النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
کتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
حتى لو اشتراها حبلى لم يبطل عنقه
يكون أحدهما حر الأصل والآخر رقيقاً وهما من ماء واحد، بخلاف ما إذا كان الولد
واحداً حيث لا يبطل فيه إعتاق المشتري، لأنه لو بطل فيه بطل مقصوداً لأجل حق
الدعوى للبائع وأنه لا يجوز، وهنا تثبت الحرية في الذي لم يبع ثم تتعدى إلى الآخر ضمناً
وتبعاً، وكم من شيء يثبت ضمناً وإن لم يثبت مقصوداً اهـ. فالشارح رحمه الله تعالى ذكر
آخر عبارة الدرر وترك صدرها، فكان الأولى في التعليل لأنهما علقا في ملكه من ماء
واحد، فإذا ثبتت حرية أحدهما ثبتت حرية الآخر تبعاً والشيء قد يثبت تبعاً وإن لم يثبت
قصداً. قوله: (حتى لو اشتراها) أي البائع حبلى وجاءت بهما لأكثر من سنتين. عيني.
قوله: (لم يبطل عتقه) قال الأكمل: ونوقض بما إذا اشترى رجل أحد توأمين واشترى
أبوه الآخر فادعى أحدهما الذي في يده بأنه ابنه يثبت نسبهما منه ويعتقان جميعاً ولم تقتصر
الدعوى. وأجيب بأن ذلك لموجب آخر، وهو أن المدعي إن كان هو الأب فالابن قد
ملك أخاه، وإن كان هو الابن فالأب قد ملك حافده فيعتق، ولو ولدت توأمين فباع
أحدهما ثم ادعى أبو البائع الولدين وكذباه: أي ابنه البائع والمشتري صارت أم ولده
بالقيمة وثبت نسبهما وعتق الذي في يد البائع، ولا يعتق المبيع لما فيه من إيطال ملكه
الظاهر، بخلاف النسب لأنه لا ضرر فيه.
والفرق بينه وبين البائع إذا كان هو المدعي أن النسب ثبت في دعوى البائع بعلوق
في ملكه، وهنا حجة الأب شبهة ((أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيْكَ)) تظهر في مال ابنه البائع فقط.
وفي التاترخانية: فإن باع الأمة مع أحد الوالدين ثم ادعی أبو البائع نسب الولدين
جميعاً وكذبه المشتري والبائع: ففي قول محمد: دعوى الأب باطلة، وعند أبي يوسف:
ودعوى الأب لا تصح في حق الأمة ولا تصیر أم ولد له، وتصح دعوته في حق الولدین
نسباً، ولا يحكم بحرية المبيع، والولد الثاني حر بالقيمة. وإن صدق المشتري وكذب البائع
فالأمة تصير أم ولده اتفاقاً وعليه قيمتها للابن، ويثبت نسب الولدين منه، والمبيع حر
بالقيمة على الأب عند أبي يوسف، وعند محمد: حر بغير القيمة. وإن صدقه البائع وكذبه
المشتري ثبت نسب الولدين من أبي البائع، فمن المشايخ من ظن أن ثبوت نسبهما من أبي
البائع قول أبي يوسف، وقول محمد: ينبغي أن لا يثبت نسبهما منه. والصحيح أن ما
ذكره محمد قول الكل، ولم يذكر محمد حكم الأم.
وقال أبو حازم والقاضي أبو الهشيم على قياس أبي يوسف ومحمد: يضمن البائع
قيمتها للأب لا على قول أبي حنيفة. وقال أكثر مشايخنا: لا يضمن شيئاً لصاحبه
بالاتفاق، كذا في المقدسي.
وفيه: رجل حملت أمته عنده وولدت فکبر عنده فزوّجه أمة له فولدت له ابناً فباع

١٠٢
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
لأنها دعوة تحرير فتقتصر. عيني وغيره. وجزم به المصنف.
ثم قال: وحيلة إسقاط دعوى البائع أن يقر البائع أنه ابن عبده فلان فلا
تصح دعواه أبداً. مجتبى.
وقد أفاده بقوله: (قال) عمرو (لصبي معه) أو مع غيره. عيني (هو ابن زيد)
الغائب (ثم قال هو ابني لم يكن ابنه) أبداً (وإن) وصلية (جحد زيد بنوته) خلافاً
لهما، لأن النسب لا يحتمل النقض
المولى هذا الابن وأعتقه المشتري فادعى البائع نسب الأكبر ثبت وبطل العتق، وإن ادعى
نسب الثاني لا تسمع، ولو باع الأم مع أحدهما ثم ادعى الأب صحت عند أبي يوسف
وثبت نسبهما، والولد المبيع مع أمه بقيا على ملك المشتري، وعند محمد: لا تصح. قوله:
(لأنها دعوة تحرير) لعدم العلوق في ملكه. قوله: (فتقتصر) بخلاف المسألة الأولى، وهو
ما إذا كان العلوق في ملکه حیث یعتقان جمیعاً لما ذکر أنها دعوة استیلاد فتستند، ومن
ضرورته عتقهما بطريق أنهما حرا الأصل فتبين أنه باع حراً. عيني. قوله: (فلا تصح
دعواه أبداً) أي وإن جحد العبد، وهذا عند الإمام، وعندهما: تصح دعواه إن جحد
العبد.
ووجه قول الإمام أن الإقرار بالنسب من الغير إقرار بما لا يحتمل النقض فلا تصح
دعوة المقر بعد ذلك، وإنما قلنا: إنه لا يحتمل النقض لأن في زعم المقر أنه ثابت النسب
من الغير والنسب إذا ثبت لا ينتقض بالجحود والتكذيب، ولهذا لو عاد المقر له إلى
تصديقه جاز وثبت النسب منه وصار كالذي لم يصدقه ولم يكذبه ط. قوله: (وقد أفاده)
أي أفاد نظيره لا عينه. قوله: (معه أو مع غيره) أشار إلى أن ما وقع من التقييد بكونه معه
ليس احترازياً. قال الزيلعي: لا يشترط لهذا الحكم أن يكون الصبيّ في يده، واشتراطه
في الكتاب وقع اتفاقياً اهـ. شرنبلالية. قوله: (الغائب) إتقاني أيضاً. قوله: (خلافاً لهما)
فقالا تصح دعوة المقر بعد جحود المقر له أن يكون ابنه، لأن إقراره له بطل بجحود المقر
له فصار كأنه لم يقر وقد تقدم توجيه قول الإمام، وذكره المؤلف.
وعبارة الدرر: هما قالا: إذا جحد زيد بنوته فهو ابن للمقر، وإذا صدقه زيد أو لم
يدر تصديقه ولا تكذيبه لم تصح دعوة المقر عندهم.
لهما أن الإقرار ارتد برد زيد فصار كأن لم يكن، والإقرار بالنسب يرتد بالرد؛
ولهذا إذا أكره على الإقرار بالنسب فأقرّ به لا يثبت، وكذا لو هزل به وإن لم يحتمل النسب
نفسه النقض، وله أن النسب لا يحتمل النقض بعد ثبوته، والإقرار بمثله لا يرتد بالرد:
أي بمثل ما لا يحتمل النقض إذا تعلق به حق المقر له، حتى لو صدقه بعد التكذيب يثبت
النسب منه. وأيضاً تعلق به حق الولد فلا يرتد برد المقر له اهـ.

١٠٣
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
بعد ثبوته، حتى لو صدقه بعد تكذيبه صح، ولذا لو قال لصبيّ هذا الولد مني ثم
قال ليس مني لا يصح نفيه، لأنه بعد الإقرار به لا ينتفي بالنفي فلا حاجة إلى
الإقرار به ثانياً، ولا سهو في عبارة العمادي کما زعمه منلا خسرو
قال قاضيخان: ومن جملة النسب لا يرتد بالرد في حق المقر لأن في زعمه أنه ثابت
النسب من الغير فيصلح حجة في حق نفسه وإن لم يصلح على الغير، كمن أقر بحرية عبد
إنسان وكذبه المولي لا يبطل إقراره في حق نفسه، حتى لو ملکه بعد ذلك يعتق عليه ا هـ.
ولا يرتد بالرد في حق المقر، ومن ذلك لو صدقه الخ، ولا في حق الولد لاحتياجه إلى
النسب. قوله: (بعد ثبوته) وهنا أثبت من جهة المقر للمقر له. قوله: (حتى لو صدقه)
أي صدق المقر له المقر، وفي التفريع خفاء لأنه ليس هذا متفرعاً على ما زعمه، بل على أن
الإقرار بما لا يحتمل النقض لا يرتد بالرد إذا تعلق به حق الغير، كمن أقر بحرية عبد
غيره فکذبه مولاه فیقی في حق المقر حراً ولا يرتد بالرد، حتى لو ملکه عتق عليه، وکمن
شهد على رجل بنسب صغير فردت شهادته لتهمة فادعاه الشاهد لا تقبل.
ولا يرد ما لو أقر المشتري على البائع بإعتاق المبيع قبل البيع وكذبه البائع ثم قال
المشتري أنا أعتقه يتحول الولاء إليه لأنها من محل الخلاف، ولو سلم فالنسب ألزم من
الولاء لقبوله التحول من موالي الأم إلى موالي الأب أو إلى مولى آخر فيما لو ارتدت المعتقة
ثم سبيت بعد ما لحقت فاشتراها آخر وأعتقها.
ولا يرد أيضاً ما لو أقر أن عبده ابن الغير ثم ادعاه حيث يعتق، لأن العتق ليس
لثبوت نسبه منه، بل لأن إقراره يسري على نفسه كقوله لعبد الثابت نسبه من غيره هو
ابني. وعبارة الدرر كما سمعتها في المقولة السابقة: فظهر أنه مفرع على تعلق حق المقر له
به. تأمل. قوله: (فلا حاجة إلى الإقرار به ثانياً) بأن يقول هو ابني. قوله: (ولا سهو في
عبارة العمادي) عبارته هكذا: هذا الولد ليس مني ثم قال هو مني صح، إذ بإقراره بأنه
منه ثبت نسبه فلا يصح نفيه. قال في الدرر: هذا سهو لأن التعليل يقتضي أن هناك ثلاث
عبارات: إثبات ونفي وعود إلى الإثبات.
قال الشرنبلالي: والذي يظهر لي أن عوده إلى التصديق ليس له فائدة في ثبوت
النسب لأنه بعد الإقرار لا ينتفي بالنفي.
وأقول: هذا يقرر مدعي الدرر، وليس بجواب عن العمادي.
وفي الزيلعي: نفي النسب عن نفسه لا يمنع الإقرار به بعده، بأن قال ليس هذا
بابني ثم قال هو ابني اهـ.
وأقول: ليس في عبارة العمادي سبق الإقرار على النفي، وانظر تحقيقه فيما يأتيك
في المقولة الآتية. قوله: (كما زعمه منلا خسرو) راجع إلى المنفى الذي هو السهو، ونصه

١٠٤
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
كما أفاده الشرنبلالي؛ وهذا إذا صدقه الابن، وأما بدونه فلا إلا إذا عاد الابن إلى
التصديق لبقاء إقرار الأب.
(ولو أنكر الأب الإقرار فبرهن عليه الابن قبل. وأما الإقرار بأنه أخوه فلا
يقبل لأنه إقرار على الغير).
قال: هذا الولد مني ثم قال هذا الولد ليس مني ثم قال هو مني صح، إذ بإقراره بأنه منه
تعلق حق المقر له إذا ثبت نسبه من رجل معين حتى ينتفي كونه مخلوقاً من ماء الزنا، فإذا
قال ليس مني هذا الولد لا يملك إبطال حق الولد، فإذا عاد إلى التصديق صح.
أقول: قد وقعت العبارة في الأستروشنية كالعمادية: هذا الولد ليس مني ثم قال
هو مني صح، إذ بإقراره أنه منه الخ الظاهر أنه سهو من الناسخ الأول، يدل عليه
التعليل الذي ذكره لأنه يقتضي أن يكون هنا ثلاث عبارات: تفيد الأولى: إثبات البنوة،
والثانية: نفيها، والثالثة: العود إلى الإثبات، والمذكور فيهما العبارتان فقط.
قال الشرنبلالي: والذي يظهر لي أن اللفظ الثالث وهو قوله ثم قال هو مني ليس له
فائدة لثبوت النسب لأنه بعد الإقرار به لا ينتفي بالنفي ولا يحتاج إلى الإقرار به بعده،
فليتأمل اهـ. ولذلك قال في الخلاصة. ولو قال هذا الولد ليس مني ثم قال مني صح،
ولو قال مني ثم قال ليس مني لا يصح النفي اهـ. فاقتصر هنا على العبارتين كالعمادية
والأستروشنية، لكن كلام الشرنبلالي لا يدفع كلام صاحب الدرر، لأن مناقشته إنما هي
في إسقاط الأولى، أما الثالثة فهي موجودة في عبارة العمادية والأستروشنية، فصاحب
الدرر ناقش: في إسقاط الأولى والشرنبلالي في إسقاط الثالثة. تأمل.
والحاصل: أن الاعتبار إنما هو إلى وجدان الإقرار سواء تقدم عليه النفي أو تأخر
عنه كما علم من صريح الخلاصة. ولما ذكرنا، فهر أنه الخلل في سبك تعليل الأستروشني
وتبعه العمادي، وأن منلا خسرو لم يتفطنه وظن أنه محتاج إلى عبارة أخرى، وليس
كذلك، إذ الإقرار الواحد يكفي سواء وجد مقدماً على النفي أو متأخراً عنه كما لا
يخفى، فتدبر. قوله: (كما أفاده الشرنبلالي) راجع إلى النفي الذي هو عدم السهو. ط عن
الحلبي. وتقدم نص عبارة الشرنبلالية، ومقتضى ما يظهر لي أنه راجع إلى قوله فلا حاجة
إلى الإقرار به ثانياً. قوله: (وهذا) أي ثبوت النسب إذا صدقه الابن، أما بدونه فلا لأنه
إقرار على الغير بأنه جزؤه فلا يتم إلا بتصديق ذلك الغير، وهذا التفصيل إنما يأتي في
الإقرار بصبي يعبر عن نفسه، أما لو كان صغيراً لا يعبر عن نفسه يصدق المقر استحساناً
كما في الخلاصة. قوله: (أما بدونه فلا) أي فلا يتم إلا بتصديق ذلك الغير. قوله: (لبقاء
إقرار الأب) لأن إقرار الأب لم يبطل لعدم تصديق الابن فيثبت النسب كما في الدرر.
قوله: (قبل) لأنه إقرار على نفسه بأنه جزؤه. درر. قوله: (فلا يقبل) أي على الغير.

١٠٥
كتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
فروع لو قال لست وارثه ثم ادعى أنه وارثه وبين جهة الإرث صح، إذ
التناقض في النسب عفو، ولو ادعى بنوة العم لم يصح
قوله: (وبين جهة الإرث صح) قال في جامع الفصولين: إذ إثبات الوراثة لا يصح ما لم
يعين جهة الإرث. قوله: (ولو ادعى بنوة العم) عبارة الدرر: ادعى الأخوة ولم يذكر اسم
الجد صح، بخلاف دعوى كونه ابن عمه حيث يشترط فيها ذكر اسم الجد كما في العمادية
ح.
وفي الخيرية: ومما صرحوا به أن دعوى بنوة العم تحتاج إلى ذكر نسبة العم والأم إلى
الجد ليصير معلوماً لأنه لا يحصل العلم للقاضي بدون ذكر الجد، وتحقق العمومة بأنواع
منها العم لأم ذكره في كتاب الوقف.
وفي التنقيح أن الشهود إذا شهدوا بنسب فإن القاضي لا يقبلهم ولا يحكم به إلا بعد
دعوى مال، إلا في الأب والابن، وأن ينسب الشهود الميت والمدعي لبنوة العمومة حتى
يلتقيا إلى أب واحد، وأن يقول هو وارثه لا وارث له غیرہ کما صرح قاضیخان، ولا بد
أن يكون الأب الواحد الملتقي إليه معروفاً للقاضي بالاسم والنسب بالأب والجد إذ
الخصام فيه، والتعريف بذلك عند الإمام الأعظم رحمه الله تعالى، وعليه الفتوى. فإذا لم
يوجد شرط من هذه الشروط لا تقبل ولا يصح القضاء بها، وينبغي الاحتياط بالشهادة
بالنسب سيما في هذا الزمن.
قال الحامدي: قلت: هذا مناقض لما ذكره في الظهيرية والعمادية وغيرهما من أنه
يشترط ذكر الجد الذي التقيا إليه، وقد مثل له في الظهيرية مثالاً ولم يذكر اسم أب الجد
ولا اسم جده، لكن أفتى الإمام أبو السعود باشتراط ذكر الأب كما ذكره اليشمقجي في
فتاويه، وأظن أن الرحيمية(١) اشترط ذلك بناء على قولهم كصاحب التنوير وغيره: إذا
کانت الدعوی علی غائب يشترط ذکر أبيه وجده، وإن حکم بدون ذکر الجد نفذ وأنه ظن
أن الدعوى على الجد الذي التقيا إليه، والحال أن الدعوى على الميت الذي يطلبون إرثه،
فتنبه اهـ.
ز
قال في الدرر: قال أحد الورثة لا دعوى لي في التركة لا تبطل دعواه، لأن ما ثبت
شرعاً من حق لازم لا يسقط بالإسقاط، كما لو قال لست ابناً لأبي قال ذو اليد ليس هذا
لي ونحوه. أي ليس ملكي ولا حق لي فيه ونحو ذلك ولا منازع ثمة ثم ادعاه فقال: أي
ذو اليد هو لي صح والقول قوله، لأن هذا الكلام لم يثبت حقاً لأحد، لأن الإقرار
للمجهول باطل، والتناقض إنما يبطل إذا تضمن إبطال حق على أحد، ولو كان ثمة منازع
کان إقراراً له في رواية وهي رواية الجامع الصغير، وفي أخرى لا، وهي رواية دعوى
(١) (في ط قوله الرحيمية) هكذا بالأصل.

١٠٦
کتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
ما لم يذكر اسم الجد.
ولو برهن أنه أقر أني ابنه
الأصل، لكن قالوا: القاضي يسأل ذا اليد أهو ملك المدعي؟ فإن أقر به أمره بالتسليم
إليه، وإن أنكر أمر المدعي بإقامة البينة عليه، ولو قاله: أي قال ليس هذا لي ونحوه
الخارج لا يدعي ذلك الشيء بعده للتناقض وإنما لم يمنع ذو اليد على ما مر لقيام اليد.
كما في العمادية.
أقول: لكن قيده في جامع الفصولين بما إذا قال ذلك مع وجود النزاع، أما لو قاله
قبل النزاع فعلى الخلاف على عكس ذي اليد، وقوله لقيام اليد وهو دليل الملك فنفي الملك
عن نفسه من غير إثبات للغير لغو.
وفي الدرر أيضاً: ادعى العصوبة وبين النسب وبرهن الخصم أن النسب بخلافه، إن
قضى بالأول لم يقض به، وإلا تساقطا للتعارض وعدم الأولولية. قوله: (ما لم يذكر اسم
الجد) بخلاف الأخوة فإنها تصح بلا ذکر الجد كما في الدرر.
واعلم أن دعوى الأخوة ونحوها مما لو أقر به المدعى عليه لا يصح ما لم يدع قبله
مالاً.
قال في الولوالجية: ولو ادعى أنه أخوه لأبويه فجحد فإن القاضي يسأله ألك قبله
ميراث تدّعيه أو نفقة أو حق من الحقوق التي لا يقدر على أخذها إلا بإثبات النسب؟ فإن
كان كذلك يقبل القاضي ببينته على إثبات النسب، وإلا فلا خصومة بينهما، لأنه إذا لم
يدّع مالاً لم يدع حقاً، لأن الأخوّة المجاورة بين الأخوين في الصلب أو الرحم، ولو ادعى
أنه أبوه وأنكر فأثبته يقبل، وكذا عكسه وإن لم يدع قبله حقاً، لأنه لو أقر به صح
فينتصب خصماً، هذا لأنه يدعي حقاً، فإن الابن يدعي حق الانتساب إليه والأب يدعي
وجوب الانتساب إلى نفسه شرعاً. وقال عليه الصلاة والسلام ((مَنِ أَنْتَسَبَ إِلَى غَيْ أَبِيِهِ أَوِ
أَنْتَمَى إِلَى غَيرِ مَوَالِيه فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْعِين))(١) أَ هـ ملخصاً.
قال في البزازية: ادعى على آخر أنه أخوه لأبويه: إن ادعى إرثاً أو نفقة وبرهن
تقبل ويكون قضاء على الغائب أيضاً، حتى ولو حضر الأب وأنكر لا يقبل ولا يحتاج إلى
إعادة البينة لأنه لا يتوصل إليه إلا بإثبات الحق على الغائب. وإن لم يدّع مالاً بل ادعى
الأخوة المجردة لا يقبل، لأن هذا في الحقيقة إثبات البنوة على أب المدعى عليه والخصم
فيه هو الأب لا الأخ. وكذا لو ادعى أنه ابن ابنه أو أبو أبيه والابن والأب غائب أو
ميت لا يصح ما لم يدع مالاً، فإن ادعى مالًا فالحكم على الغائب والحاضر جميعاً كما مر،
بخلاف ما إذا ادعى رجل أنه أبوه أو ابنه، وتمامه فيها. قوله: (ولو برهن الخ) مكرر مع
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٦٠٩) وذكره المتقي الهندي في الكنز (١٥٣٠٩).

١٠٧
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
تقبل لثبوت النسب بإقراره: ولا تسمع إلا على خصم هو وارث أو دائن أو مدیون
أو موصي وله لو أحضر رجلاً ليدعي عليه حقاً لأبيه وهو مقر به أولاً فله إثبات
نسبه بالبينة عند القاضي بحضرة ذلك الرجل.
ولو ادعى إرثاً عن أبيه، فلو أقر به أمر بالدفع إليه ولا يكون قضاء على
الأب، حتى لو جاء حياً يأخذه من الدافع والدافع على الابن، ولو أنكر قيل للابن
برهن على موت أبيك وأنك وارثه ولا يمين، والصحيح تحليفه
ما قدمه قريباً. قوله: (تقبل لثبوت النسب بإقراره) أي ويزاحم الوارث المعروف، ويظهر
أن الأبوة مثل ذلك کما علمت مما مر.
بقي: فيما لم يثبت بإقراره فيشترط أن يدعي حقاً آخر كإرث أو نفقة، فلو برهنت
أنه عمها مريدة النفقة منه فبرهن على زيد أنه أخوها برىء العم، بخلاف دعوى الأبوة
كما في الهندية.
وقال في جامع الفصولين: أقر ذو ابن بأن فلاناً وارثه ثم مات الابن ثم المقر يأخذ
المقر له المال: يعني بحكم الوصية لأن هذا وصية. حتى لو قال هو قريبي ومات المقرّ عن
زوجة أخذت الربع والباقي للمقر له اهـ. وأشار بهذا إلى أنه لا يلزم معرفة جهة القرابة،
وإلا فإنه لو ادعى الإرث بالأخوة يلزم، والله تعالى أعلم. قوله: (ولا تسمع) أي بينة
الإرث كما في الفصولين، لكن في الأشباه تقبل الشهادة حسبة في النسب.
ويمكن أن يوفق بينها وبين ما هنا فيما إذا لم يكن خصم، كما لو ترك صغيراً وارثاً
فإن الشهادة حسبة تقبل ولا تكون التركة في بيت المال، بخلاف ما إذا حصل خصام من
الورقة مع المدعي فلا بد مما ذكر هنا. قوله: (وهو وارث) وكذا على الوصي. نور العين.
قوله: (أو دائن) أي على ما ذكره الخصاف وخالفه بعض المشايخ، وانظر ما صورته،
ولعل صورته أنه يدعي ديناً على الميت وينصب له القاضي من يثبت في وجهه دینه فحينئذ
يصير خصماً لمدعي الإرث، ومثل ذلك يقال في الموصى له. تأمل.
ويمكن التصوير لهما: أي الوارث والدائن بأن يكون دفع القاضي التركة للدائن
بدينه ثم حضر مدعي الإرث ونازع الدائن بأنه يريد استلام التركة ودفع جميع الدين إليه
فأنكر الدائن أن يكون المدعي وارث الميت يكون خصماً في إثبات النسب. قوله: (فلو
أقر) أي المدعى عليه. قوله: (به) أي بالبنوة بالموروث. قوله: (والدافع على الابن) على
بمعنى من أو متعلق بمحذوف: أي ويرجع الدافع على الابن. قوله: (ولو أنكر) أي
المدعي عليه دعوة البنوة. قوله: (والصحيح تحليفه) أي تحليف المنكر على العلم: أي على
أنه لا يعلم أنك ابن فلان، فإذا أراد الولد أخذ المال كلف إقامة البينة على مدعاه. قوله:

١٠٨
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
على العلم بأنه ابن فلان وأنه مات ثم يكلف الابن البينة بذلك. وتمامه في جامع
الفصولين من الفصل السابع والعشرين.
(ولو كان) للصبي (مع مسلم وكافر فقال المسلم هو عبدي وقال الكافر هو
ابني فهو حرّ ابن الكافر) لنيله الحرية حالً والإسلام مالاً، لكن جزم ابن الكمال
بأنه يكون مسلماً لأن حكمه حكم دار الإسلام، وعزاه للتحفة، فليحفظ.
(على العلم) أي على نفي العلم. قوله: (بأنه ابن فلان) الظاهر أن تحلیفه على أنه ليس بابن
فلان إنما هو إذا أثبت المدعي الموت وإلا فلا فائدة في تحليفه إلا على عدم العلم بالموت.
تأمل. قوله: (ثم يكلف الابن الخ) أي إن حلف، وإن نكل يكون مقراً، فإن كان منكراً
للمال يحلف عليه. قوله: (وتمامه في جامع الفصولين) حيث قال: ولو نكل يصير مقراً
بنسب وموت، وصار كما لو أقر بهما صريحاً وأنكر المال، ولو كان كذلك لا يجعل
القاضي الابن خصماً في إقامة البينة على إثبات المال، ولكن يجعله خصماً في حق التحليف
على المال وأخذه منه فيحلفه بتاً. قوله: (من الفصل السابع والعشرين) صوابه: الثامن
والعشرين. قوله: (هو عبدي) قيد به لأنه لو قال هو ابني يقدم المسلم. قوله: (والإسلام
مآلا) لظهور دلائل التوحيد لكل عاقل، وفي العكس يثبت الإسلام تبعاً، ولا يحصل له
الحرية مع العجز عن تحصيلها. درر.
واستشكله الأكمل بمخالفته لقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة:
٢١١] ودلائل التوحيد وإن كانت ظاهرة لكن الألفة مع الكفار مانع قويّ؛ ألا ترى أن
آباءه كفروا مع ظهور أدلة التوحيد، ويؤيده أن الذمية المطلقة أحق بولدها المسلم ما لم
يعقل الأديان أو يخف أن يألف الكفر للنظر قبل ذلك واحتمال الضرر بعده. وأجاب بأن
قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ يوجب دعوة الأولاد لآبائهم، ومدعي النسب أب لأن
دعوته لا تحتمل النقض فتعارضت الآيتان، وكفر الآباء جحود والأصل عدمه؛ ألا ترى
إلى انتشار الإسلام بعد الکفر في الآفاق. وأما الحضانة فترکها لا يلزم منه رق ا هـ.
بخلاف ترك النسب هنا فإن المصير بعده إلى الرق وهو ضرر عظيم لا محالة اهـ.
أقول: لكن بعد استدراك الشارح الآتي عن ابن كمال بأنه يكون مسلماً فلا
إشكال، وإن اعترض عليه فإنك ستسمع الاعتراض والجواب. قال في شرح الملتقى:
وهذا إذا ادعياه معاً، فلو سبق دعوى المسلم كان عبداً له، ولو ادعيا البنوة كان ابناً
للمسلم إذ القضاء بنسبه من المسلم قضاء بإسلامه. قوله: (لكن جزم ابن الكمال بأنه
یکون مسلماً) أي تبعاً للدار وابناً للكافر بالدعوة کما صرح به فیه، لأن حكمه حكم دار
الإسلام، وفيه أنه لا عبرة للدار مع وجود أحد الأبوين ح.
قلت: يخالفه ما ذكروا في اللقيط لو ادعاه ذمي يثبت نسبه منه وهو مسلم تبعاً

١٠٩
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
(قال زوج امرأة لصبيّ معهما هو ابني من غيرها وقالت هو ابني من غيره
فهو ابنهما) إن ادعيا معاً وإلا ففيه تفصيل. ابن كمال.
للدار، وتقدم في كتابه عن الولوالجية: ولا يقال إن تبعية الدار إنما تكون عند فقد الأبوين
لأن تبعيته قبل ثبوت أن الذمي أب له حيث كان في يد المسلم والكافر يتنازعان فيه، وهو
قول في غاية الحسن وإن كان مخالفاً الظاهر. تعليل الهداية وغيرها فليتبصر. قوله: (قال
زوج امرأة لصبي معهما) أي في يدهما احترز به عما لو کان في ید أحدهما.
قال في التاترخانية: وإن كان الولد في يد الزوج أو يد المرأة فالقول للزوج فيهما،
وقید بإسناد کل منهما الولد إلى غیر صاحبه، لما فيها أيضاً عن المنتقى: صبيّ في ید رجل
وامرأة قالت المرأة هذا ابني من هذا الرجل وقال ابني من غيرها يكون ابن الرجل ولا
یکون للمرأة، فإن جاءت بامرأة شهدت علی ولادتها إياه كان ابنها منه وكانت زوجته بهذه
الشهادة، وإن كان في يده وادعاه وادعت امرأته أنه ابنها منه وشهدت امرأة على الولادة لا
يكون ابنها منه بل ابنه لأنه في يده، واحترز عما فيها أيضاً: صبيّ في يد رجل لا يدعيه
أقامت امرأة أنه ابنها ولدته ولم تسمّ أباه وأقام رجل أنه ولد في فراشه ولم يسم أمه يجعل
ابنه من هذه المرأة ولا يعتبر الترجيح باليد، كما لو ادعها رجلان وهو في يد أحدهما فإنه
یقضی لذي اليد. قوله: (فهو ابنهما) لأن كل واحد منهما أقر للولد بالنسب وادعی ما
يبطل حق صاحبه ولا رجحان لأحدهما على الآخر لاستواء أيديهما فيه فيكون ابنهما، هذا
إذا كان لا يعبر عن نفسه وإلا فهو لمن صدقه. عيني. قوله: (إن ادعيا) هذا إذا كان
النكاح بينهما ظاهراً، وإن لم يكن ظاهراً بينهما يقضى بالنكاح بينهما. هندية عن شرح
الطحاوي. قوله: (وإلا ففيه تفصيل. ابن كمال) حيث قال: وإلا فعلى التفصيل الذي في
شرح الطحاوي ولم يبين ذلك التفصيل، وظاهر إطلاق المتون والشروح أنه لا فرق بين أن
يدعيا معاً أو متعاقباً وهي الموضوعة لنقل المذهب فليكن العمل عليها، ولأن ما يدعيه
أحدهما غير ما يدعيه الآخر إذ هو يدعي أبوته وهي تدعي الأمومة، ولا ينافي إحدى
الدعوتین الأخرى، غیر أن کلا یکذّب صاحبه في حق لا يدعیه لنفسه فیلغو قوله ولا
يعتبر السبق فيه، والله تعالى أعلم.
قال في الهندية: ولو ادعى الزوج أولًا أنه ابنه من غيرها وهو في يديه يثبت النسب
من غيرها، فبعد ذلك إذا ادعت المرأة لا يثبت النسب منها، وإن ادعت المرأة أولًا أنه من
غيره وهو في يدها فادعى الرجل أنه ابنه من غيرها بعد ذلك: فإن كان بينهما نكاح ظاهر
لا يقبل فهو ابنهما، وإن لم يكن بينهما نكاح ظاهر فالقول قولها، ويثبت نسبه منها إذا
صدّقها ذلك الرجل، هذا إذا كان الغلام لا يعبر عن نفسه. أما إذا كان يعبر عن نفسه
وليس هناك رقّ ظاهر فالقول قول الغلام أيهما صدقه يثبت نسبه منه بتصديقه. كذا في

١١٠
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
وهذا (ولو غير معبر وإلا) بأن كان معبراً (فهو لمن صدقه) لأن قيام أيديهما
وفراشهما يفيد أنه منهما.
(ولو ولدت أمة اشتراها فاستحقت غرم الأب قيمة الولد) يوم الخصومة لأنه
يوم المنع
السراج الوهاج. وأوضحه في العناية إيضاحاً حسناً حيث قال: إذا ادعت امرأة صبياً أنه
ابنها، فإما أن تكون ذات زوج أو معتدة، أو لا منكوحة ولا معتدة، فإن كانت ذات
زوج وصدقها فيما زعمت أنه ابنها منه ثبت النسب منهما بالتزامه فلا حاجة إلى حجة،
وإن كذبها لم تجز دعوتها حتى تشهد بالولادة امرأة لأنها تدعي تحميل النسب على الغير فلا
تصدق إلا بالحجة وشهادة القابلة كافية لأن التعيين يحصل بها وهو المحتاج إليه، إذ النسب
يثبت بالفراش القائم، وقد صح أنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَلَامُ قَبلَ شَهَادَةَ القَابِلَةِ عَلَى الوِلَادَةِ،
وإن كانت معتدة احتاجت إلى حجة كاملة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أي وهي شهادة
رجلين أو رجل وامرأتين، إلا إذا كان هناك حبل ظاهر أو اعترف من قبل الزوج.
وقالا: يكفي في الجميع شهادة امرأة واحدة، وقد مر في الطلاق: وإن لم تكن ذات زوج
ولا معتدة قالوا يثبت النسب بقولها لأن فيه إلزاماً على نفسها دون غيرها. وفي هذا لا
فرق بين الرجل والمرأة، ومنهم من قال: لا يقبل قولها سواء كانت ذات زوج أو لا.
والفرق هو أن الأصل أن كل من ادعى أمراً لا يمكنه إثباته بالبيئة كان القول فيه
قوله من غير بينة، وكل من ادعى أمراً يمكن إثباته بالبينة لا يقبل قوله فيه إلا بالبينة،
والمرأة يمكنها إثبات النسب بالبينة لأن انفصال الولد منها مما يشاهد فلا بد لها من بينة،
والرجل لا يمكنه إقامة البيئة على الإعلاق لخفاء فيه فلا يحتاج إليها، والأول هو المختار
لعدم التحميل على أحد فيهما اهـ. قوله: (وهذا لو غير معبر) أي إذا كان الغلام لا يعبر
عن نفسه. قوله: (فهو لمن صدقه) أي فالقول قول الغلام أيهما صدقه يثبت نسبه منه
بتصديقه، فلو لم يصدقهما جميعاً فالظاهر أن العبرة لقوله ط. قوله: (لأن الخ) علة لقوله
فهو ابنهما، فكان الأولى تقديمه على قوله وإلا، وأما كونه لمن كان صدقه إذا كان معبراً
فعلته أنه في يد نفسه. قوله: (ولو ولدت أمة) أي من المشتري وادعى الولد. حموي.
قوله: (غرم الأب قيمة الولد) ولا يغرم الولد حتى لو كان الأب ميتاً تؤخذ من تركته،
وولاؤه للمستحق عليه لأنه علق حرّ الأصل، وإنما قدر الرق ضرورة القضاء بالقيمة فلا
تعدو محلها. قوله: (يوم الخصومة) لا يوم القضاء ولا يوم الولادة. وقال الطحاوي: يغرم
قيمة الولد يوم القضاء، وإليه يشير. قوله: (لأنه يوم المنع) أي منع الولد من المستحق،
لكن في حاشية الشيخ حسن الشرنبلالي ما يخالفه، حيث فسر يوم التخاصم بيوم القضاء،
واستدل عليه بعبارة الزيلعي وشرح الطحاوي، ولا شك أن المغايرة بينهما أظهر لاحتمال

١١١
کتاب الدهوی/ باب دعوی النسب
(وهو حر) لأنه مغرور، والمغرور من يطأ امرأة معتمداً على ملك يمين أو نكاح
فتلد منه ثم تستحق فلذا قال: (و كذا) الحکم (ولن ملکها بسبب آخر) أي سبب
کان. عيني
تأخر القضاء عن التخاصم بأن لم يقم المستحق البينة في يوم دعوى الاستحقاق بل في يوم
آخر وكان بين اليومين تفاوت بالقيمة، يؤيده أن قول الطحاوي صريح في المغايرة بين
يومي التخاصم والقضاء، إلا أن يقال: الجمع بينهما ممكن. تأمل. قوله: (وهو حر)
أطلقه، ولكن هذا إذا كان حراً، أما إذا كان مكاتباً أو عبد مأذوناً له في التزوج يكون
ولده عبداً: أي قناً للمستحق عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد، وهو حر بالقيمة
عنده، وباقي التفصيل مذكور في بابه. قوله: (لأنه مغرور) أي والأمة ملك للمستحق
والولد جزؤها فاستوجب المستحق النظر إليه والمغرور معذور، وقد بنى الأمر على سبب
صحيح فوجب الجمع بين النظرين مهما أمكن، وذلك بجعل الولد حر الأصل في حق
الأب ورقيقاً في حق المستحق، لأن استحقاق الأصل سبب استحقاق الجزء فيضمن الأب
قيمته يوم الخصومة.
واعلم أن ولد المغرور حر الأصل من غير خلاف، ولا خلاك أنه مضمون على
الأب إلا أن السلف اختلفوا في كيفية الضمان، فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
عنه: يفك الغلام بالغلام والجارية بالجارية: يعني إذا كان الولد غلاماً فعلى الأب غلام
مثله، وإن كان جارية فعليه جارية مثلها. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
قيمته، وإليه ذهب أصحابنا، فإنه قد ثبت بالنص أن الحيوان لا يضمن بالمثل، وتأويل
الحديث الغلام بقيمة الغلام والجارية بقيمة الجارية، ولأن النظر من الجانبين واجب دفعاً
للضرر عنهما فيجعل الولد حر الأصل في حق أبيه رقيقاً في حق مدعيه نظراً لهما. عناية.
قوله: (فلذا قال) أي لكون المغرور من اعتمد في وطئه على ملك يمين الخ: أي ولم يقيد
بالشراء، فعلم أن قول المصنف أولًا ((اشتراها)) اتفاقي. قوله: (وكذا الحكم لو ملكها
بسبب آخر) كما لو ملكها أجرة عين له آجرها أو اتهبها أو تصدق بها عليه أو أوصى له
بها، إلا أن رجوع المغرور بما ضمن لا يعم هذه الصور، بل يقتصر على المشتراة
والمجعولة أجرة والمنكوحة بشرط الحرية لا الموهوبة. والمتصدق بها والموصى بها. أفاده أبو
السعود. قوله: (عيني) حيث قال: النظر من الجانبين واجب فيجعل الولد حر الأصل في
حق الأب رقيقاً في حق المستحق فيضمن قيمته يوم الخصومة لأنه يوم المنع، ويجب على
الأب دون الولد، حتى لو كان الأب ميتاً تؤخذ من تركته، ولا ولاء للمستحق عليه لأنه
علق حر الأصل، وكذا إذا ملكها بسبب آخر غير الشراء، وكذا إذا تزوجها على أنها حرة
فولدت ثم استحقت، روى ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه في النكاح. وعن عليّ

١١٢
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
(كما لو تزوجها على أنها حرة فولدت له ثم استحقت) غرم قيمة ولده (فإن مات
الولد قبل الخصومة فلا شيء على أبيه) لعدم المنع كما مر (وإرثه له) لأنه حرّ
الأصل في حقه فيرثه (فإن قتله أبوه أو غيره) وقبض الأب من ديته قدر قيمته (غرم
الأب قيمته) للمستحق كما لو كان حياً، ولو لم يقبض شيئاً لا شيء عليه، وإن
قبض أقل لزمه بقدره. عيني (ورجع بها) أي بالقيمة في الصورتين (ك)ما يرجع بـ
رضي الله تعالى عنه في الشراء بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من غير نكير
فكان إجماعاً اهـ. قوله: (كما لو تزوجها على أنها حرة) أي بأن كان المزوّج ولياً أو وكيلاً
عنها، وهذا بخلاف ما إذا أخبره رجل أنها حرة فتزوجها ثم ظهر أنها مملوكة فلا رجوع
بقيمة الولد على المخبر إلا في ثلاث مسائل: منها إذا كان الغرور بالشرط كما لو زوجه
امرأة على أنها حرة ثم استحقت فإنه يرجع على المخبر بما غرمه للمستحق من قيمة الولد.
وتمامه في باب المرابحة التولية وفي باب الاستحقاق. قوله: (غرم قيمة ولده) أي ويرجع
ذلك على المخبر كما مر في آخر باب المرابحة. قوله: (وإرثه له) أي لو مات الولد وترك
مالاً فهو لأبيه، ولا يغرم شيئاً لأن الإرث ليس بعوض عن الولد فلا يقوم مقامه فلم
يجعل سلامة الإرث كسلامته. قوله: (لأنه حر الأصل) فإن قلت: إنه ظهر منه أنه رقيق
في حق المستحق فوجب أن تكون التركة بينهما، قلت: بل هو حر في حق المستحق أيضاً،
حتى لو لم يكن له ولاء فيه(١)، وإنما جعل رقيقاً ضرورة القضاء بالقيمة، وما ثبت
بالضرورة يتقدر بقدرها كما في الشروح، فظهر أن معنى قوله («لأنه حر الأصل في حقه))
أنه حر في جميع الأحكام من كل وجه في حق غير المستحق، وفي حق المستحق إنما هو
رقيق في حق الضمان. قوله: (فإن قتله أبوه) إنما غرم لأن المنع تحقق بقتله. قوله: (غرم
الأب قيمته للمستحق) لوجود المنع منه فيما إذا كان هو القاتل ولقبضه بدله فيما إذا كان
القاتل غيره، فلذا لا يؤخذ منه فوق ما قبض کما سيأتي، بخلاف میراث الولد فإنه ليس
بدلاً عنه، بل آل إليه خلافة عنه كما هو طريقة الإرث وهو حر الأصل في حقه، والغرامة
في ماله لو كان الولد حياً لا في مال الولد وهو لم يمنعه ولا بدله فلا شيء عليه. قوله:
(لا شيء عليه) لأن المنع لا يتحقق فيما لم يصل إليه. قوله: (لزمه بقدره) اعتباراً للبعض
بالكل. قوله: (في الصورتين) أي صورتي الملك والتزوّج، أما في صورة الملك فلأن البائع
صار كفيلاً بما شرطه من البدل لوجوب سلامة البدلين في البيع ولما سلم الثمن للبائع
وجب سلامة المبيع للمشتري، وذلك بجعل البائع کفیلاً لتملكه البدل، لأنه ضمن
سلامتها من عيب والاستحقاق عيب. وأما في صورة النكاح فلأن الاستيلاد مبني على
(١) في ط (قوله حتى لو لم الخ) هكذا بالأصل، ولعل الظاهر إسقاط ((لو).

١١٣
کتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
(ثمنها) ولو هالكة (على بائعها) وكذا لو استولدها المشتري الثاني، لكن إنما يرجع
المشتري الأول على البائع الأول بالثمن فقط كما في المواهب وغيرها (لا بعقرها)
التزوج وشرط الحرية كوصف لازم للتزوج فنزل: أي المزوج قائلاً: أنا كفيل بما لزم في
هذا العقد، بخلاف ما إذا أخبره رجل أنها حرة أو أخبر به هي وتزوجها من غير شرط
الحرية حيث يكون الولد رقيقاً، ولا يرجع على المخبر بشيء لأن الإخبار سبب محض،
لأن العقد حصل باختيار الرجل والمرأة، وإنما يؤخذ حكم العلة بالغرور وذلك بأحد
أمرين: بالشرط أو بالمعاوضة كما في المقدسي، وهذا ظاهر فيما إذا أرجعنا الصورتين إلى
ما ذكرنا، أما إذا أرجعنا الصورتين إلى قوله فإن قتله أبوه أو غيره كما في الشرنبلالي فلا
يظهر فيما إذا قتله الأب لأنه ضمان إتلاف فكيف يرجع بما غرم؟ وقد صرح الزيلعي
بذلك: أي بالرجوع فيما إذا قتله غيره وبعدمه بقتله، والأولى إرجاع الصورتين إلى ما إذا
استولدها وما إذا قتله غير الأب، فتأمل. قوله: (ولو هالكة) يعني إذا هلكت عند
المشتري فضمنه: أي المستحق قيمتها وقيمة الولد فإنه يرجع على البائع بثمنها وبقيمة الولد
لا بما ضمن من قيمتها، لأنه لما أخذ المستحق قيمتها صار كأنه أخذ عينها، وفي أخذ
العين لا يرجع إلا بالثمن فكذا في أخذ القيمة.
والحاصل: أن المستحق يأخذها لو قائمة وقيمتها لو كانت هالكة، ويرجع بذلك
على بائعه لأنه بعقد البيع ضمن له السلامة، بخلاف الواهب أو المعير لو هلكت في يده
فضمنه المستحق قيمتها لأنهما محسنان وما على المحسنين من سبيل فلا يرجع عليهما كما
ذكرنا. قوله: (وكذا لو استولدها المشتري الثاني) فإن المشتري الثاني يرجع على المشتري
الأول بالثمن وبقيمة الولد. قوله: (لكن إنما يرجع المشتري الأول على البائع الأول
بالثمن فقط) ولا يرجع بقيمة الولد عند الإمام. وقالا: يرجع عليه بقيمة الولد أيضاً،
لأن البائع الأول ضمن للثاني سلامة الولد في ضمن البيع ولم يسلم له حيث أخذ منه قيمة
الولد فيرجع به عليه كما في الثمن والرد بالعيب.
ولأبي حنيفة أن البائع الأول ضمن للمشتري سلامة أولاده دون أولاد المشتري
منه، لأن ضمان السلامة إنما بثبت بالبيع، والبيع الثاني لا يضاف إليه وإنما يضاف إلى
البائع الثاني لمباشرته باختياره فينقطع به سبب الأول، بخلاف الثمن لأن البائع الأول
ضمن للبائع الثاني سلامة المبيع ولم يسلم له فلا يسلم للبائع الثمن، وبخلاف الرد بالعيب
لأن المشتري الأول استحقه سليماً ولم يوجداهـ. منح. قوله: (كما في المواهب)
وعبارتها: ولو استحقت أمة بعد ما استولدها المشتري الثاني غرم العقر وقيمة الولد وقت
الخصومة، ويرجع بالثمن وقيمته على البائع وهو يرجع بالثمن فقط انتهى. قوله: (لا
بعقرها) أي لا يرجع بالعقر الذي أخذه منه المستحق لأنه لزمه باستيفاء منافعها: أي منافع

١١٤
كتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
الذي أخذه منه المستحق للزومه باستيفاء متافعها كما مر في بابي المرابحة
والاستحقاق مع مسائل التناقض، وغالبها مر في متفرقات القضاء، ويجيء في
الإقرار.
فروع: الناقض في موضع الخفاء عفو.
بضعها وهو الوطء وهي ليست من أجزاء المبيع فلم يكن البائع ضامناً لسلامته. صدر
الشريعة. قوله«باستيفاء منافعها)) على حذف مضاف: أي منافع بضعها، دل على ذلك قول
الزيلعي: العقر عوض عما استوفى من منافع البضح، فلو رجع به سلم له المستوفي مجاناً.
وقال الشافعي: يرجع بالعقر أيضاً على البائع. قوله: (التناقض في موضع الخفاء عفو) في
الأشباه: يعذر الوارث والوصي والمتولي للجهل اهـ. لعله لجهله بما فعله المورّث
والموصي والمولى.
وفي دعوى الأنقروي في التناقض المديون بعد قضاء الدين أو المختلعة بعد أداء بدل
الخلع: لو برهنت على طلاق الزوج قبل الخلع وبرهن على إبراء الدين يقبل، ثم نقل أنه
إذا استمهل في قضاء الدين ثم ادعى الإبراء لا يسمع. سائحاني. وقدمنا نظيره ومنه
الإقرار بالرضاع، فلو قال هذه رضيعتي ثم اعترف بالخطإ يصدق في دعواه الخطأ، وله أن
يتزوجها بعد ذلك، وهذا مشروط بما إذا لم يثبت على إقراره بأن قال هو حق أو صدق أو
كما قلت أو أشهد عليه بذلك شهوداً أو ما في معنى ذلك من الثبات اللفظي الدال على
الثبات النفسي، واتفقت في ذلك مباحث طويلة الذيول لا يحتمل هذه الأوراق إيرادها،
والعذر للمقر في رجوعه عن ذلك لأنه مما يخفى عليه، فقد يظهر بعد إقراره خطأ الناقل.
ومنها: تصديق الورثة الزوجة على الزوجية ودفع الميراث لها ثم دعواهم استرجاع
الميراث بحكم الطلاق المانع منه حيث تسمع دعواهم لقيام العذر في ذلك لهم حيث
استصحبوا الحال في الزوجية وخفيت عليهم البيئونة.
ومنها: ما إذا أدى المكاتب بدل الكتابة ثم ادعى العتق قبل الكتابة قيل لأنه يخفى
عليه العتق.
ومنها: ما إذا استأجر داراً ثم ادعى ملكها على المؤجر وأنها صارت إلى المستأجر
ميراثاً عن أبيه إذ هو مما يخفى.
ومنها: ما إذا استأجر ثوباً مطوياً في جراب أو منديل أو غير ذلك، فلما نشره قال
هذا متاعي تسمع دعواه وتقبل بينته، فالدعوى مسموعة مع التناقض في جميع هذه الصور
مطلقاً لمطلق العذر على الراجح المفتى به. ومن المشايخ من اعتبر الناقض في جميع هذه
الصور فمنع سماع الدعوى إذا تقدم ما ينافيها إلا في مسألة الرضاع ومسألة إكذاب
القاضي المدعي في التناقض السابق، وهي ما إذا أمر إنساناً بقضاء دينه فزعم المأمور أنه

١١٥
كتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
قضاء عن أمره وصدقه الآمر وكان الإذن بالقضاء مشروطاً بالرجوع فرجع المأمور على
الآمر بالمال الذي صدقه على أدائه للدائن فجاء رب الدين بعد ذلك وادعى على الآمر
المديون بدينه وأن المأمور لم يعطه شيئاً وحلف على ذلك يقضي له القاضي على الآمر بأداء
الدین، فإذا أداه ثم ادعی الآمر على المأمور بما کان رجع به علیه بحكم تصدیقه، فهل
الدعوى مسموعة مع التناقض لأن القاضي أكذب المدعي الذي هو الآمر فيما سبق منه
من تصديق المأمور حيث قضى عليه بدفع الدين إلى الدائن والحال ما ذكر مانعاً من
الرجوع عليه بالمال؟ ثم قال: وهل يشترط في صحة سماع الدعوى إبداء المدعي عذره
عند القاضي والتوفيق بين الدعوى وبين ما سبق، أو لا يشترط ذلك ويكتفي القاضي
بإمكان العذر والتوفيق، وقدمنا الكلام عليه مستوفي، فراجعه.
ومما يتصل بهذا الفرع: أعني قوله ((التناقض في موضع الخفاء عفو) ما ذكره في
جامع الفصولين: قدم بلدة واستأجر داراً فقيل له هذه دار أبيك مات وتركها ميراثاً
فادعاها المستأجر وقال ما كنت أعلم بها لا تسمع للتناقض.
أقول: يبنغي أن تسمع فيه وفي أمثاله، إذ التناقض إنما يمنع ما لم يوفق أو لم يمكن
توفيقه. وأما إذا وفق فينبغي أن تسمع إذ لا تناقض حينئذ حقيقة، أما لو أمكن توفيقه
ولكن لم يوفق ففيه اختلاف، ونص في هذا وغيره على أن الإمكان يكفي اهـ. وقدمنا أنه
في محل الخفاء لا يكفي الإمكان، وإلا فلا بد منه.
قال الخير الرملي: والظاهر أن صاحب الفصولين لم يطلع على نص صريح يفيد
سماعها، وقد ظفرت به في البحر الرائق في باب الاستحقاق، وفي شرح قوله لا الحرية
والنسب والطلاق، حيث قال: وفي العيون: قدم بلدة واشترى أو استأجر داراً ثم ادعاها
قائلًا بأنها دار أبيه مات وتركها ميراثاً وكان لم يعرفه وقت الاستيام لا يقبل والقبول أصح ا
هـ. ذكره الغزي.
أقول: قوله أقول الخ لا يدل على عدم اطلاعه، بل هو اختيار منه لما هو الأصح
وتعليل له. وأقول: قوله واشترى يدل على أنه لو قاسم فهو كذلك، وهي واقعة
الفتوى. قاسم عمرو كرماً ثم اطلع على أن الجميع لوالده غرسه بيده ثم مات وتركه له
ميراثاً ولم يعلم بذلك وقت القسمة، وسيأتي ما هو أدل، فليتأمل. والظاهر أن قوله قدم
بلدة ليس بقيد بل لأنه غالباً محل الخفاء، وإذا كان مقيماً لا يخفى غالباً، يؤيده ما قدمه
من قوله شراه أبي في صغري، فتأمل ١ هـ.
وفي الفصولين في الفصل الثامن والعشرين: دفع الوصي جميع تركة الميت إلى وارثه
وأشهد على نفسه أنه قبض منه جميع ترکة والده ولم يبق من ترکة والده قليل ولا کثیر إلا

١١٦
كتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
لا تسمع الدعوى على غريم ميت
استوفاه ثم ادعى داراً في يد الوصي أنها من تركة والدي ولم أقبضها، قال: أقبل ببينته
وأقضي بها له، أرأيت إن قال قد استوفيت جميع ما تركه والدي من دین علی الناس
وقبضت کله ثم ادعى ديناً على رجل لأبيه ألا أقبل ببينته وأقضي له بالدین ا هـ.
وفي البزازية: لو أبرأ أحد الورثة الباقي ثم ادعى التركة وأنكر وإلا تسمع دعواه،
وإن أقروا بالترکة أمروا بالرد عليه.
وفيها: لو قال تركت حقي من الميراث أو برئت منها ومن حصتي لا يصح وهو
على حقه، لأن الإرث جبري لا يصح تركه اهـ.
وفي الخانية: في الوصايا من تصرفات الوصي: أشهد اليتيم على نفسه بعد البلوغ أنه
قبض من الوصي جميع ترکة والده ولم ییق له من ترکة والده عنده من قليل ولا كثير إلا قد
استوفاه ثم ادعى في يد الوصي شيئاً وقال هو من تركة والدي وأقام البينة قبلت بينته،
وكذا لو أقر الوارث أنه قد استوفى جميع ما ترك والده من الدين على الناس ثم ادعى لأبيه
ديناً على رجل تسمع دعواه ا هـ. وقول قاضيخان أشهد اليتيم على نفسه أنه قبض تركة
والده.
أقول: ذكر الطرسوسي في شرح فوائده المنظومة قلت: انتقض قولهم إن النكرة في
سياق النفي تعم، لأن قوله لم يبق حق نكرة في سياق النفي، فعلى مقتضى القاعدة لا
تصح دعواه بعد ذلك لتناقضه والمتناقض لا تسمع دعواه ولا بينته اهـ.
أقول: إنما اغتفر مثله لأنه محل الخفاء بكونه لا يحيط علمه بما ترك والده بل قد
يخفى عليه ذلك فيعفى التناقض. تأمل.
وأقول: قد حرر سيدي الوالد رحمه الله تعالى المسألة برسالة سماها (إعلام الأعلام
بأحكام الإبراء العام) وفق فيها بين عبارات متعارضة ورفع ما فيها من المناقضة.
وحاصل ما فيها الفرق بين إقرار الابن للوصي وبين إقرار الورثة للبعض، لما في
البزازية عن المحيط لو أبرأ أحد الورثة الباقي إلى آخر عبارتها المتقدمة.
ووجه الفرق بينهما أن الوصي هو الذي يتصرف في مال اليتيم بلا اطلاعه، فيعذر
إذا بلغ وأقر بالاستيفاء منه لجهله، بخلاف بقية الورثة فإنهم لا تصرف لهم في ماله، ولا
في شيء من التركة إلا باطلاع وصية القائم مقامه فلا يعذر بالتناقض، ومن أراد مزيد
البيان ورفع الجهالة فعليه بتلك الرسالة ففيها الكفاية لذوي الدراية. قوله: (لا تسمع
الدعوى) أي من أيّ مدع کان کغریم دائن ومودع هذا. وقد تقدم أن دعوی أنه وارث
تسمع على الدائن والمدیون. قوله: (علی غریم ميت) بالإضافة، والمراد به دائن الميت كما
هو المتبادر من البيري. واستظهر الحموي أنه مدیون الميت.

١١٧
کتاب الدعوى/ باب دهوی النسب
والحاصل: أنه إذا ادعى قوم على الميت ديوناً وأرادوا أن يثبتوا ذلك فليس لهم أن
یثبتوا على غریم للميت عليه دين ولا على موصي له بل لا بد من حضور وارث أو
وصي.
قال في البزازية: وإثبات الدين على من في يده مال الميت هل يصح؟ اختلف
المشايخ. وصورته: المريض مرض الموت وهب كل ماله في مرضه أو أوصى بجميع ماله
ثم ادعى رجل ديناً على الميت؟ قال السعدي: نصب القاضي وصياً وسمع الخصومة
عليه. وقال شمس الأئمة: يسمع على من في يده المال اهـ. ومن هنا تعلم أن قوله الآتي
زائداً صوابه ذا يد كما هو في أصل عبارة الأشباه.
وفي البحر: واختلف المشايخ في إثبات الدین علی من في يده مال الميت ولیس
بوارث ولا وصي، ولا تسمع دعوى دين على ميت على غريم الميت مديوناً أو دائناً اهـ.
وفي حاشية الأشباه للحموي: واستثناء الموهوب له من غريم الميت منقطع، إذ ليس
هو من الغرماء حتى يكون متصلًا.
وفي البزازية: تقبل بينة إثبات الدين على الميت على الموصى له أو مديون الميت أو
الوارث أو الذي له على الميت دين ومثله في العطائية.
وفي قاضیخان من الوصايا: رجل مات وعليه دين محيط بماله. قال أبو بكر:
الوارث لا يصير خصماً للغرماء لأنه لا يرث. وقال عليّ بن محمد: الوارث يصير خصماً
ويقوم مقام الميت في الخصومة وبه نأخذ. ثم قال: والصحيح أن يكون الوارث خصماً لمن
يدعي الدين على الميت وإن لم يملك شيئاً.
وفي البزازية أيضاً: والخصم في إثبات کونه وصي الوارث أو الموصى له أو مدیون
الميت أو دائنه، وقيل الدائن ليس بخصم.
قال في نور العین من الخامس: لا تقبل دعوى من يدعي على ميت بحضرة رجل
يدعي أنه وصي الميت وأقر المدعى عليه بالوصاية اهـ. فتبين من هذا أن الدعوى إنما
تسمع على وصي محقق.
وفيه من السادس في دعوى دين على الميت: يكفي حضور وصيه أو وراثه، ولا
حاجة إلی ذکر كل الورثة ا هـ.
وعبارة الأشباه: لا تسمع الدعوى بدين على ميت لا على وارث أو وصي موصى
له، ولا تسمع على غريم له كما في جامع الفصولين، إلا إذا وهب جميع ماله لأجنبي
وسلمه له فإنها تسمع عليه لكونه ذا يد كما في خزانة المفتين انتهى، فعلى هذا. قوله:
((غریم ميت)) تركيب إضافي بمعنى اللام.

١١٨
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
إلا إذا وهب جميع ماله لأجنبي وسلمه له فإنها تسمع عليه لكونه زائداً.
لا يجوز للمدعى عليه الإنكار مع علمه بالحق إلا في دعوى العيب ليبرهن
فيتمكن من الرد، وفي الوصي إذا علم بالدين.
لا تحلیف مع البرهان إلا في ثلاث: دعوى دین علی میت
فرع: قال في خزانة الأكمل: لو مات رجل في بلد بعيد وترك مالاً وادعى رجل عليه
ديناً وورثته في بلد منقطع عنه فإن القاضي ينصب له وصياً ويسمع ببينته ويقضى له بالدين،
ولو لم يكن منقطعاً لا تسمع بينته على غير الوارث انتهى. قوله: (إلا إذا وهب الخ)
صورته: رجل وهب جميع ماله لإنسان وسلمه إياه ثم مات فادعى عليه آخر أن هذه العين له
أو أنه له على الميت كذا من الدين فإنها تسمع دعواه عليه، لأن في الأولى العين التي يدعيها
في يد الموهوب له، وفي الثانية الدين متعلق بالتركة وهي في يده، لكن في الثانية يشترط أن
تكون الهبة في مرض الموت لأن الدين إنما يتعلق بها فيه، فعلم أن الاستثناء هنا منقطع لأن
الموهوب له ليس بغريم. وفي البزازية أن الموصى له بجميع المال أو بما زاد على الثلث خصم
لعدم الوارث لأن استحقاق الزائد على الثلث من خصائص الوارث فيلحق بالوارث.
هموي. قوله: (لکونه زائداً) أي على الثلث كما تقدم، وفي نسخة «ذا ید» أي صاحب ید،
وقد علمت توجيهه وإن كان الأول صواباً أيضاً كما ذكر في البزازية. قوله: (لا يجوز
للمدعى عليه الإنكار الخ) قال بعض الفضلاء: يلحق بهذا مدعي الاستحقاق للمبيع فإنه
یتکر الحق حتى يثبت ليتمكن من الرجوع على بائعه، ولو أقر لا يقدر.
وأيضاً ادعاء الوكالة أو الوصاية وثبوته لا يكون إلا على وجه الخصم الجاحد كما
ذكره قاضيخان، فإن أتكر المدعى عليه ليكون ثبوت الوكالة والوصاية شرعاً صحيحاً يجوز
فيلحق هذا أيضاً بهما، ويلحق بالوصي أحد الورثة إذا ادعى عليه الدين فإنه لو أقر بالحق
يلزمه الكل من حصته، وإذا أنكر فأقيمت البينة عليه يلزم من حصته وحصتهم. حموي.
قوله: (ليبرهن فيتمكن من الرد) لأنه إن قبله بغير قضاء لم يكن له الرد، والظاهر أن هذا
فيما إذا كان بائعه تملكه بالشراء من آخر، أما إذا كان موروثاً أو موهوباً أو موصى به أو
نتاجاً فلا ينكر البتة. وصورته: أن لا يكون عالماً بالعيب قبل البيع، وإلا كان راضياً به
فلا يتمكن من الرد. قوله: (إذا علم بالدين) فإنه لو أقر يلزمه ولا يرجع، بخلاف ما إذا
أنكر وأقيمت البينة. زاد أبو السعود: أو إذا علم الوصي بالنسب كما فهمه من عبارة
الحانوتي في فتاواه. قوله: (لا تحليف مع البرهان) قيل عليه: لو قال مع البيئة لكان
صواباً، إذ لا تحليف مع الإقرار بعين وهو برهان اهـ. والجواب أن المطلق محمول على
الفرد الكامل وهو البينة ا هـ. قوله: (دعوى دين على ميت) في أوائل دعوى التنقيح:
أجمعوا على أن من ادعى ديناً على الميت يحلف بلا طلب وصي ووارث: بالله ما استوفيت

١١٩
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
واستحقاق مبيع، ودعوی آبق.
الإقرار لا يجامع البينة
دينك منه ولا من أحد أداه عنه وما قبضه قابض ولا أبرأته ولا شيئاً منه، ولا أحلت به
ولا بشيء منه على أحد ولا عندك ولا بشيء منه رهن، فإذا حلف أمر بالدفع إليه وإن
نكل لم يؤمر بالدفع إليه. خلاصة. فلو حكم القاضي بالدفع قبل الاستحلاف لم ينفذ
حکمه، وتمامه فيها.
وفيها عن البحر: ولم أر حکم من ادعى أنه دفع للمیت دینه وبرهن هل يحلف
ويبنغي أن يحلف احتياطاً، لكن رده الرملي بأنه في مسألة دفع الدين شهدوا على حقيقة
الدفع فانتفى احتمال أنهم شهدوا باستصحاب الحال، وقد استوفى في باطن الأمر كما في
مدعي الدين، وارتضاه الوالد رحمه الله تعالى بقوله: وكلام الرملي هو الأوجه كما لا يخفى
على من تنبه، وقدمناه بما لا مزيد عليه. قوله: (واستحقاق مبيع) يعني إذا استحق المبيع
بالبينة من المشتري فللمستحق عليه تحليف المستحق بالله ما بعته ولا وهبته ولا تصدقت به
ولا خرجت العین عن ملکك بوجه من الوجوه. قوله: (ودعوی آبق) أي دعوی تملك
آبق.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: لعل صورتها فيما إذا ادعى على رجل أن هذا
العبد عبدي أبق مني وأقام بينة على أنه عبده فليحلف أيضاً لاحتمال أنه باعه. تأمل.
ثم رأيت في شرح هذا الشرح نقل عن الفتح هكذا. وعبارته قال في الفتح: يحلف
مدعي الآبق مع البين بالله أنه باق على ملكك إلى الآن لم يخرج ببيع ولا هبة ولا نحوها ا
هـ.
وصورة ط: بما إذا حبس القاضي الآبق فجاء رجل وادعاه وأقام بينة أنه عبده
يستحلف بالله أنه باق في ملكه ولم يخرج ببيع ولا هبة فإذا حلف، دفعه إليه، وذلك صيانة
لقضائه عن البطلان ونظراً لمن هو عاجز عن النظر لنفسه من مشتر وموهوب له، ويلحق
بهذه المسائل ما إذا قامت البينة للغريم المجهول حاله بأنه معدم فلا بد من يمينه أنه ليس له
مال ظاهر ولا باطن وإن وجد مالًا يؤدي حقه عاجلًا، لأن البينة إنما قامت على الظاهر
ولعله غيب ماله، وما لو شهد الشهود أن له عليه دراهم سواء قالوا لا نعرف عددها، أم
لا تجعل ثلاثة ويحلف على نفي ما زاد عنها إذا كان المدعي يدعي الزيادة ا هـ. قوله:
(الإقرار لا يجامع البيئة) لأنها لا تقام إلا على منكر، وذكر هذا الأصل في الأشباه في کتاب
الإقرار عن الخانية، واستثنى منه أربع مسائل: وهي ما سوى دعوى الآبق، وكذا ذكرها
قبله في كتاب القضاء والشهادات ولم يذكر الخامسة بل زاد غيرها وأوصلها إلى سبع وتأتي
هنا مفصلة مع زيادة ثلاثة أخر، وعليه فتكون عشرة.

١٢٠
کتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
إلا في أربع: وكالة ووصاية، وإثبات دین علی میت،
قال في جامع الفصولين: وهذا يدل على جواز إقامتها مع الإقرار في كل موضع
يتوقع الضرر من المقر لولاها فيكون هذا أصلاً. قوله: (إلا في أربع) الذي ذكره هنا خمسة
ولكنها سبعة كما في الحموي.
ملخصها: أنه لا تسمع البينة على مقر إلا على وارث مقر بدين على الميت فتقام البيئة
للتعدي، وفي مدعى عليه أقر بالوصاية فبرهن الوصي، وفي مدعى عليه أقر بالوكالة
فيثبتها الوكيل دفعاً للضرر وفي الاستحقاق تقبل البيئة به مع إقرار المستحق عليه ليتمكن
من الرجوع على بائعه، وفيما لو خوصم الأب بحق عن الصبي فأقر لا يخرج عن
الخصومة، ولكن تقام البيئة عليه مع إقراره، بخلاف الوصي وأمين القاضي إذا أقر خرج
عن الخصومة، وفيما لو أقر الوارث للموصى له فإنها تسمع البينة عليه مع إقراره. وفيما
لو أجر دابة بعينها من رجل ثم من آخر فأقام الأول البينة، فإن كان الآجر حاضراً عليه
البينة، وإن كان يقر بما يدعي. قوله: (وكالة) يعني لو أقر بوكالة رجل بقبض دين عليه
لموكله فإن الوكيل يقيم بينته، إذ لو دفعه بلا بينة يتضرر إذ لا تبرأ ذمته إذا أنكر الموكل
و کالته ا هـ ط.
زاد الفاضل الحموي ثامنة وتاسعة نقلهما عن البدائع من كتاب القسمة. الثامن:
الورثة إذا كانوا مقرين بالعقار لا بد من إقامة البينة على بعضهم على قول أبي حنيفة.
التاسع: الأب أو الوصي إذا أقر على الصغير لا بد من بيئة مقام عليه مع كونه مقراً اهـ.
وزاد بعض الفضلاء عاشراً: وهو ادعى على آخر عقاراً أنه في يده وهو مستحق فأقر باليد
تسمع بينته أنه ذو اليد مع إقراره اهـ. قوله: (ووصاية) يعني إذا أقر المدعى عليه
بالوصاية.
وصورته: رجل قال للقاضي إن فلان بن فلان الفلاني أقامني وصياً ومات وله على
هذا كذا أو في يد هذا كذا فصدقه المدعى عليه فالقاضي لا يثبت وصايته بإقراره حتى يقيم
البيئة عليها، لأنه إذا دفع إليه المال اعتماداً على الإقرار فقط لا تبرأ ذمته من الدين إذا أنكر
الوارث، أما لو دفع بعد البرهان تبرأ ذمته. أفاده صاحب تنوير الأذهان. قوله: (وإثبات
دين على ميت) صورته: ادعى على بعض الورثة دين على الميت فأقر الوارث بالدين فإنه
يستوفي من نصيبه قدر ما يخصه من الدين، وللطالب أن يقيم بينة على حقه ليكون حقه في
كل التركة، وكذا إذا أقر جميع الورثة تقبل بينته لأن المدعي يحتاج إلى إثبات الدين في
حقهم وحق دائن آخر.
وفي البيري: اختلفوا فيما إذا أقر المدعى عليه بعد إقامة البينة هل يقضى عليه
بالإقرار أو بالبينة. قيل يقضى بالبينة لأنه بالإنكار وإقامة البينة استحق عليه الحكم فلا