النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء (لا ينفذ تصرف أحد الوكيلين) وكذبه الموكل لا يعتق، وأما وكيل الكتابة فيقبل قوله في العقد لا في قبض البدل والهلاك، كما إذا قال كاتبته وقبضت بدلها فالقول له في الكتابة لا في قبضت بدلها. أما لو قال كاتبته ثم قال قبضت بدلها ودفعته للموكل فهو صحيح يصدق لأنه أمين، ولا يقبل قول وكيل النكاح والوكيل بقبض الدين إذا ادعى القبض والهلاك يصدق. وفي خزانة المفتين: وكل رجلاً بأن يشتري أخاه فاشترى فقال الآمر ليس هذا أخي فالقول له مع يمينه، لأنه ينكر وجوب الثمن عليه ويكون الوكيل مشترياً لنفسه ويعتق العبد على الوكيل بقوله هذا أخوك اهـ. وإذا اتفقا أن عقد المضاربة وقع خاصاً واختلفا فيما خص العقد فيه فالقول لرب المال لاتفاقهما على العدول عن الظاهر والإذن يستفاد من قبله، فيعتبر قوله وأمرتك بالاتجار في البرّ وادعى الإطلاق فالقول للمضارب لادعائه عمومه. وعن الحسن عن الإمام أنه لرب المال، لأن الإذن يستفاد منه، وإن برهنا فإن نص شهود العامل أنه أعطاه مضاربة في كل تجارة فهي أولى لإثباته الزيادة لفظاً ومعنى، وإن لم ينصوا على هذا الحرف فلرب المال، وكذا إذا اختلفا في المنع من السفر لاقتضاء المضاربة إطلاقها على الروايات المشهورة. قال المضارب: هو في الطعام وقال رب المال هو في الکرباس فالقول له، ولو برهنا فللمضارب لأن رب المال لا يحتاج إلى الإثبات والمضارب يحتاج إلى إثباته لدفع الضمان عن نفسه، وإن وقتاً فالوقت الأخير أولى كما في مضاربة البزازية، والبضاعة كالمضاربة إلا أن المضارب يملك البيع والمستبضع إلا إذا كان في لفظه ما يعلم أنه قصد الاسترباح أو نص على ذلك. كذا في وكالة البزازية. والظاهر أنها كالوكالة من حيث إن الأصل فيها التقييد، إلا أنه لا يملك الإيضاع والإيداع وبيع ما اشتراه إلا بالتنصيص، بخلاف المضارب ١ هـ. مَطْلَبٌ: الشَّرِكَةُ مِثْلُ المُضَارَبَةِ فِي أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا الإِطْلَاقُ قل الرملي: ومثل المضاربة الشركة، الظاهر أن الأصل فيها الإطلاق لأنها مبنية عليها، وما علل به الزيلعي كالصريح فيه، فتأمل اهـ. قوله: (لا ينفذ تصرف أحد الوكيلين) لأن الموكل رضي برأيهما لا برأي أحدهما، والبدل وإن كان مقدراً ولكن التقدير لا يمنع استعمال الرأي في الزيادة واختيار المشتري. بحر. أي التقدير للبدل لمنع النقصان عنه، فربما يزاد عند الاجتماع وربما يختار الثاني مشترياً ملياً، والأول لا يهتدي إلى ذلك، وأشار بالتعبير بالنفاذ ولم يقل لا يصح إلى أن تصرف أحدهما موقوف إن تصرف بحضرة صاحبه، فإن أجاز صاحبه جاز، وإلا فلا، ولو كان غائباً فأجازه لم يجز في قول الإمام. كذا في التبيين. قال الحاكم أبو الفضل: هذا خلاف ما في الأصل. ٤٦٢ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء معاً كوكلتكما بكذا (وحده) ولو الآخر عبداً أو صبياً أو مات أو جنّ وقال أبو يوسف: يجوز، ولو باع أحدهما من صاحبه شيئاً لم يجز؛ لما في وصايا الخانية: لو باع أحد الوصيين شيئاً من التركة لصاحبه لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، ويجوز عند أبي يوسف اهـ. قوله: (معاً كوكلتكما بكذا) أي ببيع عبدي هذا أو بخلع امرأتي، أما إذا وكلهما بكلامين على التعاقب فينفرد أحدهما، وكذا إذا لم يمكن اجتماعهما كالخصومة، وكذا ما لا يحتاج إلى الرأي كالطلاق بغیر مال كما في المجمع وشرحه، وكل ذلك يؤخذ من كلام الشارح رحمه الله تعالى، وأتى الشارح بقوله ((معاً» لبيان مراد الماتن، بدليل استثنائه ما إذا وكلهما على التعاقب بعد ذلك، ولبيان تقييد امتناع تصرف أحدهما بما إذا وكلهما مجتمعين، ولا يخرج بذلك الاستثناء عن كونه متصلاً، لأن الاستثناء واقع في المتن ولفظ الظرف تقييد من الشارح. قوله: (ولو الآخر عبداً أو صبياً) محجوراً عليه: أي لا بتصرف أحد الوكيلين وحده، لأن الموكل رضي برأيهما لا برأي أحدهما، والبدل وإن كان مقدراً ولكن التقدير لا يمنع استعمال الرأي في الزيادة واختيار المشتري كما قدمناه عن البحر. أقول: ولا عبرة بكون أحدهما ضعيف التصرف كالعبد والصبي، فإن الحقوق لا ترجع إليهما إلا بإذن من وليهما، ولا دخل لهذا في اختياره رأيهما، لأن مناط الاختيار معرفتهما بوجوه التصرف، وما عندهما من الصدق والأمانة فقد يكون فيهما أرجح من البالغ والحرّ أطلقه فشمل ما إذا كان أحدهما عاقلاً حراً بالغاً والآخر عبداً أو صبياً محجوراً عليه لكنه مقيد بما إذا وكلهما بكلام واحد كما علمت. أما إذا كان توكيلهما على التعاقب فإنه يجوز لأحدهما الانفراد؛ لأنه رضي برأي کل واحد منهما على الانفراد وقت توكيله فلا يتغير بعد ذلك، بخلاف الوصيين، فإنه إذا أوضى إلى كل منهما بكلام على حدة لم يجز لأحدهما الانفراد في الأصح، لأنه عند الموت صارا وصيين جملة واحدة، وفي الوكالة يثبت حكمهما بنفس التوكيل. بحر. قوله: (أو مات أو جن) أي الوكيل الآخر: أي فلا يجوز للآخر التصرف وحده؛ لأنه إنما فوّض للباقي مع الذي قد فات رأيه ولم يفوض له بانفراده فلا يملك التصرف وحده لعدم رضاه برأيه وحده، ولو كانا وصيين فمات أحدهما لا يتصرف الحيّ إلا بأمر القاضي كما في وصايا الخانية. وفي الخانية: رجل قال لرجلين وكلت أحدكما بشراء أمة لي بألف درهم فاشترى أحدهما ثم اشترى الآخر فإن الآخر يكون مشترياً لنفسه، ولو اشترى كل واحد منهما جارية ووقع شراؤهما في وقت واحد كانت الجاريتان للموكل. كذا ذكر في النوازل وعليه الفتوى ا هـ. وفي الذخيرة عن محمد: رجل وکل رجلاً بقبض كل حق له ثم فارقه ثم وكل آخر ٤٦٣ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء (إلا) فيما إذا وكلهما على التعاقب، بخلاف الوصيين بقبض كل دين له فقبض الوكيل الأول شيئاً من الدين فليس للوكيل الثاني أن يقبضه من الأول لأنه الساعة عين وليس بدين. ولو وكل الأول بقبض كل حق له ثم وكل الثاني بقبض كل شيء له وقبض الأول شيئاً من الدين فللثاني أن يقبضه من الأول، ولو وكل رجلا بقبض داره التي في موضع كذا التي في يد فلان فمضى الوكيل ثم وكل آخر بعده بمثل ما وکل به الأول في قبض هذه بعينها، فإن كان الأول قد قبض الدار قبل توكيل الثاني فللثاني أن يقبضا من الأول، وإن وكل الثاني قبل أن يقبض الأول الدار فليس للثاني أن يقبضها لأنها صارت مقبوضة لصاحبها اهـ. ومثله في التاترخانية في الرابع عشر، لكن ذكر بدل التعليل قوله والشيء بعينه لا يشبه ما لیس بعينه؛ ألا ترى أن رجلاً لو وکل رجلاً بقبض عبد له بعينه في يد رجل ثم قبضه المولى ثم أودعه إنساناً آخر فللوكيل أن يقبضه ا هـ. ومثله في الخلاص في الفصل الثالث. قوله: (إلا فيما إذا وكلهما على التعاقب) فإنه يجوز لأحدهما الانفراد كما علمت، وكان ينبغي للشارح أن يحذف قوله فيما تقدم ((معاً) ليحسن هذا الاستثناء، لأنه لا يكون إلا من عام، ومع تقييده بمعاً صار خاصاً فلا يستثني منه إذ لا يدخل هذا في الاستثناء كما بيناه قريباً. قوله: (بخلاف الوصيين) فإنه لا ينفرد أحدهما كما علمت. قال في تنوير البصائر: وفيه اختلاف واختلاف تصحيح، فقيل الخلاف فيما إذا أوصى لهما معاً، أما لو أوصى بكل على حدة فينفرد إجماعاً. قال في الخزانة، وهو الأصح وبه نأخذ، وقيل في الفصلين، وقيل هذا أصح. قال في المبسوط: لكن الأصح أن الخلاف في الفصلين. والمراد بالخلاف الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، فعند أبي حنيفة ومحمد لا ينفرد فيما عدا ما استثنى، خلافاً لأبي يوسف. قلت: ويستثنى مسائل أخر ينفرد فيها بالتصرف أحد الوصيين، تجهيز الميت، وشراء ما لا بد منه للصغير كالطعام والكسوة، وبيع ما يخشى عليه التلف، وتنفيذ الوصية المعينة، وقضاء دين الميت إذا كان في التركة من جنسه، والخصومة، ورد المغصوب، ورد الودائع، وقبول الهبة، وجمع الأموال الضائعة، ورد المشتري فاسداً، وقسمة ما يكال ويوزن، وإجارة اليتيم في عمل يتعلم، وفي الإيصاء بأن يتصدق على فقراء كذا وعينه، وإعتاق النسمة المعينة وحفظ الأموال. قلت: والظاهر أنه لا فرق بین أن یکون نصبهما الميت أو نصبهما قاض واحد أو نصبهما قاضياً بلدتين، وليس كذلك، فإنه في مسألة ما لو نصب كل واحد منهما قاضي بلدة ينفرد كل واحد منهما بالتصرف. ٤٦٤ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء كما سيجيء في بابه، (وفي خصومة) بشرط رأي الآخر لا حضرته على الصحيح إلا إذا انتهيا إلى القبض فحتى يجتمعا. جوهرة (وعتق معين وطلاق معينة لم يعوضا) قال في الملتقطات: قيمان نصب كل واحد منهما قاضي بلدة جاز أن ينفرد كل واحد منهما بالتصرف في مال الميت، لأن كل واحد من القاضيين لو تصرف جاز فكذا نائبه، فلو أراد كل واحد من القاضيين عزل المتولى الذي نصبه الآخر جاز إذا رأى المصلحة في ذلك اهـ. فهذا تقييد لكلام الأشباه من أن محله فيما إذا كانا وصيين من جهة الميت أو من جهة قاض واحد، أما لو كانا من جهة قاضيين من بلدتين فينفرد أحدهما بالتصرف. قلت: وفي قوله فكذا نائبه نظر ظاهر، ما علم من كلام علمائنا أن وصي القاضي نائب عن الميت لا عن القاضي حتى تلحقه العهدة، بخلاف أمين القاضي لأنه نائب عنه فلا تلحقه العهدة، ومقتضى كون وصي القاضي نائباً عنه أن لا يكون القاضي محجوراً عن التصرف في مال اليتيم كما إذا كان أمينه، والمنقول أنه محجور عن التصرف في مال اليتيم مع وجود وصي ولو منصوبه بخلافه مع أمينه، ومقتضى كون القاضي نائباً عنه أن لا يملك القاضي شراء مال اليتيم من وصى نصبه كما لو كان أمينه والحكم بخلافه كما في غالب كتب المذهب اهـ. قوله: (كما سيجيء في بابه) ونصه: وبطل فعل أحد الوصيين ولو كان إيصاؤه لكل منهما على الانفراد، وسيجيء أيضاً قريباً متناً في قوله (بخلاف الوصاية)). قوله: (وفي خصومة) أي فإن لأحدهما أن يخاصم وحده؛ لأنها وإن كانت تحتاج إلى رأي إلا أن اجتماعهما على الخصومة والتكلم يتعذر، واللغط يوقع في الغلط لأنه يلتبس على القاضي فهم الدعوى ويصير شغباً بفتح الشين وسكون الغين: هيجان الشر، وبالفتح لغة ضعيفة، حتى لو باشر بدون رأي الآخر لا يجوز عندنا. عيني. أما اجتماعهما على البيع فغير متعذر. بحر. قوله: (لا حضرته على الصحيح) لأن حضورهما في الخصومة ليس بشرط عند عامتهم، وقيل يشترط، وهو قول زفر والشافعي. قوله: (إلا إذا انتهيا) الأولى إلا إذا انتهت الخصومة. قوله: (فحتى يجتمعا) هذا بناء على أن الو کیل بالخصومة يملك القبض، والمفتى به قول زفر هنا أنه لا يملكه كما يأتي قريباً، وبه أفتى أبو السعود. قوله: (وعتق معين وطلاق معينة لم يعوّضا) أي بلا بدل لأنه مما لا يحتاج إلى الرأي وتعبير المثنى فيه كالواحد. وقوله ((معين)) أي ولو كان التعيين بسبب تفرّد المأمور بعتقه وطلاقها، کأن قال له طلق زوجتي أو أعتق عبدي ولا زوجة وعبد له سوی واحد. قال العلامة مسكين: والمراد بالطلاق والعتاق أن يكونا منجزين، بأن قال طلقاها وأعتقاها أما لو قال طلقاها إن شئتما أو قال أمرها بأيديكما لا ينفرد أحدهما بالطلاق والعتاق اهـ. وهذا معنى قول المصنف ((وتعليق بمشيئتهما)) ويكون معطوفاً على لم يعوّضا ٤٦٥ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء بخلاف معوض وغير معين (وتعليق بمشيئتهما) أي الوكيلين فإنه يلزم اجتماعهما عملاً بالتعليق قاله المصنف. قلت: وظاهره عطفه على لم يعوّضا كما يعلم من العيني والدرر، فحق العبارة ((ولا علقا بمشيئتهما)) كما قال الشارح. قوله: (بخلاف معوض) على صيغة اسم المفعول: أي مجعولًا العوض في مقابلته، وهو صفة لما وكلا به من عتق أو طلاق: أي لو وكلهما بطلاق وعتق بعوض لا ينفرد أحدهما لأنه اعتمد على رأيهما، وهذا مما يحتاج إلى الرأي في زيادة القدر المأخوذ من العوض وغير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها في التصرفات، وكذا إذا كان العبد أو الزوجة غير معينة فإن ذلك يحتاج إلى الرأي باختيار العبد الذي يعتقانه أو المرأة التي يطلقانها . فالحاصل: أنه إذا لم يعوض المعتق والمطلقة لا يحتاج إلى رأي فمباشرة الواحد والاثنين سواء، بخلاف العتق والطلاق المعوض وغير المعينين فإنه يحتاج إلى الرأي، فإذا رضي برأيهما لا يستقل أحدهما والمناسب أن يعطف عليه ولا علقا: أي العتق والطلاق بمشيئتهما: أي مشيئة الوكيلين، فإن علقا فباشر أحدهما لم ينفذ لعدم وجود المعلق عليه وهو مشيئتهما، وقول المتن ((وتعليق)) لا يصح عطفه على ((لم يعوّضا)) إلا بتأويل. وعبارة البحر بلا بدل وتعليق، وهو صحيح لأنه عطف اسم صريح على اسم صريح، وهو حسن صحيح. قوله: (وغير معين) أي وكذا إذا كان العيد أو الزوجة غير معين فإن ذلك يحتاج إلى الرأي أيضاً كما علمت. قوله: (وتعليق بمشيئتهما) كما إذا قال طلقاها إن شئتما، ومثل ذلك إذا جعل أمرها بيدهما ففيهما يكون تفويضاً فيقتصر على المجلس: أي الذي هما فيه لكونه تمليكاً في التفويض أو يكون تعليقاً فيشترط فعلهما لوقوع الطلاق، لأن المعلق بشيئين لا ينزل عند وجود أحدهما. قوله: (فإنه يلزم اجتماعهما عملًاً بالتعليق) فلو باشر أحدهما لم ينفذ لعدم وجود المعلق عليه وهو مشيئتهما. قوله: (قلت وظاهره عطفه على لم يعوضا) الضمير في قوله ((وظاهره)) ويعود على ما قاله المصنف، والضمير في ((عطفه)) يعود على التعليق: أي ظاهر ما قاله المصنف عطف التعليق على لم يعوّضا: أي نظراً إلى المعنى، كأنه قيل لم يقع فيهما تعويض ولا تعليق بمشيئتهما، والأحسن أن يقول ((على يعوضا)) بإسقاط ((لم)) لتسلط النفي عليه، وفيه ركاكة زائدة. قوله: (كما يعلم من العيني والدور) حيث قال بعد قوله ((لم يعوّضا)) بخلاف ما إذا قال لهما طلقاها إن شئتما أو قال أمرها بأيديكما لأنه تفويض إلى مشيئتهما فيقتصر على المجلس اهـ. قوله: (فحق العبارة) أي حقها الواضح، وإلا فهي صحيحة على ما سلف. واستثنى في البحر من إطلاق المصنف مسائل: ٤٦٦ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء فتدبر (و) في (تدبير ورد عين) كوديعة وعارية ومغصوب ومبيع فاسد. خلاصة. بخلاف استردادها. فلو قبض أحدهما ضمن كله لعدم أمره بقبض شيء منه وحده. سراج (و) في (تسليم هبة) بخلاف قبضها. ولوالجية (وقضاء دين) بخلاف الأولى: لو قال طلقاها جميعاً ليس لأحدهما أن يطلقها وحده ولا يقع عليها طلاق أحدهما، ولو قال طلقاها جميعاً ثلاثاً فطلقها أحدهما طلقة والآخر طلقتين لا يقع. الثانية: قال لوكيلي طلاق لا يطلقها أحد دون صاحبه وطلق أحدهما ثم الآخر أو طلق واحد ثم أجازه الآخر لا يقع ما لم يجتمعا، وكذا في وكيلي عتاق. كذا في منية المفتي اهـ. أقول: واعترضه الرملي بأنه إنما لم يستثن المصنف الأولى لعدم دخولها لأن فيها زيادة وهي شرط اجتماعهما صريحاً، فتأمل. وكذا لم يستثن الثانية لعارض النهي عن الانفراد. قوله: (وفي تدبير) أي لمعين لأنه كالإعتاق لا يحتاج إلى الرأي. منح. فلأحدهما الانفراد به، وإنما قدر ((في)) في هذا وفيما بعده ليعلم أنه ينفرد أحدهما فيها. قوله: (ورد عین کودیعة الخ) لأنه لا يحتاج له الرأي. قوله: (بخلاف استردادها) فليس لأحدهما القبض بدون إذن صاحبه لإمكان اجتماعهما، وللموكل فيه غرض صحيح؛ لأن حفظ اثنين خير من حفظ واحد، فإذا قبض أحدهما ضمن كله لأنه قبض بغير إذن المالك. فإن قيل: ينبغي أن يضمن النصف لأن كل واحد منهما مأمور بقبض النصف. قلنا: ذاك مع إذن صاحبه. وأما في حال الانفراد فغير مأمور بقبض شيء منه. بحر عن السراج. واعترضه أبو السعود بقوله وما في البحر عن السراج من قوله فإن قبل ينبغي أن يضمن النصف الخ، فيه نظر لأنه إذا قبض بإذن صاحبه لا يلزمه الضمان أصلاً اهـ. واعترض أيضاً على تعليل البحر المذکور بقوله لأن اجتماعهما فیه ممکن بأن الحکم لو كان معلولاً بإمكان الاجتماع لم يجز لأحدهما الانفراد في التوكيل برد الوديعة اهـ. وعليه فالأولى الاقتصار على قوله لأن للموكل فيه غرضاً صحيحاً؛ لأن حفظ اثنين خير من حفظ واحد. قوله: (فلو قبض أحدهما) أي بدون إذن صاحبه كما صرح به في الذخيرة لا بدون حضوره کما توهمه عبارة البحر کما علمت: أي وهلك في يده سواء کان کل المقبوض أو بعضه. قوله: (ضمن كله لعدم أمره بقبض شيء منه وحده) إذ أمره تناولهما مجتمعين لا منفردين فلم يكن مأموراً في حالة الانفراد بقبض شيء. قوله: (وفي تسليم هبة) أي لموهوب له معين فإن لأحدهما الانفراد اتفاقاً، وإن لم يعين الموهوب له لا ينفرد أحدهما عندهما وينفرد عند الثاني ط. قوله: (بخلاف قبضها) فليس لأحدهما الانفراد، والعلة ما ذكر في الاسترداد وهي العلة في الاقتضاء. قوله: (وقضاء دين) فهو كرد الوديعة ٤٦٧ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء اقتضائه. عيني (و) بخلاف (الوصاية) لاثنين (و) كذا (المضاربة والقضاء) والتحكيم (والتولية على الوقف) فإن هذه الستة (كالوكالة فليس لأحدهما الانفراد) بحر. إلا واقتضائه فهو کاستردادها. بحر. قوله: (وبخلاف الوصاية) مبتدأً (١) خبره قوله الآتي ((كالوكالة)) وزاد بعد الواو قوله ((بخلاف)) ليعطفه على قوله ((بخلاف اقتضائه)) فالمعطوف خمسة والسادس المعطوف عليه، فلا اعتراض في كلامه فتنبه. لكن لا يحسن تشبيه مسألة الاقتضاء بالوكالة لأنها وكالة حقيقة، وحينئذ فقول بعض الأفاضل: إن المسائل المعدودة خمسة لا ستة فيه ما فيه، ووقع في بعض النسخ والوصاية بدون قوله بخلاف على أنها مبتدأ وقوله كالوكالة خبر وهي أولى، لأن ظاهر النسخة الأولى أن الوصيين لا ينفردان أصلاً ولا في المسائل المستثناة حتى تصح أن تكون الوكالة بخلاف الوصاية، وليس كذلك، فإن ما ينفرد به أحد الوكيلين ينفرد به أحد الوصيين. وزاد مسائل أخر تأتي في باب الوصي، ولذا جعل صاحب البحر حكم الوصيين والوكيلين واحداً حيث قال: اعلم أن الوكالة والوصاية والمضاربة والقضاء والتولية على الوقف سواء ليس لأحدهما الانفراد، وقدمنا حكم القاضيين في القضاء، والناظر إما وكيل أو وصي فلا ينفرد أحدهما، فقد سوى بين الوكالة والوصاية كما ترى. قال الرملي: والصحيح أن الناظر وكيل. لكن قال قاضيخان: هو عند أبي حنيفة وأبي يوسف: وكيل الواقف حتى كان له أن يعزله وإن لم يشترطه لنفسه. وعند محمد: وكيل الفقراء حتى لم يكن له عزله اهـ. قوله: (لائنين) ولو متعاقب. قوله: (وكذا المضاربة) أي إذا عقد معهما عقد المضاربة معاً فليس لأحدهما الانفراد، لأن المضاربة مما تحتاج إلى الرأي. قوله: (والقضاء) قيل ليس المراد أن السلطان إذا قلد شخصين قضاء بلدة ليس لأحدهما الانفراد بالقضاء في غيبة الآخر كما يتوهم، وإنما المراد أنه إذا فوّض أمراً إلى قاضيين متوليين قبل تفويض الأمر ليس لاحدهما الانفراد بالتصرف في ذلك الأمر بدون رأي الثاني انتهى. أقول: ما نفى أن يكون مراداً هو المصرح به كما في منية المفتي. وعبارتها: السلطان أو الإمام الأكبر فوّض قضاء ناحية إلى اثنين فقضى أحدهما لم يجز كأحد وكيلي بيع. كذا ذكره الحموي في البحر عن الخانية. ولو أن واحداً من هذين القاضيين أراد أن يعزل القيم الذي أقامه القاضي الآخر: فإن رأى المصلحة في ذلك كان له ذلك، وإلا فلاا هـ. قوله: (والتولية على الوقف) أي إذا نصبهما قاض واحد أو كانا منصوبي الواقف. قوله: (فإن هذه السنة) أي مع ضم الوكالة وإلا فهي خمس، والتحكيم على استثنائه، وإن أراد جميع ما تقدم مما لم يجز فيه الانفراد فهي تسع عشرة صورة مع مسألة الوكالة. قوله: (كالوكالة فليس (١) في ط. قوله: (وبخلاف الوصاية مبتدأ) كذا بالأصل. وعبارة الطحاوي: قوله وبخلاف الوصاية عطف على قوله بخلاف اقتضائه وهي ظاهرة. ٤٦٨ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء في مسألة ما إذا شرط الواقف النظر له أو الاستبدال مع فلان فإن للواقف الانفراد دون فلان أشباه. (والوكيل بقضاء الدين) من ماله أو مال موكله (لا يجبر عليه) لأحدهما الانفراد) لأن ما ذكر يحتاج إلى الرأي، ولم يذكر في البحر التحكيم، ولم يذكر في الأشباه المضاربة، بل زاد على ما هنا المودعين والمشروط لهما الاستبدال والإدخال والإخراج، فباعتبار ما هنا تكون المسائل المثبتة بالوكالة ثمانية. والحاصل: أن الشيء المفوّض إلى اثنین لا یملکه أحدهما كالوکیلین والوصيين والناظرين والقاضيين اللذين يضعهما قاض واحد، أما لو كانا منصوبي قاضيين فلأحدهما الانفراد والمحكمين والمودعين والمشروط لهما الإدخال والاستبدال والإخراج كما في الأشباه. قوله: (إلا في مسألة ما إذا شرط الواقف الخ) قال الحموي: يستفاد منه أن الناظرين أعم من أن يكون أحدهما المفوض أو غيره، وعلى هذا الاستثناء متصل لا منقطع. قوله: (له) أي للواقف نفسه. قوله: (فإن للواقف الانفراد دون فلان) لأن الواقف هو الذي شرط لذلك الرجل، وما شرطه لغيره فهو مشروط لنفسه لتقييده ط. قوله: (والوكيل بقضاء الدين) أعم من هذا عبارة الأشباه حيث قال: ولا يجبر الوكيل إذا امتنع عن فعل ما وكل فيه إلا في مسائل وهي الثلاث الآتية ا هـ. وعلله في الملتقطات بأن فعل ذلك ليس بواجب عليه .. قوله: (أو مال موكله) هكذا استنبطه العمادي من مسألة ذكرها عن الخانية حيث قال بعد نقله لعبارة الخانية: والفرع الأخير من هذه المسألة دليل على أن الوكيل بقضاء الدين من مال الوكيل لا يجبر على أداء الدين إذا لم يكن للموكل على الوكيل دين والمسألة كانت واقعة الفتوى اهـ. وهي التي أردها الشارح ولكن ذكر قبله عنها ما يدل على خلافه من أنه لو كتب في آخر كتابه أنه يخاصم ويخاصم ثم ادعى قوم قبل الموكل الغائب مالاً فأقر الوكيل بالوكالة وأنكر المال فأحضروا الشهود على الموكل لا يكون لهم أن يحبسوا الوكيل لأنه جزاء الظلم ولم يظهر ظلمه، إذ ليس في هذه الشهادة أمر بأداء المال ولا ضمان الوكيل عن الموكل، فإذا لم يجب على الوكيل أداء المال من مال الموكل بأمر موكله ولا بالضمان عن موكله لا يكون الوكيل ظالماً بالامتناع ا هـ ملخصاً. ومفاده أنه لو ثبت أمر موكله أو كفالته عنه یؤمر بالأداء، وعليه يحمل كلام قاری. الهداية. تأمل. ثم رأيت في حاشية المنح حيث قل: أقول كلام الخانية صريح فيما أفتى به قارىء الهداية فإنه صريح في وجوب أداء المال بأحد شيئين: إما أمر الموكل أو الضمان فليكن المعول عليه، فليتأمل اهـ. ثم قال موفقاً بين عبارة الخانية السابقة وعبارتها الثانية القائلة: وإن لم يكن له دين ٤٦٩ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء إذا لم يكن للموكل على الوكيل دين، وهي واقعة الفتوى كما بسطه العمادي، واعتمده المصنف. قال: ومفاده أن الوكيل ببيع عين من مال الموكل لوفاء دينه لا يجبر علیه، كما لا يجبر الوكيل بنحو طرق ولو بطلبها على المعتمد وعتق وهبة من فلان وبيع على الوكيل لا يجبر، وبين عبارة الفوائد لابن نجيم القائلة: لا يجبر الوكيل إذا امتنع عن فعل ما وكل فيه إلا في مسائل الخ ما نصه: أقول: الذي ذكره في الفوائد مطلق عن قید كونه من ماله أو من مال موكله أو من دين عليه، والفرع الأخير المنقول عن الخانية مقيد بما إذا لم يكن عليه دين وما قبله بما إذا لم يكن له مال تحت يده. وأنت إذا تأملت وجدت المسألة ثلاثية: إما أن يوجد أمره ولا مال له تحت يده ولا دين أو له واحد منهما، والظاهر أن الوديعة مثل الدين لصحة التوكيل بقبضها كهو، فيحمل الدين في الفرع الثاني على مطلق المال حتى لا يخالف كلامه في الفرع الأول كلامه في الفرع الثاني لصحة وجهه، ويحمل كلامه في الفوائد على عدم وجود واحد منهما فيحصل التوفيق فلا مخالفة فتأمل اهـ. قلت: ويحصل التوفيق أيضاً مع ما أفتى به قارىء الهداية من قوله إنما يجبر على دفع ما ثبت على موكله من الدين إذا ثبت أن الموكل أمر الوكيل بدفع الدين أو كان للموکل مال تحت يده بدلیل ذكره في السؤال. وحاصله: أنه لا يجبر إذا لم يكن له عند الوكيل مال ولا دين، وعليك بالتأمل في هذا التوفيق. قوله: (إذا لم يكن للموكل على الوكيل دين) أما إذا كان وقد أمره بقضاء دينه بماله عليه فإنه يجبر كما يفيده مفهومه. قوله: (قال) أين المصنف. قوله: (لا يجبر عليه) أي على البيع. قوله: (ولو بطلبها) أي ولو كان التوكيل بطلبها، وقوله ((على المعتمد) راجع إليه، أما إذا لم يكن بطلبها فلا خلاف في عدم الإجبار، وسيأتي في باب عزل الوكيل. أقول: وما في الخلاصة من أنه يجبر لو بطلبها فخلاف الراجح لأنه لا حق للمرأة في طلب الطلاق. قال في الخانية: الرجل إذا وكل بطلاق امرأته بطلبها لا يملك عزله إلا بمحضر منها. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: الصحيح أنه يملك لأنه لا حق للمرأة في طلب الطلاق وطلب التوكيل كما في تنوير البصائر. قوله: (وعتق وهبة) مثله التدبير والكتابة كما في الأشباه. قال في الخانية: رجل قال لغيره ادفع هذا الثوب إلى فلان واعتق عبدي هذا ودبر عبدي هذا وكاتب عبدي هذا فقبل الوكيل ذلك وغاب الموكل فجاء هؤلاء وطلبوا منه ٤٧٠ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء منه لكونه متبرعاً، إلا في مسائل: إذا وكله بدفع عين ثم غاب، أو ببيع رهن شرط فيه أو بعده في الأصح، أو بخصومة بطلب المدعي وغاب المدعى عليه. أشباه. ذلك لا يجبر على شيء منه إلا في دفع الثوب، فإن الثوب يحتمل أن يكون ملك فلان فيؤمر بالدفع إليه اهـ. ذكره الحموي. قوله: (لكونه متبرعاً) علة لقوله ((لا يجبر)). قوله: (إذا وكله بدفع عين) كما إذا قال ادفع هذا الثوب إلى فلان فيجبر على الدفع لأن الثوب يحتمل أن يكون ملك فلان فيجب دفعه له فيؤمر بالدفع إليه. خانية. وكذا ردّ الوديعة لأنه من باب دفع الأمانة إلى أهلها وهو قادر فيجبره عليه. وهل يبرأ الموكل عن عهدة ضمانها بمجرد الدفع للوكيل أو لا إلا إذا وصلت للمالك لم أره، والظاهر الثاني، إلا إذا کان وكيلاً من جانب المالك في استردادها فحينئذ يبرأ الغاصب من ضمانها بمجرد الدفع له. قال في الأشباه: والمغصوب والأمانة سواء، لكن لا يجب عليه الحمل اهـ. حموي. أفاده ط. قال بعض الفضلاء؛ قد عبر عن هذا في البحر بقوله: ومن أحكامه أنه لا جبر عليه في فعل ما وكل به إلا في رد وديعته بأن قال ادفع هذا الثوب إلى فلان الخ، وعزاه للمحيط. وهذا هو الظاهر لأن ما هنا صادق بما إذا دفع له عيناً لقضاء دينه فينافي ما سيذكره بعد أسطر بقوله: وقضاء دين فلان الخ اهـ. قوله: (شرط فيه أو بعده) أي سواء شرط في عقد الرهن التوكيل بالبيع أو بعده. قال في نور العين: لو لم يشرط التوكيل بالبيع في عقد الرهن وشرط بعده، قيل لا يجبر، وقيل يجبر، وهذا أصح اهـ. أقول وجه الجبر خشية أن يتوى حق المرتهن، وهل قيد الغيبة المعتبر في المعطوف عليه معتبر في المعطوف أو ليس معتبراً؟ قيل الظاهر الأول، لأن الموكل بغيبته صار معتمداً على الوكيل فيتضرر بامتناع الوكيل عن الفعل لو لم يجبر عليه. ذكره الحموي. قال النسفي رحمه الله تعالى: هذا إذا كان التسليط على البيع مشروطاً في عقد الرهن، فإن كان بعد تمام الرهن ذكر شمس الأئمة السرخسي أنه في ظاهر الرواية لا يجبر العدل على البيع؛ لأن رضا المرتهن بالرهن قد تم بدونه وهو توكيل مستأنف ليس في ضمن عقد لازم. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن التوكيل بالبيع بعد الرهن يلحق بأصل العقد ويصير كالمشروط فيه. قال شيخ الإسلام خواهر زاده وفخر الإسلام البزدوي: هذه الرواية أصح؛ لأن محمداً رحمه الله تعالى أطلق الجواب في الجامع الصغير والأصل، ولم يفصل بين أن يكون البيع مشروطاً أو غيره، فظاهر ما أطلق يدل على أنه مجبر في الحالتين اهـ من تنوير البصائر. قوله: (بطلب المدعي) متعلق بوكله المقدر والمراد أن المدعى عليه وكل بطلب المدعي، وإنما أجبر الوكيل فيها لتعلق حق الغير وهو المدعي بالوكيل، ولو لم يجبر بعد غيبة الموكل لتضرر المدعي غاية الضرر مع تعلق حقه بالوكيل ط. قال سيدي ٤٧١ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء خلافاً لما أفتى به قارىء الهداية. قلت: وظاهر الأشباه أن الو کیل بالأجر يجبر الوالد رحمه الله تعالى: أشار إلى أن المراد بوكيل الخصومة وكيل المدعى عليه، فقول الدرر: وكيل خصومة لو أبى عنها لا يجبر عليها، لأنه وعد أن يتبع ينبغي أن يخص بوكيل المدعي كما يفهم مما هنا كما نبه عليه في نور العين، ويبعده قوله إذا غاب المدعي فالأحسن ما سنذكره بعد، وسيذكر بيانه في باب عزل الوكيل. قوله: (خلافاً لما أفتى به قارىء الهداية) هذا مرتبط بقول المصنف المار ((والوكيل بقضاء الدين لا يجبر عليه)). قال في المنح أقول: ما ذكره مولانا من أنه لا يجبر وهو الذي عوّلنا عليه في هذا المختصر مخالف لما أفتى به شيخ الإسلام سراج الدين قارىء الهداية، حیث سئل هل يحبس الوكيل في دين وجب على موكله إذا كان للموكل مال تحت يده: أي يد وكيله وامتنع الوكيل من إعطائه سواء كان الموكل حاضراً أو غائباً؟ فأجاب إنما يجبر على دفع ما ثبت على موكله من الدين إذا ثبت أن الموكل أمر الوكيل بدفع الدين أو كان كفيلاً به وإلا فلا يحبس اهـ. قال الطحطاوي: والذي في تنوير البصائر أن عدم الجبر إنما هو إذا كان مأموراً بالدفع من مال نفسه، وهو مراد قارىء الهداية فيكون هو المعتمد. قوله: (قلت وظاهر الأشباه الخ) الذي في الأشباه: هو أنه لا يجبر الوكيل بغير أجر على تقاضي الثمن وإنما يحيل الموكل اهـ. ويستفاد هذا من قول الشارح ((لكونه متبرعاً) قبل الاستثناء، فافهم أنه إذا کان بأجر یجیر، ولذا قال بيري زاده في حاشیته: أما إذا كان بأجر كالدلال والسمسار والبياع يجبر على استيفاء الثمن. ذكره الصدر الشهيد كما في الذخيرة. وفي الصغرى: لأن من سواهم متبرع، فإن فعل فبها، وإن امتنع لا. قال صاحب الأشباه: وإنما يحيل الموكل: أي يقال له أحل الموكل على المشتري اهـ. وقد صرحوا به في المضارية بعد التفاسخ أنه إذا كان في المال ربح يجبر المضارب على تقاضي الديون، وإلا لا يوكل رب المال بتقاضيه، وهذا غير ما نحن فيه، وهو ما إذا امتنع عن مباشرة ما وكل به أنه لا يجبر عليه، ليس في الأشباه ما يدل على أنه يجبر بل هو متوقف على صحة عقد الإجارة في مثله، فإن صح العقد أجبر للخروج عن عهدة ما استؤجر عليه فليراجع، فإن صحة الإجارة موقوفة على كون المنفعة المستأجر عليها معلومة. تأمل. ثم رأيت في الأشباه ذكر في الفن الثالث فيما افترق فيه الوكيل والوصي أنه لو استأجر الموكل الوكيل: فإن كان على عمل معلوم صحت، وإلا لا اهـ. وفي شرح المجمع لابن أبي الضياء بعد كلام: وأما الذي يبيع بالأجر كالبيع والسمسار فيجعل كإجارة صحيحة بحكم العادة، ويجبر على التقاضي والاستيفاء لأنه ٤٧٢ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء فتدبر، ولا تنس مسألة واقعة الفتوى، وراجع تنوير البصائر فلعله أوفى. وفي فروق الأشباه: التوكيل بغير رضا الخصم لا يجوز عند الإمام، إلا أن وصل إليه بدل عمله كالمضارب إذا كان ربح يجبر على التقاضي واستيفاء الثمن، ولو ضمن العاقد لرب المال هذا الدين لم يجز لأنه أمين اهـ. ومثله في الحموي. قوله: (فتدبر) أي بزيادة هذه على المستثنى. قوله: (ولا تنس الخ) أي زدها على المستثنى أيضاً. قوله: (واقعة الفتوى) أي السابقة آنفاً، وهي ما إذا وكله بقضاء الدين مما له عليه فتصير المستثنيات خمسة بضم الوكيل بالأجر، ولعله أراد بها ما ذكره في الخانية: رجل أكرى جمالاً إلى بلخ وحمل حمولات على الجمال وأمر الجمال بتسليم الحمولات إلی وکیله ببلخ ويقبض الكراء منه، فجاء الجمال بالحمولات إلى الوكيل ببلخ فقبل الوكيل الحمولات وأدّى بعض الكراء وامتنع عن أداء الباقي، قال: إن كان لصاحب الحمولات دين على الوكيل وهو يقر بالدين والأمر يجبر على دفع الباقي من الكراء، وإن أنكر الأمر. يحلفه بالله ما يعلم أن صاحب الحمولات أمره بالقبض، وإن لم يكن له دين على الوكيل لا يجبر. قال العمادي في فضوله بعد نقله لما ذكر عن قاضيخان: والفرع الأخير من هذه المسألة دليل على أن الوكيل بقضاء الدين من مال الوكيل لا يجبر على أداء الدين إذا لم يكن للموكل على الوكيل دين، والمسألة كانت واقعة الفتوى اهـ من المنح. فيحتمل قوله والمسألة الخ أن يكون من كلام العمادي أو من كلام صاحب المنح، ولعلها هي التي أرادها الشارح، ولا تنس ما قدمناه عند قول الشارح ((أو مال موكله)). قوله: (فلعله أوفى) عبارته: وظاهر إطلاق المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون مأموراً بقضاء الدين من مال نفسه أو من مال الآمر، وليس كذلك فإنه إذا كان مأموراً بقضاء الدين من مال نفسه لا يجبر، ولو وكله من مال الآمر يجبر. قال في الفصول العمادية: وكذلك لا يجبر الوكيل على البيع، وكذا المأمور بقضاء الدين من مال نفسه. وفي متفرقات كفالة الذخيرة: إذا قبل الإنفاق أو قضاء الدين من مال نفسه ثم امتنع لا يجبر إذا كان وكيلاً بقضاء الدين وقبل الوكالة اهـ. ثم قال: فقد ظهر لك أن الذي ذكره المصنف محله ما إذا كان مأموراً بقضاء الدين من مال نفسه وهو إطلاق في محل التقييد، وهو غير مناسب. وبما ذكرنا ظهر لك أن الذي في خلاصة الفتاوى محمول على ما إذا كان مأموراً بقضائه من مال الآمر وحينئذ يتضح الحال ا هـ ط. قوله: (وفي فروق الأشباه) هذه المسألة مكررة مع ما تقدم أول كتاب الوكالة اهـ ح: أي إلا قوله ((حاضراً بنفسه)) وانظر ما معنى هذا فإني لم أر من ذكره، بل المذكور تعذر حضوره شرط كما مر، ومع هذا فلا مناسبة هنا، وقد تتبعت فروق الأشباه فلم أرها فيها، وإنما فيها ما افترق فيه الوكيل والوصي، ولا يستحق الوكيل أجرة على عمله، بخلاف الوصي. ٤٧٣ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء يكون الموكل حاضراً لنفسه أو مسافراً أو مريضاً أو مخدرة. (الوكيل لا يوكل إلا بإذن آمره) لوجود الرضا (إلا) إذا وكله (في دفع زكاة) فوكل آخر ثم وثم، فدفع الأخير جاز ولا يتوقف، بخلاف شراء الأضحية. أضحية الخانية (و) إلا الوكيل (في قبض الدين) إذا وكل من في عياله صح. ابن وفي الخانية: ولو استأجر الموكل الوكيل، فإن كان على عمل معلوم صحت، وإلا لا اهـ. فلعله سبق قلم. قوله: (الوكيل لا يوكل إلا بإذن آمره) لأنه فوّض إليه التصرف دون التوكيل به وقد رضي برأيه دون غيره، والناس مختلفون في الآراء، والمراد أنه لا يوكل فيما وكل فيه، فخرج التوكيل بحقوق العقد فيما نرجع فيه الحقوق إلى الوكيل فله التوكيل بلا إذن لأنه أصيل فيها، ولذا لا يملك الموكل نهيه عنها، وصح توكيل الموكل كما قدمناه. بحر. وفيه: وخرج عنه ما لو وكل الوكيل بقبض الدين من في عياله فدفع المديون إليه فإنه يبرأ؛ لأن يده كيده. ذكره الشارح في السرقة اهـ. وذكر الثاني المصنف. قيل: هل المراد عدم الجواز من كون الوكيل لا يوكل إلا بإذن: أي عدم الحل أو عدم الحصة؟ فإن أريد الأول لا يناقض ما سيأتي عن قريب، وإن أريد الثاني ناقضه، وستقف على الآتي: يعني قول الأشباه: الوكيل إذا وكل بغير إذن أو تعميم وأجاز ما فعله وكيله نفذ. ووجه المناقضة أن الموقوف قسم الصحيح. قال العلامة الرملي: المراد نفي النفاذ لا نفي الصحة، حتى لو وكل بدونهما فأجاز الموكل نفذ فيكون فضولياً، يعلم هذا من قولهم كل ما صح التوكيل به إذا باشره الفضولي يتوقف اهـ. قلت: ويعلم مما نذكره قريباً. قوله: (لوجود الرضا) تعليل لمحذوف تقديره فيصح التوكيل. قوله: (في دفع زكاة) لأن المقصود منها البراءة من سمة البخل في حق المزكى ونفع الفقير القابض لها فلذا جاز النيابة فيها عند العجز والقدرة، ولا فرق في ذلك بين نائب ونائب، وأطلق في دفع الزكاة فشمل الدفع المعين وغير معين. قوله: (بخلاف شراء الأضحية) أي إذا وكل الوكيل فيها فاشترى فإنه يكون موقوفاً على إجازة الأول إن أجاز جاز، وإلا فلا، وكذلك وكيل الوكيل لو وكل غيره ثم وثم فاشترى الأخير يكون موقوفاً على إجازة الأول، إن أجاز جاز، وإلا فلا، بحر عن الخانية. لأن الوكيل بالشراء ليس له أن يوكل إلا بالشروط المذكورة. ولا يقال: إن الأضحية مقصود بها الأجر، لأن الإنسان لا يرضى بالشراء بأزيد من القيمة ولا شراء الهزيلة بثمن السمينة، ولأن القربة تقوم بإراقة الدم وتعظيم الأجر بحسن الأضحية، وله أن ينتفع باللحم، فإذا اختار نائباً غيره لیس له أن ینیب غیره إلا بإذنه لأنه قد اعتمد رأيه. قوله: (من في عیاله صح) وبریء المدیون بالدفع إليه لأن يده کیده، فلو لم يكن في عياله لا يصح التوكيل، فلو هلك من ٤٧٤ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء ملك (وإلا عند تقدير الثمن) من الموكل الأول (له) یده کان للآمر الرجوع بدینه علی المدیون. وفیه إن وکل لا یتعدی باللام ولا وجه لزيادتها فالأولى حذفها. وعبارة الأشباه: إلا الوكيل بقبض الدين له أن يوكل من في عياله ولا غبار عليها، وما ذكره المصنف مخالف لما في جامع الفصولين من الفصل الرابع والثلاثين من أن الوكيل بقبض الدين لا يوكل غيره لتفاوت الناس في القبض اهـ. قال الحموي: ويمكن التوفيق بأن يحمل ما في جامع الفصولين على ما إذا وكل بالقبض من ليس في عياله لما في القنية: وكله بقبض دينه فوكل الوكيل فقبضه وهلك في يده، فإن كان الوكيل الثاني من عيال الأول لا يرجع الدائن على أحد وإلا يرجع على المديون بدينه اهـ. وذكره الزيلعي في السرقة، وعزاه في البحر إلى وكالة الخزانة. قوله: (وإلا عند تقدير الثمن الخ) أي لو عين ثمنه لوكيله فله أن يوكل به لعدم الاحتياج إلى رأي، أما لو وكله بشراء فينبغي أن يعين المشتري أيضاً لأنه رضي برأيه واختياره فليس له أن يفوّض إلى غيره، ولا شك أن المشتري تتفاوت أفراده، وهذا تقریر کلام الشارح، وقد تبع فيه صاحب الدرر. والذي جرى عليه المصنف في شرحه هو تعيين الوكيل لوكيل وهو صريح كلام الهداية، وقال: إن الرأي يحتاج إليه لتقدير الثمن ظاهراً: أي من الوكيل وقد حصل. وقال: أما إذا لم يقدر الثمن وفوّض إلى الأول كان غرضه رأيه في معظم الأمر وهو التقدير في الثمن. كذا في الهداية. فقد جعل معظم الأمر تقدير الثمن، وجعل اختيار المشتري تابعاً، فأفاد أنه لا فرق بين الوكيل بالبيع والشراء، وهو محل تأمل في وكيل الشراء. ونقل عن منية المفتي: إذا باع الثاني بثمن عينه الموكل جاز بغية الأول. وفي الأصح لا إلا بحضرة الأول، وهي مسألة الشارح التي تبع فيها صاحب الدرر. فإن قيل: كيف يصح إذا عين الوكيل الأول الثمن لوكيله ولا يصح إذا عين الوكيل لو کیله؟ الجواب: إن الموكل إذا قدر الثمن لوكيله علم أنه يقصد رأيه في غير الثمن، إذ القصد من التوكيل الانتفاع برأي الوكيل، وأما إذا لم يعين الثمن كان مقصوده رأي الوكيل في تقدیره إذ هو معظم الأمر کما تقدم عن الهداية، فإذا قدره الو کیل لو کیله فقد حصل المقصود. فإن قيل: كيف يوكل للوكيل بدون تقدير ثمن مع تقدير الموكل ولا بد من موافقة · تعیینه؟ الجواب: يصح حيث وافق وكيله تقديره موكله من غير قصد، فليتأمل. ويأتي تمامه وتوضيحه قريباً. قوله: (من الموكل الأول) مخالف لما في البحر وللتعليل كما ظهر مما ذكرناه، والموافق لما في البحر أن يقول من الوكيل الأول له: أي للوكيل الثاني. قوله: ٤٧٥ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء أي لوكيله فيجوز بلا إجازته لحصول المقصود. درر. (أي لوكيله) أفاد اقتصاره على هذه المسائل أن الوكيل في النكاح ليس له التوكيل، وبه صرح في الخلاصة والبزازية والبحر من كتاب النكاح، وتقدم في باب الولي فراجعه، خلافاً لما قاله ط هناك بحثاً من أن له التوكيل قياساً على هذه المسألة الثالثة، فافهم. ثم رأيت في شرح المجمع عازياً للمنتقى: وكيل النكاح والخلع والكتابة كوكيل البيع اهـ. قوله: (لحصول المقصود) لأن الاحتياج فيه إلى الرأي لتقدير هذا الثمن ظاهر وقد حصل، بخلاف ما إذا وكل وكيلين وقدر الثمن، لأنه لما فوّض إليهما مع تقدير الثمن ظهر أن غرضه اجتماع رأيهما في الزيادة واختيار المشتري كما مر. هداية. وفي منية المفتي: وقيل إذا باع الثاني بثمن عينه الموكل جاز بغيبة الأول. وفي الأصح لا إلا بحضرة الأول ا هـ. قال في البحر: ولا مخالفة بين ما في الهداية ومما صححه في المنية، لأن الأول فيما إذا قدر الوكيل الثمن لوكيله، والثاني فيما إذا قدر الموكل الأول لوكيله كما لا يخفى اهـ. قال الرملي: هذا غير صحيح بل بينهما مخالفة: إذ في المسألة اختلاف الرواية. قال في الكفاية عند قول صاحب الهداية: ولو قدر الأول الثمن للثاني فعقد بغيبته يجوز، أطلق الجواز وهو رواية كتاب الرهن، وقد اختارها لأن الرأي يحتاج فيه لتقدير الثمن ظاهراً وقد حصل. وفي كتاب الوكالة: لا يجوز لأن تقدير الثمن لمنع النقصان لا لمنع الزيادة، وربما يزيد الأول على هذا الثمن لو كان هو المباشر للعقد اهـ. وفي التاتر خانية نقلاً عن الخانية: وإن كان بغير محضر من العدل وبين الثمن للوكيل بالبيع فوكل الوكيل غيره فباعه الثاني بذلك الثمن: ذكر في رواية أنه يجوز كما ذكر في كتاب الرهن، وفي عامة الروايات لا يجوز وإن بين الثمن ما لم يجز المالك أو الوكيل الأول اهـ. فكيف مع هذا يحمل على اختلاف الموضوع وقد ظهر بقول صاحب المنية. وفي الأصح لا إلا بحضرة الأول، وبقول الخانية وفي عامة الروايات لا يجوز ضعف ما في الهداية، ووجهه ظاهر؛ لأن التقدير يمنع النقصان لا الزيادة واختيار المشتري خصوصاً إذا كان الثمن مؤجلاً لتفاوته في الذمم والاحتياج إلى الرأي في ذلك كما هو واضح، فتأمل. وفي الخانية أيضاً: رجل وكل رجلاً أن يبيع له هذا الثوب بعشرة دراهم فوكل الوكيل بذلك غيره فباعه الثاني بحضرة الأول: روى عن أبي يوسف أنه يجوز هذا البيع كان الوكيل الأول حاضراً أو غائباً، ولا يتوقف على الإجازة. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز كان الوكيل الأول حاضراً أو غائباً. وقال ابن أبي ليلى: يجوز كان الوكيل الأول حاضراً أو غائباً، لأن الموكل رضي بزوال ملكه بالثمن المقدر اهـ. فهو مؤيد لما قلناه فتدبر ا هـ كلام الرملي. ٤٧٦ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء (والتفويض. إلى رأيه) كاعمل برأيك (كالإذن) في التوكيل (إلا في طلاق وعتاق) لأنهما مما يحلف به فلا يقوم غير مقامه. قنية (فإن وكل) الوكيل غيره قلت: وفيه نظر إذ لا شك فيما قاله المؤلف من أن ما في الهداية تقدير الثمن من جهة الوكيل، وما في المنية من جهة موكله. وغاية ما نقله المحشي وجود خلاف في الأولى، ولا يلزم منه وجوده في الثانية إلا بنقل صريح. نعم على تقدير عدمه يحتاج إلى الفرق بين المسألتين، وهو ظاهر من كلام الهداية كما قدمناه قريباً، وذلك أن عند تقدير الثمن من الموكل لوكيله يظهر أن غرضه حصول رأيه في الزيادة الخ. قوله: (والتفويض) في البحر عن البزازية: قيل للوكيل اصنع ما شئت له التوكيل، ولو قال الوكيل ذلك لوكيله لا يملكه الثاني توكيل ثالث، ولو قال السلطان استخلف من شئت له الاستخلاف أيضاً ثمة وثمة. قوله: (إلا في طلاق وعتاق) إلى آخر المعاطيف هذا بالنظر إلى التفويض. وأما إذا أذن له صريحاً في التوكيل بها فلا شبهة في الصحة. قوله: (لأنهما مما يحلف به) فيصح تعليقه بالشرط فكان التوكيل به تعليقاً بإيقاعه، فلا يقع بإيقاع غيره لا فرق أن يكون ذلك بحضرته أو غيبته أجازه أو لا، لأنه لم يعلقه بإجازته بل بإيقاعه، هذا بالنظر إلى التفويض. وأما إذا أذن له صريحاً في التوكيل بها فلا شبهة في الصحة. قال في منية المفتي: التوكيل باليمين وبالطلاق جائزا هـ. قوله: (قنية) محصل ما فيها أن الإذن في التوكيل بقوله اصنع ما شئت يختص بما يصح التوكيل به كالبيع والشراء دون ما لا يصح التوكيل فيه كالطلاق فإنه مما يحلف به: أي فيصح تعليقه بالشرط فلا يقوم غيره مقامه، بخلاف البيع فإنه لا يحلف به فيقوم غيره مقامه اهـ. وحاصل ما يقال في التفويض: لو قال رجل لآخر فوّضت أمر مالي إليك صار وكيلاً في الحفظ؛ ولو قال: فوضت أمري إليك، قيل باطل، وقيل يصير وكيلاً بالحفظ والنفقة؛ ولو قال أنت وكيلي في كل شيء جائز أمرك فهو وكيل بالحفظ والبيع والشراء والهبة والصدقة، لأنه فوّض إليه التصرفات عاماً فصار كأنه قال ما صنعت من شيء فهو جائز فيملك أنواع التصرفات، وعليه فلو طلق امرأته يصح. قال أبو نصر: لو طلق الوكيل امرأة الموكل في هذه الصورة أو وقف أرضه لا يجوز، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وهكذا كان يقول لمن قال لغيره وكلتك في أموري؛ لأن الوكيل لو طلق امرأته أو أعتق أو وقف أرضه لا يجوز، وكان يقول: لا نراه بمثل هذا التوكيل توكيلاً بالطلاق والعتاق. وكان الصدر الشهيد وتاج الدين يستحسن قول الفقيه أبي النصر. وعن أبي حنيفة ما يؤكد هذا، فإنه قال في هذه الصورة: هذا توكيل بالمعاوضات دون الهبات والإعتاق، وبه يفتى من التاتر خانية. والحاصل: أن التفويض ينتظم به التوكيل كالإذن، ولا ينتظم الطلاق والعتاق على ٤٧٧ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء (بدونهما) بدون إذن وتفويض (فعل الثاني) بحضرته أو غيبته (فأجازه) الوكيل (الأول صح) وتتعلق حقوقه بالعاقد على الصحيح (إلا في) ما ليس بعقد نحو (طلاق وعتاق) لتعلقهما بالشرط، فكأن الموكل علقه بلفظ الأول دون الثاني ما فيه من الخلاف. قوله: (ففعل الثاني بحضرته) لأن المقصود حضور رأیه وقد حصل، وترجع الحقوق إلى الثاني في الأصح كما يذكره الشارح لأنه العاقد. وقيل إلى الأول، لأن الموكل رضي بلزوم العهدة للأول، وظاهر كلامه الاكتفاء بالحضرة وهو قول البعض، والعامة على أنه لا بد من إجازة الوكيل أو الموكل، وأن حضرة الوكيل الأول لا تكفي كما في النهاية والسراج والخانية قيد بالعقد احترازاً عن الطلاق والعتاق لأنهما يقبلان التعليق بالشرط، فكأن الموكل علقه بلفظ الأول قال في البحر: ويزاد الإبراء عن الدين كما سيذكره المصنف، فإذا وكله بأن يبرىء غريمه فوكل الوكيل فأبرأه بحضرة الأول لم يصح ويزاد الخصومة وقضاء الدين كما يذكره المصنف، فلا تكفي الحضرة كما في شرح المجمع، ويخالفه في الخصومة ما في الخانية الخ البحر، ومنه يعلم ما في كلام الشارح من الإيهام، إذ ظاهر كلامه يفيد أن الاكتفاء بالحضرة في غير الخصومة أيضاً بالنسبة للخانية، وليس كذلك كما نبه عليه أبو السعود. قوله: (فأجازه الوكيل الأول صح) وهو المعتمد لأن توكيل الوكيل لما لم يصح التحق بالعدم فيكون الثاني فضولياً لا يتم بمجرد حضرة الأول حتى يجيزه، وقيل تكفي الحضرة من غير توقف على الإجازة، لأنه إنما فعل بأمره وبحضرته فأغناه عن الإجازة. أقول: هذا إذا لم یبین الثمن كما في شرح المجمع لابن ملك، فإن كان بينه جاز بلا إجازته ا هـ: يعني لو قدر الوكيل للثاني ثمناً، بأن قال بعه فكذا فباعه الثاني بغيبته جاز بلا إجازة الأول، وهذه رواية كتاب الرهن، ووجهها أن مقصود الموكل أن يكون البيع برأي الوكيل الأول، وإذا قدر ثمناً فهو بيع برأيه، وهذا بخلاف ما لو وكل وكيلين وقدر الثمن فباع أحدهما بذلك الثمن حيث لم يجزه؛ لأن المقصود هنا اجتماع رأيهما في الزيادة واختيار المشتري، وعلى رواية كتاب الوكالة لا يجوز؛ لأن الأول لو كان هو الذي يباشر ربما يبيع بالزيادة على ذلك المقدار لذكائه وهدايته كما في حواشي الأشباه. قوله: (لتعلقهما بالشرط) أي لجواز تعلقهما بالشرط بخلاف البيع. قوله: (فكأن الموكل علقه بلفظ الأول دون الثاني) أي فلا يوجد بإيقاع الثاني ولا بإجازة الأول، وحضوره لا يكفي لأنه لم يعلق بذلك كما مر. والحاصل: أن الوكيل بالطلاق وما شاكله رسول لأنه لا عهدة عليه، والرسالة نقل عبارة المرسل، فإذا أمر غيره فإنما أمر بنقل ملك الغير فلا يصح الأمر، وإذا لم يصح صار وجوده وعدمه سواء فأما الوكيل في باب البيع أمر الثاني بما يملكه لأنه أمره بالبيع وهو ٤٧٨ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء (وإبراء) عن الدين. قنية (وخصومة وقضاء دين) فلا تكفي الحضرة. ابن ملك خلافاً للخانية (وإن فعل أجنبي فأجازه الوكيل) الأول (جاز إلا في شراء) فإنه ينفذ عليه، ولا يتوقف متى وجد نفاذاً مالك للبيع بنفسه، فإن العبارة في البيع له حتى كأن حقوق العقد له، وكان ينبغي أن يصح البيع الثاني حال غيبة الأول؛ إلا أنه لم يصح لأنه لم يحضر هذا البيع رأيه والموكل إنما رضي بزوال ملكه إذا حضر رأي الأول كما في حاشية الحموي. قوله: (وإبراء عن الدين) هذا معطوف على طلاق وتقدم مثاله قريباً. قال في البحر: وكان ينبغي أن يصح لأنه لا يقبل التعليق بالشرط كالبيع اهـ. قوله: (وخصومة وقضاء دين) نقله المصنف عن شرح المجمع. قال: ويخالفه ما في الخانية: وإن خاصم الوكيل الثاني والموكل حاضر جاز، لأن الأول إذا كان حاضراً كأن الأول خاصم بنفسه كالوكيل بالبيع ا هـ. ولذا قال الشارح ابن ملك خلافا للخانية، ولا يظهر وجه ما نقله عن القنية وابن ملك لا سيما وقد خالف الخانية والشارحين كما نبهنا عليه قريباً. قوله: (خلافاً للخانية) راجع إلى الخصومة فقط كما قيده في المنح والبحر، وتقدمت عبارتها. قوله: (وإن فعل أجنبي) أي ما وكل به وكيلاً فأجازه الوكيل الأول جاز ظاهره أن الأجنبي وكيل ثان، وهو كذلك مالاً لأن الفضولي بعد إجازة عقده يصير وكيلاً لما علم أن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وترجع الحقوق إلى الثاني على الصحيح لأنه هو العاقد كما في مسألة العقد بالحضرة كما في البحر. قوله: (جاز) أي ولو في النكاح على ما في الذخيرة آخراً، ويؤيده إطلاق المتون والشروح، وكذا ما يأتي قريباً عن منية المفتي والأشباه من التصريح به، وأن عليه الفتوى. قوله: (فإنه ينفذ عليه) أي على الوكيل الأول(١). بحر من السراج. وظاهره جواز فعل الأجنبي في كل شيء ما عدا الشراء وليس كذلك. قال في منية المفتي: وكل بالطلاق أو العتاق ففعل الأجنبي فأجاز لم يجز؛ لأن المطلوب عبارته؛ وكذا لو وكل الوكيل فطلق الثاني بحضرة الأول، بخلاف الوكيل بالبيع والنكاح والخلع والكتابة إذا وكل فعل الثاني بحضرته أو فعل أجنبي جازا هـ. ونقله في الأشباه، وعليه فكان الأولى زيادة الطلاق والعتاق في الاستثناء. قوله: (ولا يتوقف متى وجد نفاذاً) أي فلا يتصور أن يكون فضولياً في الشراء لأنه يقع لنفسه، فلا يتصوّر فيه الإجازة، وتقدم في فصل الفضولي أنه لو اشترى لغيره نفذ عليه، إلا إذا كان المشتري صبياً أو محجوراً عليه فيتوقف لأنه لم يجد نفاذاً على العاقد، وهذا إذا لم يضفه إلى غيره، فلو (١) في ط (أي على الوكيل الأجنبي). ٤٧٩ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء (وإن وكل به) أي بالأمر أو التفويض (فهو) أي الثاني (وكيل الآمر) وحينئذ (فلا ينعزل بعزل موكله أو موته وينعزلان بموت الأول) كما مر في القضاء. وفي البحر عن الخلاصة والخانية: له عزله في قوله اصنع ما شئت لرضاه بصنعه وعزله من صنعه، بخلاف اعمل برأيك. قال المصنف: فعليه لو قيل أضافه بأن قال بعني هذا العبد لفلان أو اشتريته لفلان توقف على إجازته. قوله: (وإن وكل) أي الوكيل. قوله: (به أي بالأمر) أي وكالة ملتبسة بالأمر بالتوكيل: أي بالإذن به. قوله: (فهو أي الثاني وكيل الآمر) فللآمر إخراجه سواء كان الوكيل الأول حياً أو ميتاً. بحر. قوله: (فلا ينعزل بعزل موكله) يصح أن يكون من إضافة المصدر لفاعله أو مفعوله، وعلى الأول معناه فلا ينعزل بأن يعزله موكله: أي لا يكون له أن يعزله كما صرح به العيني، وعلى الثاني: أي لا ينعزل بانعزاله. قوله: (وينعزلان) أي الوكيل الأول والثاني. قوله: (بموت الأول) أي الموكل الأول وكان الأولى التصريح به ح. قال الزيلعي: وهو نظير استخلاف القاضي حيث لا يملكه إلا بإذن الخليفة، ثم لا ينعزل بعزل القاضي الأول ولا بموته، وينعزلان بعزل الخليفة لهما، لكن لا ينعزلان بموته. والفرق أن الخليفة عامل للمسلمين فلا ينعزل القاضي الذي ولاه هو أو ولاه القاضي بإذنه والموكل عامل لنفسه فينعزل وكيله بموته لبطلان حقه اهـ. قوله: (كما مر في القضاء) بأن نائب القاضي لا ينعزل بعزله ولا بموته. قوله: (وفي البحر الخ) کالاستدراك علی قوله ((فلا ينعزل بعزل موكله)» والذي في البحر نسبة أن الثاني صار وکیل الموكل، فلا يملك عزله فيما إذا قال اعمل برأيك إلى الهداية، ونسبة أن له عزله في قوله اصنع ما شئت إلى الخلاصة. ثم قال: وهو مخالف للهداية إلا أن يفرق بين اصنع ما شئت وبين اعمل برأيك، والفرق ظاهر، وعلل في الخانية بأنه لما فوضه إلى صنعه فقد رضي بصنعه وعزله من صنعه اهـ. فليس في كلام الخلاصة والخانية التصريح بمخالفة أحدهما للآخر، فيحتمل أن في المسأل قولين، ودعوى صاحب البحر ظهور الفرق غير ظاهرة، لما في الحواشي اليعقوبية والحواشي السعدية أنه ينبغي أن يملكه في صورة اعمل برأيك لنناول العمل بالرأي العزل كما لا يخفى، فتأمل اهـ. وفي منية المفتي: وكل الوكيل وقد قيل له اعمل برأيك صار الثاني وكيل الموكل، وينعزل الأول والثاني بموت الموكل ولا ينعزل الثاني بموت الأول وانعزاله، ويملك الأول عزل الثاني اهـ. قوله: (وعزله من صنعه) مبتدأ وخبر: يعني لما فوضه إلى صنعه فقد رضي بصنعه وعزله من صنعه. قوله: (بخلاف اعمل برأيك) أي فإنه لا يملك عزله، لأن العزل كفّ عن العمل، وبحث فيه في الحواشي اليعقوبية والسعدية كما علمت. قال المصنف: والفرق ظاهر، وعلله قاضيخان بأنه لما فوّضه إلى صنعه فقد رضي ٤٨٠ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء للقاضي اصنع ما شئت فله عزل نائبه بلا تفويض العزل صريحاً لأن النائب كوكيل الوكيل. واعلم أن الوكيل وكالة عامة مطلقة مفوضة إنما يملك المعاوضات لا الطلاق والعتاق أو التبرعات، به يفتى. زواهر الجواهر وتنوير البصائر. (قال) لرجل (فوضت إليك أمر امرأتي صار وكيلاً بالطلاق وتقيد) طلاقه (بالمجلس، بخلاف قوله وكلتك) في أمر امرأتي فلا يتقيد به. درر. من لا ولاية له . على غيره لم يجز تصرفه في حقه وحينئذ (فإذا باع عبد أو مكاتب أو ذمي) أو حربي. عيني بصنعه وعزله من صنعه اهـ. قوله: (واعلم) تكرار مع ما تقدم أول الكتاب. وحاصل ما يقال: إن الوكيل وكالة عامة يملك كل شيء إلا الطلاق والعتاق والوقف والهبة على المفتى به، وينبغي أن لا يملك الهبة والحط عن المديون لأنهما من قبيل التبرع، وينبغي أن لا يملك الإقراض والهبة بشرط العوض وإن كانا معاوضة انتهاء، ويملك قبض الدين وإيفاءه واقتضاءه والدعوى بحقوق للموكل وسماع الدعوى بحق على الموكل والأقارير بالديون على الموكل، ولا يختص بمجلس القاضي لأن ذلك في الوكيل بالخصومة لا العام. قوله: (زواهر الجواهر وتنوير البصائر) هما حاشيتان على الأشباه: الأولى للشيخ صالح، والثانية لأخيه الشيخ عبد القادر ولد الشيخ محمد بن عبد الله الغزي المصنف صاحب المنح. قوله: (وتقيد طلاقه بالمجلس) أي إن طلق بالمجلس صح وإلا لا. درر. قوله: (فلا يتقيد به) فإن طلق بعده صح. درر. قوله: (لم يجز تصرفه في حقه) لأن صحة التصرف مبنية على الولاية، لأن التفويض تمليك وهو مما يقتصر على المجلس، فإذا انتقلت الثانية انتفت الأولى. درر. قوله: (فإذا باع عبد أو مكاتب أو ذمي أو حربي) قال الزيلعي: وأما المرتد فإن ولايته على أولاده وأموالهم موقوفة بالإجماع لأنها تبنى على النظر، والنظر يجعل باتفاق الملة لأن اتحادهما داع إلى النظر وهو متردد في الحال فوجب التوقيف فيه، فإذا أسلم جعل كأنه لم يزل مسلماً فينفذ تصرفه، وإذا مات أو قتل على ردته تقررت جهة انقطاع الولاية فيبطل تصرفه، بخلاف تزوجه بنفسه حيث لم يجز وإن أسلم بعد ذلك، لأن جواز النكاح يعتمد الملة ولا ملة للمرتد فلا يتوقف، إذ لا مجيز له في الحال لأن شرط التوقف أن يكون له مجيز في الحال فصار نظير إعتاق الصبي وطلاقه وهبته حيث لا يتوقف عليه، إذ لا مجيز لها في الحال وهو الولي أو القاضي فيتوقف، فإن أسلم نفذت فصح النكاح وإلا بطل، بخلاف تصرفاته في ماله عندهما لأنها تنبىء عن الملك وملكه قائم ثابت في أمواله ما دام حياً فينفذ بلا توقف اهـ. قوله: (عيني) وكأنه عدل عن قول الكنز كافر للاحتراز عن المرتد، فإن ولايته على أمواله