النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
الرجوع قيل لا يسمع وقيل يسمع وهو الأصح لأنه مما يخفى لعل الموصي أوصى ثم رجع
ولم يعلم بهما الوارث فأنكر فلما أخبر ادعى الرجوع والتناقض في مثله لا يضر ولو برهن
على جحود الموصي الوصية يقبل على رواية كون الجحود رجوعاً لا على رواية أنه ليس
برجوع.
يقول الحقير: الظاهر أن الرواية الأولى هي الأصح والأولى إذ تقدم أن جحود ما
عدا النكاح فسخ له ا هـ.
قال في البحر: فإن قضى بإحدى البينتين أولا بطلت الأخرى، لأن الأولى ترجحت
باتصال القضاء بها فلا تنتقض بالثانية ونظیرہ لو کان مع رجل ثوبان أحدهما نجس فتحری
وصلى بأحدهما ثم وقع تحريه على طهارة الآخر لا تجوز له الصلاة فيه لأن الأول اتصل
بحكم الشرع فلا ينتقض بوقوع التحري في الآخر ا هـ.
قال الرملي يدل بظاهره على أنه في المسائل التي سردها، وفيها ترجيح إحدى البينتين
لو قضى بالمرجوحة تقبل المرجحة ولو اتصل القضاء بالأخرى التي هي مرجوحة لأنها كانت
مرجحة قبل القضاء بخلاف المتساوية فإنها ما ترجحت إلا باتصالها بالقضاء كما هو ظاهر.
والحاصل: أنه يفرق بين ما إذا تساويا فترجح الأولى باتصال القضاء بها أو سبق
القضاء بالمرجحة إذ لا معارض لها وقته، وبين ما إذا كانت إحداهما أولى بالقبول فقضى
بغيرها ثم أقيمت عليها يعمل بها ولو اتصل القضاء بغيرها، لأولويتها يؤيده ما ذكره
الزيلعي في شرح ما يأتي من مسألة ما لو برهنا على نكاح امرأة من قوله في تعليل كونها
لمن سبقت بينته لكونها أقوى لاتصال القضاء بها، لأنها لما سبقت وحكم بها تأكدت فلا
تنتقض بغير المتأكدة اهـ. فإن المرجحة أقوى قبل اتصال القضاء بها فهي متأكدة، فينقض
القضاء بغيرها لأرجحيتها قبله، لكن علل الزيلعي مسألة القتل بأنه لما حكم بأنه قتل
بمكة صار ذلك حكماً بأنه لم يقتل في غيرها إذ قتل شخص واحد في مکانین لا يتصور،
وهذا يقتضي أنه في المسائل التي سردها لا ينقض الحكم السابق مطلقاً لأنه حكم بنفي
مقابله، إذ لا يتصوّر مثلها في بيع واحد أنه بغبن فاحش وبمثل القيمة، وكذا في نظائره
كما هو ظاهر، ثم رأيت في فتاوى شيخ مشايخي الشهاب الحلبي في كتاب الوقف إذا
حكم الحاكم بالبيئة الأولى لا تسمع البينة الثانية، لأن الأولى ترجحت باتصال القضاء بها.
قال قاضيخان: لو أقامت المرأة البينة أن الميت تزوجها يوم النحر بمكة وحكم
القاضي بشهادتهم ثم أقامت أخرى أنه تزوجها في ذلك اليوم بخراسان لم تقبل اهـ. والله
تعالى أعلم وأستغفر الله العظيم.

٢٦٢
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
بَابُ الاخْتِلَافِ في الشّهَادَةِ
مبنى هذا الباب على أصول مقرها:
منها: أن الشهادة على حقوق العباد لا تقبل بلا دعوى بخلاف حقوقه تعالى.
ومنها: أن الشهادة بأكثر من المدعى باطلة بخلاف الأقل للاتفاق فيه.
بَابُ الاخْتِلَافِ في الشّهَادَةِ
قال في المصباح: خالفته مخالفة وخلافاً وتخالف القوم واختلفوا: إذا ذهب كل واحد
إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر اهـ. ثم الاختلاف من العوارض، والأصل الاتفاق ولذلك
أخر هذا الباب، وأطلق هذا الاختلاف فشمل مخالفتها للدعوى كما شمل اختلاف
الشاهدين، واختلاف الطائفتين من المشهود فسيظهر هذا الشمول في المسائل الآتية كما لا
يخفى. قوله: (مبنى الباب) أي بناء أحكام مسائله فهو مصدر ميمي لا اسم مكان، لأن
المكان هو الباب. قوله: (منها أن الشهادة على حقوق العباد لا تقبل بلا دعوى) من مدّع
لأن ثبوت حقوقهم يتوقف على مطالبتهم ولو بالتوكيل. درر. قوله: (بخلاف حقوقه
تعالى) حيث لا تشترط فيها الدعوى، لأن إقامة حقوق الله تعالى واجبة على كل أحد،
وكل أحد خصم في إثباتها فصار كأن الدعوى موجودة. درر. لكن ما ذكره الشارح من
هذا الأصل ليس من هذا الباب، لأنه في الاختلاف في الشهادة لا في قبول الشهادة
وعدمها كما أفاده الشرنبلالي، لكن يأتي قريباً ما ينافيه عند قول المصنف ((فإذا وافقتها)).
قوله: (بأكثر من المدعى باطلة) لأن المدعي مكذب لهم إلا إذا وفق.
قال في البحر: ومن المخالفة المانعة ما إذا شهد بأكثر، ومن فروعها دار في يد
رجلين اقتسماها وغاب أحدهما فادعى رجل على الحاضر أن له نصف هذه الدار مشاعاً
فشهدوا أن له النصف الذي في يد الحاضر فهي باطلة لأنها بأكثر من المدعى به، ولو
ادعى داراً واستثنى طريق الدخول وحقوقها ومرافقتها فشهدوا أنها له ولم يستثنوا شيئاً لا
تقبل، وكذا لو استثنى بيتاً ولم يستثنوه إلا إذا وافق فقال: كنت بعت هذا البيت منها
فتقبل. كذا في فتح القدير. ومن أمثلة كون المشهود به أقل في الخلاصة: ادعى النقرة
الجيدة وبين الوزن فشهدوا على النقرة والوزن ولم يذكروا جيدة أو رديئة أو وسطاً تقبل
ويقضى بالرديء، بخلاف ما إذا ادعى قفيز دقيق مع النخالة فشهدوا من غير نخالة أو
منخولًا فشهدوا على غير المنخول لا تقبل اهـ. مع أنهم شهدوا بأقل فيما إذا شهدوا به
غير منخول والدعوى بالمنخول بدليل عكسه. ادعى الإتلاف وشهدوا بقبضه نقبل، ولو
ادعى أنه قبض مني كذا درهما بغير حق وشهدوا أنه قبضه بجهة الربا تقبل، ولو ادعى
الغصب وشهدوا بقبضه نقبل، ولو ادعى الغصب وشهدوا بقبضه بجهة الربا لا نقبل، إذ

٢٦٣
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
الغصب قبض بلا إذن والقبض بجهة الربا قبض بإذن، ولو ادعى أنه غصب منه وشهدا
أنه ملك المدعي وفي يده: أي يد المدعى عليه بغير حق لا تقبل لا على الملك لأنهما لم
يقولا غصبه منه ولا على الغصب لأنهما شهدا أنه بيده بغير حق، ويجوز أن يكون بيده
بغير حق لا من جهة المدعي بأنه غصبه من غير المدعي لا منه ا هـ.
أقول: وهذا يدفع تنظير صاحب جامع الفصولين في تعليل المسألة، وقوله: أن هذا
الاختلاف لا يمنع قبول الشهادة لأنهما شهدا بأقل مما ادعى، إذ في دعوى الغصب منه
دعوى أنه بيده بغير حق مع زيادة دعوى الفعل فينبغي أن يقبل، مع أن عدم القبول في
أمثاله يفضي إلى التضييق وتضييع كثير من الحقوق والحرج مدفوع شرعاً اهـ. فتدبر. ثم
قال في البحر: ادعى أنه قبض من مالي كذا قبضاً موجباً للرد وشهدا أنه قبضه ولم يشهد
أنه قبض قبضاً موجباً للرد يقبل في أصل القبض فيجب رده، ولو شهدا أنه أقر بقبضه
ينبغي أن تقبل قياساً على الغصب. ادعى أنه أهلك أقمشتي كذا وعليه قيمتها وشهدا أنه
باع وسلم لفلان يقبل لأنه إهلاك، ولو ذكرا بيعاً لا تسليماً لا يكون شهادة بإهلاك. ثم
قال: ادعى شراء منه فشهدا بشراء من وكيله ترد، وكذا لو شهدا أن فلاناً باع وهذا
المدعى عليه أجاز بيعه، ثم قال: ادعى أن مولاي أعتقني وشهدا أنه حرّ ترد لأنه يدعي
حرية عارضة، وشهدا بحرية مطلقة فيصرف إلى حرية الأصل: وهي زائدة على ما ادعاه،
وقيل تقبل لأنهما لما شهدا أنه حر شهد بنفس الحرية قال: والأمة لو ادعت أن فلاناً
أعتقني وشهدا أنها حرة تقبل إذ الدعوى ليست بشرط هنا فعلى هذا ينبغي أن يكون
الخلاف المذكور في القن على قول أبي حنيفة، أما على قولهما ينبغي أن يقبل في القن رواية
واحدة كما في الأمة، إذ الدعوى ليست بشرط في القن عندهما كالأمة، ولو ادعى حرية
الأصل وشهدا أن فلاناً حرره قيل ترد وقيل تقبل لأنهما شهدا بأقل مما ادعاه انتهى وبه
علم أن المطابقة بين الدعوى والشهادة إنما هي شرط فيما كانت الدعوى فيه شرطاً، وإلا
فلا، ولذا لو ادعت الطلاق فشهدا بالخلع تقبل كما سيأتي.
والحاصل: أنهم إذا شهدوا بأقل مما ادعي تقبل بلا توفيق اهـ.
وسنذكر تتمة الكلام على ذلك في مسألة دعوى النتاج إن شاء الله تعالى، وإن كان
بأكثر لم تقبل إلا إذا وفق، فلو ادعى ألفاً فشهدا بألف وخمسمائة فقال المدعي كان لي عليه
ألف وخمسمائة إلا أني أبرأته من خمسمائة أو قال استوفيت منه خمسمائة ولم يعلم به الشهود
يقبل، وكذا في الألف والألفين ولا يحتاج إلى إثبات التوفيق بالبينة، لأن الشيء إنما يحتاج
إلى إثباته بالبينة إذا كان سبباً لا يتم بدونه ولا ينفرد بإثباته، كما إذا ادعى الملك بالشراء

٢٦٤
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
فشهد الشهود بالهبة فإن ثمة يحتاج إلى إثباته بالبيئة، أما الإبراء فيتم به وحده، ولو أقر
بالاستيفاء يصح إقراره ولا يحتاج إلى إثباته، لكن لا بد من دعوى التوفيق هنا استحساناً.
والقياس أن التوفيق إذا كان ممكناً يحمل عليه، وأن لم يدع التوفيق تصحيحاً للشهادة
وصيانة لكلامه وجه الاستحسان أن المخالفة بين الدعوى والشهادة ثابتة صورة، فإن كان
التوفيق مراداً تزول المخالفة، وإن لم يكن التوفيق مراداً لا تزول بالشك، فإذا ادعى
التوفيق ثبت التوفيق وزالت المخالفة. وذكر الشيخ الإمام المعروف بخواهر زاده أن محمداً
شرط في بعض المواضع دعوى التوفيق، ولم يشترط في البعض، وذاك محمول على ما إذا
ادعى التوفيق أو ذاك جواب القياس فلا بد من دعوى التوفيق، فلو قال المدعي ما كان لي
عليه إلا ألف درهم فقط لا تقبل شهادتهم. كذا في الخانية. ولا فرق في كون المشهود به
أقل بين أن يكون في الدين أو في العين، فلو ادعى كل الدار فشهدا بنصفها قضى
بالنصف من غير توفيق. كذا في الخانية. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن المدعي إذا
أكذب شهوده في جميع ما شهدوا به له أو بعضه بطلت شهادتهم، إما لأنه تفسيق للشاهد،
أو لأن الشهادة لا تقبل بدون الدعوى، فلو شهد الشهود بدار لرجل فقالوا هذا البيت من
هذه الدار لفلان رجل آخر غير المدعي فقال المدعي ليس هو لي فقد أكذب شهوده، وإن
قال هذا قبل القضاء لا يقضى له ولا لفلان بشيء، فإن كان بعد القضاء فقال هذا البيت
لم يكن لي إنما هو لفلان، قال أبو يوسف: أجزت إقراره لفلان وجعلت له البيت وأرد ما
بقي من الدار على المقضيّ عليه ويضمن قيمة البيت للمشهود عليه، ولأني يوسف قول
آخر أنه يضمن قيمة البيت للمشهود عليه ويكون ما بقي من الدار للمشهود له. كذا في
الخانية .
ثم اعلم أن المدعي إذا كذب شهوده إنما ترد شهادتهم إذا كذبهم فيما وقعت
الدعوى به، أما إذا صدقهم فيها وكذبهم في شيء زادوه فإنها تقبل له فيما ادعاه وإن لم
يدعه المدعى عليه: يعني إن لم يدع الزائد لا ما ادعاه المدعي، وعلى هذا قال في الخانية:
شهدا لرجل أن فلاناً غصب عبده ولكن قد رده عليه بعده فمات عند مولاه فقال
المغصوب منه لم يرده عليّ وإنما مات عند الغاصب وقال المشهود عليه ما غصبته عبداً ولا
رددته عليه وما كان من هذا من شيء، قال: إذا لم يدع شهادتهما ضمنته القيمة، كذا لو
شهدا أنه غصبه عبداً له فجاء مولاه قتله عند الغاصب فقال المغصوب منه ما قتلته ولكنه
قد غصبته ومات عنده وقال المشهود عليه ما غصبته عبداً ولا قتل هذا المدعي عبداً له في
يدي كان عليه قيمته، وكذا لو شهدا أن لهذا عليّ ألف درهم ولكنه قد أبرأه منها وقال

-
٢٦٥
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
المدعي ما أبرأته عن شيء وقال المشهود عليه ما كان له عليّ شيء ولا أبرأني عن شيء،
قال: إذا لم يدّع شهادتهما على البراءة قضيت عليه بألف اهـ.
ثم اعلم أن المدعي إذا تكلم بكلام يحتمل أن يكون تكذيباً: فإن كان قبل القضاء لا
يقضى له، وإن كان بعده لم يبطل إلا أن يكون تكذيباً للشاهد قطعاً، فلو قضيّ له بالدار
بالبينة فأقر أنها لرجل غير المقضيّ عليه لا حق للمدعي فيها وصدقه فلان أو كذبه لم يبطل
القضاء، لاحتمال النفي من الأصل، واحتمال أنه ملكها إياه بعد القضاء، وإن كان في
مجلس القضاء فلا يبطل بالشك، فلو قال بعد القضاء هي لفلان لم تكن لي قط: فإن بدأ
بالإقرار وثنى بالنفي أو عكسه: فإن صدّقه المقر له في الجميع بطل القضاء ويردّ على
المقضيّ عليه ولا شيء للمقر له، وإن كذبه في النفي وصدقه في الإقرار كانت للمقر له
وضمن المقر قيمة الدار للمقضيّ عليه سواء بدأ بالإقرار أو بالنفي. كذا ذكر في الجامع.
قالوا: هذا إن بدأ بالنفي وثنى بالإقرار موصولًا، أما إن كان مفصولاً لم تصح. وتمامه في
الخانية. بخلاف المقر له إذا قال هي لفلان ما كان لي قط لأن ثمة لا منازع الثالث فيسلم
وهنا المقضى عليه ينازعه. كذا في التلخيص.
وفي المحيط البرهاني: قضى له بالدار ببنائها ببينة ثم قال ليس البناء لي وإنما هو
للمدعى عليه بطل القضاء لأنه إکذاب للشاهد، بخلاف ما إذا قال البناء له فليس
بإكذاب. هكذا في الأقضية. وفرق بين ما إذا ذكروا البناء في شهادتهم فيكون إكذاباً أو لا
فلا في شهادات الأصل. وإذا ذكروه فلا فرق بين النفي والإثبات فقط في كونه تكذيباً؟
ولو ادعى قدراً وبرهن عليه ثم أقر بقبض بعضه، فإن أقر بما يدل على قبضه قبل الدعوى
والبينة فهو تكذيب لشهوده وإلا فلا، ولو ادعى أربعمائة درهم وقضى له ببينة ثم أقر أن
للمدعى عليه مائة سقط عنه مائة اتفاقاً، وهل تسقط الثلاثمائة؟ قولان في المحيط وغيره،
والفتوى على عدمه كما في الملتقط.
وفي المحيط: شهد له على رجل بألف وعلى آخر بمائة فصدقهم في الأول وكذبهم
في الثاني بطلتا، و کذا لو شهدا بغصب ثوبین فصدقهما في أحدهما وکذبهما في الآخر
بطلت فيهما، ولو قضى لثلاثة بميراث عن أبيهم ثم قال أحدهم ما لي فيه حق وإنما هو
لأخويّ كان الكل لهما، فإن قال لم يكن لي فيه حق وإنما هو لهما بطلت حصته عن
المقضي عليه؛ ولو ادعى أنه أوصى له بألف درهم وبرهن ثم ادعى أنه ابن الموصي ولم
يبرهن فله الأقل من الميراث ومن الألف. وقال محمد: الوصية باطلة ولا شيء له اهـ.
وفي البزازية: ادعى المديون الإيفاء فشهدا على إبراء الدائن أو على أنه حلله تقبل،

٢٦٦
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
ومنها: أن الملك المطلق أزيد من المقيد لثبوته من الأصل والملك بالسبب
مقتصر على وقت السبب.
ومنها: موافقة الشهادتين لفظاً ومعنى، وموافقة الشهادة الدعوى معنى فقط،
وسيتضح.
کما لو ادعى الغصب فشهدا بالإقرار به تقبل.
ادعى الكفيل بالأمر الإيفاء وشهدا على البراءة تقبل، ووضع المسألة على الإيفاء
ليعلم أن الإيفاء غير مقتصر عليه، ولهذا لا يرجع الكفيل على الأصيل ويرجع الطالب
على الأصيل كأنه إبراء الكفيل، وإبراء الكفيل لا يوجب إبراء الأصيل، وإنما ذكره ليؤذن
أن المقضي به براءة الكفيل لا الإيفاء، وهذا لأن دعوى الكفيل تضمن البراءة مع تمكنه
بالرجوع على الأصيل وشاهداه شهدا على القطع ببعض دعواه، فيقبل في ذلك لا في الزائد
اهـ.
وفي السراجية: ادعى عشرة آلاف درهم فشهدا له بمبلغ عشرة آلاف درهم لم
تقبل، لأن مبلغ هذا المال مال آخر.
شهدا على دعوى أرض أنها خمسة مكاييل وأصابا في بيان حدودها وأخطآً في المقدار
قبلت ا هـ. وفي عرفنا المبلغ هو القدر فإنهم يقولون قبض مبلغ كذا: أي قدر كذا لا مال
آخر، فينبغي أن تقبل الشهادة في عرفنا.
ادعت على زوجها أنه وكل وكيلاً فطلقني وشهدا أنه طلقها بنفسه يقع الطلاق.
ادعت الطلاق وشهدا بالخلع تسمع، لأن وجه التوفيق ممكن؛ ولو ادعى المديون
الإبراء وشهدوا أن المدعى عليه بمال معلوم تقبل شهادتهم إن كان الصلح بجنس الحق
لحصول الإبراء عن البعض بالاستيفاء، وعن البعض بالإسقاط.
ادعت أنها اشترت هذه الجارية من زوجها بمهرها وشهدوا أن زوجها أعطاها
مهرها من غير أن يجري البيع بينهما تقبل اهـ. قوله: (ومنها أن الملك المطلق الخ) هذا
من فروع الذي قبله لا أصل مستقل ط. قيل وكان الظاهر إرجاع هذا الأصل إلى أصل
قبله كما هو المتضح من تعليل قوله وبعكسه لا اهـ. وأيضاً الظاهر أن هذا وما قبله
يرجعان إلى موافقة الشهادة للدعوى وعدمها لما أنهما متفرعان عليها كما في البدائع، بل
التحقيق فيه أن كليهما نوعاً عدم الموافقة بينهما فلا يناسب إرجاع أحدهما للآخر كما لم
يناسب إرجاعهما لذلك. تدبر. قوله: (لثبوته) أي المطلق من الأصل: أي غير مقيد
بوقت بقرينة المقابلة فكأنه نتاج. قوله: (لفظاً ومعنى) واختلاف لفظهما الذي لا يوجب
اختلاف المعنى لا يضر. منح. كالنكاح والتزويج والهبة والعطية. قوله: (معنى فقط) كما

٢٦٧
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
(تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط قبولها) لتوقفها على مطالبتهم ولو
إذا ادعى غصباً فشهدا بإقراره به تقبل، وكما لو ادعى داراً فشهدا بلفظ البيت تكفي في
عرف من يطلقه على الدار وهو الأشبه والأظهر. هندية.
قال في الخانية: ولو ادعى أنه اشترى الأمة منه بعبد منذ شهر ثم جاء بشهود
فشهدوا أنه اشتراها منه منذ سنة أو قبل ذلك لا تقبل لمكان التناقض، إلا أن يوفق فيقول
اشتريتها منه منذ سنة كما شهد به الشهود ثم بعتها ثم اشتريتها منذ شهر، فإذا وفق على
هذا الوجه أو شهد الشهود بالبيع والشراء بعد ذلك يصح التوفيق ويقضى له اهـ. وفي
ذلك نظر لأنه صار مدعياً بالأخير وهما شهدا بالأول إلا إذا أعاد الشهادة بالإطلاق وربما
أشار لذلك بقوله بعد ذلك.
وفي البزازية: ادعى الشراء منذ شهرين فشهدا بالشراء منذ شهر قبلت وبقلبه لا .
قوله: (تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط قبولها) فيه إشارة إلى أن ما لا يشترط فيه
الدعوى لا يضر فيه مخالفتها للشهادة ا هـ؛ أي لأن الشهادة حیث قبلت بلا دعوى فوجود
المخالفة كلا وجود.
وفي جامع الفتاوى: ادعت على زوجها أنه وكل وكيلاً على الطلاق فطلقني فشهد
الشهود أنه طلقها بنفسه يقع الطلاق.
قال في العناية: الشهادة إذا وافقت الدعوى قبلت وإن خالفتها لم تقبل، قد عرفت
معنى الشهادة فأعلم أن الدعوى هي مطالبة حق في مجلس من له الخلاص عند ثبوته،
وموافقتها هو أن يتحدا نوعاً وكما وكيفا ومكاناً وزماناً وفعلاً وانفعالاً ووصفاً وملكاً
ونسبة، فإنه إذا ادعى على آخر عشرة دنانير وشهد الشاهد بعشرة دراهم، أو ادعى عشرة
دراهم وشهد بثلاثین، أو ادعى سرق ثوب أحمر وشهد بأبيض، أو ادعى أنه قتل وليه يوم
النحر بالكوفة وشهد بذلك يوم الفطر بالبصرة، أو ادعى شق زقه وإتلاف ما فيه به وشهد
بانشقاقه عنده، أو ادعى عقاراً بالجانب الشرقي من ملك فلان وشهد بالغربي منه، أو
ادعى أنه ملكه وشهد أنه ملك ولده، أو ادعى أنه عبده ولدته الجارية الفلانية وشهد
بولادة غيرها لم تكن الشهادة موافقة للدعوى. وأما الموافقة بين لفظيهما فليست بشرط؛
ألا ترى أن المدعي يقول ادعى عليّ غريمي هذا والشاهد يقول أشهد بذلك، واستدل
المصنف رحمه الله تعالى على ذلك بقوله ((لأن تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط قبول
الشهادة)) وقد وجدت فيما توافقها وانعدمت فيما تخالفها، أما تقدمها فيما شرط لقبولها
فلأن القاضي نصب لفصل الخصومات فلا بد منها، ولا نعني بالخصومة إلا الدعوى.
وأما وجودها عند الموافقة فلعدم ما يهدرها من التكذيب. وأما عدمها عند المخالفة
فلوجود ذلك، لأن الشهادة لتصديق الدعوى، فإذا خالفتها فقد كذبتها فصار وجودها
وعدمها سواء. وفيه بحث من وجهين.

٢٦٨
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
بالتوكيل، بخلاف حقوق الله تعالى لوجوب إقامتها على كل أحد فكل أحد خصم،
فكأن الدعوى موجودة (فإذا وافقتها) أي وافقت الشهادة الدعوى (قبلت وإلا)
توافقها (لا) تقبل،
أحدهما: أنه قال: تقدم الدعوى شرط قبول الشهادة وقد وجدت فيما توافقها وهو
مسلم، ولكن وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط.
والثاني: أنه عند المخالفة تعارض كلام المدعي والشاهد، فما المرجح لصدق الشاهد
حتى اعتبر دون كلام المدعي؟ والجواب عن الأول أن علة قبول الشهادة التزام الحاكم
سماعها عند صحتها وتقدم الدعوى شرط ذلك، فإذا وجد فقد انتفى المانع فوجب القبول
بوجود العلة وانتفاء المانع، لا أن وجود الشرط استلزم وجوده. وعن الثاني بأن الأصل في
الشهود العدالة لا سيما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، ولا يشترط عدالة
المدعي لصحة دعواه فرجحنا جانب الشهود عملاً بالأصل اهـ.
قال في الحواشي السعدية: أما وجودها عند الموافقة فظاهر، وأما عدمها عند
المخالفة فكذلك لظهور أن ليس المراد من تقدم الدعوى تقدم أية دعوى كانت بل تقدم
دعوى ما يشهد به الشهود. وتمامه فيها. قوله: (فإذا وافقتها قبلت) أي وافقتها معنى،
وصدّر الباب بهذه المسألة مع أنها ليست من الاختلاف في الشهادة لكونها كالدليل لوجوب
اتفاق الشاهدين؛ ألا ترى أنهما لو اختلفا لزم اختلاف الدعوى والشهادة كما لا يخفى على
من له أدنى بصيرة. سعدية.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: وبه ظهر وجه جعل ذلك من الأصول.
ثم إن التفريع على ما قبله مشعر بما قاله في البحر من أن اشتراط المطابق بين
الدعوى والشهادة إنما هو فيما إذا كانت الدعوى شرطاً فيه وتبعه في تنوير البصائر، وهو
ظاهر لأن تقدم الدعوى إذا لم يكن شرطاً كان وجودها كعدمها فلا يضر عدم التوافق. ثم
إن تفريعه على ما قبله لا ينافي كونه أصلاً لشيء آخر وهو الاختلاف في الشهادة فافهم،
وبما تقرر اندفع ما في الشرنبلالية من أن قوله منها أن الشهادة على حقوق العبد الخ،
ليس من هذا الباب لأنه في الاختلاف في الشهادة لا في قبولها وعدمه، فتدبر اهـ. قوله:
(قبلت) كما إذا ادعى ألفا قرضاً فشهدا به تقبل لإمكان القضاء. قوله: (وإلا توافقها لا
تقبل) بأن ادعى قرضاً وشهدا بثمن متاع لا تقبل لأنها خالفت فلم يمكن القضاء بها،
وذلك أن الشهادة لأجل تصديق الدعوى، فإذا خالفتها فقد كذبتها والدعوى الكاذبة لا
تعتبر فانعدم الشرط وهو تقدم الدعوى فلم يحكم بها. عيني. ولا تنس ما قدمناه قريباً
عن العناية من معنى موافقتها إياها .
قال في فصول الأستروشني من الفصل الخامس عشر: لو ادعى الغصب وشهد

٢٦٩
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
وهذا أحد الأصول المتقدمة (فلو ادعى ملكاً مطلقا فشهد به
أحدهما أنه أداه والآخر على الإقرار بالغصب لا تقبل. وإذا اشترى جارية ثم وجد بها عيباً
وأراد أن يردها على البائع فأنكر البائع أن يكون باعها بهذا العيب فشهد أحد الشاهدين
أنه اشترى هذه الجارية وهذا العيب بها وشهد الآخر على إقرار البائع لم تجز هذه الشهادة،
لأنهما شهدا على أمرين مختلفين اهـ.
وفي الخلاصة من الفصل الرابع عن الفتاوى الصغرى: إذا اختلف الشاهدان لا يخلو
عن ثلاثة أوجه: إما في زمان أو مكان أو إنشاء وإقرار: وكل منها لا يخلو عن أربعة
أوجه: إما في الفعل أو في القول أو في فعل ملحق بالقول أو عكسه. أما الفعل كغصب
وثبوت نسب يكون بالولادة وهي فعل فيمنع قبول الشهادة في الوجوه الثلاثة. وأما القول
المحض كبيع أو رهن فلا يمنع قبولها مطلقاً. وأما الفعل الملحق بالقول وهو القرض فلا
یمنع. وأما عکسہ کنکاح فإنه يمنع ا هـ.
قال في البحر عن الكافي: وإذا اختلف الشاهدان في الزمان أو المكان في البيع
والشراء والطلاق والعتق والوكالة والوصية والرهن والدين والقرض والبراءة والكفالة
والحوالة والقذف تقبل، وإن اختلفا في الجناية والغصب والقتل والنكاح لا تقبل، والأصل
أن المشهود به إذا كان قولاً كالبيع ونحوه، فاختلاف الشاهدين فيه في الزمان أو المكان لا
يمنع قبول الشهادة لأن القول مما يعاد ويكرر، وإن المشهود به فعلاً كالغصب ونحوه أو
قولاً، لكن الفعل شرط صحتها كالنكاح فإنه قول وحضور الشاهدين فعل وهو شرط،
فاختلافهما في الزمان والمكان يمنع القبول، لأن الفعل في زمان أو مكان غير الفعل في
زمان أو مكان آخر فاختلف المشهود به ا هـ.
وفي الأقضية: وإذا شهد الشاهدان على إقرار رجل بدين أو إبراء من مال أو ما
أشبه ذلك واختلفا في الزمان والمكان فالشهادة مقبولة، لأن الإقرار مما يعاد ويكرر فيكون
عين الأول فلم يختلف المشهود به فتقبل شهادتهما من المحيط البرهاني ف ٢١.
في البزازية: ولو سألهما القاضي عن الزمان أو المكان فقالا لا نعلم تقبل لأنهما لم
يكلفا به اهـ. وفي الفتح وغيره: ولا يكلف الشاهد إلى بيان الوقت والمكان شرح الملتقى
للعلائي.
وفي التنقيح: إذا خالفت الشهادة الدعوى ثم أعيدتا تقبل ما دام في المجلس ولم
يبرح عنه، وهو ظاهر الرواية. قوله: (وهذا أحد الأصول المتقدمة) نبه عليه دون ما قبله
لدفع توهم عدم أصلیته بسبب کونه مفرعاً على ما قبله فإنه لا تنافي کما قدمناه، وإلا فما
قبله أصل أيضاً كما علمت، فتنبه. قوله: (فلو ادعى ملكاً مطلقاً) كان الأنسب أن يفرع
بقوله فلو ادعى ألفين وشهدا بألف قبلت اتفاقاً لوجود التطابق معنى، وهذا التفريع مشعر

٢٧٠
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
بسبب) كشراء أو إرث (قبلت) لكونها بالأقل مما ادعى فتطابقا معنى كما
مر(وعكسه) لا
بما قاله في البحر من أن اشتراط المطابقة بين الدعوى والشهادة إنما هو فيما كانت
الدعوى شرطاً فيه كما قدمناه قريباً. قوله: (بسبب) حال من الضمير المجرور العائد على
الملك. قوله: (كشراء أو إرث) تبع فيه الكنز، والمشهور أنه كدعوى الملك المطلق كما في
البحر، وسيذكره الشارح بقوله ((قلت)) فلو أسقط هنا لكان أولى. حلبي. قوله: (قبلت
الخ) توضيح المسألة كما في الفوائد الزينية: ادعى ملكاً مطلقاً فشهدا بسبب وسأل القاضي
المدعي هل هولك بهذا السبب الذي شهدوا به أم بسبب آخر؟ فإن قالوا بالسبب الذي
شهدوا به تقبل، وإلا لا كما في الخلاصة وهو مجمل قوله.
قال في البحر: وأشار المؤلف إلى أنه لو ادعاه بسبب فشهدا بسبب آخر كألف من
ثمن مبيع فشهدا بألف من ثمن مغصوب هالك لا تقبل كما في الخلاصة. هذا إذا اختلفا
فيما هو المقصود، فإذا اتفقا فيه كدعوى ألف كفالة عن فلان فشهدا بألف كفالة عن آخر
فإنها تقبل كما في الخلاصة أيضاً. ولو شهدا أنه أقر أنه كفله بألف عن زيد وقال الطالب
نعم إنه أقر كذلك لكن كانت الكفالة عن خالد بها له أن يأخذ المال وتقبل الشهادة
لاتفاقهما على المقصود فلا يضره اختلاف السبب. ولو قال الطالب: لم يقر كذلك بل أقر
أنها كفالة خالد فإنها لا تقبل لأنه أكذب شهوده. كذا في البزازية. وكما في أسباب ملك
العين كما في البزازية أيضاً، قال: والملك بسبب الهبة كالملك بالشراء، وكذا كل ما كان
عقداً فهو حادث اهـ. فعلى هذا لو ادعى عيناً بسبب شراء فشهدا بأنها ملكه بالهبة تقبل ا
هـ مع زيادة وتغییر. قوله: (وعکسه لا) لکن في الخانیة: ادعی دیناً بسبب فشهدا بدین
مطلق، قيل لا تقبل. والصحيح أنها تقبل.
وفي البزازية: ادعى ألفاً ديناً فشهدا أنه دفع إليه ألفاً لا ندري بأي جهة، قيل لا
يقبل، والأشبه أن يقبل.
قال في البحر: ادعى داراً إرثاً أو شراء فشهدا بملك مطلق لغت: أي لا تقبل البينة
لأنهما شهدا بأكثر مما ادعاه المدعي لأنه ادعى ملكاً حادثاً وهما شهدا بملك قديم وهما
مختلفان، فإن الملك في المطلق يثبت من الأصل حتى يستحق المدعي بزوائده، ولا كذلك
في الملك الحادث، وترجع الباعة بعضهم على بعض فصارا غيرين والتوفيق متعذر، لأن
الحادث لا يتصور أن يكون قديماً ولا القديم حادثاً اهـ.
قال في الخانية: والملك المطلق يظهر في حق الزوائد، وفي رجوع الباعة بعضهم على
بعض، فصار كأنهم شهدوا له بالزائد قضاء فلا تقبل شهادتهم، وأشار محمد في الكتاب إلى

٢٧١
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
بأن ادعى بسبب وشهدا بمطلق (لا) تقبل لكونها بالأكثر كما مر.
قلت: وهذا في غیر دعوى إرث ونتاج
معنى آخر فقال المدعي أقر بالملك لمن ادعى الشراء منه ثم ادعى الانتقال إلى نفسه بالشراء
ولم يثبت الانتقال لأنهم لم يشهدوا بالانتقال فلا تقبل شهادتهم ا هـ.
أقول: وبهذا المعنى الآخر يظهر وجه مسألة قبول الشهادة فيما لو ادعى الشراء من
مجهول وشهدوا بالمطلق. قوله: (بأن ادعى بسبب) أي ادعى العين لا الدين. بحر. قوله:
(لكونها بالأكثر) وفيه لا تقبل إلا إذا وفق. بحر. قوله: (قلت وهذا في غير دعوى إرث)
لأنه مساو للملك المطلق على المشهور كما قدمناه.
قال في البحر: وقد جعل المؤلف رحمه الله تعالى دعوى الإرث كدعوى الشراء،
والمشهور أنه كدعوى المطلق. كذا في فتح القدير وجزم به في البزازية ا هـ.
أقول: وكذا جزم به في الخلاصة، وقيد بالدار للاحتراز عن الدين فإن فيه اختلافاً.
وفي فتح القدير: لو ادعى الدين بسبب القرض فشهدا بمطلق لا تقبل. وفي المحيط
ما يدل على القبول. وعندي: الوجه القبول لأن أولوية الدين لا معنى له، بخلاف العين
اهـ.
قال الرملي: قال في التاتر خانية ناقلاً عن المحيط: ولو ادعى على رجل ألف درهم
وقال خمسمائة منها ثمن عبد اشتراه مني وقبضه وخمسمائة منها ثمن متاع اشتراه مني
وقبضه وشهد الشهود له بالخمسمائة مطلقاً قبلت الشهادة على الخمسمائة، فهذه المسألة
تنصيص على أن المدعي إذا ادعى الدين بسبب وشهدا الشهود مطلقاً أنه تقبل علی الدین،
وبه كان يفتي الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني، والمسألة مرت من قبل اهـ. وهو ما
تفقه به في فتح القدير ا هـ.
قلت: وفي نور العين: وقيل تقبل وهو الصحيح. والفرق بين الدين والعين أن
العين تحتمل الزوائد في الجملة، وحكم المطلق أن يستحق بزوائده والملك بسبب بخلافه
فيصير بالسبب مكذباً لشهوده بالمطلق، بخلاف الدين لأنه لا يحتمل الزوائد فلا إكذاب
فافترقا اهـ. وهكذا حرره منلا علي التركماني في مجموعته الكبرى. قوله: (ونتاج) لأن
المطلق أقل منه لأنه يفيد الأولية على الاحتمال والنتاج على اليقين، ولو ادعى النتاج
وشهدا على الشراء لا تقبل، إلا أن يوفق المدعي فيقول نتجت عندي ثم بعتها منه ثم
اشتريتها فتقبل كما في البحر.
وفي البحر أيضاً: والحاصل أنهم إذا شهدوا بأكثر مما ادعى، فإن وفق المدعي قبلت
في المسائل کلها وإلا لا، وهذا مما يجب حفظه ا هـ.

٢٧٢
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
وشراء من مجهول كما بسطه الكمال،
أقول: أما قول البحر: ادعى النتاج وشهدا على الشراء لا تقبل الخ لا يخفى أن
الشهادة على الشراء شهادة على الملك بسبب وهو أقل من النتاج فتكون شهادته بالأقل،
وقد مر أن الشهادة بأقل مما ادعى تقبل بلا توفيق، ويظهر من كلام الخانية أن الشهادة
بالأقل تقبل إذا صلح ذلك الأقل بياناً لما ادعاه، فإنه ذكر أولاً أنه إذا ادعى داراً في يد
رجل أنها له وشهدا أنه اشتراها من ذي اليد جازت لأن شهادتهم بالأقل مما ادعى، وما
شهدوا به يصلح بياناً لما ادعاه المدعي فإنه لو قال ملكي لأني اشتريتها من ذي اليد يصح
ويكون آخر كلامه بياناً للأول، بخلاف ما إذا ادعى أولاً النتاج وشهد بالشراء من ذي
اليد لا تقبل إلا أن يوفق، وإلا فلا، لأن دعو النتاج على ذي اليد لا يحتمل دعوى ملك
حادث من جهته، لأنه لو قال هذه الدابة ملكي بالنتاج من جهة ذي اليد لا يصح كلامه،
فلا يمكن أن يجعل آخر كلامه بياناً للأول، ولا تقبل الشهادة بدون التوفيق اهـ. فتأمل.
وفي نور العين: ولو ادعاه نتاجاً فشهدا بمطلق تقبل لا في عكسه؛ لأن دعوى
المطلق دعوى أولية الملك بالاحتمال وشهادة النتاج أولية الملك باليقين فقد شهدا بأكثر مما
ادعاه فترد، وهذه المسألة تدل على أنه لو ادعى نتاجاً ثم مطلقاً يقبل لا عكسه ط. ادعى
نتاجاً وشهدا بسبب ترد. وفي التاترخانية عازياً للينابيع: والشهادة بالنتاج بأن يشهدا بأن
هذا كان يتبع هذه الناقة ولا يشترط أداء الشهادة على الولادة كما في الهندية في باب تحمل
الشهادة. قوله: (وشراء من مجهول) كما لو ادعى أنه ملكه اشتراه من رجل أو من زيد
ولا يعرف وشهدوا على الملك المطلق فإنها تقبل، والظاهر المساواة للملك المطلق، لأنه لما
لم يبين البائع صار كأنه لم يذكره، وكأنه ادعى الملك المطلق حينئذ.
قال في نور العين: أما لو ادعى من مجهول بأن يقول شريته من محمد أو أحمد فبرهن
على الملك المطلق يقبل، لأن أكثر ما فيه أنه أقر بالملك لبائعه، وهو لم يجز لأنه أقر لمجهول
وهو باطل فكأنه لم يذكر الشراء. فش: قيل لا يقبل في المجهول أيضاً لأنهم شهدوا بأكثر
مما يدعيه ا هـ.
قال في البحر: وترك المؤلف رحمه الله تعالى شرطين في دعوى الشراء:
الأول: أن يدعيه من رجل معروف بأن يقول ملكي اشتريته من فلان، وذكر
شرائط المعرفة، أما إذا قال ملكي اشتريته من رجل أو قال من محمد والشهود شهدوا على
الملك المطلق يقبل. كذا في الخلاصة.
الثاني: أن لا يدعي القبض مع الشراء، فإن ادعاهما فشهدوا على المطلق تقبل.
وحكى في الفتح خلافاً: قيل تقبل لأن دعوى الشراء مع القبض دعوى مطلق الملك حتى
لا يشترط لصحة هذه الدعوى تعيين العبد، وقيل لا، لأن دعوى الشراء معتبرة في نفسها

٢٧٣
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
واستثنی في البحر ثلاث وعشرين،
لا کالمطلق؛ ألا ترى أنه لا یقضی له بالزوائد في ذلك وقید بما یکون له أسباب متعددة
للاحتراز عما إذا كان للملك سبب واحد فشهدوا بالمطلق تقبل، كما لو ادعى أنها امرأته
بسبب أنه تزوجها بكذا فشهدوا أنها منكوحته ولم يذكروا أنه تزوجها تقبل، ويقضي بمهر
المثل إذا كان بقدر المسمى أو أقل، فإن زاد على المسمى لا يقضي بالزيادة. كذا في
الخلاصة. وأشار المؤلف إلى أن الملك المؤرخ أقوى منه بلا تاريخ، فلو أرخ في دعوى
الملك وأطلق شهوده لا تقبل. وفي عكسه المختار القبول كما في الخلاصة. ولو ادعى
الشراء وأرّخه فشهدوا له بلا تاريخ تقبل لأنه أقل، وعلى القلب لا تقبل؛ ولو كان للشراء
شهران فأرخوا شهراً تقبل، وعلى القلب لا تقبل. كذا في فتح القدير اهـ.
أقول: وذكره في الخلاصة أيضاً، وانظر ما الفرق بينه وبين ما قبله، والذي ظهر لي
أن الشهادة بالملك المطلق بدون تاريخ أقوى منه بعد دعواه مؤرخاً، لأنه بدون تاريخ
محتمل الأولوية، ففي الشهادة به زيادة. قال في البحر: ومثله شراء مع دعوى قبض، فإذا
ادعاهما فشهدا على المطلق تقبل اهـ.
أقول: لعل وجهه أن شهادة الشهود في الملك المطلق إنما تبنى على مشاهدة اليد
زماناً بحيث يقع في قلبهم أنه ملكه، وهذا لا يتأتى إلا بعد القبض، فإن شهدوا ولم يدع
القبض يكون مكذباً بالشهود. تأمل. قوله: (واستثنى في البحر ثلاثة وعشرين) الأولى:
تقديم هذا عند قول المصنف ((فإذ وافقتها قبلت)) وإلا لا كما فعل صاحب البحر، وقال في
بيانها: ادعى المديون الإيفاء فشهدا على إبراء الدين أو على أنه حلله يقبل.
الثانية: ادعی الغصب فشهدا بالإقرار به تقبل.
الثالثة: ادعى الكفيل الإيفاء وشهد على البراءة تقبل، ولا يرجع الكفيل على
الأصيل ويرجع الطالب على الأصيل كأنه أبرأ الكفيل، وإبراء الكفيل لا يوجب إبراء
الأصیل.
الرابعة: ادعى عشرة آلاف فشهدوا له بمبلغ عشرة آلاف تقبل، لأن المبلغ في عرفنا
هو القدر، فإنهم يقولون قبضت مبلغ كذا: أي قدره.
الخامسة: ادعت على زوجها أنه وكل وكيلاً فطلقها وشهدا أنه طلقها بنفسه تقبل.
السادسة: ادعت الطلاق فشهدا بالخلع تقبل لأن وجه التوفيق ممكن.
السابعة: ادعى المديون الإبراء وشهدوا أن المدعي صالح المدعى عليه بمال معلوم
تقبل إن كان الصلح بجنس الحق لحصول الإبراء عن البعض بالإسقاط.
الثامنة: ادعى عليه خمسة دنانير بوزن سمرقند وشهدوا بها بوزن مكة تقبل إن
تساوي الوزنان أو وزن مكة أقل لا أكثر.

٢٧٤
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
وكذا تجب مطابقة الشهادتين لفظاً ومعنى، إلا في اثنين وأربعين مسألة مبسوطة في
التاسعة: ادعت أنها اشترت هذه الجارية من زوجها بمهرها وشهدا أن زوجها
أعطاها إياها مهرها من غير أن يجري العقد بينهما تقبل.
العاشرة: ادعى المديون الإيصال إلى الدائن متفرقاً وشهد شهوده بالإيصال مطلقاً أو
جملة لا تقبل، فالمستثنى ثلاثة عشر. قلت: إنما يكون من ذلك بحذف ((لا)) من
الأخيرتين، لكن ما يأتي في الفروع صريح في ذكر ((لا)) قال: وسيأتي قريباً ثمانية ذكرت
منها أربعة عند قوله: وكذا في كل قول جمع مع فعل، والأربعة الباقية هو الإيداع
والغصب والعارية والديون. الثانية والعشرون: الشراء من مجهول المذكورة في الشرح.
الثالثة والعشرون: إذا ادعى القبض مع الشراء فشهدا على الملك المطلق تقبل اهـ.
ثم اعلم أنه في الحقيقة لا استثناء، لأن المخالفة المانعة أن يكون المشهود به أكثر،
ففي كل صورة قالوا بالمنع إنما هو لكونه أكثر من المدعي، وفي كل موضع قالوا بالقبول
مع صورة المخالفة فإنما هو لكون المشهود به أقل أو كان ذلك في عتق الجارية وطلاق
المرأة يعرف ذلك بالتأمل في كلامهم. قوله: (وكذا تجب مطابقة الشهادتين لفظاً ومعنى)
أي عند أبي حنيفة، ويكفي عندهما الاتفاق بالمعنى، والمراد باتفاقهما لفظاً تطابق لفظيهما
على إفادة المعنى بطريق الوضع لا بطريق التضمن، فلو ادعى على آخر مائة درهم فشهد
واحد بدرهم وآخر بدرهمين وآخر بثلاثة وآخر بأربعة وآخر بخمسة لم تقبل عنده في شيء
لعدم الموافقة لفظاً، وعندهما يقضي بأربعة، وكذا إن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم
تقبل عنده، وعندهما تقبل على الألف إذا كان المدعي يدعي ألفين. ويأتي تمامه قريباً.
قوله: (إلا في اثنين وأربعين مسألة الخ) أقول: قد وجد في كثير من النسخ زيادة عقيب
الوقف عدّ فيها هذه عن الزواهر سرداً، ومع ذلك فهي خالية عن الأربعة المذكورة هاهنا
شرحاً: أعني ما لو شهد أحدهما ببيع أو قرض أو طلاق أو عتاق والآخر بالإقرار به
وأحببت ذكرها هنا لفائدة لا تخفى. قال في البحر: وخرج عن ظاهر قول الإمام مسائل
وإن أمكن رجوعها إليه في الحقيقة.
الأولى: شهد أحدهما أن له عليه ألف درهم وشهد الآخر أنه أقر له بألف درهم
تقبل اهـ. كذا في العمدة، وهذا قول أبي يوسف ورجحه الصدر، وقالا: لا تقبل؛
ومثلها كما في خزانة الأكمل: إذا شهد أحدهما بالطلاق والآخر بالإقرار به؛ وزاد في
الولوالجية: ما لو شهد أحدهما على قرض مائة درهم والآخر على اقرار بذلك ط.
الثانية: ادعى كرّ حنطة فشهد أحدهما بأنها جيدة والآخر رديئة والدعوى بالأفضل
يقضي بالأقل.
الثالثة: ادعى مائة دينار فقال أحدهما نيسابورية والآخر بخارية والمدعي يدعي

٢٧٥
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
النيسابورية وهو أجود يقضي بالبخارية بلا خلاف ينقل؛ ومثله ما لو شهد أحدهما بألف
بيض والآخر بألف سود والمدعي يدعي الأفضل تقبل على الأقل. ووجهه في المسائل
الثلاث أنهما اتفقا على الكمية، وانفرد أحدهما بزيادة وصف، ولو كان المدعي يدعي
الأقل لا تقبل إلا أن وفق بالإبراء. وتمامه في فتح القدير.
الرابعة: مسألة الهبة والعطية: أي لو اختلف الشاهدان فقال أحدهما وهبه والثاني
أعطاه، ولا يشترط في الموافقة لفظاً أن يكون بعين ذلك، بل إما بعينه أو مرادفه، حتى لو
شهد أحدهما بالهبة والآخر بالعطية يقبل كما نقله سيدي الوالد رحمه الله تعالى، وحينئذ لا
وجه للاستثناء، لكن ما قدمناه أول المستثنيات من كلام البحر وقد خرج عن ظاهر قول
الإمام الخ، وحينئذ فالاستثناء مبني على ظاهر قول الإمام لا على ما هو التحقيق في المقام،
كما أفاده الحموي.
الخامسة: مسألة النكاح والتزويج وقدمناهما: أي لو اختلفا في لفظ النكاح
والتزويج، وفيها ما تقدم في التي قبلها.
السادس: شهد أحدهما أنه جعلها صدقة موقوفة أبداً على أن لزيد ثلث غلتها
وشهد آخر أن لزيد نصفها تقبل على الثلث والباقي للمساكين. كذا في أوقاف الخصاف.
وهكذا الحكم لو شهد أحدهما بالكل والآخر بالنصف فإنه يقضي بالنصف المتفق عليه.
حموي. ومحله ما إذا كان المدعي يدعي الأكثر، ولا فرق بين كون المدعى عليه يقرّ بالوقف
وينكر الاستحقاق أو ينكرهما وأقيمت البينة بما ذكر ط.
السابعة: ادعى أنه باع بيع الوفاء فشهد أحدهما به والآخر أن المشتري أقر بذلك
تقبل كما في الفتح، لأن في البيع يتحد لفظ الإنشاء ولفظ الإقرار، ولا خصوصية لبيع
الوفاء ولا للبيع، بل كل قول كذلك فإذا شهد أحدهما بالبيع والآخر بالإقرار به تقبل كما
في جامع الفصولين، بخلاف الفعل كما فيه أيضاً والنكاح كالفعل اهـ.
الثامنة: شهد أحدهما أنها جاريته والآخر أنها كانت له تقبل كما في الفتح أيضاً،
لأن الأصل بقاء ما كان على ما عليه كان.
التاسعة: ادعى ألفاً مطلقاً: أي غير مقيد بقرض ولا وديعة فشهد أحدهما على
إقراره بألف قرض والآخر بألف وديعة تقبل، فإن ادعى أحد الألفين لا تقبل لأنه أكذب
شاهده. كذا في البزازية. بخلاف ما إذا شهد أحدهما بألف قرض والآخر بألف وديعة
فإنها لا تقبل، ولعل وجهه أن القرض فعل والإيداع فعل آخر، بخلاف الشهادة على
الإقرار بالقرض والإقرار بالوديعة، فإن الإقرار بكل منهما قول وهو جنس واحد، والمقر

٢٧٦
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
به وإن كان جنسين لكن الوديعة مضمونة عند الإنكار، والشهادة إنما قامت بعد الإنكار
فكانت شهادة كل منهما قائمة على إقراره بما يوجب الضمان. تأمل. ثم رأيت في
البزازي علل بقوله لاتفاقهما على أنه وصل إليه منه الألف وقد جحد فصار ضامناً.
العاشرة: ادعى الإبراء فشهد أحدهما به والآخر على أنه وهبه أو تصدّق عليه أو
حلله جاز، بخلاف ما إذا شهد أحدهما على الهبة والآخر على الصدقة لا تقبل. كذا في
البزازية .
الحادية عشرة: ادعى الهبة: أي أن الدائن وهبه فشهد أحدهما بالبراءة والآخر بالهبة
أو أنه حلله جاز.
الثانية عشرة: ادعى الكفيل الهبة فشهد أحدهما بها والآخر بالإبراء جاز، ويثبت
الإبراء لا الهبة لأنه أقلهما فلا يرجع الكفيل على الأصيل وهما في البزازية: أي لأن إبراء
الطالب للكفيل لا يوجب رجوع الكفيل على الأصيل، بخلاف هبة الطالب الكفيل،
فافهم.
الثالثة عشرة: ادعى رجل عبداً في يد رجل فأنكره المدعى عليه فشهد أحدهما على
إقراره أنه أخذ منه العبد والآخر على إقراره بأنه أودعه منه هذا العبد تقبل لاتفاقهما على
الإقرار بالأخذ.
الرابعة عشرة: شهد أحدهما أنه غصبه منه والآخر أن فلاناً أودعه منه هذا العبد
يقضى للمدعي ولا يقبل من المدعى عليه ببينة بعده، لأن الشاهدين شهدا على الإقرار
بالأخذ لكن بحكم الوديعة أو الأخذ مفرداً.
الخامسة عشرة: شهد أحدهما أنها ولدت منه والآخر أنها حبلت منه تقبل لاتفاقهما
على الحبل منه، وصورتها فيما لو علق طلاقها على الحبل فإن الولادة يلزمها الحبل، فقد
اتفق الشاهدان عليه، ولا يصح تعليقها على الولادة، فإن الحبلى قد لا تلد لموتها أو موت
الولد في بطنها، فافهم.
السادسة عشرة: شهد أحدهما أنها ولدت ذكراً وقال الآخر أنثى تقبل. كذا في
البزازية. وهذه متحدة مع التي قبلها في التصوير، فالأنسب أن يذكر بدلها ما في البزازية:
شهد أحدهما أنه أقر أنه غصب من فلان كذا والآخر أنه أقر بأنه أخذه منه تقبل.
السابعة عشرة: شهد أحدهما أن المدعى عليه أقر أن الدار للمدعي والآخر أنه
سكن فيها تقبل: أي أن المدعي سكن فيها فهي شهادة بثبوت يد المدعى عليها، والأصل
في اليد الملك فقد وافق في الأولى. تأمل.

٢٧٧
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
الثامنة عشرة: أنكر إذن عبده فشهد أحدهما على أنه أذن له في الثياب والآخر أنه
أذن له في الطعام تقبل، لأن الإذن في نوع يعم الأنواع كلها لأنه لا يتخصص بنوع كما
ذكروه في المأذون، بخلاف ما إذا قال أحدهما أذنه صريحاً وقال الآخر رآه يبيع ويشتري
فسکت لا يقبل.
التاسعة عشرة: اختلف شاهد الإقرار بالمال في كونه أقرّ بالعربية أو بالفارسية تقبل،
بخلافه في الطلاق. قال في الأشباه: والأصح القبول فيهما.
العشرون: شهد أحدهما أنه قال لعبده أنت حرّ وقال الآخر له آزدي تقبل، لأن
آزدي كلمة فارسية معناها حر.
الحادية والعشرون: قال لامرأته إن كلمت فلاناً فأنت طالق فشهد أحدهما أنها كلمته
غدوة والآخر عشية طلقت، لأن الكلام يتكرّر فيمكن أنها كلمته في الوقتين.
الثانية والعشرون: إن طلقتك فعبدي حر فقال أحدهما طلقها اليوم وقال الآخر
طلقها أمس: أي في اليوم الذي قبل يوم الشهادة لا قبل يوم التعليق يقع الطلاق والعتاق،
لأن المعلق عليه طلاق مستقبل.
الثالثة والعشرون: شهد أحدهما أنه طلقها ثلاثاً البتة والآخر أنه طلقها ثنتين البتة
يقضي بطلقتين ويملك الرجعة، لأنه لا يحتاج إلى قوله البتة في ثلاث لأن الثلاث طلاق
بائن، فقوله البتة لغو فكأنه لم يذكره، وانفرد بذكره الشاهد الثاني فصار الاختلاف بين
الشاهدين في مجرد العدد، وقد اتفقا على الثنتين فيقضي بهما وتلغو الثالثة لانفراد أحدهما
كما لغا لفظ البتة لذلك فلذا كان الطلاق رجعياً، فافهم. لكن الظاهر أن قبول الشهادة
هنا مبني على قول محمد لأنه في البزازية عزاه إليه. وعند أبي حنيفة: لا تقبل أصلاً لما في
البحر عن الكافي. شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل عنده. وعندهما: تقبل على
ألف إذا كان المدعي يدعي ألفين، وعلى هذا المائة والمئتان والطلقة والطلقتان والطلقة
والثلاث، ثم ذكر في البحر بعد ورقة مستدركاً على ما في البزازية أن ما في الكافي هو
المذهب.
الرابعة والعشرون: شهد أحدهما أنه أعتق بالعربي والآخر بالفارسي تقبل للاتفاق في
المعنى، وهي مكررة مع المسألة العشرين.
الخامسة والعشرون: اختلفا في مقدار المهر يقضى بالأقل كما في البزازية، لكن في
جامع الفصولين: شهدا ببيع أو إجارة أو طلاق أو عتق على مال واختلفا في قدر البدل لا
تقبل إلا في النكاح ويرجع في المهر إلى مهر المثل، وقالا: لا تقبل في النكاح أيضاً اهـ.

٢٧٨
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
قلت: والظاهر أن هذا فيما إذا أنكر الزوج النكاح من أصله، وكذا البيع ونحوه،
وما ذكره في البحر فيما إذا اتفقا على النكاح واختلفا في قدر المهر. ووجه عدم القبول في
البيع ونحوه أن العقد بألف مثلاً غير العقد بألفين، وكذا النكاح على قولهما، وعلى قوله
باستثناء النكاح أن المال فيه غير مقصود ولذا صح بدون ذكره، بخلاف البيع ونحوه،
وينبغي أن يكون ما ذكرناه عن البحر على الخلاف المار آنفاً عن الكافي.
السادسة والعشرون: شهد أحدهما أنه وكله بخصومة مع فلان في دار سماه وشهد
الآخر أنه وكله بخصومة فيه وفي شيء آخر تقبل في دار اجتمعا عليه: أي فيما اتفق عليه
الشاهدان من الخصومة في دار كذا دون ما زاده الآخر، إذ الوكالة تقبل التخصيص، وفيما
اتفق عليه الشاهدان تثبت الوكالة لا فيما تفرد به أحدهما، فلو ادعى وكالة معينة فشهد
أحدهما بها والآخر بوكالة عامة ينبغي أن تثبت المعينة.
السابعة والعشرون: شهد أحدهما بأنه وقفه في صحته والآخر بأنه وقفه في مرضه
قبلاً إذا شهدا بوقف بات، إلا أن حكم المرض ينتقض فيما لا يخرج من الثلث وبهذا لا
تمتنع الشهادة، كما لو شهد أحدهما أنه وقف ثلث أرضه والآخر أنه وقف ربعها. كذا في
جامع الفصولين من كتاب الوقف من أحكام المرضى. قال في الإسعاف: ثم إن خرجت
من ثلث ماله كانت كلها وقفاً وإلا فبحسابه، ولو قال أحدهما وقفها في صحته وقال
الآخر جعلها وقفاً بعد وفاته لم تقبل إن خرجت من الثلث، لأن الثاني شهد بأنها وصية
وهما مختلفان اهـ.
الثامنة والعشرون: لو شهد أنه أوصى له يوم الخميس والآخر أنه أوصى له يوم
الجمعة جازت لأنها كلام لا تختلف بزمان ومكان. كذا في وصايا الولوالجية.
التاسعة والعشرون: ادعى مالاً فشهد أن المحتال عليه أحال غريمه بهذا المال وشهد
الآخر أنه كفل عن غريمه بهذا المال تقبل. كذا في القنية.
صورته: ادعى زيد على عمرو مالاً فأقام زيد شاهدين شهد أحدهما أن عمراً محال
عليه: يعني أن دائنه أحال زيداً عليه بما له عليه من الدين وشهد الثاني أن عمراً كفل عن
مدیون زيد بهذا المال.
وحاصله: أن المال على عمرو غير أن أحد الشاهدين شهد أن المال لزمه بطريق
الإحالة عليه والآخر شهد أن المال لزمه بطريق الكفالة يقضى بالكفالة لأنها الأقل، لكن
هذا التصوير لا يوافق عبارة البحر، والموافق لها ما لو كان لزيد على عمرو ألف مثلًاً
فأحال عمرو زيد بالألف على بكر ودفعها بكر ثم ادعى بها بكر على عمرو، فشهد أحد
الشاهدين بما ذكر وشهد الآخر أن بكر كفل عمرا بإذنه وأنه دفع الألف لزيد، لكن عبارة

٢٧٩
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
م
القنية: ادعى مالاً فشهد أحدهما أن المحتال عليه احتال عن غريمه هذا المال الخ والغريم
يطلق على الدائن وهو المراد بالأول وعلى المديون وهو المراد بالثاني، وعلى هذا فغريمه في
كلام البحر بالرفع فاعل أحال، والمراد به عمرو المديون لأنه المحيل لزيد على بكر، وهذا
معنى قول القنية أن المختال عليه احتال عن غريمه: أي أن بكراً قبل الحوالة عن غريمه
عمرو.
الثلاثون: شهد أحدهما أنه باعه بكذا إلى شهر وشهد الآخر بالبيع ولم يذكر الأجل
تقبل.
الحادية والثلاثون: شهد أحدهما أنه باعه بشرط الخيار ثلاثة أيام ولم يذكر الآخر
الخيار تقبل فيهما: أي في هذه المسألة والتي قبلها، لكن في التي قبلها صرح بقوله تقبل
فلا حاجة إلى قوله فيهما، والمراد أنه يثبت البيع وإن لم يثبت الأجل، والشرط كما ذكره
الزيلعي في باب التحالف.
الثانية والثلاثون: من وكالة منية المفتي: شهد واحد أنه وكله بالخصومة في هذه
الدار عند قاضي البصرة وآخر قال عند قاضي الكوفة جازت شهادتهما: أي على أصل
الوكالة بالخصومة.
الثالثة والثلاثون: في أدب القضاء للخصاف من باب الشهادة بالوكالة: شهد
أحدهما أنه وكله في القبض والآخر أنه جراه تقبل، لأن الجراية والوكالة سواء والجري
والوكيل سواء، فقد اتفق الشاهدان في المعنى واختلف في اللفظ وأنه لا يمنع. قال في
الصحاح في باب الألف المقصورة: الجري: الوكيل والرسول.
الرابعة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه سلطه على قبضه تقبل.
يـ الخامسة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه أوصى إليه بقبضه في
حياته تقبل، لأن الوصاية في الحياة وكالة، كما أن في الوكالة بعد الموت وصاية كما
صرحوا به، فالمراد بالوصاية هنا الوكالة حقيقة لتقييدها بقوله في حياته، فافهم.
السادسة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بطلب دينه والآخر بتقاضيه تقبل.
السابعة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر بطلبه تقبل.
الثامنة والثلاثون: شهد أحدهما أنه وكله بقبضه والآخر أنه أمره بأخذه أو أرسله
ليأخذ تقبل، وهي في أدب القضاء وما قبلها.
التاسعة والثلاثون: اختلف في زمن إقراره بالوقف تقبل. قال في جامع الفصولين:
لو اختلف الشاهدان في زمان أو مكان أو إنشاء وإقرار بأن شهد أحدهما على إنشاء والآخر
على إقرار وإن كان هذا الاختلاف في فعل حقيقة أو حكماً: يعني في تصرف فعل كجناية

٢٨٠
تعتـ
كتاب الشهادات / باب الاختلاف في الشهادة
البحر، وزاد ابن المصنف في حاشيته على الأشباه ثلاثة عشر أخر تركتها خشية
التطويل (بطريق الوضع)
وغصب أو في قول ملحق بالفعل كنكاح لتضمنه فعلاً وهو إحضار الشهود يمنع قبول
الشهادة، وإن كان الاختلاف في قول محض كبيع وطلاق وإقرار وإبراء وتحرير أو في فعل
ملحق بالقول وهو القرض لا يمنع القبول، وإن كان القرض لا يتم إلا بالفعل وهو
التسليم، لأن ذلك محمول على قول المقترض أقرضتك فصار كطلاق وتحرير وبيع ا هـ.
قلت: ووجهه أن القول إذا تكرر فمدلوله واحد فلم يختلف، بخلاف الفعل
وإطلاق الإقرار يفيد أن الوقف غير قيد.
الأربعون: اختلفا في مكان إقراره به تقبل.
الحادية والأربعون: اختلفا في وقف، في صحته أو في مرضه تقبل، وهي مكررة مع
السابعة والعشرين.
الثانية والأربعون: شهد أحدهما بوقفها على زيد والآخر على عمرو تقبل وتكون
وقفاً على الفقراء لاتفاق الشاهدين على الوقف وهو صدقة. انتهى ما في البحر مع زيادة
من حاشية سيدي الوالد رحمه الله تعالى.
أقول: وتقدم في آخر الوقف ما زاده الشيخ صالح ابن المصنف رحمهما الله تعالى
فارجع إليه. قوله: (تركتها خشية التطويل) يعني هاهنا، وإلا فقد ذكرها في آخر الوقف.
قوله: (بطريق الوضع) أي بمعناه المطابقي، وهذا جعله الزيلعي تفسير للموافقة في اللفظ
حيث قال: والمراد بالإنفاق في اللفظ تطابق اللفظين على إفادة المعنى بطريق الوضع لا
بطريق التضمن، حتى لو ادعى رجل مائة درهم فشهد شاهد بدرهم وآخر بدرهمين وآخر
بثلاثة وآخر بأربعة وآخر بخمسة لم تقبل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لعدم الموافق لفظاً.
وعندهما: يقضي بأربعة اهـ.
والذي يظهر من هذا أن الإمام اعتبر توافق اللفظين على معنى واحد بطريق
الوضع، وأن الإمامين اكتفيا بالموافقة المعنوية ولو بالتضمن ولم يشترطا المعنى الموضوع له
كل من اللفظين، وليس المراد أن الإمام اشترط التوافق في اللفظ والتوافق في المعنى
الوضعي، وإلا أشكل ما فرعه عليه من شهادة أحدهما بالنكاح والآخر بالتزويج، وكذا
الهبة والعطية فإن اللفظين فيهما مختلفان، ولكنهما توافقا في معنى واحد أفاده كل منهما
بطريق الوضع؛ ويدل على هذا التوفيق أيضاً ما نقله الزيلعي عن النهاية حيث قال: إن
كانت المخالفة بينهما في اللفظ دون المعنى تقبل شهادته، وذلك نحو أن يشهد أحدهما على
الهبة والآخر على العطية، وهذا لأن اللفظ ليس بمقصود في الشهادة بل المقصود ما تضمنه