النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
كتاب الدعوى
ولولا خشية التطويل لأوردتها كلها.
(التحليف على فعل نفسه يكون على البتات) أي القطع بأنه ليس كذلك (و)
التحليف (على فعل غيره) يكون (على العلم) أي أنه لا يعلم أنه كذلك لعدم علمه
بما فعل غيره ظاهراً، اللهم (إلا إذا كان) فعل الغير (شيئاً يتصل به) أي بالحالف،
وفرع عليه بقوله (فإن ادعى) مشتري العبد (سرقة العبد أو إياقه) وأثبت ذلك
(يحلف) البائع (على البتات) مع أنه فعل الغير، وإنما صح باعتبار وجوب تسليمه
وهو الشيخ شرف الدين عبد القادر وهو صاحب تنوير البصائر وأخوه الشيخ صالح
صاحب الزواهر. قوله: (ولولا خشية التطويل الأوردتها كلها) هذه ونظائرها تقتضي أنه لم
يقدمها وأخواتها قبيل البيوع، مع أن ذكرها هناك لا مناسبة له، وهو مفقود في بعض
النسخ الصحيحة، ولعل الشارح جمعها في ذلك المحل بعد تتميم الكتاب وبلغت هناك
إحدى وستين مسألة. مسائل الخانية إحدى وثلاثون، ومسائل الخلاصة ثلاث، ومسائل
البحر ستة، وزيادة تنوير البصائر أربعة عشر، وزيادة زواهر الجواهر سبعة، وزاد عليها
سيدي الوالد رحمه الله تعالى ثمان مسائل من جامع الفصولين فصارت تسعة وستين،
فراجعها ثمة إن شئت في آخر كتاب الوقف قبيل البيوع. قوله: (أي القطع) في بعض
كتب الفقه البتّ بدل البتات وهو أولى. وقد ذكر في القاموس أن البت: القطع، وأن
البتات: الزاد والجهاز ومتاع البيت، والجمع أبتة ط. قوله: (بأنه ليس كذلك) هذا في
النفي أو أنه كذلك في الإثبات. قوله: (على العلم) أي على نفيه. قوله: (لعدم علمه بما
فعل غيره ظاهراً) فلو حلف على البتات لامتنع عن الیمین مع كونه صادقاً فیتضرر به،
فطولب بالعلم فإذا لم يقبل مع الإمكان صار باذلًا أو مقراً، وهذا أصل مقرر عند أئمتنا.
درر. قوله: (یتصل به) أي يتعلق حکمه به بحیث يعود إلى فعله. قوله: (أو إِباقه) لیس
المراد بالإباق الذي يدعيه المشتري الإباق الكائن عنده، إذ لو أقر به البائع لا يلزمه شيء،
لأن الإباق من العيوب التي لا بد فيها من المعاودة، بأن يثبت وجوده عند البائع ثم عند
المشتري كلاهما في صغره أو كبره على ما سبق في محله. أبو السعود. وفي الحواشي
السعدية قوله: يحلف على البتات بالله ما أبق.
أقول: الظاهر أنه يحلف على الحاصل بالله ما عليك حق الرد، فإن في الحلف على
السبب يتضرّر البائع أو قد يبرأ المشتري عن العيب. قوله: (وأثبت ذلك) أي على ما سبق
في محله من وجوده عند البائع ثم عند المشتري الخ. قوله: (يحلف البائع على البتات) يعني
أن مشتري العبد إذا ادعى أنه سارق أو آبق وأثبت إباقه أو سرقته في يد نفسه وادعى أنه
أبق أو سرق في يد البائع وأراد التحليف يحلف البائع بالله ما أبق بالله ما سرق في يدك،

٦٠٢
كتاب الدعوى
سليماً فرجع إلى فعل نفسه فحلف على البتات لأنها آكد، ولذا تعتبر مطلقاً،
بخلاف العکس، درر عن الزيلعي.
وهذا تحليف على فعل الغير. درر. قوله: (فرجع إلى فعل نفسه) وهو تسليمه سليماً.
قوله: (لأنها أكد) أي لأن يمين البتات آكد من يمين العلم حيث جزم في الأولى، ولم
يجزم في الثانية، مع أن في الأولى إنما حلف على علمه أيضاً، إذ غلبة الظن تبيح له
الحلف، لكنه إذا جزم بها كانت آكد صورة. قوله: (ولذا تعتبر مطلقاً) أي في فعل نفسه
وفعل غيره، فلو حلف على البتات في فعل غيره أجزأه بالأولى لأنه قد أتى بالآكد. قوله:
(بخلاف العكس) يعني أن يمين العلم لا تكفي في فعل نفسه ح.
قال في البحر: ثم في كل موضع وجبت فيه اليمين على العلم فحلف على البتات
كفى وسقطت عنه، وعلى عكسه لا، ولا يقضي بنكوله عما ليس واجباً عليه اهـ.
قال في الدرر: واعلم أن في كل موضع اليمين فيه على البتات فحلف على العلم لا
یکون معتبراً حتى لا يقضي عليه بالنكول ولا يسقط اليمين عنه، وفي كل موضع وجب
اليمين فيه على العلم فحلف على البتات يعتبر اليمين حتى يسقط اليمين عنه، ويقضي عليه
إذا نكل لأن الحلف على البتات أكد فيعتبر مطلقاً، بخلاف العكس. ذكره الزيلعي اهـ.
واستشكل الثاني العمادي. قال الرملي: وجه الإشكال أنه كيف يقضي عليه مع أنه غير
مكلف إلى البت ويزول الإشكال بأنه مسقط لليمين الواجبة عليه، فاعتبر فيكون قضاء بعد
نكول عن يمين مسقطة للحلف عنه، بخلاف عكسه، ولهذا يحلف فيه ثانياً لعدم سقوط
الحلف عنه بها، فنكوله عنه لعدم اعتباره والاجتزاء به فلا يقضي عليه بسببه. تأمل.
أقول: يشكل قول الرملي بأنه يزول الإشكال الخ، مع أنه لا يزول بذلك بعد قول
البحر: ولا يقضي بنكوله عما ليس واجباً عليه. تأمل. واستشكل في السعدية الفرع
الأول بأنه ليس كما ينبغي، بل اللائق أن يقضي بالنكول، فإنه إذا نكل عن الحلف على
العلم ففي البتات أولى.
وأجاب عنه: بالمنع لأنه يجوز أن يكون نكوله لعلمه بعدم فائدة اليمين على العلم،
فلا يحلف حذراً عن التكرار، وهو بمعنى ما ذكره الرملي، واستشكل الثاني أيضاً بأنه محل
تأمل، فإنه إذا لم يجب عليه كيف يقضي عليه إذا نكل، ولم يجب عنه بجواب، واستشكله
الخادمي أيضاً بأن البتات أعم تحققاً من العلم، ويعتبر في اليمين انتفاؤهما وانتفاء الأعم
أخص من انتفاء الأخص، فكيف يقضي بالنكول عن البتات في موضع يجب عليه الحلف
على العلم، فإنه بعد هذا النكول يحتمل أن يحلف على العلم ١ هـ. قال الفاضل يعقوب
باشا بعد نقله عن النهاية: وفيه كلام، وهو أن الظاهر عدم الحكم بالنكول لعدم وجوب

٦٠٣
كتاب الدعوى
وفي شرح المجمع عنه: هذا إذا قال المنكر لا علم لي بذلك، ولو ادعى العلم
حلف على البتات كمودع ادعى قبض ربها وفرع على قوله وفعل غيره على العلم
بقوله (وإذا ادعى) بكر (سبق الشراء) على شراء زيد ولا بينة (يحلف خصمه) وهو
بكر (على العلم) أي أنه لا يعلم أنه اشتراه قبله لما مر (كذا إذا ادعى ديناً
اليمين على البتات كما لا يخفى، فتأمل اهـ. قال عزمي زاده: وفي هذا المقام كلام اهـ
فليراجع.
فرع: مما يحلف فيه على العلم ما إذا قال في حال مرضه ليس لي شيء في الدنيا ثم
مات عن زوجة وينت وورثة فللورثة أن يحلفوا زوجته وابنته على أنهما لا يعلمان بشيء
من تركة المتوفي بطريقه اهـ. بحر عن القنية. قوله: (عنه) أي عن الزيلعي. قوله: (هذا
إذا قال المنكر الخ) حكى هذا القهستاني بقيل. قوله: (كمودع الخ) صورته: قال رب
الوديعة أودعتك كذا فرده عليّ فقال المودع سلمته إليك فالقول للمودع، لأنه ينفي
الضمان عن نفسه ويمينه على البتات بأن يقول: والله سلمته إليك، إذ معناه النفي وهو
أنك لا تستحق عندي شيئاً؛ ومثله وكيل البيع إذا ادعى قبض الموكل الثمن، وكما لو قال
إن لم يدخل فلان اليوم الدار فامرأته طالق ثم قال إنه دخل يحلف على البتات بالله أنه
دخل اليوم مع أنه فعل الغير لكونه ادعى علماً بذلك. أفاده في البحر. قوله: (سبق
الشراء) أي من عمرو ومثلاً. قوله: (وهو بكر) صوابه: وهو زيد لأن بكراً هو المدعي،
والذي يحلف زيد المدعى عليه وكأنه جعله تفسيراً للهاء في خصمه، فيكون المعنى وهو
خصم بکر وخصم بکر هو زيد، والأولى أن يقول: أي خصم بکر هو زید.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: تبع الشارح في هذا المصنف وصاحب الدرر.
قال بعض مشايخنا: صوابه زيد، لأنه هو المنكر واليمين عليه، ويمكن أن يقال: إن
يحلف بالبناء للفاعل لا للمفعول، ومعناه: أن يطلب من القاضي تحليفه لأن ولاية
التحليف له، فيكون قوله ((وهو بكر)) تفسيراً للضمير في خصمه، لكن فيه ركاكة اهـ.
قوله: (لما مر) أي من أنه يحلف في فعل الغير على العلم ولا حاجة إليه لعلمه من التفريع.
قوله: (كذا إذا ادعى ديناً) بأن يقول رجل لآخر إن لي على مورثك ألف درهم فمات
وعليه الدين ولا بينة له، فيحلف الوارث على العلم. درر: أي لا على البتات، وهذا لو
قبض الدين على ما اختاره الفقيه وقاضيخان، خلافاً للخصاف. قهستاني.
وفي البحر: وحاصل ما ذكره الصدر في دعوى الدين على الوارث: أن القاضي
يسأله أولاً عن موت أبيه ليكون خصماً، فإن أقر بموته سأله عن الدين، فإن أقر به
يستوفيه المدعي من نصيبه فقط لأنه لا يصح إقراراً على الميت فيبقى إقراراً في حق نفسه،
وإن أنكر فبرهن المدعي استوفاه من التركة، لأن أحد الورثة ينتصب خصماً عن الباقين

٦٠٤
كتاب الدعوى
أو عيناً على وارث إذا علم القاضي كونه ميراثاً أو أقرّ به المدعي أو برهن الخصم
عليه) فيحلف على العلم.
فيما يدعي على الميت، وإلا يبرهن المدعي وطلب يمين المدعى عليه استحلفه على العلم:
أي بالله ما تعلم أن لفلان بن فلان هذا على أبيك هذا المال الذي ادعاه وهو ألف درهم
ولا شيء منه قضى عليه، فيستوفي من نصيبه إن أقر بوصول نصيبه من الميراث إليه، وإلا
يقر بوصوله إليه، فإن صدقه المدعي فلا شيء عليه، وإلا استحلف على البتات ما وصل
إليه قدر مال المدعي ولا بعضه، فإن نكل لزمه القضاء وإلا لا، هذا إذا حلفه على الدين
أولًا، فإن حلفه على الوصول أولاً فحلف فله تحليفه على الدين ثانياً: أي على العلم
لاحتمال ظهور ماله فكان فيه فائدة منتظرة. وإن لم يصل المال إليه، فإنه متى استحلفه
وأقر أو نكل وثبت الدين فإذا ظهر للأب مال من الوديعة أو البضاعة عند إنسان لا يحتاج
إلى الإثبات، فهذه الفائدة المنتظرة، ولو أراد المدعي استحلافه على الدين والوصول معاً
فقيل له ذلك وعامتهم إنه يحلف مرتين ولا يجمع وإن أنكر موته حلفه على العلم، فإن
نكل حلف على الدين: أي على العلم أيضاً.
مَطْلَبٌ: دَعْوَى الوَصِيَّةِ عَلَىَ الوَارِثِ كَدَعْوَى الدَّيْنِ إِذَا أَنْكَرَهَا
يحلِفُ عَلَ العِلْمِ
ودعوى الوصية على الوارث كدعوى الدين، فيحلف على العلم لو أنكرها ومدعي
الدين على الميت إذا ادعى على واحد من الورثة وحلفه فله أن يحلف الباقي، لأن الناس
يتفاوتون في اليمين، وربما لا يعلم الأول به ويعلم الثاني. ولو ادعى أحد الورثة ديناً على
رجل للميت وحلفه ليس للباقي تحليفه، لأن الوارث قائم مقام المورث وهو لا يحلفه إلا
مرة. انتهى ملخصاً بزيادة. قوله: (أو عيناً على وارث) صورته: أن يقول إن هذا العبد
الذي ورثته عن فلان ملكي وبيدك بغير حق ولا بينة له فإن الوارث يحلفه على العلم.
درر. قوله: (إذا علم القاضي كونه) أي العين ميراثاً وإلا حلف على البيت، وينبغي أن
يخصص التقييد بذلك بصورة العين كما يظهر من العمادية، فإن جريان ذلك في الدين
مشكل. عزمي. وهذا بناء على أن القاضي يقضي بعلمه والمفتى به لا فيكون علمه
كعدمه .
قال العلامة أبو الطيب: أقول في قوله فإن جريان ذلك في الدين مشكل نظر، لما
قال في نور العين نقلًا عن المحيط البرهاني: إنما يحلف على العلم في الإرث لو علم
القاضي بالإرث أو أقر به المدعي أو برهن عليه، وإلا يحلف بتاً، وكذا لو ادعى ديناً على
الوارث يحلف على العلم اهـ. قوله: (أو أقر به المدعي) هو كما سبق في التصوير. قوله:
(أو برهن الخصم) وهو المدعى عليه. قوله: (فيحلف) أي الوارث على العلم فإن لم يعلم

٦٠٥
کتاب الدعوى
(ولو ادعاهما) أي الدين والعين (الوارث) على غيره (يحلف) المدعى عليه (على
البنات) كموهوب وشراء. درر (و) يحلف (جاحد القود) إجماعاً (فإن نكل: فإن
کان في النفس حبس حتی یقر أو يحلف،
القاضي حقيقة الحال ولا أقر المدعي بذلك ولا أقام المدعى عليه بينة يحلف على البتات
بالله ما عليك تسليم هذا العين إلى المدعي. عمادية.
قال ط: يمكن تصويره بأن ادعى مدّع على شخص إن هذه العين له وعجز عن
إقامة البينة فطلب يمينه على البت فقال إنها إرث وأراد اليمين على العلم فأنكر المدعي
ذلك فأقام الوارث بينة على مدعاه فإنه يحلف على العلم: أي فالشرط في تحليفه الوارث
على العلم في دعوى العين أحد هذه الثلاثة. قوله: (والعين) الواو بمعنى أو. قوله:
(الوارث) أي إنهما حق موروث وأنكر الخصم. قوله: (يحلف المدعى عليه على البتات)
أي إنهما ليسا بحق مورثه. قوله: (كموهوب وشراء. درر) يعني لو وهب رجل لرجل
عبداً فقبضه أو اشترى رجل من رجل عبداً فجاء رجل وزعم أن العبد عبده ولا بينة له
فأراد استحلاف المدعى عليه يحلف على البتات. حلبي عن الدرر: أي أنه ليس بعبده،
والأولى كموهوب ومشتري أو كهبة وشراء للموافقة لفظاً، وعلله الزيلعي بأن الهبة
والشراء سبب موضوع للملك باختيار المالك ومباشرته ولو لم يعلم أنه ملك للملك له لما
باشر السبب ظاهراً، فيحلف على البتات، فإذا امتنع عما أطلق له يكون باذلاً، أما
الوارث فلأنه لا اختيار له في الملك، ولا يدعي ما فعل المورث فلم يوجد ما يطلق له
اليمين على البتات، ولأن الوارث حلف على المورث واليمين لا تجري فيها النيابة فلا
يحلف على البتات، والمشتري والموهوب له أصل بنفسه فيحلف عليه اهـ. قوله: (ويحلف
جاحد القود) أي منكر القصاص بأن ادعى رجل عليه قصاصاً. عيني: أي سواء كان في
النفس أو الأطراف بالاتفاق. دامادا. قوله: (حبس) أي ولا يقتص، أما عنده فلأن
النكول بذل ولا يجري في النفس؛ ألا ترى أنه لو قتله بأمره يجب عليه القصاص في
رواية، وفي أخرى الدية، ولو قطع يده بأمره لا يجب عليه شيء، إلا أنه لا يباح لعدم
الفائدة، أما ما فيه فائدة كالقطع للأكلة وقلع السن للوجع لا يأثم بفعله، وأما عندهما
فإنه وإن كان إقراراً إلا أن فيه شبهة فلا يثبت فيه القود لأنه کالحدود من وجه. قوله:
(حتى يقر) أي فيقتص منه. قوله: (أو يحلف) أي عند الإمام فيبرأ من الدعوى. وفي
الشلبي عن الإتقاني: أو يموت جوعاً لأن الأنفس لا يسلك بها مسالك الأموال فلا يجري
فيها البذل الذي هو مؤدي الإنكار، وإذا امتنع القصاص واليمين حق مستحق يحبس به
كما في القسامة، فإنهم إذا نكلوا عن اليمين يحبسون، حتى يقروا أو يحلفوا.
وفي الخانية في كيفية التحليف بالقتل روايتان: في رواية يستحلف على الحاصل بالله

٦٠٦
كتاب الدعوى
وفيما دونه يقتص) لأن الأطراف خلقت وقاية للنفس كالمال فيجري فيها الابتذال
خلافاً لهما.
(قال المدعي لي بينة حاضرة) في المصر (وطلب يمين خصمه لم يحلف) خلافاً
لهما، ولو حاضرة في مجلس الحكم لم يحلف اتفاقاً، ولو غائبة عن المصر حلف
ما له عليك دم ابنه فلان مثلاً ولا قبلك حق بسبب هذا الدم الذي يدعي. وفي رواية
يحلف على السبب بالله ما قتلت فلان بن فلان ولي هذا عمداً. وفيما سوى القتل من
القطع والشجة ونحو ذلك يحلف على الحاصل بالله ما له عليك قطع هذا العبد ولا له
عليك حق بسببها، وكذلك في الشجاج والجراحات التي يجب فيها القصاص اهـ. قوله:
(وفيما دونه) أي دون القود من الأطراف. قوله: (يقتص) منه: أي عند أبي حنيفة رحمه
الله تعالى كما علم مما مر. قوله: (فيجري فيها الابتذال) أي فتثبت بالنكول كما أن المال
يثبت به، والأولى البذل كما في بعض النسخ. قوله: (خلافاً لهما) فإنهما قالا: يجب عليه
الأرش فيهما، ولا يقضي بالقصاص لأن القصاص فيما دون النفس عقوبة تدرأ بالشبهات
ولا تثبت بالنكول كالقصاص في النفس، ولأن النكول وإن كان إقراراً عندهما ففيه شبهة
العدم فلا يثبت به القصاص، ويجب به المال خصوصاً إذا كان امتناع القصاص لمعنى من
جهة من عليه خاصة، كما إذا أقر بالخطأ والولي يدعي العمد، وإذا امتنع القود تجب
الدية، وعند الثلاثة: يقتص فيهما بعد حلف المدعي كما في العيني، وأما إذا كان الامتناع
من جانب من له كما إذا أقام على ما ادعى وهو القصاص رجلًا وامرأتين أو الشهادة على
الشهادة فإنه لا يقضي بشيء لأن الحجة قامت بالقصاص لكن تعذر استيفاؤه ولم يشبه
الخطأ فلا يجب شيء، ولا تفاوت في هذا المعنى بين النفس وما دونها كما في العناية.
قوله: (قال المدعي لي بينة الخ) أطلق حضورها فشمل حضورها في المصر بصفة المرض،
وظاهر ما في خزانة المفتين خلافه، فإنه قال: الاستحلاف يجري في الدعاوى الصحيحة إذا
أنكر المدعى عليه ويقول المدعي لا شهود لي أو شهودي غيب أو في المصر/ هـ. بحر.
قوله: (في المصر) أراد به حضورهما فيه أو محل بينه وبين محل المدعي دون مسافة القصر،
كما يفيده الكلام الآتي. وقيد في المصر، وإن كان إطلاق كلام المصنف متناولاً لما لو كانت
حاضرة في المجلس لأنه المختلف فيه.
قال في البحر: أطلق في حضورها فشمل حضورها في مجلس الحكم، ولا خلاف أنه
لا يحلف وحضورها في المصر وهو محل الاختلاف. قوله: (لم يحلف) أي عند أبي حنيفة
رحمه الله تعالى، لأن ثبوت الحق في اليمين مرتب على العجز عن إقامة البيئة، فلا تكون
حقه دونه. عيني: أي فلا تكون اليمين حقه دون العجز. قوله: (خلافاً لهما) لأن اليمين
حقه بالحديث الشريف، وهو قوله عليه الصلاة والسلام («لك يمينه حين سأل المدعى

٦٠٧
كتاب الدعوى
اتفاقاً. ابن ملك. وقدر في المجتبى الغيبة بمدة السفر (ويأخذ القاضي) في مسألة
المتن فيما لا يسقط بشبهة (كفيلاً ثقة)
فقال: ألك بينة؟ فقال لا، فقال عليه الصلاة والسلام: لك يمينه، فقال يحلف ولا يبالي،
فقال صلى الله عليه وسلم: ليس لك إلا هذا، شاهداك أو يمينه)) فصار اليمين حقاً له
لإضافته إليه بلام التمليك، فإذا طالبه به يجيبه. قال ط: وفي الاستدلال به نظر لأنه صلى
الله عليه وسلم إنما جعل له اليمين عند فقده البينة.
قال في البحر: اختلف النقل عن محمد، فمنهم من ذكره مع أبي يوسف كالزيلعي
والخصاف، ومنهم من ذكره مع الإمام كالطحاوي. قوله: (وقدر في المجتبى الغيبة بمدة
السفر) قال فيه بينتي غائبة عن المصر حلف عند أبي حنيفة، وقيل قدر الغيبة بمسيرة سفر
اهـ. فقد خالف ما نقله المصنف عن ابن ملك من أن في الغائبة عن المصر يحلف اتفاقاً.
قوله: (ويأخذ القاضي) أي بطلب المدعي كما في الخانية، وفي الصغرى: هذا إذا كان
المدعي عالماً بذلك، أما إذا كان جاهلاً فالقاضي يطلب. رواه ابن سماعة عن محمد.
بحر. والمراد بأخذ القاضي كفيلاً: أي ممن عليه الحق لا بالحق نفسه، وقد تقدم في كتاب
الكفالة في كفالة النفس أنه لو أعطى كفيلاً بنفسه برضاه جاز اتفاقاً، ولا يجبر عليه عند
الإمام خلافاً لهما، فعندهما يجبر بالملازمة فحينئذ لا حاجة للتقييد بهذا، وليس مذكوراً في
الدرر ولا في شرح الكنز. تأمل. قوله: (في مسألة المتن) وهي قال المدعي لي بينة حاضرة
الخ وقيد بها لأنه لو قال لا بينة لي أو شهودي غيب لا يكفل لعدم الفائدة. كذا في
الهداية. قوله: (فيما لا يسقط بشبهة) أما فيما يسقط بها كالحدود والقصاص، فلا يجبر
على دفع الكفيل كما تقدم.
قال في البحر: ادعى القاتل أن له بينة حاضرة على العفو أجل ثلاثة أيام، فإن
مضت ولم يأت بالبيئة وقال لي بينة غائبة يقضي بالقصاص قياساً كالأموال. وفي
الاستحسان: يؤجل استعظاماً لأمر الدم ا هـ.
قال الرملي: ومقتضى الإطلاق أن دعوى الطلاق كدعوى الأموال وإن احتاطوا في
الفروج لا تبلغ استعظام أمر الدماء، ولذلك يثبت برجل وامرأتين اهـ. قوله: (كفيلاً ثقة
يؤمن هروبه) وله أن يطلب وكيلاً بخصومته. قال في الكافي: وله أن يطلب وكيلاً
بخصومته حتى لو غاب الأصل يقيم البينة على الوكيل، فيقضى عليه، وإن أعطاه وكيلاً
أن يطالبه بالكفيل بنفس الوكيل، وإذا أعطاه كفيلاً بنفس الوكيل له أن يطالبه بالكفيل
بنفس الأصيل لو كان المدعي ديناً، لأن الدين يستوفي من ذمة الأصيل دون الوكيل، فلو
أخذ كفيلاً بالمال له أن يطلب كفيلاً بنفس الأصيل، لأن الاستيفاء من الأصيل قد يكون
أيسر، وإن كان المدعي منقولاً له أن يطلب منه مع ذلك كفيلاً بالعين ليحضرها، ولا يغيبه

٦٠٨
كتاب الدعوى
يؤمن هروبه. بحر فليحفظ (من خصمه)
المدعى عليه وإن كان عقاراً لا يحتاج إلى ذلك لأنه لا يقبل التغييب، وصح أن يكون
الواحد كفيلاً بالنفس ووكيلاً بالخصومة لأن الواحد يقوم بهما، فلو أقر وغاب قضى،
لأنه قضاء إعانة اهـ. وفيه: ولو أقيمت البينة فلم تزك فغاب المشهود عليه فزكيت لا
يقضى عليه حال غيبته في ظاهر الرواية، لأن له حق الجرح في الشهود. وعن أبي يوسف
أنه یقضی اهـ.
واعلم أنه ينبغي أن يشترط في الوكيل ما سبق في الكفيل من كونه ثقة معروف
الدار، وفي البحر عن الصغرى: لو أبى إعطاء الوكيل بالخصومة لم يجبرا هـ. قوله:
(يؤمن هروبه) تفسير للثقة. قال في البحر: وفسره في الصغرى بأن لا يخفي نفسه ولا
یهرب من البلد بأن يكون له دار معروفة وحانوت معروف لا يسكن في بيت بكراء ويتركه
ويهرب منه، وهذا شيء يحفظ جداً، وينبغي أن يكون الفقيه ثقة بوظائفه بالأوقاف، وإن
لم يكن له ملك في دار أو حانوت لأنه لا يتركها ويهرب اهـ. وفسره في شرح المنظومة بأن
يكون معروف الدار والتجارة، ولا يكون لحوحاً معروفاً بالخصومة، وأن يكون من أهل
المصر لا غريباً ا هـ. قال الحموي: وكذا العسكري فإنه لا يهرب ويترك علوفته من
الديوان.
والحاصل: أن المدار على الأمن من الهروب ا هـ. وفي البحر أيضاً عن كفالة
الصغرى: القاضي أو رسوله إذا أخذ كفيلاً من المدعى عليه بنفسه بأمر المدعي أولاً
بأمره، فإن لم يضف الكفالة إلى المدعي بأن قال أعط كفيلاً بنفسك، ولم يقل للطالب
ترجع الحقوق إلى القاضي ورسوله، حتى لو سلم إليه الكفيل يبرأ، ولو سلم إلى المدعي
فلا، وإن أضاف إلى المدعي كان الجواب على العكس اهـ. وفيه عنها: طلب المدعي من
القاضي وضع المنقول على يد عدل ولم يكتف بكفيل النفس: فإن كان المدعى عليه عدلًا
لا يجيبه القاضي، ولو فاسقاً يجيبه. وفي العقار لا يجيبه إلا في الشجر الذي عليه الثمر لأن
الثمر نقلي اهـ.
قال في البحر: وظاهره أن الشجر من العقار، وقدمنا خلافه. وفي أبي السعود عن
الحموي عن المقدسي التصريح بأنه من العقار اهـ.
أقول: وقدمنا الصحيح من ذلك فلا تنسه. وفي الخزانة: إذا أقام بينة ولم تزك في
جارية يضعها القاضي على يد امرأة ثقة حتى يسأل عن الشهود، ولا يتركها في يد المدعى
عليه عدلًا كان أو لا. هذا إن سأل المدعي من القاضي وضعها اهـ. وإنما أخذ الكفيل
بمجرد الدعوى استحساناً لأن فيه نظراً للمدعي، وليس فيه كثير ضرر بالمدعى عليه،
وهذا لأن الحضور مستحق عليه بمجرد الدعوى فصح التكفيل بإحضاره: أي من غير

٦٠٩
کتاب الدعوى
ولو وجيهاً والمال حقيراً في ظاهر المذهب. عيني (بنفسه ثلاثة أيام) في الصحيح،
وعن الثاني إلى مجلسِه الثاني وصحح، فإن امتنع من إعطاء (ذلك) الكفيل (لازمه)
بنفسه أو أمينه
جبر كما قدمنا. قوله: (ولو وجيهاً) ضد الخامل، والوجيه من له حظ ورتبة، والخامل
من مل الرجل خمولًا من باب قعد: ساقط النباهة لا حظّ له. مصباح. قوله: (في ظاهر
المذهب) أي المعتمد. وعن محمد أن الخصم إذا كان معروفاً أو المال حقيراً والظاهر من
حاله أنه لا يخفي نفسه بذلك القدر من المال لا يجبر على إعطائه الكفيل. قوله: (في
الصحيح) قال في البحر: ثم تأقيت الكفالة بثلاثة أيام ونحوها ليس لأجل أن يبرأ الكفيل
عنها بعد الوقت، فإن الكفيل إلى شهر لا يبرأ بعده، لكن التكفيل إلى شهر للتوسعة على
الكفيل، فلا يطالب إلا بعد مضيه، لكن لو عجل يصح، وهنا للتوسعة على المدعي فلا
يبرأ الكفيل بالتسليم للحال إذ قد يعجز المدعي عن إقامتها، وإنما يسلم إلى المدعي بعد
وجود ذلك الوقت، حتى لو أحضر البينة قبل الوقت يطالب الكفيل. قوله: (إلى مجلسه)
أي القاضي. قوله: (لازمه بنفسه) أي دار معه حيث دار فلا يلازمه في مكان معين، ولا
يلازمه في المسجد لأنه بنى للذكر، به يفتى. بحر. وفيه: ويبعث معه أميناً يدور معه.
ورأيت في الزيادات أن الطالب لو أمر غيره بملازمة مديونه فللمديون أن لا يرضى
بالأمين عند أبي حنيفة خلافاً لهما بناء على التوكيل بلا رضا الخصم، لكنه لا يحبسه في
موضع لأن ذلك حبس، وهو غير مستحق عليه بنفس الدعوى، ولا يشغله عن التصرف
بل هو يتصرف والمدعي يدور معه.
مَطْلَبْ: هَلْ لِلطَّالِبٍ أَنْ يَمْتَعَهُ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ
بِالدُّخُولِ مَعَهُ؟
وإذا انتهى المطلوب إلى داره فإن الطالب لا يمنعه من الدخول إلى أهله بل يدخل
والملازم يجلس على باب داره اهـ. وفي الذخيرة: ومن القضاة المتأخرين من أوجب حبس
الخصم؛ لأن المدعي يحتاج إلى طلب الشهود وغيره اهـ. وفي البحر عن الزيادات: أن
المطلوب إذا أراد أن يدخل بيته، فإما أن يأذن للمدعي في الدخول معه أو يجلس معه على
باب الدار، لأنه لو تركه حتى يدخل الدار وحده فربما يهرب من جانب آخر فيفوت ما
هو المقصود منها.
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ كَانَ المَطْلُوبُ امْرَأَةٌ
وفي تعليق أستاذنا: لو كان المدعى عليه امرأة فإن الطالب لا يلازمها بنفسه، بل
يستأجر امرأة فتلازمها. وفي أول كراهية الواقعات: رجل له على امرأة حق فله أن
يلازمها ويجلس معها ويقبض على ثيابها لأن هذا ليس بحرام، فإن هربت ودخلت خربة

٦١٠
کتاب الدعوى
مقدار (مدة التكفيل) لئلا يغيب (إلا أن يكون) الخصم (غريباً) أي مسافراً(ف) يلازم
أو يكفل (إلى انتهاء مجلس القاضي) دفعاً للضرر حتى لو علم وقت سفره يكفله إليه
وينظر في زيه أو يستخير رفقاءه لو أنكر المدعي. بزازية.
(قال لا بينة لي وطلب يمينه فحلفه القاضي ثم برهن) على دعواه بعد اليمين
(قبل ذلك) البرهان عند الإمام (منه) وكذا لو قال المدعي: كل بينة آتي بها فهي
شهود زور
لا بأس بذلك إذا كان الرجل يأمن على نفسه ويكون بعيداً منها يحفظها بعينه، لأن في هذه
الخلوة ضرورة، وأشار بملازمته إلى ملازمة المدعي لما في خزانة المفتين إذا كان المدعى عليه
متلافاً وأبى عطاء الكفيل بالمدعي.
مَطْلَبُ: لَهُ مُلَزَمَةُ المُدَّعِي
فللمدعي أن يلازم ذلك الشيء أن يعطيه كفيلاً، وإن كان المدعي ضعيفاً عن
ملازمته يضع ذلك الشيء علی ید عدل ا هـ.
وظاهر ما في السراج الوهاج أنه لا يلازمه إلا بإذن القاضي، وذكر فيه أن منها أن
یسکن حیث سکن. وفي المصباح: دار حول البیت یدول دوراً ودوراناً طاف به، ودوران
الفلك تواتر حركاته بعضها أثر بعض من غير ثبوت ولا استقرار. ومنه قولهم: دارت
المسألة: أي كلما تعلقت بمحل توقف ثبوت الحكم على غيره فتنتقل إليه ثم يتوقف على
الأول وهكذا اهـ. قوله: (مقدار مدة التكفيل) فإن لم يأت ببينة أمره أن يخلي سبيله ولا
يقبل دعوته إلا بإحضار البينة كما لا يخفى. قوله: (إلا أن يكون الخصم غريباً أي مسافراً)
وأي تفسير مراد، وأشار به إلى أن حكم المقيم مريد السفر كالغريب.
قال في المنح: والمراد من الغريب المسافر. قوله: (إلى انتهاء مجلس القاضي) أطلق في
مقدار مجلس القاضي فشمل ما إذا كان يجلس في كل خمسة عشرة يوماً مرة. كذا في
البزازية. قوله: (دفعاً للضرر) بأخذ الكفيل وبالملازمة أزيد من ذلك، كذا علله في الهداية
لأن في أخذ الكفيل والملازمة زيادة على ذلك إضراراً به يمنعه عن السفر، ولا ضرر في
هذا المقدار ظاهراً. قوله: (حتى لو علم وقت سفره) بأن قال أخرج غداً مثلا، فلو علم
أن السفر قبل انتهاء مجلس القاضي يكون التكفيل إلى وقت السفر دفعاً للضرر. قوله:
(إليه) أي إلى وقت سفره. قوله: (أو يستخبر رفقاءه) بأن يبعث إليهم أميناً، فإن قالوا
أعد للخروج معنا يكفله إلى وقت الخروج. بحر. قوله: (لا بينة لي الخ) هذه المسألة من
تتمة قوله وتقبل البينة لو أقامها بعد اليمين، كما أشار إليه الشارح هناك بقوله: وإن قال
قبل اليمين لا بينة لي، فكان المناسب أن يذكرها هناك ح. قوله: (قبل ذلك البرهان) لأن
اليمين الفاجرة أحق بالرد من البينة العادلة كما مر. قوله: (فهي شهود زور) لأن الشهادة

٦١١
کتاب الدعوى
أو قال: إذا حلفت فأنت بريء من المال فحلف ثم برهن على الحق قبل. خانية.
وبه جزم في السراج كما مر (وقيل لا) يقبل قائله محمد كما في العمادية، وعكسه
ابن ملك. وكذا الخلاف لو قال: لو دفع لي ثم أتى بدفع أو قال الشاهد لا شهادة
لي ثم شهدوا الأصح القبول لجواز النسيان ثم التذكر كما في الدرر، وأقره
المصنف.
(ادعى المديون الإيصال فأنكر المدعي) ذلك (ولا بينة له) على مدعاه (فطلب
يمينه فقال المدعي: اجعل حقي في الختم ثم استحلفني له ذلك) قنية (واليمين بالله
تعالى) لحديث ((مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللّهِ تَعَالَىَ أَو لِذَرَ)) وهو قول الله. خزانة.
وظاهره أنه لو حلفه
تتعلق بالشهود، ويجب عليهم أداؤها ويأثم كاتمها، وهذا القول منه لا يثبت زور العدل
لأنه قبل الشهادة ولأنه في غير معلوم ولأنه جرح مجرد ط. قوله: (أو قال) أي المدعي.
قوله: (حلفت) بتاء الخطاب. قوله: (كما مر) عند قول المصنف ((اصطلحا على أن يحلف
عند غير قاض الخ)) لكن هناك اليمين من المدعي، وقدمنا الكلام عليه هناك. قوله:
(فأنكر المدعي) أي مدعي الدين. قوله: (ولا بينة له) أي لمدعي الإيصال. قوله: (فطلب
يمينه) أي يمين الدائن. قوله: (فقال المدعي) أي مدعي الدين. قوله: (اجعل حقي في
الختم) المراد به، والله تعالى أعلم: المنقد فإنه قال في القاموس إن المختم كمنبر آلة ينقد
بها، فراجعه ط .
أقول: ولعله المعد الذي يعد عليه الصيارفة والتجار وفي بيت المال الدراهم،
والمقصود إحضار الحق.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: المراد بالختم الصك، ومعناه اكتب الصك بالبينة
ثم استحلفني، أو المراد بإحضار نفس الحق في شيء مختوم وهو الأظهر، وفي حاشية
الفتال عن الفتاوى الأنقروية: يعني احضر حقي ثم استحلفني، ومثله في الحامدية. قوله:
(لحديث من كان حالفاً) صدره كما في الحموي: لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت، فمن
كان حالفاً الخ. ولما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام سمع
عمر يحلف بأبيه فقال: ((إنَّ اللهَ يَتْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ
أَوْ لِيَصْمِتْ)) رواه البخاري ومسلم وأحمد. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَا تَحْلِفُوا إِلَّ بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّ وأَنْتُم صَادِقُونَ)) رواه
النسائي. عيني. قوله: (وظاهره) أي ظاهر قول الخزانة من قوله: وهو قوله والله إنه لو
حلفه بغيره من أسماء الله أو صفة تعورف الحلف بها لم يكن يميناً: يعني في باب

٦١٢
کتاب الدعوى
بغيره لم يكن يميناً ولم أره صريحاً. بحر
الدعوى، ويمكن أن يكون وجهه أن لفظ الجلالة جامع لجميع الأسماء والصفات حتى
صحح بعضهم أنه الاسم الأعظم، وقد ورد تحليف الشارع به فيقتصر عليه، ويحتمل أنه
ذكره على سبيل التمثيل لما علم في كتاب الأيمان أنه ينعقد الحلف بكل اسم من أسماء الله
تعالى، وكل صفة تعورف الحلف بها، وقد صرحوا هنا بما يدل على ذلك. قال في خزانة
المفتين: متى حلفه بالله الرحمن الرحيم كان يميناً واحداً، وإذا حلفه بالله والرحمن
والرحيم يكون ثلاثة أيمان اهـ. فهذا صريح بأن الرحمن والرحيم يمين. تأمل. ومثله في
التبيين فإنه قال: ويحترز عن عطف بعض الأسماء على بعض كيلا يتكرر عليه اليمين،
ولو أمره بالعطف فأتى بواحدة ونكل عن الباقي لا يقضي عليه بالنكول، لأن المستحق
علیه یمین واحدة وقد أتى بها اهـ.
وسيصرح الشارح به في قوله ((ويجتنب العطف كي لا يتكرر اليمين)) وفي كتاب
الأيمان والقسم بالله تعالى أو باسم من أسمائه كالرحمن والرحيم والحق، أو بصفة يحلف
بها من صفاته تعالى كعزّة الله وجلاله وكبريائه وعظمته الخ، فهذا كله يدل على كونه
يميناً، وكذا ما ثبت في الحديث ((وربّ الكعبة)) ونحوه يقتضي أن الحلف بالرحمن والرحيم
وغيره من أسمائه تعالى يكون يميناً، على أنه صرح في روضة القضاة بأن اليمين يكون
بالرحمن والرحيم وسائر أسمائه تعالى. وأما الحصر في الحديث الشريف بالنسبة إلى الجبت
والطاغوت ونحوهما. قوله: (بغيره) كالرحمن والرحيم: بحر. قوله: (لم يكن يميناً) قد
علمت أن الحق أنه يمين، ولا يشكل عليه ما يفهم من ظاهر عبارة الدرر من قوله:
والحلف بالله تعالى دون غيره، وإن كان ظاهره أن هذا التركيب للحصر كما في الحمد لله
لأن المراد أن لا يكون الحلف إلا بذاته تعالى: أي باسم من أسمائه الذاتية أو الصفاتية فقد
انتفى الإشكال، على أنه هو المصرح به في عمدة الكتب بل عامتهم، ولا يمكن أن يقال
إن ما ذكروه في كتاب الأيمان فرق عن هنا: أي الدعوى لأنه لم يصرح أحد يفرق أصلاً.
قوله: (ولم أره صريحاً بحر) حيث قال بعد نقله عبارة الخزانة: وظاهره أنه لا تحليف بغير
هذا الاسم، فلو حلفه بالرحمن أو الرحيم لا يكون يميناً، ولم أره صريحاً اهـ.
قال العلامة المقدسي: فيه قصور لوجود النص على خلافه، فقد ذكر في كتاب
الأيمان أنه لو قال: والرحمن أو الرحيم أو القادر فكل ذلك يمين، ويدل عليه قولهم فيما
إذا غلظ بذكر الصفة يحترز عن الإتيان بالواو لئلا تتكرر اليمين، ونصه هنا في تحليف
الأخرس أن يقال له عهد الله عليك، ولا فرق بينه وبين الصحيح بل صرح بهذا
الصحيح، وصرح في روضة القضاة بأن الرحمن الرحيم وسائر أسماء الله تعالى تكون يميناً
اهـ.

٦١٣
کتاب الدعوى
(لا بطلاق وعتاق) وإن ألح الخصم، وعليه الفتوى. تاترخانية. لأن التحليف بهما
حرام. خانية (وقيل إن مست الضرورة فوض إلى القاضي) اتباعاً للبعض (فلو
حلفه) القاضي (به فئكل فقضى عليه) بالمال (لم ينفذ) قضاؤه (على) قول (الأكثر)
كذا في خزانة المفتين، وظاهره أنه مفرع على قول الأكثر، أما على القول بالتحليف
بهما فيعتبر نكوله ويقضى به، وإلا فلا فائدة، واعتمده المصنف.
قلت: ولو حلف بالطلاق أنه لا مال عليه ثم برهن المدعي على المال إن
أقول: والعجب من المصنف حيث نقله وأقره عليه، وكذا الشارح. قوله: (لا
بطلاق وعتاق وإن ألح الخصم) أي داوم على طلب اليمين بهما، ومثل الطلاق والعتاق
الحج كما في العناية، وقد قصد بهذا مخالفة الكنز والدرر حيث قال: إلا إذا ألحّ الخصم،
وحكاه في الكافي بقيل، وكذا في الهداية، فإن ما مشى عليه الشارح هو ظاهر الرواية.
قوله: (لأن التحليف بهما حرام) بل في القهستاني عن المضمرات اختلفوا في كفره إذا قال
حلفه بالطلاق، وقدمنا الكلام قريباً على ما لو حلف بالطلاق أنه لا مال عليه ثم برهن
المدعي على المال، وسيأتي في كلام الشارح. قوله: (وقيل إن مست الضرورة فوض إلى
القاضي) قال في المنية: وإن مست الضرورة يفتي أن الرأي فيه للقاضي. قوله: (وظاهره
أنه مفرع على قول الأكثر) تبع فيه المصنف وصاحب البحر وهو عجيب، فإن صاحب
الخزانة صرح بأن ذلك على قول الأكثر فهو صريح لا ظاهر. قوله: (وإلا فلا فائدة) قال
العلامة المقدسي: قد تكون فائدته اطمئنان خاطر المدعي إذا حلف فربما كان مشتبهاً عليه
الأمر لنسیان ونحوه، فإذا حلف له بهما صدقه ا هـ.
وفي شرح الملتقى عن الباقلاني: الإقرار بالمدعي إذا احترز عنه ا هـ: أي تظهر فائدته
فيما إذا كان جاهلاً بعدم اعتبار نكوله، فإذا طلب حلفه به ربما يمتنع ويقر بالمدعي.
قوله: (واعتمده المصنف) حيث قال: وهذا كلام ظاهر يجب قبوله والتعويل عليه، لأن
التحليف إنما يقصد لنتيجته، وإذا لم يقض بالنكول عنه فلا ينبغي الاشتغال به، وكلام
العقلاء فضلاً عن العلماء العظام يصان عن اللغو، والله تعالى أعلم بالصواب اهـ.
لكن عبارة ابن الكمال: فإن ألح الخصم: قيل يصح بهما في زماننا لكن لا يقضي
عليه بالنكول لأنه امتنع عما هو منهي عنه شرعاً، ولو قضى عليه بالنكول لا ينفذ
انتهت. واستشكل في السعدية بأنه إذا امتنع عما هو منهيّ عنه شرعاً فكيف يجوز للقاضي
تكليف الإتيان بما هو منهي عنه شرعاً؟ ولعل ذلك البعض يقول النهي تنزيهي، ومثل ما
في ابن الكمال في الزيلعي وشرح درر البحار، وظاهره أن القائل بالتحليف بهما يقول إنه
غير مشروع، ولكن يعرض عليه لعله يمتنع، فإن من له أدنى ديانة لا يحلف بهما كاذباً
فإنه يؤدي إلى طلاق الزوجة وعتق الأمة أو إمساكهما بالحرام، بخلاف اليمين بالله تعالى

٦١٤
كتاب الدعوى
شهدوا على السبب كالإقراض لا يفرق، وإن شهدوا على قيام الدين يفرق لأن
السبب لا يستلزم قيام الدين. وقال محمد في الشهادة على قيام المال: لا يحنث
لاحتمال صدقه، خلافاً لأبي يوسف. كذا في شرح الوهبانية للشرنبلالي، وقد تقدم
فإنه يتساهل به في زماننا كثيراً. تأمل. قوله: (لا يفرق) أي بين الزوج والزوجة. قوله:
(لأن السبب لا يستلزم قيام الدين) لاحتمال وفائه أو إبرائه أو هبته منه، وهذا التفصيل
هو المفتى به كما في شرح عبد البر ط. قوله: (وقال محمد في الشهادة على قيام المال: لا
يحنث لاحتمال صدقه).
أقول: تقدم قريباً قوله ويظهر كذبه بإقامتها لو ادعاه: أي المال بلا سبب فحلف،
وإن ادعاه بسبب فحلف أن لا دين عليه ثم أقامها لا يظهر كذبه لجواز أنه وجد القرض،
ثم وجد الإبراء أو الإيفاء وعليه الفتوى اهـ. وقد ذكرنا هناك الكلام وبحث المقدسي فيه
والجواب عنه فراجعه إن شئت. قوله: (وقد تقدم) أي في كلام المصنف حيث قال:
ويظهر كذبه بإقامتها لو ادعاه بلا سبب فحلف الخ، وإنما أعاده هنا لأن هذه العبارة
أوضح وأدلّ على المطلوب، وفيها زيادة فائدة كذكر الخلاف بين محمد وأبي يوسف، وهو
كالشرح للعبارة المتقدمة، فقد بين به أن إطلاق الدرر على قول أحد الشيخين، ولا
اعتراض على من أتى بالعبارة التامة بعد العبارة القاصرة، كما قالوا في عطف العام على
الخاص لا يحتاج إلى نكتة لما فيه من زيادة الفائدة. تأمل.
مَطْلَبُ: مَسَائِلُ ذَكَرَهَا الخَصَّافُ في آخِرِ كِتَابِ الحِيَلِ
قال العلامة الشلبي في حاشية الزيلعي: ونذكر نبذاً من مسائل ذكرها الخصاف في
آخر كتاب الحيل: إن قال كل امرأة لي طالق مثلاً، ونوى كل امرأة أتزوجها باليمين أو
الهند أو بالسند أو في بلد من البلدان له نيته، وإن ابتدأ الیمین یحتال ويقول: هو الله،
ويدغم ذلك حتى لا يفهم المستحلف.
فإن قال المستحلف: إنما أحلفك بما أريد وقل أنت نعم، ويريد أن يستحلفه بالله
والطلاق والعتاق والمشي وصدقة ما يملك، يقول نعم وينوي نعماً من الأنعام، وكذا لو
قيل له نساؤك طوالق ونوى نساءه العور أوالعميان أو العرجان أو المماليك أو اليهوديات
فیکون له نيته.
وإن أراد أن يحلف أنه لم يفعل كذا وأحصر المملوك ليحلف بعتقه قال: يضع يده
على رأس المملوك أو ظهره ويقول هذا حرّ: يعني ظهره إن كان فعل فلا يعتق المملوك.
وإن حلف بعتق المملوك أنه لم يفعل كذا، ونوى بمكة أو في المسجد الحرام، أو في
بلد من البلدان لا يحنث إن كان فعله في غير ذلك الموضع.
وإن حلف بطلاق امرأته ويقول امرأتي طالق ثلاثاً، وينوي عملاً من الأعمال

٦١٥
کتاب الدعوى
(ويغلظ بذكر أوصافه تعالى) وقيده بعضهم بفاسق ومال خطير (والاختيار) فيه (وفي
صفته إلى القاضي) ويجتنب العطف كي لا تتكرّر اليمين (فلو حلفه بالله ونكل عن
التغليظ لا يقضى عليه به) أي بالنكول، لأن المقصود الحلف بالله وقد حصل.
كالخبز والغسل أو أطالق من وثاق، وينوي بقوله ثلاثاً ثلاثة أيام أو أشهر أو جمع فلا
حنٹ.
ولو بلغ سلطاناً عن رجل كلام فأراد السلطان أن يحلفه عليه فالوجه أن يقول: ما
الذي بلغك عني؟ فإذا قال بلغني عنك كذا وكذا، فإن شاء حلف له بالعتاق والطلاق أنه
ما قال هذا الكلام الذي حكاه هذا ولا سمع به إلا هذه الساعة فلا إثم عليه، وإن شاء
نوى في الطلاق والعتاق ما شرحناه، وإن شاء نوى أنه لم يتكلم بهذا الكلام بالكوفة مثلً
غير البلد الذي تكلم فيه به أو الموضع، أو ينوي عدم التكلم ليلاً، وإن تكلمه نهاراً أو
عكسه أو ينوي زمناً غير الذي تكلم فيه ا هـ ملخصاً.
أقول: الظاهر في ذلك أن الحالف مظلوماً، أما لو كان ظالماً فلا ينوي، بل العبرة
بظاهر اللفظ العرفي الذي حلف به، لأن الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض كما
علم ذلك من كتاب الأيمان، فراجعه. قوله: (ويغلظ بذكر أوصافه تعالى) أي يؤكد
اليمين بذكر أوصاف الله تعالى، وذلك مثل قوله: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ عَالِمُ
الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمنُ الرَّحِيمِ﴾ [الحشر: ٢٢] الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية
ما لفلان هذا عليك ولا قبلكَ هذا المال الذي ادعاه ولا شيء منه؛ لأن أحوال الناس
شتى، فمنهم من يمتنع عن اليمين بالتغليظ، ويتجاسر عند عدمه فيغلظ عليه لعله يمتنع
بذلك، ولو لم يغلظ جاز؛ وقيل: لا تغليظ على المعروف بالصلاح، ويغلظ على غيره،
وقيل يغلظ على الخطير من المال دون الحقير. عيني. قوله: (وقيده) أي قيد بعضهم
التغليظ. قوله: (بفاسق) أي إذا كان المدعى عليه فاسقاً. قوله: (ومال خطير) أي كما
ذكرنا كما بينه في خزانة المفتين وتبيين الحقائق. قوله: (والاختيار فيه) أي في التغليظ لما
علمت من أنه جائز ويجوز إرجاع الضمير إلى أصل اليمين: أي الاختيار في اليمين بأن
يقول له قل والله أو بالله أو الرحمن والقادر على ما سلف، وقد صرحوا أن التحليف حق
القاضي: أي الاختيار. في صفة التغليظ إلى القضاة يزيدون فيه ما شاؤوا أو ينقصون ما
شاؤوا ولا يغلظون لو شاؤوا كما في البحر عن الخلاصة. قوله: (وفي صفته) أي التغليظ
التي ينطلق بها. قوله: (إلى القاضي) أي تفويضه إلى القاضي. قوله: (ويجتنب العطف)
أي في اليمين فلا يذكره بحرف العطف ويحترز عن عطف بعض الأسماء على بعض وإلا
لتعدد اليمين، ولو أمره بالعطف فأتى بواحدة ونكل عن الباقي لا يقضي عليه بالنكول،
لأن المستحق يمين واحدة وقد أتى بها كما أفاده الزيلعي وقدمناه قريباً فلا تنسه. قوله:

٦١٦
كتاب الدعوى
زيلعي (لا) يستحب التغليظ على المسلم (بزمان ولا بمكان) وكذا في الحاوي،
وظاهره أنه مباح (ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى
(لا يستحب) وقيل لا يجب، وقيل لا يشرع. وظاهر ما في الهداية أن المنفي وجوب التغليظ
بهما فيكون مشروعاً، وظاهر ما في المحيط في موضع أن المنفي كونه سنة وفي موضع بعده
عدم مشروعيته حيث قال: لا يجوز التغليظ بالزمان والمكان، وصرح في غاية البيان أن
للحاكم فعله عندنا إن رأى ذلك، وإنما الخلاف في كونه واجباً أو سنة. وفي البحر: لا
يجوز التغليظ بالمكان. قال في الكافي: قيل لا يجب، وقيل لا يشرع؛ لأن في التغليظ بالزمان
تأخير حق المدعي إلى ذلك الزمان. قال العلامة المقدسي: وكذا في المكان لأن فيه التأخير
إلى الوصول إلى ذلك المكان المغلظ به، فلا يشرع. كذا في التبيين والكافي اهـ.
قلت: وهذا لا يظهر إذا كان على وفق مطلوبه، ولو علل بمخالفته المشروع لكان
أولى، وعند الشافعي: يستحب هذا التغليظ في قول، ويجب في قول به قال مالك كما في
البناية وغيره.
أقول: الظاهر أن المذهب عندنا عدم جواز هذا التغليظ، وعليه دلائل مشايخنا
المذكورة في الشروح وأما سلب حسن هذا لتغليظ تارة وسلب الوجوب أخرى في عبارتهم
فمبني على نفي مذهب الخصم. تدبر. قوله: (بزمان) مثل يوم الجمعة. قوله: (ولا
بمكان) مثل الجامع عند المنبر أو ما بين الركن والمقام وعند قبره عليه الصلاة والسلام
وعند صخرة بيت المقدس. قوله: (وظاهره أنه مباح) فيه أن المباخ ما استوى طرفاه فكان
يقول فهو خلاف الأولى.
وأقول كيف يكون مباحاً وفيه زيادة على النص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم
((اليَمِين عَلَى مَنْ أَنْكَرَ)) وهو مطلق عن التقييد بزمان أو مكان، والتخصيص بهما زيادة على
النص، وهو نسخ كما أفاده العيني. وفي شرح الملتقى للداماد وعند الأئمة الثلاثة: يجوز
أن تغلظ بهما أيضاً إن كانت اليمين في قسامة ولعان ومال عظيم. قال القهستاني: وعن
أبي يوسف أنه يوضع المصحف في حجره، ويقرأ الآية المذكورة وهي. ﴿إن الذين يشترون
بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلا﴾. الآية ثم يحلف في مكان منها كما في المضمرات. قوله:
(ويستحلف اليهودي) قال في المصباح(١): اليهودي نسبة إلى هود، وهو اسم نبيّ عربي،
وسمي بالجمع والمضارع من هدى إذا رجع، ويقال هم يهود وهو غير منصرف للعلمية
ووزن الفعل، وجاز تنوينه، وقيل نسبة إلى يهود بن يعقوب. قوله: (بالله الذي أنزل
التوراة على موسى) لقوله عليه الصلاة والسلام لابن صوريا الأعور: ((أَنْشُدُك بِاللَّهِ الَّذِي
(١) قال في المصباح الخ) بمراجعة عبارة المصباح يظهر لك ما في هذه العبارة.

٦١٧
كتاب الدعوى
والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار)
فيغلظ على كل بمعتقده، فلو اكتفى بالله كالمسلم كفى. اختيار (والوثني بالله تعالى)
لأنه يقرّ به وإن عبد غيره، وجزم ابن الكمال بأن الدهرية
أَنزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَنَّ حُكْمَ الزِّنَا فِي كِتَابِكُمْ هَذَا» كما في البحر.
قال في البدائع: ولا يحلف على الإشارة إلى مصحف معين: أي من التوراة بأن
يقول: بالله الذي أنزل هذه التوراة أو هذا الإنجيل، لأنه ثبت تحريف بعضها فلا يؤمن
أن تقع الإشارة إلى الحرف المحرف فيكون التحليف تعظيماً لما ليس كلام الله تعالى.
شرنبلالية. أو من حيث إن المجموع ليس كلام الله تعالى ط. قوله: (والنصراني) قال في
المصباح: رجل نصراني بفتح النون وامرأة نصرانية، وربما قيل نصران ونصرانة، ويقال
هو نسبة إلى قرية يقال لها نصرة، ولهذا قيل في الواحد نصري على القياس، والنصارى
جمعه مثل مهري ومهارى، ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين اهـ. قوله:
(والمجوسي) قال في المصباح: هي كلمة فارسية يقال تمجس: إذا دخل في دين المجوس،
كما يقال تهود أو تنصر إذا دخل في دين اليهود والنصارى. قوله: (فيغلظ على كل
بمعتقده) لتكون ردعاً له عن اليمين الكاذبة. قال في البحر: وما ذكره من صورة تحليف
المجوسي مذكور في الأصل. وروى عن أبي حنيفة أنه لا يحلف أحد: أي من أهل الكفر
إلا بالله خالصاً تحاشياً عن تشريك الغير معه في التعظيم. وذكر الخصاف أنه لا يحلف غير
اليهودي والنصرني إلا بالله، واختاره بعض مشايخنا لما في ذكر النار من تعظيمها، ولا
ينبغي ذلك، بخلاف الكتابين لأنهما من كتبه تعالى، وظاهر ما في المحيط أن ما في الكتاب
قول محمد، وما ذكره الخصاف قولهما.
فإن قلت: إذا حلف الكافر بالله فقط ونكل عما ذكر هل يكفيه أم لا؟ قلت: لم
أره صريحاً، وظاهر قولهم إنه يغلظ به أنه ليس بشرط وأنه من باب التغليظ، فيكفي بالله
ولا يقضي عليه بالنكول عن الوصف المذكور اهـ. قوله: (اختيار) قال فيه بعد قول المتن
((ويستحلف اليهودي الخ)) ولو اقتصر في الكل على قوله بالله فهو كاف، لأن الزيادة
للتأكيد كما قلنا في المسلم، وإنما يغلظ ليكون أعظم في قلوبهم فلا يتجاسرون على اليمين
الكاذبة اهـ. قوله: (والوثني) الوثن: الصنم سواء كان من خشب أو حجر أو غيره،
والجمع وثن مثل أسد وأسد وأوثان، وينسب إليه من يتدين بعبادته على لفظه فيقال رجل
وثني، وأراد بالوثني المشرك سواء عبد صنماً أو وثناً أو غيرهما. قوله: (لأنه يقرّ به وإن
عبد غيره) أي يعتقد أن الله تعالى خالقه لكنه يشرك معه غيره. قال تعالى: ﴿وَلَيْنْ سَأَلْتَهُمْ
مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. قوله: (وجزم ابن الكمال بأن
الدهرية) بفتح الدال: أي الطائفة الذين يقولون بقدم الدهر وينكرون الصانع ويقولون:

٦١٨
كتاب الدعوى
لا يعتقدونه تعالى.
قلت: وعليه فبماذا يحلفون؟ وبقي تحليف الأخرس أن يقول له القاضي:
عليك عهد الله وميثاقه إن كان كذا وكذا، فإذا أومأ برأسه أي نعم صار حالفاً،
إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر. قال في القاموس: الدهر قد
يعد في الأسماء الحسنى والزمن الطويل والأمد الممدود وألف سنة، والدهري ويضم
القائل ببقاء الدهر. قوله: (لا يعتقدونه تعالى) وإن قالوا بقدمه لأن قدمه عندهم بأنه قدیم
بالزمان، وذلك لأن منهم من يقول القدماء خمسة: الرب، والدهر، والفلك، والعناصر،
والفراغ: أي الخلاء وراء العام، فالزهرا الخالق لها(١) وهي قديمة بالزمان لا بالذات كما
في حاشية الكبرى. قوله: (قلت وعليه فبماذا يحلفون) قلت يحلفون بالله تعالى لما في معراج
الدراية عن المبسوط الحر والمملوك والرجل والمرأة والفاسق والصالح والكافر والمسلم في
اليمين سواء، لأن المقصود هو القضاء بالنكول، وهؤلاء في اعتقاد الحرمة في اليمين
الكاذبة سواء ا هـ.
أقول: والزنديق والمباحي داخلون تحت المشركين، إذ قد سبق في صدر الكتاب من
البدائع أنهم لم يتجاسروا في عصر من الأعصار على إظهار نحلهم سوى كفرهم، فلما لم
يقرّوا بالواجب الوجود لله تعالى تقدس عما يقول الظالمون، ولا نبيّ من الأنبياء، ولم
يقدروا على إظهار مللهم ألحقوا بالمشركين، فيعدون منهم حكماً، على أنه قد صرح في
بعض الكتب أنهم يقرون به تعالى. ولكن ينفون القدر عنه تعالى فظهر أن الكفرة بأسرهم
يعتقدون الله تعالى وتعمهم الآية الكريمة المتقدمة، فیستحلفون بالله تعالى، سواء كان
المستحلف ممن يعتقد الله تعالى أو لا، فإنه وإن لم يعلم الله تعالى فإن الله تعالى يعلمه، فإذا
حلف به كاذباً فالله تعالى يقطع دابره ويجعل دياره بلاقع: أي خالية، وحينئذ فلا معنى
لقول الشارح: قلت الخ تأمل.
أقول: وهذا كله بخلاف الكتابيين كما مر من أنهم يحلفون بالله الذي أنزل التوراة
أو الإنجيل، وفي المقدسي: لأنهما من كتبه تعالى. قال في شرح الأقطع: أما الصابئة إن
كانوا يؤمنون بإدريس عليه السلام استحلفوا بالذي أنزل الصحف على إدريس عليه
السلام، وإن كانوا يعبدون الكواكب استحلفوا بالذي خلق الكواكب اهـ. إتقاني. ولا
تنس ما قررته. قوله: (أن يقول له القاضي عليك عهد الله) ولا يقول له: تحلف بالله ما
لهذا عليك حق فإنه لا يكون يميناً، ولو أشر بنعم لأنه يصير كأنه قال احلف وذلك لا
يكون يميناً أفاده الإتقاني. قال في الشرنبلالية: ولا يقول له بالله إن كان كذا، لأنه إذا قال
نعم يكون إقراراً لا يميناً: اهـ. قوله: (فإذا أومأ برأسه أي نعم صار حالفاً) وإن أشار
(١) في ظ. قوله: (من الزهر المخالف لها) هكذا بالأصل.

٦١٩
كتاب الدعوى
ولو أصم أيضاً كتب له ليجيب بخطه إن عرفه، وإلا فإشاراته، ولو أعمى أيضاً
فأبوه أو وصيه أو من نصبه القاضي. شرح وهبانية (ولا يحلفون في بيوت عباداتهم)
لكراهة دخولها. بحر (ويحلف القاضي) في دعوى سبب يرتفع (على الحاصل) أي
على صورة إنكار المنكر فسره بقوله
بالإنكار صار نكولاً ويقضي عليه: قنية. قوله: (أن عرفه) أي الخط. قوله: (وإلا
فبإشارته) ويعامل معاملة الأخرس. عبد البر. قوله: (ولو أعمى أيضاً) أي وهو أصم
أخرس. قوله: (فأبوه الخ) مراده به ما يعم الجد، كما أن المراد بوصيه ما يشمل وصي
الجد. أفاده عبد البر. وظاهره أنه يستحلف عنه، فإن كان كذلك فإنه يكون مخصصاً لما
تقدم من قوله إن النيابة لا تجري في الحلف. كذا أفاده بعض الفضلاء. لكن صرح العلامة
أبو السعود بأنه مستثنى من قولهم الحلف لا تجري فيه النيابة، وهو ظاهر في أنه يحلف
أبوه أو وصيه. تأمل. قوله: (أو من نصبه القاضي) الصواب ((ثم من نصبه القاضي)) لأنه
إنما ينصب عنه إذا فقد من سبق ذكره عبد البر، وهل يحلفون على العلم لكونه مما يتعلق
به حق الغير أو على البت؟ يحرر ط. قوله: (بحر) قال فيه: والقاضي لا يحضرها بل هو
ممنوع عن ذلك. كذا في الهداية. ولو قال المسلم لا يحضرها لكان أولى، لما في
التاترخانية: يكره للمسلم الدخول في البيعة والكنيسة من حيث إنه مجمع الشياطين،
والظاهر أنها تحريمية لأنها المرادة عند الإطلاق، وقد أفتيت بتعزير مسلم لازم الكنيسة مع
اليهود ١ هـ. قوله: (في دعوی سبب يرتفع) أي سبب ملك ولو حكمياً أو سبب ضمان،
وقيد به لأن الدعوى إذا وقعت مطلقة عن سبب بأن ادعى عبداً أنه ملكه فاليمين على
الحكم بلا خلاف، فيقال قل بالله ما هذا العبد لفلان هذا ولا شيء منه كما في العمادية.
قوله: (يرتفع) أي برافع كالإقالة والطلاق والرد. قوله: (أي على صورة إنكار المنكر)
وهو صورة دعوى المدعي. بحر: هذا معناه الاصطلاحي، أما معناه اللغوي: فالحاصل
من كل شيء ما بقي وثبت وذهب ما سواه كما في القاموس، ويمكن اعتباره هنا فإنه
يحلف على الثابت والمستقر الآن، ويكون قوله أي على صورة الخ تفسير مراد، وإنما كان
على صورته، لأن المنكر يقول لم يكن بيننا بيع ولا طلاق ولا غصب.
والحاصل: أن التحليف على الحاصل نوع آخر من كيفية اليمين، وهو الحلف على
الحاصل والسبب، والضابط في ذلك أن السبب إما أن يكون مما يرتفع برافع أو لا، فإن
كان الثاني فالتحليف على السبب بالإجماع، وإن كان الأول فإن تضرّر المدعي بالتحليف
على الحاصل عند الطرفين، وعلى السبب عند أبي يوسف كما سيأتي مفصلاً.
قال في نور العين: النوع الثالث في مواضع التحليف على الحاصل والتحليف على
السبب جغ.

٦٢٠
كتاب الدعوى
(أي بالله ما بينكما نكاح قائم) (و) ما بينكما (بيع قائم
ثم المسألة على وجوه: إما أن يدعي المدعي ديناً أو ملكاً في عين أو حقاً في عين،
وكل منها على وجهين إما أن يدعيه مطلقاً أو بناء على سبب، فلو ادعى ديناً ولم يذكر سببه
يحلف على الحاصل ما له قبلك ما ادعاه ولا شيء منه وكذا لو ادعى ملكاً في عين حاضر
أو حقاً في عين حاضر ادعاه مطلقاً ولم يذكر له سبباً يحلف على الحاصل ما هذا لفلان ولا
شيء منه، ولو ادعاه بناء على سبب بأن ادعى ديناً بسبب قرض أو شراء أو ادعى ملكاً
بسبب بيع أو هبة أو ادعى غصباً أو وديعة أو عارية يحلف على الحاصل في ظاهر الرواية،
لا على السبب بالله ما غصبت ما استقرضت ما أودعك ما شريت منه. كافي. وعن أبي
يوسف: يحلف على السبب في هذه الصور المذكورة، إلا عند تعريض المدعى عليه نحو أن
يقول أيها القاضي قد يبيع الإنسان شيئاً ثم يقيل، فحينئذ يحلف القاضي على الحاصل
صح. وذكر شمس الأئمة الحلواني رواية أخرى عن أبي يوسف: إن المدعى عليه لو أنكر
السبب يحلف على السبب، ولو قال ما عليّ ما يدعيه يحلف على الحاصل. قاضيخان.
وهذا أحسن الأقاويل عندي وعليه أكثر القضاة.
يقول الحقير: وكذا في مختارات النوازل لصاحب الهداية اهـ. وقال فخر الإسلام
البزدوي: اللائق أن يفوض الأمر إلى القاضي فيحلف على الحاصل أو السبب أيهما رآه
مصلحة كما في الكافي، وما في المتن ظاهر الرواية كما في الشروح، واعترض على رواية
عن أبي يوسف بأني اللائق التحليف على السبب دائماً، ولا اعتبار للتعريض، لأنه لو وقع
فعلى المدعي البيئة، وإن عجز فعلى المدعى عليه اليمين. وأجيب بأنه قد لا يقدر عليها
والخصم ممن يقدم على اليمين الفاجرة، فاللائق التحليف على الحاصل كي لا يبطل الحق.
قال البرجندي: ما ذكره المعترض اعتراض على قول أبي يوسف بأنه لا فرق في ذلك بين
التعريض وعدمه، وذا لا يندفع بهذا الجواب. قوله: (أي بالله ما بينكما نكاح قائم)
إدخال النكاح في المسائل التي يحلف فيها على الحاصل عندهما غفلة من صاحب الهداية
والشارحين؛ لأن أبا حنيفة لا يقول بالتحليف بالنكاح، إلا أن يقال: إن الإمام فرع على
قولهما كتفريعه في المزارعة على قولهما. بحر. أو يقال: إنه محمول على ما إذا كان مع
النكاح دعوى المال كما نقل عن المقدسي، ولكن ذكره في اليعقوبية أيضاً ثم قال: وهذا
بعيد، لأن الظاهر أنه يحلف عنده في تلك الصورة على عدم وجوب المال لا على عدم
النكاح، فليتأمل اهـ. قوله: (وما بينكما بيع قائم الآن) هذا قاصر، والحق ما في الخزانة
من التفصيل. قال المشتري: إذا ادعى الشراء فإن ذكر نقد الثمن فالمدعى عليه يحلف بالله
ما هذا العبد ملك المدعي، ولا شيء منه بالسبب الذي ادعى، ولا يحلف بالله ما بعته،
وإن لم يذكر المشتري نقد الثمن يقال له أحضر الثمن، فإذا أحضره استحلفه بالله ما يملك