النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
لا التضمن واكتفيا بالموافقة المعنوية، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
(ولو شهد أحدهما بالنكاح والآخر بالتزويج قبلت) لاتحاد معناهما (وكذا الهبة
اللفظ وهو ما صار اللفظ علماً عليه، فإذا وجدت الموافقة في ذلك لا تضر المخالفة فيما
سواها. قال: هكذا ذكره ولم يحك فيه خلافاً انتهى. وهذا بخلاف الفرع السابق الذي
نقلناه عنه فإن الخمسة معناها المطابقي لا يدل على الأربعة بل تتضمنها، ولذا لم يقبلها
الإمام وقبلها صاحباه لاكتفائهما بالتضمن.
والحاصل: أنه لا يشترط عند الإمام الاتفاق على لفظ بعينه، بل إما بعينه أو
بمرادفه، وقول صاحب النهاية: لأن اللفظ ليس بمقصود، مراده به أن التوافق على لفظ
بعينه ليس بمقصود لا مطلقاً كما ظن، فافهم. قوله: (لا التضمن) هذا تأكيد لقوله يجب
مطابقة الشهادتين: أي دلالتهما على المعنى مطابقة، وهي دلالة اللفظ على تمام معناه،
والتضمن دلالته على جزء المعنى. قوله: (واكتفيا) أي الصاحبان بالموافقة، المعنوية
فيحكمان بالأقل في مسألة الألف والألفين والمائة والمائتين والطلقة والثلاث.
فإن قيل: يشكل على قول الكل ما لو شهد أحدهما أنه قال لها أنت خلية والآخر
أنت برية لا يقضى ببینونة أصلاً مع إفادتهما معناها. وأجيب بمنع الترادف بل هما متباينا
المعنيين يلزمهما لازم واحد وهو وقوع البينونة، والمتباينات قد تشترك في لازم واحد،
فاختلافهما ثابت في اللفظ والمعنى، فلما اختلف المعنى منهما کان دلیل اختلاف تحملهما،
فإن هذا يقول ما وقعت البينونة إلا بوصفها بخلية والآخر يقول لم تقع إلا بوصفها ببرية
وإلا فلم تقع البينونة. وتمامه في الفتح. قوله: (ولو شهد أحدهما بالنكاح الخ) أشار بذلك
إلى أنه لا يشترط عند الإمام في الموافقة أن تكون بعين اللفظ بل بعينه أو بمرادفه كما
ذكرنا، لأن كلَّ من النكاح والتزويج يدلان على المعنى المشهود به بالمطابقة فكانا متحدين
على المعنى الذي أردنا، ولذلك رجعت مسائل من المستثنيات إلى هذا. قوله: (لاتحاد
معناهما) أي مطابقة فصار كأن اللفظ متحد أيضاً فافهم وهذا التعليل يصلح لقولهما
ولقول الإمام أيضاً لما مر آنفاً من أنه يعتبر الاتحاد ولو بمرادف اللفظ، فمن قال هنا إن
التعليل لا يظهر إلا على قولهما فغير ظاهر، فتدبر.
فإن قلت: شرط في المتن الاتحاد لفظاً ومعنى أن يكون كل لفظ دالاً على ذلك المعنى
بطريق الوضع لا التضمن، والمراد بالموافقة المعنوية غير الكافية للقبول أن يدل أحد اللفظين
على المعنى المشهود به بالمطابقة والآخر بالتضمن، فقوله هنا لاتحاد معناهما: أفاد أن كلاً من
النكاح والتزويج يدلان على المعنى المشهود به بالمطابقة، فكانا متحدين لفظاً ومعنى على
المعنى الذي عناه بذلك كما قدمنا الإشارة إليه سابقاً. قوله: (وكذا الهبة الخ) أي لأن الكل
يؤذن بالتبرع، بخلاف ما لو شهد أحدهما بأنه دفع على وجه الأمانة والآخر اقتصر على لفظاً

٢٨٢
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
والعطية ونحوهما) ولو شهد أحدهما بألف والآخر بألفين أو مائة مائتين أو طلقة أو
طلقتين أو ثلاث (ردت) لاختلاف المعنيين.
(كما لو ادعى غصباً أو قتلًا فشهد أحدهما به والآخر بالإقرار به) لم تقبل.
ولو شهدا بالإقرار به قبلت
أعطاه، لأن الثاني وهو أعطى يدل على التبرع، فلا يضره التفريط، بخلاف الأول وهو دفعه
أمانة، وقوله ((ونحوهما)) أي من كل لفظين دلا على معنى واحد بالمطابقة، فإن الاختلاف
فيهما لا يمنع القبول، كما إذا ادعى الإبراء فشهد أحدهما به والآخر على أنه وهبه له أو
تصدق عليه به أو ملكه منه. قوله: (ردت) هذا هو المذهب، وقيل يقضى بالطلاق بالأقل
اتفاقاً لأنه إذا لم يثبت الألفان لم يثبت ما في الضمن من الألف. حموي. قوله: (لاختلاف
المعنيين) أي بالمعنى الذي قدمه، لأن دلالة اللفظين على المعنى بالمطابقة يسميه اتحاداً لفظاً
ومعنى، ودلالة أحد اللفظين بالتضمن يسميه اتحاداً معنى فقط. قوله: (لم تقبل) وجه عدم
القبول أن اختلافهما في الإنشاء والإقرار وقع في الفعل فمنع قبول الشهادة، وهذا بخلاف ما
لو شهد أحدهما بالبيع أو القرض أو الطلاق أو العتاق والآخر بالإقرار به فإنها تقبل، لأن
صيغتي الإنشاء والإقرار في هذه التصرفات واحدة، فإنه يقول في الإنشاء بعت وأقرضت،
وفي الإقرار كنت بعت وأقرضت فلم يمنع قبول الشهادة محيط ط.
قال الرملي: ذكر في باب اختلاف الشهادات من شهادات الجامع: وليس الاختلاف
بين الشاهدين بمنزلة الاختلاف بين الدعوى والشهادة، لأن شهادة الشاهدين ينبغي أن
تكون كل واحدة منهما مطابقة للأخرى في اللفظ الذي لا يوجب خللاً في المعنى. أما
المطابقة بين الدعوى والشهادة فينبغي أن تكون في المعنى خاصة ولا عبرة للفظ، حتى لو
ادعى الغصب وشهد أحدهما على الغصب والآخر على الإقرار بالغصب لا تقبل، ولو
شهدا على الإقرار بالغصب تقبل. وتمامه في الفصول العمادية اهـ.
وفي جامع الفصولين: ادعى قتلاً وشهد به وآخر أنه أقر به ترد، إذ الإقرار يتكرر
لا القتل.
قال الرملي في حاشيته عليه: أقول: فلو اتفقا على الشهادة بالإقرار كما هو ظاهر،
وقد صرح به في التاترخانية عن المحيط قال بعد أن رمز للمحيط وصور المسألة: وإذا شهد
أحدهما على إقراره أنه قتله عمداً بالسيف وشهد الآخر على إقراره أنه قتله عمداً بالسكين
فقال وليّ القتيل إنه أقر بما قالا ولكنه والله ما قتله إلا بالسيف أو قال صدقا جميعاً ولكنه
والله ما قتله إلا بالرمح فهذا كله سواء ويقتص من القاتل ا هـ. تدبره.
هذا، وقد صرح أيضا في شرح الغرر بالمسألة فقال بعد ما ذكر المسألة التي هنا:
بخلاف ما إذا شهدا بالإقرار به حيث تقبل انتهى. قوله: (ولو شهدا بالإقرار به قبلت)

٢٨٣
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
(وكذا) لا تقبل (في كل قول جمع مع فعل) بأن ادعى ألفاً فشهد أحدهما بالدفع
والآخر بالإقرار بها لا تسمع للجمع بين قول وفعل. قنية. إلا إذا اتحدا لفظاً
كشهادة أحدهما ببيع أو قرض أو طلاق أو عتاق والآخر بالإقرار به فتقبل لاتحاد
صيغة الإنشاء والإقرار فإنه يقول في الإنشاء بعت واقترضت وفي الإقرار كنت بعت
واقترضت فلم يمنع القبول، بخلاف شهادة أحدهما بقتله عمداً بسيف والآخر به
بسكين لم تقبل لعدم تكرر الفعل بتكرر الآلة. محيط وشرنبلالية.
(وتقبل على ألف في) شهادة أحدهما (بألف) والآخر (بألف ومائة
مقتضاه أنه لا يضر الاختلاف بين الدعوى والشهادة في قول مع فعل، بخلاف اختلاف
الشاهدين بذلك لأن الموافقة المعنوية يكتفي بها بين الشهادة والدعوى، وأما بين الشهادتين
فلا بد من الموافقة في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وتقبل عندهما فيهما.
قوله: (وكذا لا تقبل في كل قول جمع مع فعل) بأن يكون القول من أحدهما والفعل في
لفظ الآخر.
أقول: ومن ذلك ما ذكره في جامع الفصولين من الفصل الحادي عشر من اختلاف
الدعوى والشهادة: لو شهد أحدهما بنكاح والآخر بإقراره به لا يقبل كالغصب. ومنه
ادعى رهناً فشهد بمعاينة القبض وشهد آخر أن الراهن أقر بقبض المرتهن لا يقبل. ومنه
شهد أحدهما أن المدعى بيد المدعي والآخر أنه أقر أنه بيده لا يقبل، ولو شهد أحدهما
بإيداعه والآخر أنه قر بإيداعه فعلى قياس الغصب لا تقبل اهـ. قوله: (لا تسمع للجمع
بين قول وفعل) بخلاف ما إذا شهد أحدهما بألف للمدعي على المدعى عليه وشهد الآخر
على إقرار المدعى عليه بألف فإنه يقبل لأنه ليس بجمع بين قول وفعل. أفاده سيدي
الوالد عن منلا علي. قوله: (إلا إذا اتحدا لفظاً) الظاهر أن الاستثناء منقطع لأنه لا فعل مع
قول في هذه الصور، بل قولان، لأن الإنشاء والإقرار به کل منھما قول بدليل قول
الشارح بعد سطر ((لاتحاد صيغة الإنشاء الخ)). قوله: (ببيع الخ) هذه الأربع كما تقبل مع
اختلاف الشاهدين فهي أيضاً من الثلاثة والعشرين المستثناة في البحر المتقدمة التي لا
يشترط فيها موافقة الدعوى الشهادة بأن ادعی البیع ونحوه وشهدا بالإقرار، وقدمنا
الإشارة إليه. قوله: (فتقبل لاتحاد صيغة الإنشاء والإقرار) أي باعتبار آخر صيغة الإقرار
وإلا ففيها زيادة لفظ كنت ولا حاجة إلا إثبات لفظ ((كنت)) لأنه يقول في الإقرار بعت
ونحوه مريداً به الإخبار ط. قوله: (لعدم تكرر الفعل) أي الواحد وهو القتل هنا: أي
لعدم إمكان تكرره. قوله: (محيط وشرنبلالية) الأولى شرنبلالية عن المحيط فإنه نقله عنه.
قوله: (بألف ومائة) بخلاف العشر والخمسة عشر حيث لا تقبل لأنه مركب كالألفين إذ
ليس بينهما حرف العطف ذكره الشارح: أي الزيلعي بحر، وتعليلهم في هذه المسألة وفي

٢٨٤
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
إن ادعى) المدعي (الأكثر) لا الأقل إلا أن يوفق باستيفاء أو إبراء. ابن كمال. وهذا
في الدین.
(وفي العين تقبل على الواحد، كما لو شهد واحد أن هذين العبدین له وآخر
أن هذا له قبلت على) العبد (الواحد) الذي اتفقا عليه (اتفاقاً) درر (وفي العقد لا)
المسألة السابقة يقتضي في السابقة أنه لو شهد أحدهما بألف والآخر بألف وألف على طريق
العطف تقبل في الألف اتفاقا، فإذا ادعى الأكثر أو وفق في دعواه بالأقل ثم أورد صاحب
الكافي وغيره العشر وخمسة عشر كما قدمناه في صدر العبارة من أنها لا تقبل فيها. وفي
القنية: ينبغي أن تقبل.
أقول: هو الأشبه لأن العاطف مقدر فيه ولذلك بنى المقدر كالملفوظ، بخلاف
التثنية، ولأن جزء لفظه يدل على جزء معناه إذ ليس هو علماً.
هذا، وقد صرح بخلافه في البزازية وهو محل تأمل كما لا يخفى. وقول البحر:
حيث لا تقبل: أي شهادة مثبت الزيادة الآن المدعي الخ، إلا إذا وفق المدعي فحينئذ تقبل
لما سبق، فظهر أن الشهادة لو كانت بأكثر من المدعى به لا تقبل بلا توفيق، ولا يكفي
إمكانه بل لا بد منه بالفعل، وأما إذا كانت بأقل منه تقبل. قوله: (إن المدعي ادعى
الأكثر) أطلقه فشمل من مائة إلى تسعمائة، فقول المصنف ((على ألف في بألف ومائة)) مثال
من جملة الأمثلة لم يخص به شمول الأكثر وعمومه هنا. قوله: (لا الأقل) فلا تقبل لأن
المدعي كذب من شهد بالزيادة، والفرق بين هذا وما تقدم ما إذا شهد بألف وألفين فإنهما
هنا متفقان على ألف في شهادة أحدهما بألف والآخر بألف ومائة وفيما تقدم غير متفقين
في شهادة أحدهما بألف والآخر على ألفين. كذا في صدر الشريعة. قوله: (إلا أن يوفق)
أي المدعي كأن يقول كان لي عليه كما شهدا إلا أنه أوفاني كذا بغير علمه فإنها تقبل
للتصريح بالتوفيق.
وعلم من ذلك أن أحوال من يدعي أقل المالين إذا اختلفت الشهادة لا يخلو عن
ثلاثة: إما أن يكذب الشاهد بالزيادة، أو يسكت عن التصديق والتوفيق، أو يوفق.
وجواب الأولين بطلان الشهادة والقضاء دون الآخر كما في العناية. وفي البحر: ولا
يحتاج هنا إلى إثبات التوفيق بالبيئة لأنه يتم به، بخلاف ما لو ادعى الملك بالشراء فشهدا
بالهبة فإنه يحتاج لإثباته بالبيئة. قوله: (وهذا في الدين) أي اشتراط الموافقة بين الشهادتين
لفظاً بحسب الوضع في الدين الخ، فاسم الإشارة راجع إلى معلوم من الأصول السابقة.
قوله: (تقبل على الواحد) أي الذي عينه أحدهما. قوله: (وفي العقد لا تقبل) قال في
البحر: وذكر علاء الدين السمرقندي أن الشهادة تقبل في مسألة الكتاب، لأن التوفيق

٢٨٥
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
تقبل (مطلقاً) سواء كان المدعى أقل المالين أو أكثرهما. عزمي زاده.
ثم فرّع على هذا الأصل بقوله (فلو شهد واحد بشراء عبد أو كتابته على ألف
وآخر بألف وخمسمائة ردت) لأن المقصود إثبات العقد وهو يختلف باختلاف البدل،
ممكن لأن الشراء الواحد قد يكون بألف ثم يصير بألف وخمسمائة فقد اتفقا على شراء
واحد، بخلاف ما لو شهد أحدهما بألف درهم وشهد الآخر بمائة دينار، لأن الشراء لا
يكون بألف درهم ثم يصير بمائة دينار ا هـ. وهو عجيب منه، فإن المسألة نص محمد في
الجامع الصغير، وقد أجاب في العناية عن دليله بأنه إذا اشترى بألف ثم زاد خمسمائة لا
يقال اشترى بألف وخمسمائة ولهذا يأخذ الشفيع بأصل الثمن انتهى. قوله: (سواء الخ)
وسواء كان المدعي البائع أو المشتري. قوله: (عزمي زاده) ليس هذا في كلامه بل هي
عبارة الدرر ولم يكتب عليها عزمي شيئاً. قوله: (أو كتابته على ألف) هذا شامل لما إذا
ادعاها العبد وأنكر المولى وهو ظاهر، لأن مقصوده هو العقد ولما إذا كان المدعي هو المولى
كما زاده صاحب الهداية على الجامع. قال في الفتح: لأن دعوى السيد المال على عبده لا
تصح، إذ لا دين له على عبده إلا بواسطة دعوى الكتابة فينصرف إنكار العبد إليه للعلم
بأنه لا يتصوّر له عليه دين إلا به، فالشهادة ليست إلا لإثباتها اهـ. وفي البحر والتبيين:
وقيل لا تفيد بينة المولى لأن العقد غير لازم في حق العبد لتمكنه من الفسخ بالتعجيز ا هـ.
وجزم بهذا القيل العيني، وهو موافق لما يفهم من عبارة الجامع. أفاده سيدي الوالد رحمه
الله تعالى رحمة واسعة. قوله: (ردت) قدمنا قريباً عن علاء الدين السمرقندي أن الشراء
الواحد قد يكون بألف الخ، وأن المسألة نص عليها محمد في الجامع الصغير وخلاف
المنقول ليس محل التخريج، وكون المدعي البائع كذلك من غير فرق كما في الشروح
المعتبرة إذ الزيادة كالخط كما سبق في كتاب البيع، فلا يصح القول بالقبول في الشراء دون
البيع على أن هذا التخريج ليس بصحيح، إذ لو صح لزم القضاء ببيع بلا ثمن لأنه لم
يثبت أحد الثمنين بشهادتهما فتعود الخصومة كما كانت كما في الفتح. نعم لو صرح
بالتوفيق ينبغي أن تقبل على الأقل، ولم أر من صرح به، فحينئذ يحمل عليه ما نقل عن
السمر قندي. تدبر. قوله: (وهو يختلف) أشار إلى أنهما لو شهدا بالشراء ولم يبينا الثمن لم
تقبل. وتمامه في البحر. وقال الخير الرملي في حاشيته عليه: المفهوم من كلامهم في هذا
الموضع وغيره أنه فيما يحتاج فيه إلى القضاء بالثمن لا بد من ذكره وذكر قدره وصفته، وما
لا يحتاج فيه إلى القضاء به لا حاجة إلى ذكره. تنبه.
وفي المبسوط: وإذا ادعى رجل شراء دار في يد رجل وشهد شاهدان ولم يسميا
الثمن والبائع ينكر ذلك فشهادتهما باطلة، لأن الدعوى إن كانت بصفة الشهادة فهي
فاسدة، وإن كانت مع تسمية الثمن فالشهود لم يشهدوا بما ادعاه المدعي، ثم القاضي

٢٨٦
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة.
فلم يتم العدد على كل واحد (ومثله العتق بمال والصلح عن قود والرهن والخلع
يحتاج إلى القضاء بالعقد، ويتعذر عليه القضاء بالعقد إذا لم يكن الثمن مسمى، لأنه كما
لا يصح البيع ابتداء بدون تسمية الثمن، فكذلك لا يظهر القضاء بدون تسمية الثمن،
ولا يمكنه أن يقضي بالثمن حين لم يشهد به الشهود، ثم قال: فإن شهدا على إقرار
البائع بالبيع ولم يسميا ثمناً ولم يشهدا بقبض الثمن فالشهادة باطلة، لأن حاجة القاضي
إلى القضاء بالعقد، ولا يتمكن من ذلك إذا لم يكن الثمن مسمى، وإن قالا: أقرّ عندنا
أنه باعها منه واستوفى الثمن ولم يسميا الثمن فهو جائز، لأن الحاجة إلى القضاء بالملك
للمدعي دون القضاء بالعقد فقد انتهى حكم العقد باستيفاء الثمن، ولأن الجهالة إنما
تؤثر لأنها تقضي إلى منازعة مانعة من التسليم والتسلم؛ ألا ترى أن ما لا يحتاج إلى
قبضه فجهالته لا تضر وهو المصالح عنه، بخلاف ما يحتاج إلى قبضه وهو المصالح، فإذا
أقر باستيفاء الثمن فلا حاجة هنا إلى تسليم الثمن فجهالته لا تمنع القاضي من القضاء
بحكم الإقرار. قوله: (فلم يتم العدد) أي نصاب الشهادة، وهو شهادة الاثنين على
واحد منهما فاختلف المشهود به لاختلاف الثمن، وأيضاً فإن المدعي يكذب أحد
الشاهدين فإن البيع بألف غير البيع بألف وخسمائة. قوله: (على كل واحد) لفظ كل مما
لا حاجة إليه. سعدية. قوله: (ومثله العتق بمال) أي بأن قال مولى العبد أعتقتك على
ألف وخمسمائة والعبد يدعي الألف، أو قال ولي القصاص صالحتك على ألف وخمسمائة
والقاتل يدعي الألف وكذا الباقيات كما في الدرر. قوله: (والرهن) أي بأن كان المدعي
هو المرتهن فهو كدعوى الدين يثبت أقلهما، وإن كان الراهن فلا تقبل الشهادة لأنه ليس
له أن يلزمه الرهن إذ الرهن غير لازم في حق المرتهن، وله أن يفسخه في أيّ وقت شاء
فلا فائدة في إقامة البينة، ولأنه حق عليه والإنسان لا يقيم البينة على حق عليه، وإنما
يقيمها على حق له.
قال في البحر: وظاهر الهداية أن الرهن إنما هو من قبيل دعوى الدين ا هـ: أي في
وجوبها، وذا لأنه إذا ادعى أكثر المالين فشهد به شاهد والآخر بالأقل إن كان الأكثر
بعطف مثل ألف وخمسمائة قضى بالأقل اتفاقاً وإن كان بدونه كألف وألفين فكذلك
عندهما، وعند أبي حنيفة: لا يقضي بشيء، ووجهه أنه إذا أثبت العفو والعتق والطلاق
باعتراف صاحب الحق فبقي الدعوى في الدين كما في فتح القدير. ويتفرع عليه التوفيق
والتكذيب والسكوت حيث تقبل في الأول وتردّ في الأخيرين كما في البيانية.
أقول: وتعقب الهداية صاحب العناية تبعاً للنهاية بأن عقد الرمن بألف غيره بألف
وخمسمائة، فيجب أن لا تقبل البينة وإن كان المدعي هو المرتهن لأنه كذب أحد شاهديه.
وأجيب بأن العقد غير لازم في حق المرتهن حيث كان له ولاية الرد متى شاء فكان في

٢٨٧
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
إن ادعى العبد والقاتل والراهن والمرأة) لفّ ونشر مرتب، إذ مقصودهم إثبات العقد
كما مر (وإن ادعى الآخر) كالمولى مثلاً (فكدعوى الدين) إذ مقصودهم المال فتقبل
على الأقل إن ادعى الأكثر كما مر (والإجارة كالبيع) لو (في أول المدة) للحاجة
لإثبات العقد (وكالدين بعدها) لو المدعي المؤجر، ولو المستأجر
حكم العدم، فكان الاعتبار لدعوى الدين لأن الرهن لا يكون إلا بدين فتقبل البينة كما
في سائر الديون، ويثبت الرهن بألف ضمناً وتبعاً اهـ.
وفي الحواشي اليعقوبية: ذكر الراهن في التبيين ليس على ما ينبغي، وصوّر الزيلعي
دعوى الرهن أن يدعي أنه رهنه ألفاً وخمسمائة وادعى أنه قبضه ثم أخذه الراهن فيطلب
الاسترداد منه فأقام بينة فشهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة ثبت أقلهما. قوله:
(إن ادعى) تقييد لمسألة العتق بمال فقط إن أجرى قول المصنف أو كتابة على عمومه موافقة
لما قاله صاحب الهداية أو لهما إن خص بما إذا ادعى الكتابة العبد موافقة لما في الجامع
ولما في العيني. قوله: (والمرأة) قال في البحر: وإن كان المدعي هو الزوج وقع الطلاق
بإقرار، فيكون دعوى دين فثبت الأقل وهو ما اتفقا عليه اهـ. قوله: (إذ مقصودهم
إثبات العقد كما مر) أي وهو مختلف. قوله: (كالمولى مثلاً) أي في مسألة العتق، وأشار
بالكاف إلى أن وليّ المقتول في الصلح والمرتهن في الرهن والزوج في الخلع كذلك. قوله:
(فكدعوى الدين) أي الدين المنفرد عن العقد إذا ثبت العفو والعتق والطلاق باعتراف
صاحب الحق فتبقى الدعوى في الدين كما في الهداية. قوله: (إذ مقصودهم المال) أي
العقد والعتق والعفو والطلاق فيثبت باعتراف صاحب الحق، فلم تبق الدعوى إلا في
الدين. فتح. زاد في الإيضاح: وفي الرهن إن كان المدعي هو الراهن لا تقبل لأنه لاحظ
له في الرهن فعريت الشهادة عن الدعوى، وإن كان المرتهن فهو بمنزلة دعوى الدين اهـ.
وتقدم قريباً عن اليعقوبية أن ذكر الراهن مما لا ينبغي. قوله: (فتقبل على الأقل) أي اتفاقاً
إن شهد شاهد الأكثر بعطف مثل ألف وخمسمائة، وإن كان بدونه كالألف والألفين
فكذلك عندهما، وعنده: لا يقضي بشيء. فتح. قوله: (والإجارة كالبيع لو في أول المدة)
أي لا تثبت بالاختلاف، سواء كان المدعي هو المؤجر أو المستأجر بأن ادعى الإجارة سنة
بألف وخمسمائة فشهد أحدهما كذلك والآخر بألف لا تثبت الإجارة كالبيع. كذا في
الفتح. وقوله ((في أول المدة) أي قبل استيفاء المنافع، سواء كان المدعي هو المؤجر أو
المستأجر. قوله: (لإثبات العقد) فلا تقبل شهادتهما إذا اختلفا كما في البيع، لأن العقد
يختلف باختلاف البدل فلا تثبت الإجارة. فتح. قوله: (وكالدين) إذ ليس المقصود بعد
المدة إلا الأجرة. فتح. قوله: (بعدها) استوفى المنفعة أو لا بعد أن تسلم. فتح. قوله:
(لو المدعي المؤجر) إذا سلمت العين المؤجرة إلى المستأجر انتفع بها أو لا، فشهد أحدهما

٢٨٨
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
فدعوى عقد اتفاقاً (وصح النكاح) بالأقل أي (بألف) مطلقاً (استحساناً) خلافاً
لهما (ولزم) في صحة الشهادة
بألف والآخر بألف وخمسمائة والمؤجر يدعي الأكثر يقضي بالألف، وإن كان يدعي
الأقل لا تقبل شهادة من يشهد بالأكثر لأنه كذبه المدعي، وإن شهد الآخر بألفين والمدعي
يدعيهما لا يقضي بشيء عنده، وعندهما بألف، وإن كان المدعي هو المستأجر فهو دعوى
العقد بالاتفاق لأنه معترف بمال الإجارة فيقضي عليه بما اعترف به فلا يعتبر اتفاق
الشاهدین ولا اختلافهما فیه، ولا یثبت العقد للاختلاف کما في الفتح. قوله: (فدعوى
عقد) لأنه معترف بمال الإجارة فيقضي عليه بما اعترف به الخ. قوله: (وصح النكاح
بالأقل أي بألف) الأولى أن يقول ((بألف أي بالأقل)) ليكون إشارة إلى أن الألف مثال لا
قيد، والأولى أن يقول: ولو اختلف شاهدا النكاح صح بالأقل: أي وذلك استحسان
عند الإمام لأن الأصل في النكاح الحل، وأما المال فتبع ولا اختلاف بالأصل، فلا يضر
الاختلاف في التبع. سائحاني عن البحر. قوله: (مطلقاً) أي سواء كان المدعي الزوج أو
الزوجة والمدعي يدعي أقل المالين أو الأكثر هو الصحيح، وذكر في الفتح أنه مخالف
للرواية، فإن محمداً رحمه الله تعالى في الجامع قيده بدعوى الأكثر حيث قال: جازت
الشهادة بألف وهي تدعي ألفاً وخمسمائة والمفهوم معتبر رواية، وبقوله ذلك أيضاً يستفاد
لزوم التفصيل في المدعى به بين كونه الأكثر، فيصح عنده أو الأقل، فلا يختلف في
البطلان لتكذيب المدعي شاهد الأكثر كما عول عليه محققو المشايخ، فإن قول محمد: وهي
تدعي الخ، يفيد تقييد جواب قول أبي حنيفة بالجواز إذا كانت هي المدعية للأكثر دونه،
فإن الواو فيه للحال والأحوال شروط فيثبت العقد باتفاقهما ودين ألف اهـ.
وفي الشرنبلالية قلت: إلا أن الزيلعي رحمه الله تعالى أشار إلى جواب هذا فقال:
ويستوي فيه دعوى أقل المالين في الصحيح لاتفاقهما في الأصل وهو العقد، فالاختلاف
في التبع لا يوجب خللاً فيه، لكنه لا بد من وجوب المال فيجب الأقل لإنفاقهما عليه،
ولا يكون بدعوى الأقل تكذيباً للشاهد لجواز أن الأقل هو المسمى ثم صار الأكثر
بالزيادة ١ هـ. قوله: (خلافاً لهما) حيث قالا: هي باطلة، ولا يقضي بشيء كما في البيع
لأن المقصود من الجانبين إثبات السبب والنكاح بألف غير النكاح بألف وخمسمائة. ولأبي
حنيفة: أن المال في النكاح تابع ولهذا يصح بلا تسمية المهر، ومن حكم التابع أن لا يغير
الأصل؛ ألا ترى أنه لا يبطل بنفيه ولا يفسد بفساده، فكذا لا يختلف باختلافه إذا اتفقا
على ما هو الأصل، وهو الملك والحل والازدواج فوجب القضاء به، وإذا وجب بقي المهر
مالاً منفرداً فوجب القضاء بأقل المقدارين كم في المال المنفرد لاتفاقهما عليه. قوله: (ولزم
في صحة الشهادة الجر الخ) يعني إذا ثبت شيء أنه ملك المورث بأن ادعى الوارث عيناً في

٢٨٩
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
(الجر
يد إنسان أنها ميراث أبيه وأقام شاهدين فشهدا أن هذه كانت لأبيه لا يقضي له حتى يجرا
الميراث فيقولا مات وتركها ميراثاً له أو يقولا كانت لأبيه يوم موته أو كانت في يده أو في
يد من يقوم مقامه من المستعير وغيره، والأصل فيه أن الجر شرط صحة الدعوى لا كما
يتوهم من كلام الكنز من أنه شرط القضاء بالبيئة فقط: أي يشترط أن يقول في الدعوى
مات وتركه ميراثاً كما يشترط في الشهادة، وإنما لم يذكره لأن الكلام في الشهادة، لكن إذا
ثبت ملكه أو يده عند موته كان جراً لأنه أثبت ملكه، أو أن الانتقال إلى الوارث فيثبت
الانتقال ضرورة فیکون إثباتاً للانتقال، وكذا إذا ثبتت یده عند الموت، لأن یده إن كانت
يد ملك فهو على ما بينا، وإن كانت يد أمانة فكذلك الحكم، لأن الأيدي في الأمانات
عند الموت تنقلب يد ملك بواسطة الضمان إذا مات مجهلًا لتركه الحفظ به، وهذا عند أبي
حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف الجر ليس بشرط اهـ كما في البحر، لأن ملك الوارث
يتجدد في حق العين، ولذا يجب عليه الاستبراء في الجارية الموروثة، ويحل للوارث وطؤها
ولو كانت حراماً للمورث أو بالعكس، ويحل للوارث الغنيّ ما كان صدقة على المورث
الفقير، والمتجدد يحتاج إلى النقل لئلا يكون استصحاب الحال مثبتاً. وعند أبي يوسف: لا
يلزم لأن الوارث يملكه خلافة عن مورثه حتى يرد بالعيب ويرد عليه، فصارت الشهادة
بالملك للمورث شهادة به للوارث.
قال سعدي: وفيه بحث، فإن من اجتمع عنده أموال الصدقة ثم استغنى بالإرث
أو غيره يحل له أكل ما عنده من الصدقات مع أنه لم يوجد تجدد الملك اهـ. فظاهر كلام
سعدي الميل إلى قول أبي يوسف. قوله: (الجر الخ) أي أن يشهدا بالانتقال، وذلك إما
نصاً كما صوّره الشارح، أو بما يقوم مقامه من إثبات الملك للميت عند الموت أو إثبات
يده أو يد نائبه عند الموت أيضاً، وهو ما أشار إليه بقوله ((إلا أن يشهد الخ)) وهذا عندهما
خلافاً لأبي يوسف، فإنه لا يشترط شيئاً. ويظهر الخلاف فيما إذا شهدا أنه كان ملك
الميت بلا زيادة وطولبا بالفرق بين هذا وبين ما يأتي من أنه لو شهد الحيّ أنه كان في ملكه
تقبل، والفرق ما في الفتح بين هذا وما إذا شهدا لمدعي عين في يد رجل بأنها كانت ملك
المدعي، أو أنه كان ملكها حيث يقضي بها وإن لم يشهدا أنها ملكه إلى الآن، وكذا لو
شهد المدعي عيناً في يد إنسان أنه اشتراها من فلان الغائب ولم يقم بينة على ملك البائع
وذو اليد ينكر ملك البائع فإنه يحتاج إلى بينة على ملكه، فإذا شهدا بملكه قضى للمشتري
به وإن لم ينصوا على أنها ملكه يوم البيع، وهذه أشبه بمسألتنا، فإن كلَّ من الشراء
والإرث يوجب تجدد الملك.
والجواب: أنهما إذا لم ينصا على ثبوت ملكه حالة الموت فإنما يثبت بالاستصحاب،
والثابت به حجة لإبقاء الثابت لا لإثبات ما لم يكن وهو المحتاج إليه في الوارث، بخلاف

٢٩٠
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
بشهادة إرث) بأن يقولا مات وتركه ميراثاً للمدعي (إلا أن يشهدا بملكه) عند موته
(أو يده أو بد من يقوم مقامه) كمستأجر ومستعير وغاصب ومودع فيغني ذلك عن
الجر، لأن الأيدي عند الموت
مدعي العين فإن الثابت بالاستصحاب بقاء ملكه لا تجدده، وبخلاف مسألة الشراء فإن
الملك مضاف إليه لا إلى ملك البائع، وإن كان لا بد لثبوت ملك المشتري من بقائه؛ لأن
الشراء آخرهما وجوداً وهو سبب موضوع للملك، حتى لا يتحقق لو لم يوجبه فيكون
مضافاً إلى الشراء وهو ثابت بالبيئة، أما هنا فثبوت ملك الوارث مضاف إلى كون المال ملكاً
للميت وقت الموت لا إلى الموت، لأنه ليس سبباً موضوعاً للملك، بل عنده يثبت إن كان
له مال فارغ. والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ. قوله: (بشهادة إرث) بأن ادعى الوارث عيناً
في ید إنسان أنها میراث أبیه وأقام شاهدین فشهدا أن هذه كانت لأبيه لا یقضی له حتی یجرا
الميراث بأن يقولا مات وتركه ميراثاً للمدعي كما تقدم وكما صوّره الشارح. قوله: (ميراثاً
للمدعي) أي أو ما يقوم مقامه من إثبات يده أو يد نائبه عند الموت أيضاً وهو ما أشار إليه
المصنف بقوله ((إلا أن يشهد بملكه الخ)). قوله: (بملكه) أي المورث. قوله: (عند موته) لا
بد من هذا القيد كما علمت، وكان ينبغي ذكره بعد الثلاثة، يؤيده ما في البزازية حيث
قال: شهد أن هذه الدار كانت لجده لا تقبل لعدم الجر، ولو شهدا على إقرار المدعى عليه
أنها كانت لجده يقبل، ثم ذكر أن قولهم كانت في يده كهذا، وجعل في الخانية الدين كالعين
أنه کان لأبي المدعي على المدعی علیه کذا فتجوز. وذکر شیخنا أن قولهم کانت لأبیہ لیس
بجر، وظاهر تعليل الشارح الآتي أن قوله ((عند موته)) قيد للشهادة باليد أيضاً، وأنت خبير
أنه بالأولى بل صريحه حيث قال لأن الأيدي عند الموت الخ.
وفي البدائع: شهدوا أنه مات وهو ساكن في هذه الدار تقبل، وعند أبي يوسف لا.
ومراد الشارح أن الجر يكون صريحاً كالمثال الذي ذكره وحكمياً فيما استثنى. قوله: (أو
يده) إنما كان ذلك مثبتاً، لأن الظاهر من حال المسلم في ذلك الوقت أن يسوي
الأسباب، ويبين ما كان بيده من المغصوب والودائع، فإذا لم يبين فالظاهر من حاله أن ما
في يده ملكه فتجعل اليد عند الموت دليل الملك. قوله: (أو يد من يقوم مقامه) قال في
الدرر: يعني إذا مات رجل فأقام وارثه بينة على دار أنها كانت لأبيه أعارها أو أودعها
الذي هي في يده فإنه يأخذها ولا يكلف البينة أنه مات وتركها ميراثاً له بالاتفاق. أما عند
أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنه لا يوجب الجر في الشهادة. وأما عندهما فلأن قيام اليد عند
الموت يغني عن الجر وقد وجدت، لأن وجه المستعير والمودع يد المعير والمودع اهـ.
وشمل هذا الأمين وغيره كالغاصب والمرتهن. قوله: (لأن الأيدي) أي أيدي الواضعين
أيديهم على شيء، وهذا تعليل للاستغناء بالشهادة على يد الميت عن الجر، وبيان ذلك أنه

٢٩١
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
تنقلب يد ملك بواسطة الضمان، فإذا ثبت الملك ثبت الجر ضرورة (ولا بد مع
الجر) المذكور (مِن بيان سبب الوراثة) وبيان (أنه أنحوه لأبيه وأمه أو لأحدهما) ونحو
إذا أثبت يده عند الموت: فإن كانت يد ملك فظاهر لأنه أثبت ملكه، أو أن الانتقال إلى
الوارث فيثبت الانتقال ضرورة كما لو شهدا بالملك، وإن كانت يد أمانة فكذلك الحكم
لأن الأيدي في الأمانات عند الموت تنقلب يد ملك بواسطة الضمان إذا مات مجهلاً لتركه
الحفظ، والمضمون يملكه الضامن على ما عزف فيكون إثبات اليد في ذلك الوقت إثباتاً
للملك، وترك تعليل الاستغناء بالشهادة على يد من يقوم مقامه لظهوره، لأن إثبات يد
من يقوم مقامه إثبات ليده فيغني إثبات الملك وقت الموت عن ذكر الجر فاكتفى به عنه.
أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (تنقلب) أي تصير يد ملك، إذ لو كانت لغيره
لبينه في الوقت الذي يصدق فيه الكذوب ويرجع فيه العاصي، لأن الظاهر من حال
المسلم في ذلك الوقت: أي وقت الموت كذلك، وأن یسوي أسبابه ویبین ما کان بيده من
الودائع والغصوب، فإذا لم يبين فالظاهر من حاله أن ما في يده ملكه، فتجعل اليد عند
الموت دليل الملك. لا يقال: قد تكون اليد يد أمانة ولا ضمان فيها لتنقلب بواسطته يد
ملك لأن الأمانة تصير مضمونة بالتجهيل بأن يموت ولم يبين أنها وديعة فلان لأنه حينئذ
ترك الحفظ وهو تعدّ يوجب الضمان. قوله: (بواسطة الضمان) أي إذا مات مجهلاً لتركه
الحفظ فيضمن الوديعة. قوله: (ثبت الجر ضرورة) أي لا قصداً. قوله: (ولا بد مع الجر
من بيان سبب الوراثة الخ) أي وهو أنه أخوه مثلًا ولا يكفي مجرد أنه وارثه.
قال في الفتح: وينسبا الميت والوارث حتى يلتقيه إلى أب واحد، ويذكرا أيضاً أنه
وارث، وهل يشترط قوله ووارثة في الأب والأم والولد؟ قيل: يشترط، والفتوى على
عدمه، وکذا کل من لا يحجب بحال، وفي الشهادة بأنه ابن ابن الميت أو بنت ابنه لا بد
منه، وفي أنه مولاه لا بد من بيان أنه أعتقه اهـ. ولم يذكر هذا الشرط متناً ولا شرحاً،
والظاهر أن الجر مع الشرط الثالث يغني عنه. فتأمل. وقدمنا الكلام على ذلك مستوفى في
شتى القضاء عند قول المصنف ((تركة قسمت بين الورثة أو الغرماء الخ)). قوله: (من بيان
سبب الوراثة) أي الخاص كالإخوة بقيد كونها للأب ومثل الأخ العم، ولا بد في الشهادة
للمولى أن يقولا: هو مولاه أعتقه ولا نعلم له وارثاً غيره، لأن لفظ المولى مشترط ط.
قوله: (وبيان أنه أخوه لأبيه الخ) ذكر في البحر عن البزازية: أنهم لو شهدوا أنه ابنه ولم
يقولوا ووارثه الأصلح أنه يكفي، كما لو شهدوا أنه أبوه أو أمه، فإن ادعى أنه عم الميت
يشترط لصحة الدعوى أن يفسر فيقول عمه لأبيه وأمه أو لأبيه أو لأمه. ويشترط أيضاً
أن يقول: ووارثه، وإذا أقام البينة لا بد للشهود من نسبة الميت والوارث حتى يلتقيا إلى
أب واحد، وكذلك هذا في الأخ والجد ا هـ ملخصاً.

٢٩٢
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
ذلك. ظهيرية. وبقي شرط ثالث (و) هو (قول الشاهد لا وارث) أو لا أعلم (له)
وارثاً (غيره)
شهدا أن هذا ابن الميت أو وارثه ولم يشهدا أنا لا نعلم له وارثاً غيره فالقاضي يتلوم
ثم يدفع إليه، ومدة التلوم مفوضة إلى رأي القاضي. تاترخانية من الثامن في كتاب
الشهادة. وعندهما مقدر بحول كما هو مفاد مما ذكره الطحاوي في مختصره: ادعى أنه
أخوه لأبيه وأمه وشهد الشهود ولم يذكروا اسم الأم أو الجد لا تقبل، لأنه لا يحصل
التعريف، وقيل: يصح ويثبت لأنه ذكر محمد في الكتاب: من ادعى أنه أخوه لأبيه وأمه
وأقام البينة تقبل، ولم يشترط ذكر الجد. وقال شمس الأئمة السرخسي في الأخ: لا
يشترط ذكر اسم الجد وغيره، وأما إذا ادعى أنه ابن عمه لا بد أن يذكر اسم الأب
والجد. عمادية من السادس.
رجل طلب الميراث وادعى أنه عم الميت يشترط لصحته أن يسر فيقول عمه لأبيه
وأمه أو لأبيه أو لأمه وأن يقول أيضاً وارثه لا وارث له غيره، وإذا أقام البينة لا بد
للشهود أن ينسبوا الميت، ولوارث حتى يلتقيا إلى أب واحد ويقول هو وارثه لا وارث له
غيره، فإن شهدوا بذلك أو شهدوا أنه أخو الميت لأبيه وأمه أو لأبيه أو وارثه لا يعلمون
له وارثاً غيره جاز، ولا يشترط في هذا ذكر الأسماء. قاضیخان.
رجل ادعى إرثاً عن ميت وزعم أنه ابن عم الميت لأبيه وأقام بينة على النسب وذكر
الشهود اسم أبيه وجده واسم أبي الميت وجده كما هو الرسم والمدعى عليه أقام البيئة أن
جد الميت فلان غير ما أثبته المدعي لا تقبل، لأن البينات للإثبات لا للنفي، وبينة المدعى
عليه قامت للنفي، وهو ليس بخصم في إثبات جد المدعي. خانية.
تنبيه: الشرط ي سماع بينة الإرث إحضار الخصم، وهو إما وارث أو غريم الميت
وله على الميت دين أو مودع الميت أو الموصى له أو به لا فرق بين أن يكون مقراً بالحق أو
منكراً. بزازية في العاشر من كتاب الدعوى. قوله: (وبقي شرط ثالث الخ) ينافيه ما قدمه
في مسائل شتى من التفصيل في قول الشهود: لا نعلم له وارثاً غيره، وعدمه إذ لو كان
قولهم ذلك شرطاً لما تأتى التفصيل، والذي في البحر عن البزازية: ويشترط ذكر لا وارث
له غيره لإسقاط التلوم عن القاضي انتهى. فعلم أنه شرط لإسقاط التلوم لا لصحة
القضاء. قوله: (أو لا أعلم له وارثاً غيره) في البزازية قول الشاهد: لا أعلم له وارثاً غيره
عندنا بمنزلة لا وارث له غيره انتهى. قوله: (غيره) قال في فتح القدير: وإذا شهدوا أنه
كان لمورثه تركة ميراثاً له ولم يقولوا لا نعلم له وارثاً غيره: فإن كان ممن يرث في حال
دون حال لا يقضى لاحتمال عدم استحقاقه أو يرث، على كل حال يحتاط القاضي وينتظر
مدة هل له وارث آخر أو لا، فإن لم يظهر يقضى بكله؛ وإن كان نصيبه يختلف في

٢٩٣
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
ورابع وهو أن يدرك الشاهد الميت، وإلا فباطلة لعدم معاينة السبب ذكرهما البزازي
وذكر اسم الميت ليس بشرط وإن شهدا بيد حيّ سواء قالا (مذ شهر) أو لا (ردت)
لقیامها بمجهول
الأحوال يقضى بالأقل فيقضى في الزوج بالربع والزوجة بالثمن إلا أن يقولوا لا نعلم له
وارثاً غيره. وقال محمد وهو رواية عن أبي حنيفة: يقضى بالأكثر، والظاهر الأول ويأخذ
القاضي كفيلاً عندهما، ولو قالوا لا نعلم له وارثاً بهذا الموضع كفى عند أبي حنيفة خلافاً
لهما اهـ. وتقدمت المسألة قبيل كتاب الشهادات، وذكرها في السادس والخمسين من
شرح أدب القضاء منوعة ثلاثة أنواع، فارجع إليه، ولخصها هناك صاحب البحر بما فيه
خفاء. وقد علم بما مر أن الوارث إن كان ممن قد يحجب حجب حرمان فذكر هذا
الشرط لأصل القضاء، وإن كان ممن قد يحجب حجب نقصان فذكره شرط للقضاء
بالأكثر، وإن كان وارثاً دائماً ولا ينقص بغيره فذكره شرط للقضاء حالاً بدون تلوم،
فتأمل. وقدمنا الكلام عليه متسوفی في شتى القضاء فارجع إليه. قوله: (ورابع) أي في
الشهادة بالإرث، أما الشهادة بالنسب فقد سبق أنه يثبت بالتسامع قال في البزازية: شهدا
أن فلان بن فلان مات وترك هذه الدار ميراثاً ولم يدركا الميت فشهادتهما باطلة، لأنهما
شهدا بملك لم يعاينا سببه ولا رأياه في يد المدعي انتهى.
أقول: قال الصدر الشهيد في شرح أدب القاضي: وإن عاين الملك دون المالك بأن
عاين ملكاً لجدوده ينسب إلى فلان بن فلان الفلاني وهو لم يعاينه بوجهه ولا يعرفه بنسبه
القياس فيه أن لا يحل، والاستحسان يحل لأن النسب مما يثبت بالتسامع والشهرة، فيصير
المالك معروفاً بالتسامع والملك معروف فترفع الجهالة، لكن إنما تقبل إذا لم يفسر الشاهد،
أما إذا فسر فلا. قوله: (ذكرهما البزازي) وكذا في الفتح. قوله: (وذكر اسم الميت الخ)
حتى لو شهدا أنه جده أو أبيه أو أمه ووارثه ولم يسميا الميت تقبل. بزازية. قوله: (وإن
شهدا بيد حي الخ) يعني إذا كان دار في يد رجل فادعى آخر أنها له وأقام بينة أنها كانت في
يده لا تقبل. وقال الثاني: تقبل لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم، ولو أقر المدعى
علیه به وقعت إلى المدعي اتفاقاً، ولهما أن هذه شهادة قامت على مجهول وهو الید فإنها
الآن منقطعة ويحتمل أنها كانت يد ملك أو وديعة أو إجارة أو غصب فلا يحكم بإعادتها
بالشك. درر. ولو شهدا أنها كانت له تقبل بلا خلاف كما في الخانية. ولو شهدا بأن
المدعى عليه أخذها من المدعي فإنها تقبل وترد الدار إلى المدعي، وقید بقوله بيد حي لأنهم
لو شهدوا أنها كانت في يد فلان مات تقبل بالاتفاق. مسكين. قوله: (سواء قالا مذ شهر
الخ) لأن قولهما ذلك وجوده کعدمه، والخلاف ثابت أيضاً بدون ذكره، فإنه ذکر
التمرتاشي في الجامع الصغير: شهدوا لحيّ أن العين كانت في يده لم تقبل. قوله: (ردت)

٢٩٤
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
التنوّع يد الحيّ (بخلاف ما لو شهد أنها كانت ملكه أو أقر المدعى عليه بذلك أو
شهد شاهدان أنه أقر أنه كان في يد المدعي) دفع للمدعي لمعلومية الإقرار وجهالة
المقرّ به
أي عند أبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف: أنها تقبل كما ذكرنا .. قوله: (لتنوع يد الحي)
علة لقوله ((بمجهول)) وذلك أنه يحتمل أنها كانت يد ملك أو وديعة أو إجارة أو غصب فلا
يحكم بإعادتها. درر: أي فلا يقضى بالشك.
قال في الغرر: إلا أن يقولا أن المدعى عليه أحدث اليد فيه فيقضى للمدعي،
ويؤمر المدعى عليه بالتسليم إليه، ولكن لا يصير المدعى عليه مقضياً عليه حتى لو برهن
بعده على أنه ملكه تقبل اهـ. وإذا كانت وديعة مثلاً تكون باقية على حالها، أما الميت
فتنقلب ملكاً له إذا مات مجهلاً لها كما تقدم. قوله: (بخلاف ما لو شهدا أنها كانت
ملكه) أني فتقبل لأن الشهادة بالملك المنقضي مقبولة لا باليد المنقضية، لأن الملك لا يتنوع
واليد تتنوع باحتمال أنه كان له فاشتراه منه، لأن الأصل إبقاء ما كان على الذي عليه
كان؛ وقدمنا قريباً ما لو شهد المدعي ملك عين في يد رجل أنها كانت ملك المدعي حيث
يقضي بها، وما لو شهد أنها كانت لمورثه بدون إضافة الملك إلى وقت الموت حيث اختلف
في قبولها، والفرق بينهما عن الفتح فلا تنسه. قوله: (أو أقر) معطوف على قوله
(شهد)). قوله: (في يد المدعي) قيد بالإقرار باليد مقصوداً، لأنه لو أقر له بها ضمناً لم
تدفع إليه كما سيأتي في الإقرار. قوله: (بذلك) أي بيد الحي أو وملكه، ومن اقتصر على
الثاني فقد قصر. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (دفع للمدعي) الأولى أن
يقول: فإنه يدفع للمدعي كما يظهر بالتأمل.
وفي البحر: وإنما قال دفع إليه دون أن يقول أنه إقرار بالملك، لأنه لو برهن على
أنه ملكه فإنه يقبل ا هـ: أي في مسألة الإقرار باليد أو الشهادة عليه لأنهما المذكورتان في
الكنز دون مسألة الشهادة بالملك، لما في جامع الفصولين: أخذ عيناً من يد آخر وقال إني
أخذته من يده لأنه كان ملكي وبرهن على ذلك تقبل، لأنه وإن كان ذا يد بحكم الحال
لكنه لما أقر بقبضه منه فقد أقر أن اليد في الحقيقة هو الخارج، ولو أقر المدعى عليه إني
أخذته من المدعي لأنه كان ملكي: فلو كذبه المدعي في الأخذ منه لا يؤمر بالتسليم إلى
المدعي لأنه رد إقراره وبرهن على ذي اليد، ولو صدقه يؤمر بتسليمه إلى المدعي، فيصير
المدعي ذا يد فيحلف أو يرهن الآخر اهـ. وقوله دفع للمدعي، قال في الدرر: لكن لا
يصير المدعى عليه بزوال اليد عنه مقضياً عليه، حتى لو برهن المدعى عليه بعده على أنه
ملكه يقبل. كذا في العمادية اهـ. قوله: (المعلومية الإقرار) أي إقرار المدعى عليه أنها
كانت في يد المدعي فيؤاخذ به. قوله: (وجهالة المقر به) من كون اليد أمانة أو ملكاً.

٢٩٥
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
لا تبطل الإقرار، والأصل أن الشهادة بالملك المنقضي مقبولة لا باليد؟ المنقضية
لتنوّع اليد لا الملك. بزازية. ولو أقر أنه كان بيد المدعى بغير حق هل يكون إقراراً
له باليد؟ المفتى به نعم. جامع الفصولين.
فروع: شهدا بألف وقال أحدهما قضى خمسمائة قبلت بألف إلا إذا شهد معه
آخر ولا يشهد من علمه حتى يقر المدعى به، لهذا بسرقة بقرة واختلفا في لونها قطع
قوله: (لا تبطل الإقرار) أي في حق الدفع. قال ط: ظاهره أنهما شهدا عليه أنه أقر بأن
الدار التي في يده كانت لفلان، ولم يعاينا الدار. قوله: (بالملك المنقضي) أي كيد الميت
كما في صورة الجر السابقة عن البحر. قوله: (لا باليد المنقضية) أي كيد الحي. قوله:
(لتنوع اليد) أي لاحتمال أنه كان له فاشتراه منه. قوله (المفتى به نعم) لأنه أقر باليد
وادعى أنها بغير حق فيؤاخذ بإقراره ولا تثبت الدعوى الأخرى إلا ببرهان قوله (قبلت
بألف) أي ولا يسمع قوله قضاه لكمال النصاب، ولا يكون رده من المدعي تكذيباً له،
كما إذا شهد له بألف وخمسمائة والمدعي يدعي ألفاً لأنه لم يكذبه(١) فيما شهد له به وإنما
كذبه فيما شهد به عليه وذلك لا يمنع، كما إذا شهد له بشيء ثم شهد عليه بآخر، ولا
تقبل إلا إذا ادعى الألف، فإذا ادعى خمسمائة والمسألة بحالها لا تقبل. قوله: (إلا إذا
شهد معه آخر) أي لكمال النصاب. قوله: (ولا يشهد) أي بالألف كلها: أي يجب عليه
أن لا يشهد كما في الزيلعي والدرر. قوله: (من علمه) فعل ماض: أي علم قضاء
خمسمائة. قوله: (حتى يقر المدعي به) أي يقر المدعي عند الناس به: أي بما قبض لئلا
يتضرر المدعى عليه عند تقريره الدعوى، ولئلا يكون إعانة على الظلم.
قال في البحر: والمراد من ينبغي في عبارة الكنز معنى يجب فلا تحل له الشهادة.
قوله: (شهد بسرقة بقرة الخ) هذه من مسائل الجامع الصغير، وصورتها عن محمد عن
يعقوب عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى في شاهدين شهدا جميعاً على أنه سرق بقرة واختلفا
في لونها، قال: أجيز الشهادة وأقطعه، وقال أبو يوسف ومحمد: لا نجيز الشهادة ولا
نقطعه اهـ. له أن التوفيق ممكن لأن التحمل في السرقة يكون ليلاً غالباً واللونان يتشابهان
ويجتمعان، فيكون السواد من جانب وهذا يبصره والبياض من جانب آخر وهذا يشاهده
وإذا كان التوفيق ممكناً وجب القبول كما إذا اختلف شهود الزنا في بيت واحد، وفيه
بحث من وجهين: أحدهما: أن طلب التوفيق هنا احتيال لإثبات الحد، وهو القطع والحد
يحتال لدرئه لا لإثباته. والثاني: أن التوفيق وإن كان ممكناً ليس بمعتبر ما لم يصرح به فيما
يثبت بالشبهات فکیف یعتبر إمکانہ فیما یدرأ بها؟
(١) في ط. قوله: (لأنه لم يكذبه) علة لقوله ((قبلت بألف)).

٢٩٦
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
خلافاً لهما، واستظهر صدر الشريعة قولهما، وهذا إذا لم يذكر المدعي لونها. ذكره
الزيلعي.
ادعى المديون الإيصال متفرقاً وشهدا به مطلقاً أو جملة لم تقبل. وهبانية.
شهدا في دين الحي بأنه كان عليه كذا تقبل، إلا إذا سألهما الخصم عن بقائه الآن
والجواب عن الأول: إن ذلك إنما كان احتيالً لإثباته أن لو كان في اختلاف ما
كلفا نقله وهو من صلب الشهادة لبيان قيمة المسروق ليعلم هل كان نصاباً فيقطع به أو
لا، أما إذا كان في اختلاف ما لم يكلفا نقله كلون ثياب السارق وأمثاله فاعتبار التوفيق فيه
ليس احتيالاً لإثباته الحد لإمكان ثبوته بدونه؛ ألا ترى أنهما لو سكتا عن بيان لون البقرة
ما كلفهما القاضي بذلك، فتبين أنه ليس من صلب الشهادة ولم يكلفا نقله إلى مجلس
الحكم، بخلاف الذكورة والأنوثة فإنهما يكلفان النقل بذلك، لأن القيمة تختلف
باختلافهما، فكان اختلافاً في صلب الشهادة.
والجواب عن الثاني: بأنه جواب للقياس لأن القياس اعتبار إمكان التوفيق، أو يقال
التصريح بالتوفيق يعتبر فيما كان في صلب الشهادة وإمكانه فيما لم يكن فيه، هذا وأطلق
في اللون فشمل جميع الألوان وهو الصحيح، ولهما أن السواد غير البياض فلم يتم على
كل نصاب شهادة وصار كالغصب، لأن أمر الحد أهم كالذكورة والأنوثة، وعلى هذا
الخلاف لو ادعى سرقة ثوب مطلقاً فقال أحدهما هروي والآخر مروي اهـ. شلبي.
وتكلم الشرح على القطع، ولم يتكلم على الضمان والظاهر وجوبه، وحرره نقلاً ا هـ ط
بزيادة. قوله: (خلافاً لهما) حيث قالا: لا يقطع لأنهما اختلفا في المشهود به فيمتنع به
بالقبول، كما إذا اختلفا في الذكورة والأنوثة أو في اللون في الغصب بل أولى، لأن الثابت
بالغصب ضمان لا يسقط الشبهات والثابت هنا حد يسقط بها اهـ. درر. قوله:
(واستظهر صدر الشريعة قولهما) لكن صحح في الهداية قول الإمام رحمه الله تعالى. قوله:
(وهذا إذا لم يذكر المدعي لونها) أما لو عين لونها كحمراء فقال أحدهما سواداء لم يقطع
إجماعاً، لأنه كذب أحد شاهديه كما في الفتح. قوله: (أو جملة لم تقبل) أما الأول: فلأن
الإطلاق أزيد من المقيد، وأما الثاني فلاختلاف الشهادة والدعوى للمباينة بين المتفرق
والجملة، وتقدمت هذه المسألة آنفاً. قوله: (شهد في دين الحي الخ) قال في البحر: ولم
یذکر المؤلف رحمه الله تعالی مسألتین: إحداهما: ما إذا ادعى شيئاً للحال فشهدا به مما
مضى وعكسه. الثانية: إذا ادعى الإنشاء فشهد بالإقرار وعكسه، أما الأول ففي المحيط
نقلاً عن الأقضية إذا ادعى الملك للحال: أي في العين فشهدوا أن هذا المعين كان قد ملكه
تقبل، لأنها أثبتت الملك في الماضي فيحكم بها في الحال ما لم يعلم المزيل. قال رشيد الدين
بعدما ذكرها أمر روري ميدانت اهـ. ومعنى تحكيمها في الحال الخ. قال في نور العين:

٢٩٧
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
هذا عمل بالاستصحَاب وهو حجة في الدفع لا للاستحقاق، فكان ينبغي أن لا تقبل
شهادتهما فيه لكن فيه حرج فيقبل دفعاً للحرج.
(يقول الحقير) قوله دفعاً للحرج تعليل عليل كما لا يخفى على ذي فهم جليل اهـ.
وقال في البحر أيضاً: ومعنى هذا لا يحل للقاضي أن يقول أتعلمون أنه ملكه اليوم. نعم
ينبغي للقاضي أن يقول هل تعلمون أنه خرج عن ملكه فقط. ذكره في المحيط. قال
العمادي: فعلى هذا إذا ادعى الدين فشهدا أنه كان له عليه كذا ينبغي أن يقبل كما في
العين، ومثله ما لو ادعى أنها زوجته فشهدوا أنه كان تزوجها ولم يتعرضوا للحال تقبل ا
هـ. لكن اعترض الرملي قوله نعم ينبغي للقاضي الخ بأن المنصوص خلافه، وإن البحث
لا يعارض المنصوص، إذ لا عبرة للأبحاث في معارضة النصوص اهـ. وقال أيضاً: معنى
لا ينبغي للقاضي أن يقول الخ: أي لأنهم لو قالوا لا نعلم أنه ملكه اليوم لا تقبل
شهادتهم، فيضيع حق المدعي ظاهراً فلا يسألهم، بخلاف ما إذا قال لهم: هل تعلمون
أنه خرج عن ملكه؟ فإنهم إذا قالوا لا نعلم أنه خرج عن ملكه لا تبطل شهادتهم كما هو
ظهرا هـ. وهذا كله إذا شهدوا بالملك في الماضي، أما لو شهدوا باليد له في الماضي لا
يقضى به في ظاهر الرواية، وإن كانت اليد تسوغ الشهادة في الملك على ما أسلفناه. وعن
أبي يوسف: یقضی بها.
وخرج العمادي على هذا ما في الواقعات: لو أقرّ بدين عند رجلين ثم شهد عدلان
عند الشاهدين أنه قضی دینه أن شاهدي الإقرار یشهدان أنه کان له علیه دین ولا یشهد
أن له عليه فقال هذا أيضاً دليله على أنه إذا ادعى العين وشهدوا أنه کان له عليه تقبل.
وهذا غلط، فإنه إنما تعرض لما يسوغ له أن يشهد به لا للقبول وعدمه، بل ربما يؤخذ
من منعه من إحدى العبارتين دون الأخرى بثبوت القبول في إحداهما دون الأخرى، كيف
وقد ثبت بشهادة العدلين عند الشاهدين أنه قضاه فلا يشهدان، حتى يخبر القاضي بذلك،
وأن القاضي حينئذ لا يقضي بشيء. كذا في فتح القدير.
وفي البزازية: شهد أنه زوّجت نفسها، ولا نعلم أنها في الحال امرأته أو لا، أو
شهدا أنه باع منه هذه العين ولا ندري أنها ملكه في الحال أو لا يقضي بالنكاح والملك في
الحال بالاستصحاب، والشاهد في العقد شاهد في الحال.
والحاصل أن المنصوص عليه في العين ما سمعت، وأما في الدين فالمنصوص عليه
عدم القبول. قال في القنية: شهدا على إقرار رجل بدين فقال المشهود عليه: أتشهد أن
هذا القدر عليّ الآن فقال لا أدري أهو عليك الآن أم لا، لا تقبل الشهادة ا هـ. وقاع
قبله: ادعى علي آخر ديناً على مورثه فشهدوا أنه كان على الميت دين لا تقبل حتى يشهدوا

٢٩٨
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
أنه مات وهو عليه اهـ. فموضوع الأولى في الشهادة على الإقرار، وإن الشاهد قال لا
أدري أهو عليك الآن أم لا وهو ساكت عما إذا شهدوا أنه كان له عليه كذا، وقد بحث
العمادي أنه ينبغي القبول وليس بمعارض للمنصوص عليه كما علمت اهـ.
أقول: بل هو داخل في قولهم الشهادة بالملك المنقضي مقبولة، وأما الثانية: أعني
ما إذا ادعى الإنشاء فشهد بالإقرار وعكسه، فقال في جامع الفصولين: ادعى الوديعة
فشهد أن المودع أقر بالإيداع تقبل كما في الغصب، وكذا العارية ادعى نكاحاً وشهدا
بإقرارهما بنكاح تقبل كما في الغصب، وكذا العارية ولو ادعى ديناً فشهد بإقراره بالمال
تقبل، وتكون إقامة البينة على إقراره كإقامة البينة على السبب، وأفتى بعضهم بعدم
القبول. ادعى قرضاً وشهد بإقراره بالمال تقبل بلا بيان السبب انتهى. فتقبل بالإيداع
والغصب والعارية والديون والنكاح؛ وأما البيع فقال في جامع الفصولين: ادعى بيعاً
وشهدا أنه أقر بالبيع واختلفا في زمان ومكان تقبل. وفيه قبله: ادعى مائة قفيز برّ بسبب
سلم صحيح وشهدا أن المدعى عليه أقر أن له عليه مائة قفيز برّ ولم يزيدا قيل تقبل؛ لأنه
اختلاف في سبب الدين فلا يمنع، وقيل لا وهو الأصح؛ لأنهما لم يذكرا إقراره بسبب
السلم، والاختلاف بسبب الدين إنما يمنع قبولها لو لم يختلف الدين باختلاف السبب،
ودين السلم مع دين آخر يختلفان، إذ الاستبدال قبل القبض لم يجز في السلم، وجاز في
دين البّ بلا سبب، فلم يشهدا بدين يدعيه فلا تقبل، بخلاف ما ادعى بسبب القرض
وشهد أنه أقر ولم يذكر بسبب القرض تقبل انتهى. ثم قال: ادعى قضاء دينه وشهد أنه
أقر باستيفائه تقبل انتهى.
وفي القنية: ادعى عبداً فشهد أحدهما بملك مرسل، والآخر بإقرار ذي اليد بملكيته
للمدعي تقبل، ولو كان هذا في دعوى الأمة والضيعة لا تقبل، والفرق فيها. وأما
عكسها: أعني ما إذا ادعى الإقرار فشهد بالإنشاء فغير متصور شرعاً إذ لا تسمع الدعوى
بالإقرار لما في البززية معزياً إلى الذخيرة.
ادعى أن له عليه كذا وإن العين الذي في يده له لما أنه أقر له به أو ابتدأ بدعوی
الإقرار وقال أنه أقر أن هذا لي أو أقر أن لي عليه كذا قيل يصح، وعامة المشايخ على أنه
لا تصح الدعوى لعدم صلاح الإقرار للاستحقاق، كالإقرار كاذباً فلا يصح الإقرار
لإضافة الاستحقاق إليه، بخلاف دعوى الإقرار من المدعى عليه على المدعي بأنه برهن
على أنه أقر أنه لا حق له فيه أو بأنه ملك المدعي حيث تقبل. وتمامه فيها. وسنتكلم
عليها إن شاء الله تعالى بأوضح من ذلك في الدعوى.
أقول: أما قوله فغير متصور شرعاً، قال الغزي: ممنوع، لأنه لو ادعى أنه ملكي وأنه

٢٩٩
٠
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
فقالا لا ندري، وفي دين الميت لا تقبل مطلقاً حتى يقولا مات وهو عليه. بحر.
قلت: ويخالفه ما في معين الحكام من ثبوته بمجرد بيان سببه وإن لم يقولا
مات وعليه دين اهـ. والاحتياط لا يخفى.
أقر له به تسمع، لكن قد يقال: رجع إلى دعوى الملك والكلام ليس فيه فيستقيم الكلام.
قوله: (وفي دين الميت لا تقبل مطلقاً) أي سألهما الخصم عن بقائه أو لم يسألهما، ولكن
الذي ردت فيه الشهادة في دين الحي إنما هو في صورة الإقرار لما قدمناه قبل أسطر عن البحر
عن القنية: شهد على إقرار رجل بدين الخ، ولذا قال بعده وهو ساكت الخ.
قال في البحر: وفي مسألة دين الميت لا بد في القبول من شهادتهما بأنه مات، وهو
عليه احتياطاً في أمر الميت، ولذا يحلف المدعي مع إقامة البيئة، بخلافه في دين الحي فتحرر
أنهما إذا شهدا في دين الحي بأنه كان له عليه كذا تقبل، إلا إذا سألهما الخصم عن البقاء
فقالا لا ندري، وفي دين الميت لا تقبل مطلقاً اهـ. قوله: (قلت) القول لصاحب المنح.
قوله: (من ثبوته بمجرد بيان سببه الخ) قال الرملي نقلاً عن المحيط: إنه يثبت الدين على
الميت بمجرد بيان الشاهد سببه من غير حاجة إلى أن يقولا مات، وعليه شهدا على رجل
أنه جرحه، ولم يزل صاحب فراش حتى مات يحكم به وإن لم يشهدوا أنه مات من
جراحته لأنه لا علم لهم به. بزازية معين الحكام. كذا رأيته بخط بعض العلماء.
وأقول: ما في المحيط لا يعارض ما في القنية إذ ما فيها فيما إذا ادعى الدين للحال
فشهدا به كذلك بحيث أنهما لم يقولا كان، وبه يحصل التوفيق، فتأمل.
ونقل بعض الفضلاء عن المقدسي أنه قوّى ما في معين الحكام وأنه قال: إن الأول
ضعيف وإن الاحتياط في أمر الميت يكفي فيه تحليف خصمه مع وجود بينة، وأن في هذا
الاحتياط ترك احتياط آخر في وفاء دينه الذي يحجبه عن الجنة، وتضييع حقوق أناس
كثيرين لا يجدون من يشهد لهم على هذا الوجه ا هـ. وبه اعترض في نور العين على
صاحب جامع الفصولين. قوله: (والاحتياط لا يخفى) قد علمت أن الاحتياط في عدم
اشتراط ذلك، وأن اشتراطه ضعيف، لكن قال الرحمتي: والاحتياط لا يخفى لأن الأمر
فيه مشكل دائر بين تضييع حق الدائن أو إلزام الميت بما ليس في ذمته، فيحتاج القاضي
والمفتي أن يتفحصا كمال التفحص ويتتبعا القرائن وأحوال المدعي والمدعى عليه، فإن ظهر
له بقاء الدين يفتي المفتي بقول من يقول: لا حاجة إلى الجر، ويقضي القاضي به، وإن
غلب على ظنه استيفاء الدائن للدين أو سقوطه بوجه من المسقطات يفتى بالقول الثاني،
ويقضي به القاضي حفظاً لأموال الناس وأديانهم، ولذا قال: والاحتياط لا يخفى، ولم
يبين بماذا يكون الاحتياط والله أعلم. لكن عبارة المنح: وفي مسألة دين الميت لا بد في
القبول في شهادتهما بأنه مات وهو عليه احتياطاً في أمر الميت اهـ.

٣٠٠
كتاب الشهادات / باب الشهادة على الشهادة
ادعى ملكاً في الماضي وشهدا به في الحال لم تقبل في الأصح كما لو شهدا
بالماضي أيضاً. جامع الفصولين.
بَابُ الشِّهَادَة عَلى الشَّهَادَةِ
فأفاد أن الاحتياط إنما هو في أمر الميت لأنه لا يجب عن نفسه، والوارث لا يعلم
ما فعل مورثه، ثم نقل القولين فكتب الخير الرملي في هامشه، قوله قلت الخ.
أقول: ما في المحيط لا يعارض ما في القنية، إذ ما فيها فيما إذا ادعى الدين للحال
فشهدا بالماضي فلذلك أقحم: أي الشاهدان لفظ كان وما فيه فيما إذا ادعى الدين للحال
فشهدا به كذلك ولذا لم يقولا كان، وبه يحصل التوفيق فتأمل اهـ. وبهذا يتضح ما ذكره
الشارح. قوله: (ادعى ملكاً في الماضي) أي بأن قال ملكي وشهدا أنه له قال في
الفصولين، ولو ادعى ملكاً في الماضي شهدا به في الحال بأن قال كان هذا ملكي وشهدا
أنه له قيل تقبل، وقيل لا، وهو الأصح. وكذا لو ادعى أنه كان له وشهدا أنه كان له لا
تقبل. قوله: (كما لو شهدا بالماضي أيضاً) أي لا تقبل لأن إسناد المدعي يدل على نفي
الملك في الحال، إذ لا فائدة للمدعي في الإسناد مع قيام ملكه في الحال، بخلاف الشاهدين
لو أسندا ملكه إلى الماضي لأن إسنادهما لا يدل على النفي في الحال لأنهما لا يعرفان بقاءه
إلا بالاستصحاب، والشاهد قد يحترز عن الشهادة باستصحاب الحال لعدم تيقنه، بخلاف
المالك، إذ كما يعلم ثبوت ملكه يقيناً يعلم بقاءه يقيناً. بحر. وبهذا ظهر الفرق بين ما هنا
وبين ما تقدم متناً من قوله ((بخلاف ما لو شهدا أنها كانت ملكه)).
فرع مهم: قال المدعي: إن الدار التي حدودها مكتوبة في هذا المحضر ملكي وقال
الشهود أن الدار التي حدودها مكتوبة في هذا المحضر ملكه صح الدعوى والشهادة، وكذا
لو شهودا أن المال الذي كتب في هذا الصك عليه تقبل. والمعنى فيه أنه أشار إلى المعلوم
لو شهدا يملك المتنازع فيه والخصمان تصادقا على أن المشهود به هو المتنازع فيه ينبغي أن
تقبل الشهادة في أصل الدار وإن لم تذكر الحدود لعدم الجهالة المفضية إلى النزاع في أصل
الدار. جامع الفصولين في آخر الفصل السابع. والله تعالى أعلم وأستغفر الله العظيم.
بَابُ الشّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ
إنما أخرها لأنها فرع عن شهادة الأصل فاستحقت التأخير، لأن الأصل مقدم
على الفرع ولأنها بمنزلة المركب من المفرد، وجوازها استحسان، والقياس لا يقتضيه لأن
الأداء عبادة بدنية لزمت الأصل لا حق للمشهود له لعدم الإجبار عليها، ولعدم جواز
الخصومة فيها، والنيابة لا تجري في العبادات البدنية لأن كون قول الإنسان ينفذ على
مثله، ويلزمه ما نسبه إليه، وهو ينفيه ويبرأ منه إنما عرف حجة شرعاً عند قدر من