النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
القاضي لا يملك إجبار أحد على قبول الوصية. عيني
قوله: (لا يملك إجبار أحد على قبول الوصية) ظاهر في أن الوصي من جهة القاضي كما
قدمناه خلافاً لما في البحر.
أقول: وبيان هذه المسائل كما في الفتح: رجل ادعى أنه وصي فلان الميت فشهد
بذلك اثنان موصى لهما بمال أو وارثان لذلك الميت أو غريمان لهما على الميت دين أو
للميت عليهما دين أو وصيان فالشهادة جائزة استحساناً. والقياس أن لا تجوز لأن شهادة
هؤلاء تتضمن جلب نفع الشاهد، أما الوارثان لقصدهما نصب من يتصرف لهما ويريحهما
ويقوم بإحياء حقوقهما، والغريمان الدائنان والموصى لهما لوجود من يستوفيان منه،
والمديونان لوجود من يبرآن بالدفع إليه. والوصيان من يعنيهما في التصرف في المال
والمطالبة، وكل شهادة جرت نفعاً لا تقبل.
وجه الاستسحسان أنا لم نوجب بهذه الشهادة على القاضي شيئاً لم يكن واجباً عليه،
بل إنما اعتبرناها على وزان القرعة لا يثبت بها شيء. ويجوز استعمالها لفائدة غير الإثبات
كما جاز استعمالها لتطبيب القلب في السفر بإحدى نسائه ولدفع التهمة عن القاضي في
تعيين الأنصباء، فكذا هذه الشهادة في هذه الصور لم تثبت شيئاً، وإنما اعتبرناها لفائدة
إسقاط تعيين الوصي عن القاضي، فإن للقاضي أو عليه إذا ثبت الموت ولا وصي أن
ينصب وصياً، فلما شهد هؤلاء بوصاية هذا الرجل فقد رضوه واعترفوا له بالأهلية
الصالحة لذلك، فكفى القاضي لذلك مؤنة التفتيش على الصالح وعين هذا الرجل بتلك
الولاية لا بولاية أوجبتها الشهادة المذكورة، وكذلك وصيا الميت لما شهدا بالثالث، فقد
اعترفا بعجز شرعي منهما عن التصرف إلا أن يكون هو معهما، أو بعجز علمه الميت
منهما حتى أدخل معهما فينصب القاضي الآخر. وفي الصور كلها ثبوت الموت شرط لأن
القاضي لا يملك نصب وصي قبل الموت، إلا في شهادة الغريمين المديونين فإنه لا يشترط
في إثبات ذلك الوصي الذي شهدا له ثبوت لأنهما مقران على أنفسهما بثبوت حق قبض
الذين لهذا الرجل، فضررهما في ذلك أكثر من نفعهما فتقبل شهادتهما بالوصية والموت
جميعاً، وهذا بخلاف المسألة الآتية: أعني مسألة ما لو شهدا أن أباهما الغائب وكله بقبض
دیونه الخ.
ورأيت سؤالا وجواباً أحببت ذكرهما هنا لمناسبة لا تخفى على الفطن النبيه، وهما من
فتاوى مفتي دمشق الشام محمود أفندي الحمزاوي حفظه الله تعالى. سئل عن صورة دعوى
مضمونها في الوصي إذا أثبت وصاية على تركة وحكم الحاكم بها ثم بعد ذلك أتى رجل
آخر وادعى أن الميت أخرج الأول وجعل ذلك وصياً محله فهل لا تسمح هذه الدعوى من
الآخر لتضمنها إيطال القضاء الأول أم لا؟ أجاب بقوله: حيث أثبت المدعى عليه قبلًاً

٢٢٢
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(كما) لا تقبل (لو شهدا أن أباهما) الغائب (وكله بقبض ديونه وادعى الوكيل أو
أنكر) والفرق أن القاضي لا يملك نصب الوكيل
كونه وصياً شرعياً وقضى القاضي بصحة وصايته بوجهها الشرعي فلا تسمع دعوى
المدعي الآن ولا الشهادة بأن الميت أخرج المدعى عليه وجعل مورّث موكلته وصياً، لأن
في سماع مثل هذه الدعوى والشهادة إبطال القضاء، والقضاء يصان عن الإلغاء ما أمكن.
قال في شرح الزيادات للإمام محمد: شهد شاهدان أن الميت أوصى إلى هذا الرجل
وقضى القاضي بها ثم شهد آخران بالإيصاء إلى رجل آخر لا تقبل لأن فيه نقض القضاء
الأول، وكذلك في شرح الزيادات لقاضيخان حيث قال: وإن ذكر الشاهدان رجوعاً من
الوصية الأولى لا تقبل شهادتهما، لأن هذه الشهادة تضمنت إبطال القضاء انتهى. وكلاهما
صريح في عدم صحة سماع الدعوى والشهادة، والله تعالى أعلم بالصواب اهـ.
أقول: لكن يشكل على ذلك قولهم الدفع ودفع الدفع صحيح قبل القضاء وبعده
على الصحيح، ولعله مبني على القول المرجوح من أن الدفع بعد الحكم لا يقبل. تأمل:
قوله: (كما لا تقبل الخ) هذا إذا كان المطلوب يجحد الوكالة وإلا جازت الشهادة لأنه يجبر
على دفع المال بإقراره بدون الشهادة، وإنما قامت الشهادة لإبراء المطلوب عند الدفع إلى
الوكيل إذا حضر الطالب وأنكر الوكالة فكانت شهادة على أبيهما فتقبل، وفرّق بينها وبين
من وكل رجل بالخصومة في دار بعينها وقبضها وشهد ابنا الموكل بذلك لا تقبل، وإن أقر
المطلوب بالوكالة لأنه لا يجبر على دفع الدار إلى الوكيل بحكم إقراره بل بالشهادة فكانت
لأبيهما فلا تقبل. بحر ملخصاً عن المحيط. قوله: (أن أباهما) أشار إلى عدم قبول شهادة
ابني الوكيل بالأولى، والمراد عدم قبولها في الوكالة من كل من لا تقبل شهادته للموكل،
وبه صرح في البزازية. بحر. قوله: (الغائب) قيد به لأنه لو كان حاضراً لا يمكن
الدعوى بها ليشهد، لأن التوكيل لا تسمع الدعوى به لأنه من العقود الجائزة، لكن يحتاج
إلى بيان صورة شهادتهما في غيبته مع جحد الوكيل لأنها لا تسمع إلا بعد الدعوى.
ويمكن أن تصوّر بأن يدعي صاحب وديعة عليه بتسليم وديعة الموكل في دفعها فيجحد
فيشهدان به ويقبض ديون أبيهما، وإنما صوّرناه بذلك لأن الوكيل لا يجبر على فعل ما
وكل به إلا في ردّ الوديعة ونحوها كما سيأتي فيها. بحر. ونظر في ذلك سيدي الوالد
رحمه الله تعالى بقوله: قوله تسليم وديعة الموكل في دفعها: أي التي وكله الغائب بدفعها
لصاحبها، وقوله فيشهدان به: أي بتسليم الوديعة الذي ادعاه المدعي، وقوله وبقبض
ديون أبيهما لم تجر فيه الدعوى فما معنى شهادتهما به مع أن المقصود جريانها فيه مع إجبار
الوكيل ولا إجبار هنا، فتأمل. قوله: (أو أنكر) صورته كما تقدمت عن البحر فإنها لا
تقبل. قوله: (والفرق) إنما يحتاج إلى الفرق في صورة الدعوى فيهما، وأما في صورة

٢٢٣
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
عن الغائب، بخلاف الوصي.
(شهد الوصي) أي وصي الميت (بحق للميت) بعدما عزله القاضي عن
الوصاية ونصب غيره أو بعد ما أدركت الورثة (لا تقبل) شهادته للميت في ماله أو
غيره (خاصم أو لا)
الإنكار فالحكم متحد وقدم وجهه في الوصي، وهو أن القاضي لا يملك إجباره على
قبول الوصية ط.
أقول: ويمكن أن يقال للفرق: أي إذا لم يحضر الوكيل خصماً ولم يحضر غير ابني
الموكل لا يملك القاضي نصب وكيل عن غائب. وأما إذا أحضر خصماً وشهد غير ابني
الموكل فالقاضي يثبت الوكالة عن الغائب ويكون من قبيل الإثبات لا النصب. وأما شهادة
ابني الموكل فلا تثبت الوكالة لعدم كونها شهادة وللتهمة أيضاً، إذ يمكن أن يتواضعا مع
الوكيل على أخذ المال فيصير لنفعهما فلا تقبل کما في شرح الملتقى للداماد. یؤید ذلك ما
سيأتي في الوصايا من قول الشارح: لأن القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الحيّ بطلبهما
اهـ. فانظر لقوله بطلبهما ولم يقل بشهادتهما، فإنه يشير إلى أنها غير شهادة بل كناية عن
الطلب، ويظهر لي القبول لو ادعى بكر الشراء من وکیل زيد المنکر واستشهد بابني زيد
على ذلك. قوله: (عن الغائب) لعدم الضرورة إليه لوجود رجاء حضوره إلا في المفقود
كما في البحر. قوله: (بخلاف الوصي) أي وصي القاضي وإنما يحتاج إلى هذا الفرق في
صورة الدعوى، أما في صورة الإنكار فالحكم متحد، لأن القاضي لا يملك إجباره على
قبول الوصية كما قدمناه قريباً. قوله: (أي وصي الميت) في بعض النسخ ((أو)) بدل
(أي)). قوله: (بحق للميت) أو لليتيم، واحترز بذلك عن شهادته بدين عليه فإنها تقبل.
كما في الهندية. قوله: (بعد ما عزله القاضي) وكذا قبله بالأولى، فكان الأولى أن يقول
(ولو بعد)) ودلت المسألة على أن القاضي إذا عزل الوصي ينعزل. بزازية.
ويمكن أن يقال: عزله بجنحة. سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قال في الخانية: ليس
لقاضٍ أن يخرج الوصي من الوصاية ولا يدخل غيره معه، فإن ظهرت منه خيانة أو كان
فاسقاً معروفاً بالشرّ أخرجه أو نصب غيره معه وإن كان ثقة إلا أنه ضعيف عاجز عن
التصرف أدخل غيره معه. قوله: (أو بعد ما أدركت) أي بلغت. قوله: (في ماله أو غيره)
أي في ماله الذي تحت يده أو غيره. قال بعضهم أو غيره: أي كما إذا شهد أنه طلب
الشفعة أو أن فلاناً أبرأه من كذا، وحمل بعضهم معنى قوله ((أو غيره)) على نحو النسب.
وفي معين المفتي: شهد الوصي بدين للميت والورثة صغار أو بعضهم لا تقبل،
ولو كانوا كباراً جازت. ولو شهد على الميت بدين جازت على كل حال.
وفي المنح: ولو شهد لكبير على أجنبيّ تقبل في ظاهر الرواية. ولو شهد للوارث

٢٢٤
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
لحلول الوصي مجل الميت، ولذا لا يملك عزل نفسه بلا عزل قاض فكان كالميت
نفسه فاستوى خصامه وعدمه، بخلاف الوكيل فلذا قال (ولو شهد الوكيل بعد
عزله للموكل إن خاصم) في مجلس القاضي ثم شهد له بعد عزله (لا تقبل) اتفاقاً
للتهمة (وإلا قبلت) لعدمها، خلافاً للثاني فجعله كالوصي. سراج.
الكبير والصغير في غير ميراث لا تقبل اهـ. ويمكن حمل أو غيره على هذا فيكون معطوفاً
على الميت. قوله: (لجلول الوصي محل الميت) هذا لا يظهر إلا إذا بقيت وصايته، أما إذا
عزل عنها فلا يظهر إلا باعتبار ما كان ط. قوله: (فكان كالميت نفسه) أي فكأنه شهد
لنفسه. قوله: (ولو شهد الوكيل الخ) أصل المسألة في البزازية حيث قال: وكله بطلب
ألف قبل فلان والخصوم فخاصم عند غير القاضي ثم عزل الوكيل قبل الخصومة في
مجلس القضاء ثم شهد الوكيل بهذا المال لموكله يجوز. وقال الثاني: لا يجوز بناء على أن
نفس الوكيل قام مقام الموكل اهـ. فالمراد هنا أنه خاصم فيما وكل به، فإن خاصم في غيره
ففيه تفصيل أشار إليه الشارح فيما يأتي، وكأن العبارة مجملة وتفصيلها في الهندية، فإنه
قال فيها: وشهادة الوكيل للموكل بعد العزل إن خاصم لا تقبل، وإن لم يخاصم تقبل،
وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. كذا في الذخيرة؛ ولو وکله بكل حق قبل
فلان بحضرة القاضي فخاصمه في ألف فعزل: فإن شهد بذلك الألف ردت، وإن شهد
بمال آخر لم تردّ، وإن لم يعلم القاضي بوكالته وأنكر فلان وكالته وأثبتها بالبينة ثم عزله
وشهد ردت شهادته للموکل في کل حق قائم وقت التوکیل، إلا إذا شهد بحق حادث
بعد تاريخ الوكالة فحينئذ تقبل كما في الكافي. قوله: (اتفاقاً للتهمة) أي تهمة تصديق
نفسه فيما خاصم فيه. قوله: (وإلا قبلت لعدمها) لأن الموكل حيّ وهو قائم في حق نفسه
دون الوكيل، وللوكيل أن يخرج نفسه متى شاء من الوكالة وهو يفعل من ذلك ما أمره به
الموكل، فإذا عزل قبل الخصومة لم يلحقه تهمة فيما شهد به فقبلت شهادته اهـ. منح.
قوله: (فجعله كالوصي) فلا تقبل شهادته مطلقاً بناء على أن عنده بمجرد قبول الوكالة
يصير خصماً وإن لم يخاصم، ولهذا لو أقرّ على موكله في غير مجلس القضاء نفذ إقراره
عليه. وعندهما: لا يصير خصماً بمجرد القبول ولهذا لا ينفذ إقراره. ذخيرة ملخصاً.
أقول: وقد بسط المسألة في التاترخانية في الفصل السابع فقال: أما شهادة الوكيل
فنقول: الوكيل خاص وعام، أما الخاص وهو إذا وكله بطلب ألف درهم قبل رجل معين
والخصومة فيها إذا خاصمه عند غير القاضي ثم عزله الموكل قبل الخصومة عند القاضي ثم
شهد بهذا الألف لموكله جازت شهادته، وعند أبي يوسف: لا يجوز بناء على أن عنده
بنفس الوكالة قام مقام الموكل، فلو أن القاضي جعله خصماً ثم أخرجه الموكل من الوكالة
فشهد بعد ذلك بحق قد كان له يوم وكله أو حدث له بعد ذلك قبل أن يخرجه من الوكالة
١

٢٢٥
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وفي قسامة الزيلعي: كل من صار خصماً في حادثة لا تقبل شهادته فيها،
ومن كان بعرضية أن يصير خصماً ولم ينتصب خصماً بعد تقبل، وهذان الأصلان
متفق عليهما. وتمامه فيه. قيدنا بمجلس القاضي، لأنه لو خاصم في غيره ثم عزله
قبلت عندهما، كما لو شهد في غير ما وكل فيه أو عليه. جامع الفتاوى.
لم تجز شهادته جعله وكيلاً فيما يحدث. والمسألة محفوظة أنه لو وكله بالخصومة في كل حق
له وقبضه على رجل معين فإنه لا يتناول ما يحدث. أما إذا وكله بطلب كل حق له قبل
الناس أجمعين بالخصومة ينصرف إلى الحقوق القائمة، وما يحدث استحساناً فيحمل ما
ذكرنا على الوكالة العامة إذا خاصم هذا الوكيل المطلوب في ألف درهم للموكل عليه
فأخرجه الموكل من الوكالة ثم شهد له بألف دينار لا تقبل شهادته له أو شهد الوكالة
العامة، وما تقدم لأنه لو لم تكن عامة تقبل في الدنانير، وإنما لا تقبل في الدنانير إذا كانت
واجبة عليه قبل الإخراج. وأما إذا شهد بدنانير وجبت عليه بعد العزل تقبل شهادته.
وأما العامة لو وكل رجل رجلًا بالخصومة في كل حق له وقبضه جاز لا مؤقتة: يعني قبل
الناس مطلقاً أو في معين فقدم رجلاً وأقام عليه البينة وجعله القاضي خصماً ثم أخرج
الموكل من الوكالة لم تجز شهادته له على هذا الرجل ولا على غيره ممن كان للموكل عليه
حق من يوم وكله ولا ما حدث على الناس بعد ذلك يوم أخرجه من الوكالة اهـ ما رأيته
في النسخة التي حصلت في يدي وهي محرفة، فلتراجع نسخة أخرى. قوله: (وهذان
الأصلان متفق عليهما) قدمنا آنفاً أن أبا يوسف لم يجوّز شهادة الوكيل خاصم أو لا، ففي
هذا الاتفاق نظر، لأن أبا يوسف جعل الوكيل كالوصي وإن لم يخاصم مع أنه بعرضية أن
يخاصم. قوله: (وتمامه فيه) أي في الزيلعي. وعبارته بعد قوله متفق عليهما: غير أنهما
يجعلان أهل المحلة مما له عرضية أن يصير خصماً وهو يجعلهم ممن انتصب خصماً، وعلى
هذين الأصلين يتخرّج كثير من المسائل، فمن جنس الأول الوكيل بالخصومة إذا خاصم
عند الحاكم ثم عزل لا تقبل شهادته، والشفيع إذا طلب الشفعة ثم تركها لا تقبل شهادته
بالبيع؛ ومن جنس الثاني أن الوكيل إذا لم يخاصم والشفيع إذا لم يطلب وشهدا تقبل
شهادتهما، ولو ادعى الولي على رجل بعينه من أهل المحلة فشهد شاهدان من أهلها عليه لم
تقبل شهادتهما عليه، لأن الخصومة قائمة مع الكل والشاهد يقطعها عن نفسه فكان
متهماً، إلا رواية عن أبي يوسف ذكرناها من قبل اهـ. قوله: (ثم عزله) أي الموكل قبل
الخصومة عند القاضي. قوله: (عندهما) أي خلافاً للثاني، فإنه کالوصي عنده كما قدمناه
قريباً، كما لو شهد في غير ما وكل به أو عليه. قوله: (أو عليه) عطف على في غير ما
وکل به: أي شهد على موكله.
وفي شرح تحفة الأقران: الوكيل بقبض الدين تجوز شهادته بالدين، ثم قال الكفيل

٢٢٦
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وفي البزازية: وكله بالخصومة عند القاضي فخاصم المطلوب بألف درهم عند
القاضي ثم عزله فشهد أن لموكله على المطلوب مائة دينار تقبل، بخلاف ما لو وكله
عند غير القاضي وخاصم، وتمامه فيها
بنفس المدعى عليه إن شهد أن المدعى عليه قضى المال الذي كانت الكفالة لأجله هل تقبل
شهادته؟ اختلف المشايخ. سائحاني. قوله: (وفي البزازية) بيان لقوله ((في غير ما وكل
فيه)). قوله: (عند القاضي) متعلق بقوله ((وكله)) لا بالخصومة. قوله: (بألف درهم)
متعلق بخاصم. قوله: (مائة دينار) أي مال غير الموكل به، بخلاف ما مر. قوله: (تقبل)
لأنه مال آخر لأن المائة دينار مال آخر غير الذي خاصم فيه أو لا. قوله: (وخاصم) أي
فإنها لا تقبل مطلقاً، وذلك بأن أنكر المدعى عليه وكالته فأثبتها بالبينة ثم عزل وشهد
ردت شهادته للموكل في حق كل قائم وقت التوكيل، إلا إذا شهد بحق حادث بعد
تاريخ الوكالة فحينئذ تقبل، وقد نقلناه عن الكافي.
وقد أوضح المقام في جامع الفتاوى: فقال: ولو وكل بغير محضر القاضي فخاصم
المطلوب بألف درهم وأقام البيئة على الوكالة ثم عزله الموكل فشهد له على المطلوب بعد
الوكالة لم تجز شهادته، لأنه لما اتصل القضاء بالوكالة صار الوكيل خصماً في جميع حقوق
الموكل، فإذا شهد بالدنانير فقد شهد بما هو خصم فيه، أما إذا وكله عند القاضي فلا
يحتاج لإثباتها للعلم، ومع ذلك فعلم القاضي بها ليس بقضاء فلم يصر خصماً في غير ما
وكل به وهو الدراهم فيجوز شهادته بعد العزل في حق آخر اهـ. وسنوضحه في القولة
الآتية بأوضح من هذا. قوله: (وتمامه فيها) حيث قال: بخلاف ما لو وكله عند غير
القاضي وخاصم المطلوب بألف وبرهن على الوكالة ثم عزله الموكل عنها فشهد له على
المطلوب بمائة دينار، فما كان للموكل على المطلوب بعد القضاء بالوكالة لا يقبل، لأن
الوكالة لما اتصل بها القضاء صار الوكيل خصماً في حقوق الموكل على غرمائه فشهادته بعد
العزل بالدنانير شهادة الخصم فلا تقبل، بخلاف الأول لأن علم القاضي بوكالته ليس
بقضاء، فلم يصر خصماً في غير ما وكل به وهو الدراهم فتجوز شهادته بعد العزل في
حق آخر اهـ. بزيادة من الذي قدمناه عن الجامع. وزاد في الذخيرة: لا أن يشهد بمال
حادث بعد تاريخ الوكالة فحينئذ تقبل شهادتهما عنده أهـ. ولهذا قال في البزازية بعد ما
مر: وهذا غير مستقيم فيما يحدث، لأن الرواية محفوظة فيما إذا وكله بالخصومة في كل
حق له وقبضه على رجل معين أنه لا يتناول الحادث، أما إذا كان وكله بطلب كل حق له
قبل الناس أجمعين فالخصومة تنصرف إلى الحادث أيضاً استحساناً، فإذن تحمل المذكورة
على الوكالة العامة.
ثم قال: والحاصل أنه في الوكالة العامة بعد الخصومة لا تقبل شهادته لموكله على

٢٢٧
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(كـ) ما قبلت عندهما خلافاً للثاني (شهادة اثنين بدين على الميت لرجلين ثم شهد
المشهود لهما للشاهدين بدين على الميت) لأن كل فريق يشهد بالدين في الذمة وهي
تقبل حقوقاً شتی فلم تقع الشرکة له في ذلك،
المطلوب ولا على غيره في القائمة ولا في الحادثة إلا في الواجب بعد العزل ا هـ: يعني وأما
في الخاصة فلا تقبل فيما كان له على المطلوب قبل الوكالة وتقبل في الحادث بعدها أو بعد
العزل، وإنما جاء عدم الاستقامة من التقييد بقوله مما كان للموكل على المطلوب بعد
القضاء بالوكالة، ولذا لم يقيد بذلك في الذخيرة بل صرح بعده بأن الحادث تقبل فيه كما
قدمناه، فاغتنم هذا التحرير الفريد الذي حرره سيدي الوالد رحمه الله تعالى.
أقول: والذي يظهر لي أن هذا كله على قول أبي يوسف، وإلا ناقض الكلام
بعضه. تأمل. قوله: (كما قبلت شهادة اثنين بدين على الميت لرجلين الخ) قال عطاء الله
أفندي في فتاويه: شهد رجلان لرجلين على الميت بألف درهم وشهد المشهود لهما
للشاهدين على الميت بألف درهم فالشهادة باطلة. وذكر في الجامع الصغير والجامع الكبير
أن الشهادة جائزة. وروى صاحب الكتاب رواية ثالثة عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة
أنهم إن جاؤوا جميعاً وشهدوا فالشهادة باطلة، وإن شهد اثنان لاثنين قبلت شهادتهما ثم
ادعى الشاهدان بعد ذلك على الميت بألف درهم فشهد لهما الغريمان الأولان فشهادتهما
جائزة، فصار في المسألة ثلاث روايات.
وجه ما ذكر ها هنا أن الدين إذا ثبت على الميت حلّ في التركة فتصير التركة مشتركة
بين الغرماء. فما يقبض أحد الشريكين حل للآخر مشاركته فيه، فصار كل فريق شاهداً
على شيء لهما فيه.
وجه رواية الجامعين أن الشهادة لهما إنما كانت على الميت بالدين والدين ثبت في
ذمة الميت ثم يتحول إلى التركة لا تحوّل القرار، فإن الوارث لو أراد أن يقضي الدين من
ماله وتتخلص التركة لنفسه له ذلك فيصير كأنهم شهدوا عليه في حياته.
وجه رواية الحسن أنهم إذا جاؤوا معاً كان ذلك معنى المعاوضة فتفاحش التهمة، ثم
استدل في الكتاب للرواية الأولى بدلائل على كيفية الشركة، فقال: ألا ترى أن الميت لو لم
يترك الألف درهم فإنهم يتحاصون فيها فتكون بينهم، وألا ترى لو أن أحد الفريقين
حضروا فأعطاهم القاضي نصف الألف ثم ضاع النصف الآخر ثم جاء الغريم الآخر له
أن يشاركهم فيما قبضوا، فيدل هذا على أن التركة مشتركة بينهم. كذا في أدب القاضي.
أقول: وقيد بالدين لأنه لو كان المشهود به عيناً والمشهود عليه حياً تقبل اتفاقاً كما
في الكافي، وتمام الكلام على ذلك موضح في التاتر خانية فراجعه. قوله: (وهي) أي الذمة.
قوله: (له) أي للشاهد. قوله: (في ذلك) أي فيما في الذمة، وإنما تثبت الشركة في
١

٢٢٨
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
بخلاف الوصية بغير عين كما في وصايا المجمع وشرحه، وسيجيء ثمة (و) كـ
(شهادة وصيين لوارث كبير) على أجنبي (في غير مال الميت) فإنها مقبولة في ظاهر
الرواية، كما لو شهد الوصيان على إقرار الميت بشيء معين لوارث بالغ تقبل.
بزازية .
(ولو) شهدا (في ماله) أي الميت (لا) خلافاً لهما ولو لصغير لم تجز اتفاقاً،
وسيجيء في الوصايا (كـ) ما لا تقبل (الشهادة على جرح) بالفتح (أي مجرد فسق)
المقبوض بعد القبض. ووجه قول أبي يوسف بعدم القبول أن أحد الفريقين إذا قبض شيئاً
من التركة بدينه شاركه الفريق الآخر فصار كل شاهداً لنفسه كما ذكرناه آنفاً. قوله:
(بخلاف الوصية بغیر عین) کما لو شهد کل فریق للآخر بأن المیت أوصی له بالثلث فإنها
لا تقبل اتفاقاً، لأن حقهم في التركة وهو الثلث وهو مقسوم بينهما فهي شهادة في
مشترك بينهم وهو حق شائع في جميع المال، فكانت شهادة الشريك لشريكه وهو لا
يصح؛ بخلاف شهادة اثنين أن الميت أوصى بهذا المعين لهذين الشخصين ثم شهد المشهود
لهما للشاهدين بمعين آخر فإنه لا شركة في ذلك لأن كلاً شهد بعين أخرى فلم يبقوا
شركاء، فافهم. قوله: (على أجنبي) الظاهر أنه غير قيد. تأمل. ذكره سيدي الوالد رحمه
الله تعالى. قوله: (في ظاهر الرواية) لعدم التهمة. قوله: (بالغ) احترز به عن الصبيّ فإن
شهادته له لا تقبل للتهمة. قوله: (ولو شهدا في ماله) بأن شهدا للكبير بشيء على الميت.
قوله: (ولو لصغير) أو لصغير وكبير جميعاً على أجنبي كما في الهندية. قوله: (وسيجيء
في الوصايا) حاصله أنه لو شهد الوصيان لكبير بمال الميت لا تقبل شهادتهما، لأنهما
يثبتان ولاية الحفظ وولاية بيع المنقول لأنفسهما عند غيبة الوارث، بخلاف شهادتهما
للكبير في غير التركة لعدم التهمة، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا: إذا شهد
الوارث كبير يجوز في الوجهين، لأن ولاية التصرف لا تثبت لهما في مال الميت إذا كانت
الورثة كباراً. أفاده العيني. وهذا التفصيل لم يذكره فيما يأتي. قوله: (على جرح بالفتح)
أي فتح الجيم لغة من جرحه بلسانه جرحاً: عابه ونقصه، ومنه جرحت الشاهد: إذا
أظهرت فيه ما تردّ به شهادته. كذا في المصباح. وفي الاصطلاح: إظهار فسق الشاهد،
فإن لم يتضمن ذلك إثبات حق لله تعالى أو للعبد فهو جرح مجرد. وإن تضمن إثبات حق
الله تعالى أو للعبد فهو غير مجرد. والأول هو المراد من إطلاقه كما أفصح به في الكافي
وهو غير مقبول، مثل أن يشهدوا أن شهود المدعي فسقة أو زناة أو أكلة ربا إلى آخر ما
يذكره المصنف، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وأما الثاني: أعني غير المجرد فهو
كما لو أقام المدعى عليه البينة أنهم زنوا ووصفوا الزنا أو شربوا الخمر أو سرقوا مني كذا
ولم يتقادم العهد إلى آخر ما يذكره المصنف أيضاً. قوله: (أي فسق) هذا المعنى لا يوافق

٢٢٩
کتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
عن إثبات (حق الله تعالى أو للعبد)، فإن تضمنته قبلت، وإلا لا تقبل (بعد التعديل)
واحداً مما ذكرنا من تفسير الجرح، إلا أن يكون بتقدير مضاف: أي إظهار فسق. قوله:
(مجرد عن إثبات حق الله تعالى الخ) في القهستاني: المجرد ما لم يترتب عليه ما يترتب على
الجرح من رفع الخصومة عن المشهود عليه عن إثبات حق لله تعالى كالحد، فلا يدخل
التعزير لأنه يدفعه بالتوبة، لأن التعزير إذا كان حقاً لله تعالى يسقط بالتوبة، بخلاف الحد
فإنه لا يسقط بها، ويدل عليه أنهم مثلوا للمجرد بأكل الربا مع أنه يوجب التعزير فتعين
إرادة الحدود ١ هـ. بحر. وفيه من باب التعزير: قال له يا فاسق ثم أراد أن يثبت بالبينة
فسقه ليدفع التعزير عن نفسه لا تسمع بينته، لأن الشهادة على مجرد الجرح والفسق لا
تقبل، بخلاف ما إذا قال يا زاني ثم أثبت زناه بالبينة تقبل لأنه متعلق الحد، ولو أراد
إثبات فسقه ضمناً لما تصح فيه الخصومة كجرح الشهود إذا قال رشوته بكذا فعليه رده
تقبل البينة، كذا هذا اهـ. وهذا إذا شهدوا على فسقه ولم يبينوه .. وأما إذا بينوه بما
يتضمن إثبات حق الله تعالى أو للعبد فإنها تقبل كما إذا قال له يا فاسق فلما رفع إلى
القاضي ادعى أنه رآه قبّل أجنبية أو عانقها أو خلا بها ونحو ذلك ثم أقام رجلين شهدا
أنهما رأياه فعل ذلك فلا شك في قبولها وسقوط التعزير عن القاتل، لأنها تضمنت إثبات
حق الله تعالى وهو التعزير على الفاعل، لأن الحق لله تعالى لا يختص بالحد بل أعم منه
ومن التعزير، وكذلك يجري هذا في جرح الشاهد بمثله وإقامة البينة عليه، وينبغي على
هذا القاضي أن يسأل الشاتم عن سبب فسقه، فإن بين سبباً شرعياً طلب منه إقامة البينة
عليه، وينبغي أنه إن بين أن سببه بترك الاشتغال بالعلم مع الحاجة إليه أن يكون
صحيحاً، وفي مثل هذا لا يطلب منه البينة بل يسأل المقول له عن الفرائض التي يفترض
عليه معرفتها، فإن لم يعرفها ثبت فسقه فلا شيء على القائل له يا فاسق، لما صرح به في
المجتبى من أن من ترك الاشتغال بالفقه لا تقبل شهادته ا هـ.
أقول: أما قوله فلا شك في قبولها الخ، فإنه يأتي قريباً من الجرح المجرد الذي لا
يقبل لو شهدوا على شهود المدعي بأنهم فسقة أو زناة أو أكلة الربا أو شربة الخمر أو على
إقرارهم أنهم شهدوا بزور وأنهم أجراء في هذه الشهادة إلى آخر ما يأتي، ولا يخفى أن
إقرارهم بشهادة الزور موجب للتعزير كما نذكر تمامه قريباً إن شاء الله تعالى، فتأمل.
قوله: (فإن تضمنته) أي ما ذكر من حق الله تعالى أو العبد كما يأتي في المركب. قوله:
(وإلا لا تقبل) لا حاجة إليه لأنه نفس المتن فهو تكرار. قوله: (بعد التعديل) ذكر في
البحر: أن هذا التفصيل فيما إذا ادعاه الخصم وبرهن عليه جهراً؛ أما إذا أخبر القاضي به
سراً وكان مجرداً طلب منه البرهان عليه جهراً، فإذا برهن عليه سراً أبطل الشهادة لتعارض
الجرح والتعديل فيقدم الجرح، فإذا قال الخصم للقاضي سراً إن الشاهد أكل ربا وبرهن

٢٣٠
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
و (لو قبله قبلت) أي الشهادة، بل الإخبار ولو من واحد على الجرح المجرد. كذا
عليه رد شهادته، كما أفاده في الكافي اهـ. ووجهه أنه لو كان البرهان جهراً لا يقبل على
الجرح المجرد لفسق الشهود به بإظهار الفاحشة، بخلاف ما إذا شهدوا سراً كما بسطه في
البحر.
وحاصله: أنها تقبل على الجرح ولو مجرداً أو بعد التعديل لو شهدوا به سراً، وبه
يظهر أنه لا بد من التقييد لقول المصنف ((لا تقبل بعد التعديل)) بما إذا كان جهراً، وظاهر
كلام الكافي أن الخصم لا يضره الإعلان بالجرح المجرد كما في البحر: أي لأنه إذا لم يثبته
بالشهود سراً وفسق بإظهار الفاحشة لا يسقط حقه، بخلاف الشهود فإنها تسقط شهادتهم
بفسقهم بذلك، وكذا يقبل عند سؤال القاضي.
قال في البحر أول الباب المار: وقد ظهر من إطلاق كلامهم هنا أن الجرح يقدم على
التعديل سواء كان مجرداً أو لا عند سؤال القاضي عن الشاهد، والتفصيل الآتي من أنه إن
كان مجرداً لا تسمع البينة به أولاً فتسمع إنما هو عند طعن الخصم في الشاهد علانية اهـ.
هذا وقد مر قبل هذا الباب أنه لا يسأل عن الشاهد بلا طعن من الخصم، وعندهما يسأل
مطلقاً، والفتوى على قولهما من عدم الاكتفاء بظاهر العدالة، وحينئذ فكيف يصح القول
برد الشهادة على الجرح المجرد قبل التعديل؟ وأجاب السائحاني بأن من قال تقبل أراد أنه
لا يكفي حينئذ ظاهر العدالة، ومن قال ترد أراد أن التعديل لو كان ثابتاً أو أثبت بعد
ذلك لا يعارضه الجرح المجرد فلا تبطل العدالة اهـ. ويشير إلى هذا قول ابن الكمال: فإن
قلت: أليس الخبر عن فسق الشهود قبل إقامة البينة على عدالتهم يمنع القاضي عن قبول
شهادتهم والحکم بها؟
قلت: نعم، لكن ذلك للطعن في عدالتهم لا لثبوت أمر يسقطهم عن حيز القبول،
ولذا لو عدلوا بعد هذا تقبل شهادتهم، ولو كانت الشهادة على فسقهم مقبولة لسقطوا عن
حيز الشهادة ولم يبق لهم مجال التعديل اهـ. وهذا معنى كلام القهستاني. وكذلك صدر
الشريعة ومنلا خسرو يرجع إلى ما ذكره ابن الكمال كما يأتي توضيحه قريباً.
والحاصل: أن البيئة القاضية على الجرح المجرد غير مقبولة إلا أنها تورث شبهة
فلذلك لا يكون للقاضي أن يقضي ما لم تزّ الشهود، وأن الذي ذكره في البحر عن
الكافي لا ينافيه ما بعده، فإن الرد كان لسؤال القاضي عن الشهود لا لمجرد دعوى الخصم
إذ هي غير مسموعة، وبالله تعالى التوفيق. قوله: (ولو قبله قبلت) أي من حیث کونها
طعناً في العدالة حتى يمنع القاضي عن قبول شهادتهم والحكم بها حتى يعدلوا، فإذا
عدلوا بعد هذا الطعن تقبل شهادتهم، وليس المراد أن هذا الطعن أثبت أمراً فيهم يسقطهم
عن حيز القبول ولو عدلوا، وهذا ما قاله ابن الكمال، وهو لا ينافي ما ذكره صاحب

٢٣١
کتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
اعتمده المصنف تبعاً لما قرره صدر الشريعة. وأقره منلا خسرو وأدخله تحت قولهم
الدفع أسهل من الرفع وذكر وجهه. وأطلق ابن الكمال ردها تبعاً لعامة الكتب
الدرر من قبولها قبل التعديل على الجرح المجرد، فإنه وإن قال بذلك يقول إنهم لو عدلوا
بعده تقبل شهادتهم، فرجع الخلاف لفظياً.
والذي ذكره الواني مجيباً به عن ابن الكمال حاصله: أن مراده أن الشهادة بالفسق
المجرد ليست شهادة حقیقیة سواء كانت قبل التعديل أو بعده، بل هو إخبار محض بدليل
قبول خبر الواحد: أي قبل التعديل، فإذا لم تكن شهادة لا یکون مما نحن فيه، لأن الباب
معقود لمن تقبل شهادته ومن لا تقبل إلا في الأعم، فقول ابن الكمال لا تعتبر: أي لا تعد
شهادة ولو قبل التعديل اهـ. إذ لو عدت شهادة لما قبلت شهادة المطعون فيهم به إذا
عدلوا، وأنت ترى أن هذا راجع إلى ما ذكرناه أولً ا هـ ط.
أقول: وأنت إذا حققت النظر يظهر لك عدم المخالفة بين كلامهم جميعاً كما تقدم،
فكلام السراج محتمل لقبولها على المجرد قبل التعديل. نعم ظاهره عدم القبول، والمراد به
أنها لا تثبت أمراً يسقطهم عن حيز القبول، أما ثبوت الطعن بها وعدم الحكم بشهادة
المجروحين ما لم يعدلوا فلا كلام فيه، وهذا ما قاله صدر الشريعة في شرح الوقاية، وهو
ما حققه منلا خسرو أيضاً من أنها أفادت الدفع: أي عدم العمل بتلك قبل التعديل ولذا
استوضح علیه بقبول خبر الواحد.
وحاصله: تسليم إفادتها مجرد الطعن لا إثبات فسق الشاهدين الرافع لقبول ما لم تمض
مدة يظهر فيها حسن حالهما ويعدلوا بعدها، وهذا أيضاً معنى قول القهستاني: لا يلتفت إلى
هذه الشهادة: أي لا يثبت بها فسقهم فتدبره. قوله: (وذكر وجهه) أي منلا خسرو في
الدرر حیث قاله جواباً عن سؤال حاصله: لماذا قبل خبر الواحد قبل التعديل وإن کان
بمجرد ولم يقبل بعد التعديل إلا نصاب شهادة ولا بد أن يكون غير مجرد ما نصه:
أقول: تحقيقه أن جرح الشاهد قبل التعديل دفع للشهادة قبل ثبوتها وهي من باب
الديانات، ولذا قبل فيه خبر الواحد، وبعد التعديل رفع الشهادة بعد ثبوتها حتى وجب
على القاضي العمل بها إذا لم يوجد الجرح المعتبر. ومن القواعد المقررة أن الدفع أسهل من
الرفع، وهو السرّ في كون الجرح المجرد مقبولًا قبل التعديل ولو من واحد وغير مقبول
بعده، بل نحتاج إلى نصاب الشهادة وإثبات حق الشرع أو العبد اهـ. وهذا لا ينافي قبول
شهادة المطعون فيهم بالجرح المجرد إذا عدلوا، لأن هذا الطعن ليس شهادة عليهم
أخرجتهم عن حيز القبول وهو ما أراده ابن الكمال ط. قوله: (وأطلق ابن الكمال ردها)
أي رد شهادة الطاعن بالفسق المجرد ولو قبل التعديل: أي فلم يعتبرها: أي على أنها
شهادة مخرجة للمطعون فيه بالمجرد عن حيز القبول، ويدل على أن هذا مراده ما ذكره من

٢٣٢
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وذكر وجهه، وظاهر كلام الواني وعزمي زاده الميل إليه، وكذا القهستاني حيث
قال: وفيه أن القاضي لم يلتفت لهذه الشهادة، ولكن يزكي الشهود سراً وعلناً، فإن
عدّلوا قبلها وعزاه للمضمرات، وجعله البرجندي على قولهما لا قوله، فتنبه (مثل
السؤال والجواب بقوله. فإن قلت: أليس الخبر عن فسق الشهود قبل إقامة البينة على
عدالتهم يمنع القاضي عن قبول شهادتهم والحكم بها؟
قلت: نعم، لكن ذلك للطعن في عدالتهم لا لثبوت أمر يسقطهم عن حيز القبول،
ولذا لو عدلوا بعد هذا تقبل شهادتهم، ولو كانت الشهادة على فسقهم مقبولة لسقطوا عن
حيز الشهادة ولم يبق لهم مجال التعديل اهـ. قوله: (وذكر وجهه) حيث قال: إنما لا
تقبل البيئة على الجرح المجرد لأنه لا يدخل تحت الحكم، والبينة إنما تقبل فيما يدخل تحت
الحكم، وفي وسع القاضي إلزامه، وهذا لا يختلف بكونه قبل إقامة البينة على العدالة
وكونه بعدها. قوله: (وفيه) أي كلام النقابة حيث جعل عدم قول التفسيق المجرد في
الشاهد المعدل، وهو يفيد أنه يقبل في غير المعدل. قوله: (لم يلتفت لهذه الشهادة) الأولى
لا يلتفت: أي لا يعتبرها على أنها شهادة مسقطة لشهادة الشهود ولو عدلوا، بل تمنعه عن
الحكم إلى أن يعدلوا، فإذا عدلوا قبل شهادتهم، فآل إلى الكلام السابق. قوله: (ولكن
يزكي الخ) ولو كانت شهادة مقبولة لما طلب التزكية بعدها.
أقول: اعلم أن القهستاني نقل أولاً عن مصنف متنه أن القضاء قبل التعديل لا
يجوز، فكيف إذا وجد الجرح، فنظر في هذا بقوله ((وفيه أن القاضي الخ)).
وأقول: الذي يؤخذ من المذهب وإليه ترجع هذه العبارات بالعناية أن مذهب
الإمام أن ظاهر العدالة يجوز الحكم قبل ثبوت حقيقتها إن لم يطلب الخصم التعديل.
وقالا: لا بد من حقيقتها مطلقاً، ومن البين أن الجرح المجرد أقل ما هناك ينبىء عن
طلب التعديل فحينئذ لا بد من التعديل باتفاق، فمن قال قبلت شهادته مراده أنه لا يكفي
حينئذ ظاهر العدالة، ومن قال ردت مراده أن التعديل لو كان ثابتاً أو أثبت بعد ذلك لا
يعارضه الجرح المجرد فلا يبطل العدالة كالجرح الغير المجرد كما قدمناه قريباً. قوله:
(وجعله البرجندي) أي جعل قبول الشهادة إذا عدلوا على قولهما الخ. قد علمت أنه لا
حاجة إلى ذلك وأن الخلاف لفظي.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: والمتبادر منه رجوعه إلى قوله ((لكن يزكي الشهود
سراً وعلناً)). أما على قول الإمام فيكتفي بالتزكية علناً كما نقدم، وهذا محله ما إذا لم يطعن
الخصم؛ أما إذا طعن كما هنا فلا اختلاف بل هو على قول الكل من أنهم يزكون سراً
وعلناً، فتأمل وراجع. ولعل هذا هو وجه أمر الشارح بقوله فتنبه، والظاهر أن الضمير
راجع إلى الإطلاق المفهوم من قوله وأطلق الكمال اهـ. وهذا أولى مما ذكره بعض الأفاضل

٢٣٣
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أن يشهدوا على شهود المدعي) على الجرح المجرد (بأنهم فسقة أو زناة أو أكلة الربا
بقوله وجعله البرجندي على قولهما: يعني إنما يحتاج إلى تزكية الشهود سراً وعلناً لو
جرحوا قبل التعديل إنما هو قول الإمامين المشترطين لذلك لجواز القضاء بشهادة الشهود لا
على قول الإمام القائل إن القاضي يكتفي بظاهر العدالة، كما تقدم بيان الخلاف بينهم
فجعل وجود هذا الجرح كعدمه، فلا يصح قول صدر الشريعة: قبلت الشهادة قبل الجرح
لأنه لا معنى لقبولها إلا الحكم بها، ولو حكم بفسقهم بهذه الشهادة لم يصح تزكيتهم
بعدها كما قاله ابن الكمال، ولم يجز الحكم بشهادتهم على قول أحد من أئمتنا فيخالف ما
قاله البرجندي، فمن قال إن الخلف هنا لفظي فمن عدم علمه بما يقول كما هو عادته ا
هـ. لأنا نقول: إعمال الكلام أولى من إهماله. وثانياً: لما علمت من إرجاع الأقوال
لبعضهم وعدم المخالفة بين كلامهم جميعاً، فارجع إلى ما قدمناه وعضّ عليه بالنواجذ.
قوله: (على الجرح المجرد) الأولى الإتيان بالباء بدل ((على)) وفي نسخة المفرد ولا حاجة
إليه، بل زيادة محضة لأن الكلام في التمثيل له. قوله: (بأنهم فسقة الخ) إنما لم تقبل لأن
البينة إنما تقبل على ما يدخل تحت الحكم وفي وسع القاضي إلزامه، والفسق مما لا يدخل
تحت الحكم، وليس في وسع القاضي إلزامه لأنه يدفعه بالتوبة، ولأن الشاهد صار بهذه
الشهادة فاسقاً لأن فيها إشاعة الفاحشة بلا ضرورة وهي حرام بالنص. والمشهود به لا
يثبت بشهادة الفاسق ولا يقال فيه ضرورة، وهي كفّ الظالم عن الظلم بأداء الشهادة
الكاذبة، وقد قال عليه الصلاة والسلام ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالماً أَوْ مَظْلُوماً» (١) لأنه لا ضرورة
إلى هذه الشهادة على ملا من الناس، ويمكنه كفه عن الظلم بإخبار القاضي بذلك سراً.
بحر. وفي القنية من الحدود: ولو قال له يا فاسق ثم أراد أن يثبت فسقه لا تقبل. قوله:
(أو زناة) أي عادتهم الزنا أو أكل الربا أو الشرب، وفي هذا لا يثبت الحد، بخلاف ما يأتي
من أنهم زنوا أو سرقوا مني الخ لأنها شهادة على فعل خاص موجب للحد، هكذا ظهر
لسيدي الوالد رحمه الله تعالى. قال ط: وهو في الأول محمول على ما إذا كان السبب
متقادماً، وفي الثاني على غير المتقادم، والتقادم في الشرب بزوال الريح في غيره بشهر.
قال المقدسي: ويمكن أن يفرق بما هو أظهر من ذلك بأن قولهم شربة أو زناة أو
أكلة ربا اسم فاعل، وهو قد يكون بمعنى الاستقبال فلا يقطع بوصفهم بما ذكر، بخلاف
الماضي من قولهم شربوا أو زنوا أو نحوه ا هـ بتصرف. وهذا هو المتبادر من تخصيصهم
في التمثيل للأول باسم الفاعل والثاني بالماضي، فالظاهر أنه هو المراد. والله تعالى أعلم.
وفي الكلام الآتي ما يفيد أنهم قالوا زنوا ووصفوه أو سرقوا مني كذا وبينه أو شربة خمر ولم
يتقادم العهد ا هـ. فيحمل ما هنا على أنهم لم يقولوا ذلك ا هـ.
(١) أخرجه البخاري ٣٢٣/١٢ (٦٩٥٢) ومسلم بنحوه ١٩٩٨/٤ (٦٢ - ٢٥٨٤).

1
٢٣٤
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أو شربة الخمر، أو على إقرارهم أنهم شهدوا بزور، أو أنهم أجراء في هذه الشهادة،
أو أن المدعي مبطل في هذه الدعوى، أو أنه لا شهادة لهم على المدعى عليه في هذه
الحادثة) فلا تقبل بعد التعديل بل قبله. درر. واعتمده المصنف.
قال الكمال: قد وقع في صور عدم القبول أن يشهدوا بأنهم فسقة أو زناة أو شربة الخمر،
وفي صور القبول أن يشهدوا بأنه شرب أو زنى، لأنه ليس جرحاً مجرداً لتضمنه دعوى
حق الله تعالى وهو الحد ويحتاج إلى جمع وتأويل ا هـ.
قال في الشرنبلالية: قلت وبالله التوفيق: الجمع بينهما والتأويل بما ذكره الزيلعي
أن الشاهد إذا أطلق في أنه زنى أو شرب الخمر أو سرق ولم يبين وقته لا تقبل للتقادم،
فيحمل ما في صور الجرح على هذا، وإن بينه ولم يكن متقادماً يقبل وعليه يحمل ما في
صور القبول وهذه عبارته، وما ذكره الخصاف أن الشهادة على الجرح المجرد مقبولة،
تأويله إذا أقامها على إقرار المدعي بذلك أو على التزكية، وعلى هذا ما ذكره في الكافي
وغيره من أن الشهود لو شهدوا أن الشهود زناة أو شربة خمر لم تقبل، وإن شهدوا أنهم
زنوا أو شربوا الخمر أو سرقوا تقبل، يحمل الأول على أنه إذا كان متقادماً، وإلا فلا فرق
بين قولهم زناة أو شربوا الخ اهـ. فالمصنف تبع ما أول الزيلعي به كلامهم، فتنبه.
قولهم: (أو على إقرارهم أنهم شهدوا بزور) الأحسن إفراد الضمير اعتراض بأنها شهادة
بإقرارهم الداخل تحت الحكم. وأجيب بأنه فيه هتك الستر وبه يثبت الفسق والمشهود به
لا يثبت بشهادة الفاسق، وفيه أن الشهادة على إقرار الشهود تكون حكاية للهتك عن
قولهم فهو كالشهادة على إقرار المدعي بفسقهم. أفاده الواني، ومثله في الحواشي
اليعقوبية. قوله: (أو أنهم أجراء في هذه الشهادة) إنما لم تقبل لأنها شهادة على جرح
مجرد، والاستئجار وإن كان أمراً زائداً على الجرح ولكنه لا خصم في إثباته إذ لا تعلق له
بالأجرة. بحر. قوله: (فلا تقبل الخ) هذا بعينه قد تقدم وزيادة علیه فهو تكرار محض،
وإنما لم تقبل هذه الشهادة بعد التعديل لأن العدالة بعد ما ثبتت لا ترتفع إلا بإثبات حق
الشرع أو العبد كما عرفت، وليس في شيء مما ذكر إثبات واحد منهما، بخلاف ما إذا
وجدت قبل التعديل لأنها كافية في الدفع كما مر كذا قاله منلا خسرو وغيره.
فإن قلت: لا نسلم أنه ليس فيما ذكر إثبات واحد منهما: يعني حق الله تعالى وحق
العبد، لأن إقرارهم بشهادة الزور أو شرب الخمر مع ذهاب الرائحة موجب للتعزير،
وهو هنا من حقوق الله تعالى. قلت: الظاهر أن مرادهم بما يوجب حقاً لله تعالى الحد لا
التعزير لقولهم: وليس في وسع القاضي إلزامه لأنه يدفعه بالتوبة، لأن التعزير حق الله
تعالى يسقط بالتوبة، بخلاف الحد لا يسقط بها. والله تعالى أعلم اهـ.
قلت: لكن صرح في تعزير البحر أن الحق لله تعالى لا يختص بالحد بل أعم منه

٢٣٥
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(وتقبل لو شهدوا على) الجرح المركب كـ (إقرار المدعي بفسقهم أو إقراره
بشهادتهم بزور أو بأنه استأجرهم على هذه الشهادة) أو على إقرارهم أنهم لم يحضروا
المجلس الذي كان فيه الحق. عيني (أو أنهم عبيد
ومن التعزير، وصرح هناك أيضاً بأن التعزير لا يسقط بالتوبة، إلا أن يقال: مراده به ما
كان حقاً للعبد لا يسقط بها. تأمل. قوله: (على الجرح المركب) إنما كان مركباً بالنظر لما
يترتب عليه من رد شهادتهم فكأنه هو وما يترتب عليه شيئان. قوله: (كإقرار المدعي
بفسقهم) يعني إذا شهد شهود المدعى عليه على المدعي أنه أقر أن شهودي فسقه تقبل،
لأنهم ما شهدوا بإظهار الفاحشة وإنما حكوا إظهارها عن غيرهم فلا يصيرون فسقه
بذلك، لأن المظهر والحاكي ليسا سواء، والإقرار كما يدخل تحت الحكم ويقدر القاضي
على الإلزام به لأنه لا يرتفع بالتوبة.
قال في البحر: لا يدخل تحت الجرح ما إذا برهن على إقرار المدعي بفسقهم أو أنهم
أجراء أو لم يحضروا الواقعة أو على أنهم محدودون في قذف أو على رقّ الشاهد أو على
شركة الشاهد في العين، ولذا قال في الخلاصة: للخصم أن يطعن بثلاثة أشياء: أن يقول
هما عبدان أو محدودان في قذف أو شريكان، فإذا قال هما عبدان يقال للشاهدين أقيما
البينة على الحرية. وفي الآخرين يقال للخصم أقم البينة على أنهما كذلك اهـ. فعلى هذا
الجرح في الشاهد إظهار ما يخلّ بالعدالة لا بالشهادة مع العدالة، فإدخال هذه المسائل في
الجرح المقبول كما فعل ابن الهمام مردود بل من باب الطعن كما في الخلاصة.
وفي خزانة الأكمل: لو برهن على إقرار المدعي بفسقهم أو بما يبطل شهادتهم
يقبل، وليس هذا بجرح وإنما هو من باب إقرار الإنسان على أنه اهـ. وهذا لا يرد على
المصنف، فکان على الشارح أن لا یذکر قوله الجرح المرکب فإنها زيادة ضرر. سيدي
الوالد رحمه الله تعالى.
أقول: فقوله كإقرار المدعي الخ تنظير لا تمثيل، إذاً ليس فيه شهادة على جرح
مركب بل إنها تبطل شهادتهم بهذه الشهادة، لأن في إقرار المدعي اعترافاً بأنه مبطل في
دعواه فتبطل دعواه فتبطل البينة عليها لأنها إنما تصح بعد صحة الدعوى. قال في
الهداية: إلا إذا شهدوا على إقرار المدعي بذلك، لأن الإقرار مما يدخل تحت الحكم اهـ.
وأما لو شهدوا على إقرار الشهود بأنهم شهدوا زوراً أو أنهم أجراء أو أن المدعي مبطل
فإنه جرح مجرد لا يبتنى عليه حق الله تعالى ولا حق عبد فلا تقبل. وأما إذا شهدوا أنهم
قالوا لا شهادة لنا فإنهم لو صرحوا به ثم شهدوا تقبل شهادتهم كما سيذكره المصنف.
قوله: (أو أنهم عبيد) أي إذا أقام البينة أنهم عبيد لأن الرق حق الله تعالى. قهستاني. ولا
يتوقف الطعن بالرق على دعوى سيدهما، وإثباته لا ينحصر في الشهادة بل إذا أخبر

٢٣٦
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أو محدودون في قذف) أو أنه ابن المدعي أو أبوه. عناية. أو قاذف والمقذوف يدعيه
(وأنهم زنوا ووصفوه أو سرقوا مني كذا) وبينه (أو شربوا الخمر ولم يتقادم العهد)
كما مر في بابه، أو قتلوا النفس عمداً. عيني (أو شركاء المدعي) أي والمدعى مال
القاضي برقهما أسقط شهادتهما، والأحسن أن يكون بالشهادة، وإذا سألهما القاضي فقالا
أعتقنا سيدنا وبرهن ثبت عتق السيد في غيبته فإذا حضر لا يلتفت إلى إنكاره. ط عن
خزانة الأكمل. قال الرحمتي: وأما كونهم عبيداً فلما أنه يثبت الرق وهو ضعف حكمي
أثره في سلب الولاية وهو حق الله تعالى فكان جرماً مركباً. قوله: (أو محدودون في قذف)
لأن من تمام حده رد شهادته وهو من حقوق الله تعالی کما تقدم، وإنما قبلت لأنها ليس
فيها إشاعة فاحشة لأن الإظهار حصل بالقضاء، وإنما حكوا إظهار الفاحشة عن الغير كما
في البحر عن الكافي. قوله: (أو أنه ابن المدعي) أو مملوكه أو أحد الزوجين لأنه من قبيل
الدفع بالتهمة ليس فيه إظهار فاحشة. قوله: (أو قاذف الخ) إنما قبلت لأنها توجب حق
الله تعالى وهو الحد. قهستاني. قوله: (والمقذوف يدعيه) أشار به أن ما كان فيه حق العبد
لا تقبل فيه إلا بعد دعوى صاحب الحق. قوله: (أو أنهم زنوا ووصفوه الخ) ذكر المصنف
الزنا والشرب في كل من صور الجرح المجرد وغيره وحمله ما قدمناه قريباً عند قوله «أو
زناة)) فلا تغفل. قال ط: وفيه أن هذه شهادة اثنين وهي توجب القذف عليهما ولا
توجب حقاً لله تعالى ولا للعبد إلا أن يفرض أن الشهود أربعة. قوله: (ولم يتقادم العهد)
بأن لم يزل الريح في الخمر ولم يمض شهر في الباقي قيد بعدم التقابض، إذ لو كان
متقادماً لا تقبل لعدم إثبات الحق به لأن الشهادة بحد متقادم مردودة. منح. وما ذكره
المصنف بقوله ((ولم يتقادم العهد)) وفق به الزيلعي بين جعلهم زناة شربة الخمر من المجرد
وجعلهم زنوا أو سرقوا من غيره: أي المجرد.
ونقل عن المقدسي أن الأظهر أن قولهم زناة أو فسقة أو شربة خمر أو أكلة ربا اسم
فاعل إلى آخر ما قدمناه عنه قریباً فلا تنساه. قوله: (کما مر في بابه) أي في باب حد
الشرب. قوله: (أو قتلوا النفس عمداً) فيه أن هذه شهادة لا توجب حقاً لله تعالى ولا
للعبد لعدم تعين وليّ الدم، ولاحتمال أنه قتل عمداً بحق كأن قتل المقتول وليّ القاتل،
أما إذا تعين وليّ الدم وكان القتل بغير حق والولي يدعيه فإنها تقبل: أي شهادة الجرح.
قوله: (أو شركاء المدعي والمدعى مال) يشتركون فيه، والمراد أن الشاهد مفاوض، فمهما
حصل من هذا الباطل يكون له فيه منفعة لا أن يراد أنه شريكه في المدعى به، وإلا كان
إقراراً بأن المدعى به لهما. فتح ومثله في القهستاني. وما في البحر من حمله على الشركة
عقداً يشمل بعمومه العنان ولا يلزم منه نفع الشاهد فكأنه سبق قلم، وعلى ما قلنا فقول
الشارح ((والمدعى مال)) أي مال تصح فيه الشركة ليخرج نحو العقار وطعام أهله وكسوتهم

٢٣٧
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(أو أنه استأجرهم بكذا لها) للشهادة (وأعطاهم ذلك مما كان لي عنده) من المال،
ولو لم يقله لم تقبل لدعواه الاستئجار لغيره ولا ولاية له عليه (أو أني صالحتهم على
كذا ودفعته إليهم) أي رشوة، وإلا فلا صلح بالمعنى الشرعي، ولو قال ولم أدفعه لم
تقبل (على أن لا يشهدوا عليّ زوراً) و (قد شهدوا زوراً وأنا أطلب ما أعطيتهم)
وإنما قبلت في هذه الصور لأنها حق الله تعالى أو العبد فمست الحاجة لإحيائها.
(شهد عدل فلم يبرح) عن مجلس القاضي ولم يطل المجلس ولم يكذبه المشهود
له (حتى قال أوهمت)
مما لا تصح فيه. قوله: (وأعطاهم ذلك مما كان لي عنده) أي ليصلح أن يكون مدعياً لماله،
والظاهر أن يقول وأنا أطلب منهم ذلك لتصح دعواه كما سيأتي في المسألة التي بعدها.
قوله: (لدعواه البخ) علل الزيلعي عدم القبول إذا ادعى أنه أعطاهم من ماله بقوله لأن
دعواه صحيحة، لما فيه من وجوب ردّ المال على المشهود عليه وهو مما يدخل تحت الحكم،
ولو لم يقله لا تقبل الشهادة لأن الدعوى غير صحيحة، فكان جرحاً مجرداً لأنه لم يدّع قبله
حقاً یمکن القضاء به، ودعوى الاستئجار وإن كانت صحيحة لكنه يدعيها لغيره، وليس
له ولاية إلزام غيره لغيره ا هـ ط. قوله: (أو أني صالحتهم على كذا) أي شهدوا على قول
المدعي أني صالحتهم الخ.
قال في البحر: وكذا إذا ادعى أجنبي أنه دفع لهم كذا لئلا يشهدوا على فلان بهذه
الشهادة وطلب رده وثبت إما ببينة أو إقرار أو نكول فإنه يثبت به فسق الشاهد فلا تقبل
شهادته وقيد بدفع المال، ومفهومه لو ادعى المدعي أنه استأجرهم لئلا يشهدوا عليه ولم
يدّع دفع المال فأقروا لم تسقط العدالة، وبه صرح الشارحون. قوله: (ودفعته إليهم أي
رشوة) أي لدفع ظلمهم وأقام على ذلك بينة فشهدت على مقالته. قوله: (وإلا فلا صلح
بالمعنى الشرعي) كما في الحواشي السعدية، ولو قال أو شهدوا بأنه صالحهم على كذا الخ
لكان أولى. قوله: (شهد عدل) أي ثابت العدالة عند القاضي أو سأل عنه فعدل، وهو
احتراز عن المستور لا عن الفاسق فإنه لا شهادة له. بحر. قوله: (فلم يبرح) أي لم يفارق
مكانه، وليس المراد كونه على الفور بل ما لم يبرح عن مكانه، أشار إليه بقوله يعني بعدما
شهد تذكر، لأنه لو قام لم يقبل منه ذلك لجواز أنه غرّه الخصم بالدنيا. قوله: (ولم يطل
المجلس) هكذا جعل في المحيط إطالة المجلس كالقيام عنه، وهو رواية هشام عن محمد.
بحر. قوله: (ولم يكذبه المشهود له) قيد به تبعاً للمحيط، لأنه إذا كذبه لا تقبل شهادته.
قوله: (حتى قال أوهمت) أو شككت أو غلطت أو نسيت: أي أخطأت لنسيان عراني
بزيادة باطلة، بأن كان شهد بألف فقال إنما هي خمسمائة أو بنقص بأن شهد بخمسمائة
فقال أوهمت إنما هي ألف جازت شهادته، وأذا جازت فبماذا يقضي؟ قيل: بجميع ما

٢٣٨
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أخطأت (بعض شهادتي ولا مناقضة قبلت) شهادته بجمیع ما شهد به لو عدلاً ولو
بعد القضاء،
شهد به، لأن ما شهد به صار حقاً للمدعي على المدعى عليه فلا يبطل حقه بقوله
أوهمت، ولا بد من دعوى المدعي الزيادة بأن يدعي المدعي ألفاً وخمسمائة فيشهد بألف ثم
يقول أوهمت إنما هو ألف وخمسمائة لا ترد شهادته بألف وخمسمائة. وعبارة العناية تفيد
أنه لا يقضي بالزيادة، وقيل بما بقي فقط، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي.
وروى الحسن عن أبي حنيفة إذا شهد شاهدان لرجل بشهادته ثم زاد فيها قبل
القضاء أو بعده وقالا أوهنا وهما غير متهمين قبل منهما، وظاهر هذا أنه يقضى بالكل.
کذا في الفتح، وبه يعلم أنه لا فرق بين کونه قبل القضاء أو بعده، وبه صرح.
قال: وذكر في النهاية أن الشاهد إذا قال أوهمت في الزيادة أو في النقصان يقبل قوله
إذا كان عدلًا، ولا يتفاوت بين أن يكون قبل القضاء أو بعده. رواه الحسن عن أبي حنيفة
وبشر عن أبي يوسف اهـ. وظاهر الخانية أن عليه الفتوى. قوله: (أخطأت) قال في
البحر: معنى قوله أوهمت أخطأت بنسيان ما كان يحق عليّ ذكره أو بزيادة كانت باطلة،
ولو قال تعمدت ولم أغلط ثم بدا لي فرجعت كان ذلك رجوعاً عن شهادة.
قال السائحاني: فيعاقبه القاضي ولا يقبل منه الثاني ولا غيره حتى يحدث توبة.
قوله: (بعض) منصوب على نزع الخافض: أي في بعض شهادتي. يعقوبية. وفي قوله
بعض يفيد أنه لو قال أوهمت الحق إنما هو لفلان آخر لا لهذا لم يقبل. بحر. قوله: (ولا
مناقضة) كما إذا قال هو لفلان ثم قال لفلان آخر. قوله: (قبلت شهادته) لأنه قد يبتلي
بالغلط لمهابة مجلس القاضي فوضح العذر فيقبل إذا تداركه في أوانه ط. قوله: (بجميع ما
شهد به) لأنه صار حقاً للمشهود له فلا يبطل بقوله أوهمت، واختاره في الهداية. وقيل
يقضي بما بقي إن تداركه بنقصان، وإن بزيادة يقضي بها إن ادعاها المدعي، لأن ما يحدث
بعدها قبل القضاء يجعل كحدوثه عندها وإليه مال السرخسي، واقتصر عليه قاضيخان
وعزاه إلى الجامع الصغير، ومثله في البحر.
قال: وعليه فمعنى القبول العمل بقوله الثاني، ومشى على هذا في الملتقى، ومن هنا
يعلم أن الشارح كان الأولى له أن يحرر هكذا لا أن يستدرك بقول على قول، وأيضاً الذي
في الخانية: والفتوى على ما في المجرد وهو بعينه ما في الملتقى بزيادة أو بعد ما قضى فقد
أساء التحرير أيضاً، وأيضاً في الخانية: لم يقيد هذا بما إذا لم يبرح بل أطلقه، ونقل قبل ما
في المجرد عن الجامع الصغير وصدّر به أنه إذا شهد ولم يبرح حتى قال أوهمت بعض
شهادتي إن کان عدلا جازت شهادته فیما بقي، وإن برح لا تقبل شهادته، وکذا لو نسي
بعض الحدود أو بعض النسبة ثم تدارك في مجلسه جازت شهادته إذا كان عدلاً. قوله:
(لو عدلاً) تكرار مع المتن. قوله: (ولو بعد القضاء) ولا يضمن إذا رجع بعده جزماً.

٢٣٩
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وعليه الفتوى. خانية وبحر.
قلت: لكن عبارة الملتقى تقتضي قبول قوله أوهمت وأنه يقضي بما بقي،
وهو مختار السرخسي وغيره، وظاهر كلام الأکمل وسعدي ترجيحه، فتنبه وتبصر
(وإن) قاله الشاهد (بعد قيامه عن المجلس لا) تقبل على الظاهر احتياطاً، وكذا لو
معراج. قوله: (وعليه الفتوى) أي على القبول بعد القضاء. قوله: (لكن عبارة الملتقى) لا
معنى للاستدراك بعبارته، والخلاف صريح بين أهل المذهب كما علمت. قوله: (قبول
قوله أوهمت) لأن ما حدث بعدها قبل القضاء يجعل كحدوثه عندها كما قدمناه قريباً.
قوله: (بما بقي) أي أو بما زاد كما صرح به غيره كما علمت مما سبق قريباً. قوله:
(وظاهر كلام الأكمل وسعدى ترجيحه) واقتصر عليه قاضيخان، والتعاليل المتقدمة تظهر
عليه. قوله: (فتنبه وتبصر) في كلام الشارح عفي عنه في هذا المقام نظر من وجوه:
الأول: أن قوله ((ولو بعد القضاء)) ليس في محله، لأن الضمير في قول المصنف
((قبلت)) راجع إلى الشهادة كما نص عليه في المنح وهو مقتضى صنيعه هنا، وحينئذ فلا
معنى لقبولها بعد القضاء، بل الصواب ذكره بعد عبارة الملتقى.
الثاني: أنه لا محل للاستدراك هنا لأن في المسألة قولين، ولا يقبل الاستدراك بقول
على آخر إلا أن يعتبر الاستدراك بالنظر إلى ترجيح الثاني.
الثالث: أن قوله وكذا لو وقع الغلط في بعض الحدود أو النسب يقتضي أنه مفرّع
على القول المذكور في المتن وليس كذلك.
الرابع: أنه يقتضي أنه لا يقبل قوله بذلك وليس كذلك. وعبارة الزيلعي تدل على
ما قلنا من أوجه النظر المذكورة حيث قال: ثم قيل يقضي بجميع ما شهد به أولاً، حتى
لو شهد بألف ثم قال غلطت في خمسمائة يقضي بالألف، لأن المشهود به أولاً صار حقاً
للمدعي ووجب على القاضي القضاء به فلا يبطل برجوعه، وقيل يقضي بما بقي لأن ما
حدث بعد الشهادة قبل القضاء كحدوثه عند الشهادة؛ ثم قال: وذكر في النهاية أن
الشاهد إذا قال أوهمت في الزيادة أو في النقصان يقبل قوله إذا كان عدلًاً، ولا يتفاوت بين
أن يكون قبل القضاء أو بعده. رواه عن أبي حنيفة. وعلى هذا: أي على اعتبار المجلس في
دعوى التوهم لو وقع الغلط في ذكر بعض حدود العقار، كما لو ذكر الشرقي مكان
الغربي أو بالعكس، أو في بعض النسب كما لو ذكر محمد بن أحمد بن عمر بدل محمد بن
علي بن عمر ثم تذكر تقبل لأنه قد يبتلي به في مجلس القضاء، فذكره ذلك للقاضي دليل
على صدقه واحتياطه في الأمور: أي إن تداركه قبل البراح عن المجلس قبلت، وإلا فلا
كما في العناية. تأمل اهـ. قوله: (لا تقبل) لجواز أنه غزّه الخصم بالدنيا، وقيد في الهداية
والزيلعي شرط عدم البراح بما إذا كان موضع شبهة كالزيادة والنقصان في قدر المال،

٢٤٠
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وقع الغلط في بعض الحدود أو النسب. هداية (بينه أنه) أي المجروح (مات من
الجرح أولى من بيئة الموت بعد البرء).
ولو (أقام أولياء مقتول بينة على أن زيداً جرحه وقتله وأقام زيد بينة على أن
المقتول قال إن زيداً لم يجرحني ولم يقتلني فبينة زيد أولى من بينة أولياء المقتول) مجمع
الفتاوى (وبينة الغبن) من يتيم بلغ (أولى من بينة كون القيمة) أي قيمة
وإلا فلا بأس بإعادة الكلام وإن برح عن المجلس مثل أن يترك لفظ أشهد أو اسم المدعي
أو المدعى عليه أو الإشارة إلى أحد الخصمين وما يجري مجراه. شرنبلالية. لأن تعيين
المحتمل وتقييد المطلق يصح من الشاهد ولو بعد الافتراق كما في البزازية والخانية، وإنما
يتصور ذلك قبل القضاء لأن لفظ الشهادة وبيان اسم المدعي والمدعى عليه والإشارة إليهما
شرط القضاء ١ هـ. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يقبل في غير المجلس أيضاً إذا كان
عدلاً، والظاهر ما ذكرناه ا هـ.
(أقول) التقييد بالزيادة والنقصان في قدر المال يشترط فيه المجلس وعدم البراح،
بخلاف ما ذكر بعده. قوله: (في بعض الحدود أو النسب) فإن كان الشاهد عدلاً ولم يبرح
عن مجلس القاضي ولم يطل المجلس ولم يكذبه المشهود له ولم تكن مناقضة قبلت، وإلا
لا. والمراد بالحدود حدود الدار مثلاً كما قدمناه، لأنه قد يبتلي بالغلط في مجلس القاضي.
وفي البزازية: ولو غلطوا في حدّ أو حدين ثم تداركوا في المجلس أو غيره يقبل
عند إمكان التوفيق بأن يقولوا كان اسمه فلاناً ثم صار اسمه فلاناً أو باع فلاناً واشتراه
المذکور ط .
(أقول) وكذا إذا وفق بأن قال له اسمان كما في دعوى التنقيح.
والحاصل: أن الظاهر الأول: أي التقييد بالمجلس وعدم البراح عنه هو ظاهر
الرواية، فعلم أن ما في البزازية ليس على إطلاقه إن لم يحمل على خلاف ظاهر الرواية كما
أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (أولى من بينة الموت بعد البرء) يعني تقدم عليها
وكأنه لأن فيها إسناداً إلى السبب الظاهر، وهذا موافق لما في القنية من باب البينتين
المتضادتين، وتبعه في البحر في باب الاختلاف في الشهادة، لكن في آخر كتاب الدعوى
من الخلاصة أقاما البينة هذا على الصحة وهذا على الموت بالضرب، فبينة الصحة أولى، وكذا
في البزازية ومشتمل الأحكام، وبه أفتى المولى أبو السعود كما في تعارض البينات للشيخ
غانم، وكان الأولى ذكر هذه ونحوها في باب ما يدعيه الرجلان أواخر باب الاختلاف في
الشهادة تذييلً كما لا يخفى ولكن ذكرها هنا الأدنى ملابسة. قوله: (لم يجرحني ولم يقتلني)
لا يقال بينة زيد على النفي لأنها أقيمت على القول. قوله: (وبينة الغبن) على مشتر من وصيّ
يتيم. قوله: (من يتيم بلغ) متعلق بينة. قوله: (أولى من بينة كون القيمة الخ) وهي بينة