بابها.
وكتب عليه سيدي الوالد رحمه الله تعالى كتابة حسنة حرر فيها أن القبول هو
المذهب، وأن عدم القبول هو مذهب مالك رحمه الله تعالى فارجع إليه. والحكمة في عدم
صحة إقراره فيما يقبل الرجوع أن الردة مبنية على الاعتقاد وهو يعتمد وجود العقل ولا
عقل له مع السكر ولو أقر، ولذا لو ارتد في سكره لا تصح ردته، وعليه فينبغي أن لا
تلحقه أحكام المرتد من بينونة زوجة ونحوه، فليراجع. أما من ثبتت ردته بالبينة، وأنكر

٢٦٠
كتاب الإقرار / باب إقرار المريض
الخمر وإن) سكر (بطريق مباح) كشربه مكرهاً (لا) يعتبر بل هو كالإغماء إلا في
سقوط القضاء. وتمامه في أحكامات الأشباه.
فإن إنكاره توبة فتلزمه أحكام المرتد كما صرحوا به. قوله: (وشرب الخمر) أي إذا أقر
وهو سكران بأنه شرب الخمر الذي هو فيه أو غيره لا يصح إقراره فلا يقام عليه الحد،
وإنما ترتب على البينة مثلاً الأحكام ط. قوله: (لا يعتبر) أي إقراره. قوله: (إلا في
سقوط القضاء) أي قضاء الصلاة أزيد من يوم وليلة، فتسقط بالإغماء لا بالسكر، لأنه
بصنعه كما في الأشباه. قوله: (وتمامه في أحكامات الأشباه) وعبارتها أحكام السكران هو
مكلف لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] خاطبهم تعالى
ونهاهم حال سكرهم، فإن كان السكر من محرم، فالسكرا منه هو المكلف، وإن كان من
مباح فلا فهو کالمغمی علیه لا يقع طلاقه.
واختلف التصحيح فيما إذا سكر مكرهاً أو مضطراً فطلق، وقدمنا في الفوائد أنه
من محرم كالصاحي إلا في ثلاث: الردة، والإقرار بالحدود الخالصة، والإشهاد على شهادة
نفسه، وزدت على الثلاثة: تزويج الصغير والصغيرة بأقل من مهر المثل أو بأكثر فإنه لا
ینعقد.
الثانية: الوكيل بالطلاق صاحياً إذا سكر فطلق لم يقع.
الثالثة: الوكيل بالبيع، ولو سكر فباع لم ينفذ على موكله.
الرابعة: غصب من صاح ورده عليه وهو سكران وهي في فصول العمادي فهو
كالصاحي، إلا في سبع فيؤاخذ بأقواله وأفعاله. واختلف التصحيح بما إذا سكر من
الأشربة المتخذة من الحبوب أو العسل، والفتوى على أنه سكر محرم، فيقع طلاقه وعتاقه
ولو زال عقله بالبنج لم يقع وعن الإمام أنه إن كان يعلم أنه بنج حين يشرب يقع وإلا
فلا، وصرحوا بكراهة أذان السكران، واستحباب إعادته وينبغي أن لا يصح أذانه
كالمجنون. وأما صومه في رمضان فلا إشكال أنه إن صحا قبل خروج وقت النية أنه يصح
إذا نوى، لأنا لانشرط التبييت فيها، وإذا خرج وقتها قبل صحوة أثم وقضى، ولا يبطل
الاعتكاف بسكره ويصح وقوفه بعرفات كالمغمى عليه، لعدم اشتراط النية فيه. واختلفوا
في حد السكران: فقيل من لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، وبه قال
الإمام الأعظم. وقيل من في كلامه اختلاط وهذيان، وهو قولهما وبه أخذ أكثر المشايخ.
والمعتبر في قدح السكر في حق الحرمة ما قالاه احتياطاً في الحرمات، والخلاف في الحد
والفتوى على قولهما في إنتقاض الطهارة وفي يمينه لا يسكر كما بيناه في شرح الكنز.
تنبيه قولهم إن السكر من مباح كالإغماء، يستثنى منه سقوط القضاء فإنه لا يسقط
عنه وإن كان أكثر من يوم وليلة لأنه بصنيعه. كذا في المحيط انتهى ما ذكره في الأشباه.