النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
الإدمان لأن شربه صغيرة، وإنما قال (على اللهو) ليخرج الشرب للتداوي فلا
يسقط العدالة لشبهة الاختلاف.
الإدمان هل هو في الفعل أو النية على قولين محكيين فيه؟ وفي الإصرار، قال ابن كمال:
إن الإدمان بالعزم أمر خفيّ لا يصلح أن يكون مداراً لعدم قبول الشهادة، ومحصله أن ابن
الكمال يميل إلى ترجيح اشتراط الإدمان بالفعل لا بالنية، فراجعه. قوله: (على اللهو) أي
لأجل اللهو: أي وهو معروف، وأصله ترويح النفس بما لا تقتضيه الحكمة. بحر عن
المصباح، والمراد به أن لا يكون للتداوي فيدخل في اللهو الشرب للاعتياد.
قال في البحر: فأطلق اللهو على المشروب، وظاهره أنه لا بد من الإدمان في حق
الخمر أيضاً.
قال في المنح: هو خلاف الظاهر من العبارة، لأن الظاهر منها أن معنى مدمن
الشرب: أي مداوم شرب الخمر على اللهو. وقال الزيلعي: أي مداوم شرب الخمر
لأجل اللهو لأن شربها كبيرة. وقال منلا خسرو: ومدمن الشرب: أي شرب الأشربة
المحرمة، فإن إدمان شرب غيرها لا يسقط الشهادة ما لم يكن على اللهو اهـ. فأفاد كلامه
أن الشرب على اللهو إنما هو شرط في غير الأشربة المحرمة، أما فيها فلا يشترط، وهذا
يوافق كلام صاحب البحر. والظاهر أن هذا هو الذي أحوجه إلى ذكره من حمل اللهو في
كلام الكنز على المشروب، وهو مخالف لكلام الزيلعي، فإنه جعله شرطاً في الخمر أيضاً،
وربما يناسبه كلام الشارح هنا، والظاهر خلافه لأن شرب الخمر كبيرة تردّ الشهادة بها
سواء شربت على اللهو أم لا، وظاهر كلامهم أنه لا بد من الإدمان في حق الخمر أيضاً.
وأما إدمان شرب غير المحرم لا يسقط الشهادة ما لم يكن على اللهو، فجعل اللهو قيداً
للشرب وحمله على شرب غير المحرمة هو الذي يظهر كما يظهر لي من كلامهم، والله تعالى
الموفق. قوله: (لشبهة الاختلاف) قال في البحر: في قوله على اللهو إشارة إلى أنه لو
شربها للتداوي لم تسقط عدالته لأن للاجتهاد فيه مساغاً اهـ. قال ط: والأصح الحرمة.
نعم لو شرب لغصة شيء في حلقه ونحوه مما ينفسه لا محالة كان مباحاً. قهستاني.
وفي العتابية: لا تسقط عدالة أصحاب المروءات بالشرب ما لم يشتهر. وفي
الظهيرية: من سكر من النبيذ بطلت عدالته في قول الخصاف لأن السكر حرام عند الكل.
وقال محمد: لا تبطل عدالته إلا إذا اعتاد ذلك اهـ. قال في البحر: وهو عجيب من محمد
لأنه قال بحرمة قليله ولم يسقطها بكثيره، وظاهره أنه يقول بأن السكر منه صغيرة فشرط
الاعتياد اهـ. قال سيدي الوالد: قوله وهو عجيب من محمد الخ فيه نظر ظاهر يعلم مما
قدمه عن الصدر الشهيد من أن الإدمان على شرب الخمر شرط لسقوط العدالة عند محمد
مع أنه ممن يقول بأن مجرد شرب الخمر ولو بدون إدمان وإسكار، ولهذا قال المقدسي:

٢٠٢
كتاب الشهادات / باب القبول وعدعه
صدر الشريعة وابن كمال (ومن يلعب بالصبيان) لعدمٍ مروءته وكذبه غالباً. كافي
(والطيور) إلا إذا أمسكها للاستئناس فيباح إلا أن يجرّ حمام غيره فلا لأكله للحرام.
عيني وعناية (والطنبور) وكل لهو شنيع بين الناس كالطنابير والمزامير، وإن لم يكن
شنيعاً
وإنما فعل ذلك محمد: يعني حيث اشترط الاعتياد على السكر من النبيذ للاحتياط فمنع
القليل: يعني من المسكر، ولم يسقط العدالة إلا إذا اعتاد ولم يكتف بالكثرة اهـ.
فإن قلت: لم اشترط الإدمان في الشرب دون غيره مما يوجب الحد؟ قلت: ذكر
البرجندي أن الوقوع في الشرب أكثر من الوقوع في غيره، فلو جعل مجرد الشرب مسقطاً
للعدالة أدى إلى الحرج اهـ. قال في البحر: ولشارب الخمر أن يشهد إذا لم يطلع عليه، لما
في الملتقط: وإذا كان في الظاهر عدلًا وفي السرّ فاسقاً فأراد القاضي أن يقضي بشهادته لا
يحل له أن يذكر فسقه لأنه هتك الستر وإبطال حق المدعي اهـ. ولا فرق في السكر المسقط
لها بين المسلم والذمي لما قدمناه أنه إذا سكر الذمي لا تقبل شهادته. قوله: (وممن يلعب
بالصبيان) في الهندية: حكي عن أبي الحسن أن شيخاً لو صارع الأحداث في المجامع لم
تقبل شهادته اهـ. قال ط: والمراد الأحداث المشتهون لا الأطفال الصغار لتسليتهم عن
البكاء أو لحبهم، ويدل عليه التعليل بعدم المروءة. ويحتمل أن المراد بهم ما يعم ما ذكر
ويحمل على الكثرة وحرره اهـ.
أقول: قد ثبت عنه و ﴿ ملاعبته للحسن ولأمامة، ولو كان فيها أدنى ما يخلّ لما
فعله، وبه یتعین أن المراد الأحداث المشتهون. تأمل. قوله: (والطیور) أي من يلعب بها
جمع طير وهو جمع طائر. واللعب بالکسر: فعل قصد به مقصد صحیح. قاله الراغب
قهستاني. وإنما ردت شهادته لأنه يورث غفلة، وهو محمول على ما إذا كان يقف على
عورات النساء لصعوده سطحه ليطير طيره اهـ. بحر. قوله: (للاستئناس) أو لحمل الكتب
كما في بلاد مصر والشام: أي سابقاً، وفي بلاد فارس الآن. قوله: (إلا أن يجرّ حمام
غيره) أي المملوك فتفرخ في وكرها فيأكل ويبيع، بحر. وإن لم يصعد السطوح. قال في
الهندية: ولا شهادة من يلعب بالحمام يطيرهن، فأما إذا كان يمسك الحمام يستأنس بها
ولا يطيرها عادة فهو عدل مقبول الشهادة، كذا في المبسوط، وهكذا في الكافي وفتاوى
قاضيخان، إلا إذا كانت تجرّ حمامات أخر مملوكة لغيره فتفرخ في وكرها فيأكل ويبيع منه
اهـ. قوله: (لأكله للحرام) قال في الهندية: لا تقبل شهادة آكل الربا المشهور بذلك المقيم
عليه. كذا في المبسوط. ولا تقبل شهادة من اشتغل بأكل الحرام. جوهرة ط. قوله:
(والطنبور) بالضم. قهستاني. وفسره في الهداية بالمغني. قوله: (وكل لهو شنيع) من
عطف العام على الخاص. قال في البحر: وأراد المؤلف بالطنبور: كل لهو كان شنيعاً بين

٢٠٣
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
. نحو الحداء
الناس احترازاً عما لم يكن شنيعاً كضرب القضيب كما ذكره الشرح عن البحر.
قال في المحيط: الرجل يلعب بشيء من الملاهي وذلك لم يشغله عن الصلاة ولا
عما يلزمه من الفرائض: ينظر إن كانت مستشنعة بين الناس كالمزامير والطنابير لم تجز
شهادته، وإن لم يكن شنيعاً لا يمنع قبولها إلا أن يتفاحش بأن یرقصوا به فيدخل في حدّ
المعاصي والكبائر فتسقط به العدالة اهـ. وقد ذكر الشيخ هنا حديثاً مرفوعاً ((مَا أَنَا مِنْ دَدٍ
وَلَا الدَّدُ مِنِّي)) والدد: اللعب واللهو: أي ما أنا من شيء من اللهو.
وفي الولوالجية: إن لعب بالصولجان يريد به الفروسية جازت شهادته لأنه غير
محظور. بحر ملخصاً. قال في الخانية: وإن لعب بشيء من الملاهي ولم يشغله ذلك عن
الفرائض لا تبطل عدالته، وملاعبته الأهل والفرس لا تبطل العدالة ما لم يشغله عن
الفرائض؛ فإن لم يشغله لكنه شنيع بين الناس كالمزامير والطنابير فكذلك، وإن لم يكن
شنيعاً كالحداء وضرب القضيب فلا، إلا إذا فحش بأن يرقصوا عند ذلك اهـ. قوله:
(نحو الحداء) أي للإبل. قال الشاعر الماهر: [الكامل]
أَوَ مَا تَرَى الإِبِلَ الَّتِي هِيَ وَيْكَ أَغْلَظَ مِنْكَ طَبْعا
تَصْغَى إِلَى صَوْتِ الحُدَاةٍ وَتَقْطَعُ البَيْدَاءَ قَطْعا
ولم يذكر الشعر.
وفي الهندية: الشاعر إذا كان يهجو لا تقبل شهادته، وإن كان يمدح وكان أغلب
مدحه الصدق قبلت والذي يعلم شعر العرب، إن كان تعلم لأجل العربية لا تبطل عدالته
وإن کان فيه فحش اهـ.
قال سيدي الوالد بعد كلام: إن المكروه منه ما داوم عليه وجعله صناعة له حتى
غلب عليه وأشغله عن ذكر الله تعالى وعن العلوم الشرعية، وبه فسر الحديث المتفق عليه،
وهو قوله ول﴾: ((لأَنْ يَمْتَلىءَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحاً خَيرٍ مِنْ أَنْ يَمْتَلىَ شِعْراً)) (١) فاليسير من
ذلك لا بأس به إذا قصد به إظهار النكات واللطافات والتشابيه اللطيفة والمعاني الرائقة وإن
كان في وصف الخدود والقدود، فإن علماء البديع قد استشهدوا من ذلك بأشعار المولدين
وغيرهم لهذا القصد.
وقد ذكر المحقق ابن الهمام في فتح القدير: ومن المباح أن يكون فيه صفة امرأة
مرسلة، بخلاف ما إذا كانت بعيتها حية. وعمم بعضهم المنع إلا أنا عرفنا من هذا أن التغني
المحرم هو ما كان في اللفظ بما لا يحل كصفة الذكور والمرأة المعينة الحية ووصف الخمر المهيج
(١) أخرجه البخاري ٥٤٨/١٠ (٦١٥٥) ومسلم ١٧٦٩/٤ (٧ - ٢٢٥٧).

٢٠٤
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
إليها والحانات والهجاء لمسلم أو ذمي إذا أراد المتكلم هجاءه، لا إذا أراد إنشاء الشعر
للاستشهاد به أو لتعلم فصاحته وبلاغته، ويدل على أن وصف المرأة كذلك غير مانع ما
. سلف في كتاب الحج من إنشاد أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو محرم: [الرجز]
قَامَتْ تُرِيكَ رَهْبَةً أَنْ تهضمًا سَاقاً بِخَتْدَاةٍ (١) وَكَعْباً أَدْرَمَا
وإنشاد ابن عباس شعراً:
* إن تصدق الطير ننك ليسا *
لأن المرأة فيهما ليست معينة، فلولا أن إنشاد ما فيه وصف امرأة كذلك جائز لم
تقله الصحابة رضي الله عنهم.
· ومما يقطع به في هذا قول كعب بن زهير بحضرة النبي وَلاقى: [البسيط]
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ البَيْنْ إِذْ رَحَلُوا إِلَّ أَغَنِ غَضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمِ إِذَا ابْتَسَمَتْ كَأَنه مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ .
وكثير في شعر حسان من هذا كقوله وقد سمعه النبي ﴿ ولم ينكره في قصيدته التي
أولها: [الكامل]
تَبَلَتْ فُؤَادَكَ في المَنَامِ خَرِيدَةٌ تَسْقِي الضَّجِيعَ بِبَارِهِ بَسَّامِ
فأما الزهريات المجردة عن غير ذلك المتضمنة وصف الرياحين والأزهار والمياه
المطردة كقول ابن المعتز: [الطويل]
سَقَاها بِغَابَاتٍ خَليجْ كَأَنْه إِذَا صَافَحَتَهُ رَاحَةُ الرِّيحِ مِبْدُ
يعني سقي تلك الرياض، وقوله: [الكامل]
وَتَرَى الرِّيَاحَ إِذَا سَبحْنَ غَدِيرَهُ صَقِيلَةٌ تَثْفِينَ كُلَّ قَذَاةِ
مَا إِنْ يَزَالُ عَلَيْهِ ظَبْيٌّ كَارِعاً كَتَطَلُّعِ الحَسْنَاءِ فِي المِرآةِ
فلا وجه لمنعه على هذا. نعم إذا قيل ذلك على الملاهي امتنع وإن كان مواعظ
وحكماً للآلات نفسها لا لذلك التغني، والله أعلم.
وفي الذخيرة عن النوازل: قراءة شعر الأدب إذا كان فيه ذكر الفسق والخمر والغلام
يكره، والاعتماد في الغلام على ما ذكرنا في المرأة: أي من أنها كانت معينة حية يكره،
وإن كانت ميتة فلا اهـ. وتقدم الكلام على ذلك في صدر الكتاب قبل رسم المفتي، وكذا
يأتي في الحظر والإباحة.
(١) في ط. قوله: (بخنداة) البخنداة كعلنداة: المرأة التامة القصب كالبخندي وقوله أدرماً ما درم الساق كفرح:
استوی، والکعب أو العظم واراء اللحم حتى لم یین له حجم.

٢٠٥
کتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وضرب القصب فلا،
ونقل قبيل الوتر والنوافل عن الضياء المعنوي: العشرون من آفات اللسان الشعر.
سئل عنه *؟ فقال: ((كَلَامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقِيحُهُ قَبِيح))(١) ومعناه أن الشعر كالنثر يحمد
حين يحمد ويذمّ حين يذم، ولا بأس باستماع نشيد الأعراب وهو إنشاد الشعر من غير
لحن، ويحرم هجو مسلم ولو بما فيه، فما كان منه في الوعظ والحكم وذكر نعم الله تعالى
وصفة المتقين فهو حسن، وما كان من ذكر الأطلال والأزمان والأمم فمباح، وما كان
من هجو وسخف فحرام، وما كان من وصف الخدود والقدود والشعور فمكروه. كذا
فصله أبو الليث السمرقندي. ومن كثر إنشاده وإنشاؤه حين تنزل به مهماته ويجعله مكسبة
له تنقص مروءته وتردّ شهادته اهـ.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى في الحظر والإباحة: وأما وصف الخدود
والأصداغ وحسن القدّ والقامة وسائر أوصاف النساء والمرد، قال بعضهم: فيه نظر.
وقال في المعارف: لا يليق بأهل الديانات، وينبغي أن لا يجوز إنشاده عند من غلب عليه
الهوى والشهوة لأنه يهيجه على إجالة فكره فيمن لا يحل، وما كان سبباً لمحظور فهو
محظور اهـ. لكن قدمنا أن إنشاده للاستشهاد لا يضر، ومثله فيما يظهر إنشاده أو عمله
التشبيهات بليغة واستعارات بديعة. قوله: (وضرب القصب) الذي في البحر وغيره
((القضيب)) والظاهر أن المراد بهما واحد وهو الزمر في الغاب لأنه هو الذي يرقصون
حوله، ويدل له ما في البحر عن المعراج حيث قال: الملاهي نوعان: محرم وهو الآلات
المطربة من غير غناء كالمزمار سواء كان من عود أو قصب كالشبابة أو غيره كالعود
والطنبور، لما روى أبو أمامة أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي رَحْمةً
لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَني بِمَحْقِ المَعَازِفِ وَالمَزَامِيرِ))(٢) ولأنه مطرب مصدّ عن ذكر الله.
والنوع الثاني مباح، وهو الدفّ في النكاح، وفي معناه ما كان من حادث سرور، ويكره
في غيره لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه لما سمع صوت الدفّ(٣) بعث فنظر:
فإن كان في وليمة سكت، وإن كان في غيره عمده بالدرة، وهو مكروه للرجال على
كل حال للتشبه بالنساء اهـ. ونقله في فتح القدير ولم يتعقبه. قال في السراجية: هذا إذا
لم يكن للدفّ جلاجل ولم يضرب على هيئة التطرب اهـ. قال سيدي الوالد رحمه الله
تعالى: وينبغي أن يكون طبل المسحر في رمضان لإيقاظ النائمين للسحور كبوق الحمام
يجوز. تأمل. والشبابة، سميت به لما فيها من الشباب بالكسر: وهو النشاط ورفع
(١) أخرجه الشافعي في المسند (٣٦٦).
(٢) انظر ابن عدي في الكامل ١٣٩/٦.
(٣) في ط. قوله: (لما سمع صوت الدف الخ) لعل الظاهر: كان إذا سمع.

٢٠٦
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
إلا إذا فحش بأن يرقصوا به. خانية. لدخوله في حدّ الكبائر. بحر (ومن يغني
للناس) لأنه يجمعهم على كبيرة. هداية وغيرها.
اليدين. قوله: (إلا إذا فحش بأن يرقصوا به خانية) وعبارتها: وإن لعب بشيء من
الملاهي ولم يشغله عن الفرائض لا تبطل عدالته، وملاعبته الأهل والفرس لا تبطل
العدالة ما لم يشغله ذلك عن الفرائض، فإن لم يشغله لكنه شنيع بين الناس كالمزامير
والطنابير فكذلك، وإن لم يكن شنيعاً كالحداء وضرب القضيب فلا، إلا إذا فحش بأن
يرقصوا عند ذلك. مقدسي. قوله: (ومن يغني للناس) ردّ الشهادة لإعلان الفسق لا
للفسق. قهستاني. وفي ضياء الحلوم: الغناء على وزن فعال: صوت المغني. والغنى:
كثرة المال، فالأول ممدود والثاني مقصور اهـ ط. قوله: (لأنه يجمعهم على كبيرة) قال في
البحر: وظاهره أن الغناء كبيرة وإن لم يكن للناس بل لإسماع نفسه دفعاً للوحشة، وهو
قول شيخ الإسلام خواهر زاده، فإنه قال بعموم المنع، والإمام السرخسي إنما منع ما
كان على سبيل اللهو. ومنهم من جوّزه للناس في عرس أو وليمة. ومنهم من جوّزه
لإسماع نفسه دفعاً للوحشة. ومنهم من جوّزه ليستفيد به نظم القوافي وفصاحة اللسان
اهـ. وتمامه فيه وقدمنا بعضه.
أقول: ويمكن حمل كونه كبيرة على ما قاله السرخسي، بأن يكون كبيرة بسبب
الاجتماع عليه، ويؤيده كلام النسفي في الكافي، وهو المتبادر من لفظ يغني للناس وعلى
ذلك حمله في العناية، ويؤيده ما يأتي عن ابن الكمال والعيني، من أنه لو كان لنفسه ليزيل
الوحشة عنها لا تسقط عدالته في الصحيح، فهذا التصحيح موافق لهذا المتن كغيره من
المتون فكان عليه المعوّل فلا تغفل.
قال العيني في شرحه على البخاري: أما الغناء فلا خلاف في تحريمه لأنه من اللهو
واللعب المذموم بالاتفاق، أما ما يسلم من المحرمات فيجوز القليل منه في الأعراس
والأعياد وشبههما.
وسئل أبو يوسف عن الدفّ أتكرهه في غير العرس لمثل المرأة في منزلها والصبي؟
قال: لا أكرهه. وأما الذي يجيء منه اللعب الفاحش والغناء فإني أكرهه، إلى أن قال: أي
العيني: وقال الملهب: الذي أنكره أبو بكر رضي الله عنه كثرة التنغيم وإخراج الإنشاد
عن وجهه إلى معنى التطريب بالألحان؛ ألا ترى أنه لم ينكر الإنشاد وإنما أنكر مشابهته
الزمر بما كان في الغناء الذي فيه اختلاف النغمات وطلب الإطراب فهو الذي يخشى منه،
وقطع الذريعة فيه أحسن، وما كان دون ذلك من الإنشاد ورفع الصوت حتى لا يخفى
معنى البيت وما أراده الشاعر بشعره فغير منهيّ عنه. وقد روي عن عمر رضي الله تعالى
عنه أنه رخص في غناء الأعراب وهو صوت كالحداء يسمى النصب إلا أنه رقيق اهـ

٢٠٧
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وكلام سعدي أفندي يفيد تقييده بالأجرة، فتأمل.
وأما المغني لنفسه لدفع وحشته فلا بأس به عند العامة. عناية، وصححه
العيني وغيره.
قال: ولو فيه وعظ وحكمة فجائز اتفاقاً. ومنهم من أجازه في العرس كما
جاز ضرب الدفّ فيه، ومنهم من أباحه مطلقاً. ومنهم من كرهه مطلقاً اهـ. وفي
البحر: والمذهب حرمته مطلقاً، فانقطع الاختلاف بل ظاهر الهداية أنه كبيرة ولو
ملخصاً. قوله: (وكلام سعدي أفندي يفيد تقييده بالأجرة) وقیده القهستاني بأن يكون من
الشعر مع التصفيق بالكفّ كما قيده في البناية باللهو، وعبارة الزيادات تفيد التقييد
بالشهرة، بأن يكون للناس، فافهم وتأمل. قوله: (فتأمل) والوجه أن اسم مغنية ومغنّ
إنما هو في العرف لمن كان الغناء حرفته التي يكتسب بها المال وهو حرام، ونصوا على أن
المغني للهو أو لجمع المال حرام بلا خلاف، وحينئذ فكأنه قال: لا تقبل شهادة من اتخذ
التغني صناعة يأكل بها. وتمامه في الفتح وسيأتي قريباً. قوله: (وأما المغني لنفسه لدفع
وحشته) من غير أن يسمع غيره فلا بأس به ولا تسقط عدالته في الصحيح، كذا في
التبيين. وهو خلاف قول شيخ الإسلام كما علمت مما تقدم. وسئل ابن شجاع عن الذي
يترنم في نفسه؟ قال: لا يقدح في عدالته. وفي البحر عن الفتح: التغني المحرم هو ما
كان في اللفظ ما لا يحل كصفة الذكر والمرأة المعينة الحية ووصف الخمر المهيج إليها؛ إلى
أن قال: وأما القراءة بالألحان فأباحها قوم وحظرها قوم، والمختار إن كانت الألحان لا
تخرج الحروف عن نظمها وقدوراتها فمباح وإلا فغير مباح، كذا ذكر، وقدمنا في باب
الأذان ما يفيد أن التلحين لا يكون إلا مع تغيير مقتضيات الحروف فلا معنى لهذا
التفصيل اهـ. قوله: (في العرس) والوليمة والأعياد. ومنهم من جوّزه ليستفيد نظم
القوافي إلى آخر ما قدمنا قريباً. قوله: (والمذهب حرمته مطلقاً) هكذا حرر صاحب البحر
مستدلاً لما في الزيادات: إذا أوصى بما هو معصية عندنا وعند أهل الكتاب، وذكر منها
الوصية للمغنين والمغنيات.
أقول، هذا على إطلاقه لأن كلامنا في أنه متى يكون معصية على أن من أباحه مطلقاً
عمدة في المذهب وله دراية في كلام الزيادات، على أن تصحيح العيني وإطباق المتون هو
المذهب كما لا يخفى.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: إن أراد أنه حرام مطلقاً فهو مخالف لما حمله عليه
في البناية والعناية، فإنهما استدلا بعبارة الزيادات على أنه معصية لقصد اللهو فلم يجرياه
على عمومه، فهو موافق لما قاله الإمام السرخسي: فكان محتملاً لكل من القولين. نعم

٢٠٨
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
لنفسه، وأقره المصنف.
قال: ولا تقبل شهادة من يسمع الغناء، لأنه جعل الغناء الذي جمع الناس
ظاهره الإطلاق. وقد يقال: لفظة المغنين ظاهرة في أن المراد من اتخذه حرفة وعادة، ثم
رأيت في الفتح قال: إن اسم مغنية ومغنّ إنما هو في العرف لمن كان الغناء حرفته التي
يكتسب بها المال؛ ألا ترى أنه إذا قيل ما حرفة فلان أو ما صناعته، يقال مغنّ كما يقال
خياط وحداد إلى آخر كلامه.
وفي إيضاح الإصلاح: إنما قال يغني للناس: أي يسمعهم، لأنه لو كان لإسماع
نفسه حتى يزيل الوحشة عن نفسه من غير أن يسمع غيره لا بأس به، ولا يسقط عدالته
في الصحيح اهـ. وهكذا قال في شرح العيني، وإن أنشد شعراً فيه وعظ وحكمة فهو جائز
بالاتفاق الخ ونحوه ما مر عن الفتح من قوله: المحرم هو ما كان الخ فتدبر اهـ.
أقول: وأنت خبير بأن ما ذكره من النصوص لا يؤيد الإطلاق. وعبارة الزيادات
تفيد التقييد بالشهرة، وإنما يكون بها إذا كان للناس، وقد تبع الشارح المصنف في ذكر
الإطلاق في منحه، والصحيح التفصيل كما علمت عن الهندية.
تتمة: قال الفتال في حاشيته: أقول: إنما سمي الغناء غناء لأن النفس تستغني به
عن غيره من الملاذّ البدنية في حال سماعه.
وقال بعض الحكماء: فضل الغناء كفضل النطق على الخرس، والدينار المنقوش على
القطعة من الذهب. وفي كلام بعضهم: الغناء يحرّك الهوى الساكن ويسكن ألم الهوى
المتحرك. وفي كلام بعضهم: الصوت الشجيّ يوصل إلى نعيم الدنيا والآخرة لأنه يؤنس
الوحيد، ويريح التعبان، ويسلي الكئيب، ويحض على الشجاعة، واصطناع المعروف.
وقال أفلاطون: هذا العلم: أي علم الغناء لم يضعه الحكماء للهو واللعب، ولكن للمنافع
الذاتية، ولذة الروح الروحانية، وبسط النفس، وترطيب اليبوسات، وتعديل السوداء،
وترويق الدم اهـ.ـ
وأقول: فعلى هذا ينبغي جوازه لأجل التداوي به إذا لم يوجد شيء يقوم مقامه،
كما قالوا في التداوي بالمحرم، فتأمل اهـ.
قال في الخيرية: في جواب سؤال بعد كلام في سماع السادة الصوفية نفعنا الله تعالى
بهم: ولو قيل هل يجوز السماع لهم؟ فيقال: إن كان السماع سماع قرآن وموعظة فيجوز،
ويستحب إن لم تخرج الحروف عن نظمها وقدرها، وإن كان سماع غناء فهو حرام.
ومن أباحه من المشايخ الصوفية فبشروط: أن يخلو عن اللهو، ويتحلى بالتقوى،
ويحتاج إليه احتياج المريض إلى الدواء. وله شرائط.
أحدها: أن لا يكون فيهم أمرد.

٢٠٩
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
عليه كبيرة اهـ. أو يجلس مجلس الغناء. زاد العيني: أو مجلس الفجور والشرب وإن
لم يسكر، لأن اختلاطه بهم وتركه الأمر بالمعروف يسقط عدالته (أو يرتكب ما يحدّ
به) للفسق، ومراده من يرتكب كبيرة. قاله المصنف وغيره
والثاني: أن لا يكون جميعهم إلا من جنسهم، ليس فيهم فاسق ولا أهل الدنيا ولا
امرأة.
والثالث: أن تكون نية القول الإخلاص لا أخذ الأجر والطعام.
والرابع: أن لا يجتمعوا لأجل طعام أو فتوح.
والخامس: أن لا يقوموا إلا مغلوبين. والسادس: لا يظهرون وجداً إلا صادقين.
وفي التاترخانية: عن الذخيرة: ومنهم من قال لا بأس به في الأعياد. روي (أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ :﴿ كَانَ جَالِساً في بَيْتِهِ يَوْمَ العِيدِ وَفِي الدِّهْلِزِ جَارِيَتَانِ يَتَغَنَّيَانِ بِالدُّفِّ، فَجَاءَ
أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَقَالَ لَهُمَا: أَتَّغَنِّيَانٍ في بَيْتِ رَسُولِ اللّهِو ◌َلِ؟ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنَّ
هَذَا الْيَوْمُ يَوْمُ عِيدٍ))(١).
ثم ذكر عن المحيط تفصيلاً آخر في التغني حاصله أنه يفترق الحكم بين التغني لإزالة
الوحشة فيحل أو للهو المجرد فلا. ومنهم من فصل بمشاهدة التسبيح في الآلة عياناً
فيحل، وإلا يحرم، وشبهوه بسوق الدابة إن احتيج إليه حل، وإلا حرم.
وقد صنف الفقهاء في ذلك مصنفات كثيرة وكذلك أهل التصوف. وأجمع عبارة فيه
ما قاله الشيخ عبد الرحمن أفندي العمادي وقد سئل عن السماع باليراع وغيره من الآلات
المطربة هل ذلك حلال أم حرام؟ فأجاب: قد حرمه من لا يعترض عليه لصدق مقاله،
وأباحه من لم ينكر عليه لقوة حاله، فمن وجد في قلبه شيئاً من نور المعرفة فليتقدم، وإلا
فرجوعه إلى ما نهاه عنه الشرع أسلم وأحكم، والله أعلم. وتمام الكلام على السماع وعلى
جواز ضرب النوبة للتنبيه لتذكر النفختين يأتي في الحظر والإباحة في كلام الشارح وسيدي
الوالد رحمه الله تعالى، فراجعهما. قوله: (أو يجلس مجلس الغناء) أي وإن اشتغل عنه
بذكر ونحوه أو يتبع صوت المغنية ولا من يسمع الغناء بحر عن الملتقط. وقوله ولا من
يسمع الغناء أي وإن لم يجلس مجلسه ليغاير ما قبله، وينبغي أن يقيد بالشهرة كما سبق في
نظائره ط. قوله: (أو مجلس الفجور) كمجالس المجالة والأنكات فإنها محرمة، بل تؤدي
إلى الكفر كما قد شوهد مراراً، وليس عند قائلها شيء من الدين كما يفيد بعض الآثار.
قوله: (لأن اختلاطه الخ) لأن حضور مجلس الفسق فسق كما في البدائع. قوله: (وتركه
الأمر بالمعروف) أي عند توفر شروطه من نحو أمنه على نفسه من ضرر ورجاء قبوله
ونحو ذلك كما بين في تبيين المحارم، فراجعه. قوله: (ومراده من يرتكب كبيرة) بشرط
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٩٥٢ - ٩٨٧) ومسلم ٦٠٧/٢ (١٦ - ٨٩٢).

٢١٠
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(أو يدخل الحمام بغير إزار) لأنه حرام (أو يلعب بنرد) أو طاب مطلقاً، قامر أو
لا .
إعلانها. قهستاني عن النظم. وكذا نقله في الشرنبلالية عن الفتح، فيحمل قولهم من يأتي
باباً من الكبائر على الإتيان به شهرة، ولذا قال بعضهم: أو يرتكب ما يحدّ به ما شأنه أن
يحدّ به، ولا يكون ذلك إلا بإشهار واطلاع الشهود عليه، وليس المراد ارتكاب ما يحد به
بالفعل اهـ. من شرح الملتقى. وبه علم أن قيد الشهرة يأتي في كل ما ذكر.
قال الزيلعي: الأوجه في تعريف الكبيرة والصغيرة ما ذكره المتكلمون أن الكبيرة
والصغيرة اسمان إضافيان لا يعرفان بذاتهما بل بالإضافة، فكل ذنب إذا نسبه إلى ما دونه
فهو كبيرة، وإذا نسبه إلى ما فوقه فهو صغيرة اهـ. وقيل أصح ما نقل فيه عن الحلواني: ما
كان شنيعاً بين المسلمين وفيه هتك حرمة الله تعالى والدين فهو كبيرة اهـ ط. وقد تقدم
أيضاً في أوائل الباب فراجعه. قوله: (أو يدخل الحمام بغير إزار) لأن إبداء العورة فسق.
وقيده في الذخيرة بما إذا لم يعلم رجوعه عنه اهـ. در منتقى. قوله: (أو يلعب بنرد) هو
الطاولة: أي إذا علم منه ذلك فتح. وخصه بالذكر لأن اللعب فيه فسق بالنص وهو قوله
عليه الصلاة والسلام: ((مَلْعُونٌ مَنْ يَلْعَبُ بِالنَّزْدِ)) ومثله غيره من الملاهي. والنرد وضعه
أزدشير بن بابك ولهذا يقال النردشير، وهو أول ملوك الفرس الأخيرة. وضع النرد
وضربها مثلاً للقضاء والقدر، وأن الإنسان ليس له تصرف في نفسه، لا يملك لها نفعاً
ولا يدفع عنها ضرراً ولا يقدر أن يجلب لها موتاً ولا حياة ولا سعداً ولا شقاء، بل هو
مصرّف على حكم القضاء والقدر معرّض طوراً للنفع وطوراً للضرر، وجعلها أيضاً تمثيلاً
للحظ الذي يناله العاجز بما يجري لديه من الملك والحرمان الذي يبتلي به الحازم بما دار به
عليه الفلك. وضعها على مثال الدنيا وأهلها، فرتب الرقعة اثني عشر بيتاً بعدد ٠ هور
السنة والبروج، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر والدرج التي هي لكل برج
ثلاثين درجة إلى آخر ما ذكره الشيخ إبراهيم الكتبي في كتابه [غرر الخصائص الواضحة].
قال في الفتح بعد كلام: ولذا نقول إذا علم القاضي أن الشاهد يلعب بالنرد ردت شهادته
سواء قامر به أو لم يقامر لما في حديث أبي داود: ((مَنْ لَعِبَ بِالنَّزْدِشِيرٍ فَقَدْ عَصَى الَّلهَ
وَرَسُولَهُ)) (١) اهـ. قوله: (أو طاب) أي طاب دك: هو نوع من اللعب يرمى بأربع قصب.
قال في الفتح: ولعب الطاب في بلادنا مثله لأنه يطرح ويرمى بلا حساب وإعمال فكر،
وكل ما كان كذلك مما أحدثه الشيطان وعمله أهل الغفلة فهو حرام سواء قومر به أو لا
اهـ.
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٩٥٨/٢ (٦) وأحمد ٣٩٤/٤ وأبو داود (٤٩٣٨) وابن ماجة (٣٧٦٢).

٢١١
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أما الشطرنج فلشبهة الاختلاف
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: ومثله اللعب بالصينية والخاتم في بلادنا وإن تورّع
ولم يلعب ولكن حضر في مجلس اللعب بدليل: من جلس مجلس الغناء، وبه يظهر جهل
بعض أهل الورع البارد. قوله: (أما الشطرنج) بكسر أوله ولا يفتح، والسين فيه لغة.
قاموس. وجعل الحموي الكسر فيه نختاراً.
والحاصل: إن فيه أربع لغات كسر الشين وفتحها مع الإعجام والإعمال، وكذا
حكاها ابن مالك، لكن الإعجام هو الأشهر كما في شجرة وسجرة بالسين المهملة والشين
المعجمة، ويجمع على شطارج وأصله بالعجمة شش رنك. ومعناه ستة ألوان، لأن شش
ستة ورنك ألوان، وهي: أعني الستة: الشاه، والفرزان، والفيل، والفرس، والرخ،
والبيدق.
وإذا علم هذا فأول من وضعه فيما ذكره ابن خلكان وصاحب الغرر صصه بمهملة
مكسورة ثم مشددة ابن داهر الهندي. وضعه لبلهيت، ويقال له شهرام بكسر الشين
المعجمة مضاهاة لأزدشير أول ملوك الفرس الأخيرة حيث وضع النرد مضاهاة للدنيا
وأهلها، وافتخرت الفرس به، فقضت حكماء ذلك العصر بترجيحه على النرد، بكونه
ضربها مثلاً على أن لا قدر، وأن الإنسان قادر بسعيه واجتهاده يبلغ المراتب العلية والخطط
السنية، وإن هو أهملها صارت به من الخمول إلى الحضيض، وأخرجته من روض العيش
الأريض، ومما جعله دليلاً على ذلك أن البيدق ينال بحركته وسعيه منزلة الفرزان في
الرياسة، وجعلها مصوّرة تماثيل على صورة الناطق والصامت، وجعلها درجات ومراتب،
وجعل الشاه المدبر الرئیس والفرس والفیل مرکوبین له والفرزان وزیرہ والبیادق رعاياه،
فكما أن الواحد من الرعية إذا أعطى الاجتهاد حقه في تهذيب نفسه(١) وتهذيبها كان ذلك
عوناً على أن ينال رتبة الفرزان، فكذلك الفرزان إذا علت همته وتمكنت قدرته طمحت
نفسه إلى نيل رتبة الشاه وقتاله، وكذلك ما يليها من القطع، وقيل وضعها بعض الحكماء
ليبين لهم فيها ما خفي عنهم من مكايد الحروب، وكيفية ظفر الغالب وخذلان المغلوب
وبين فيها التدبير والحزم والاحتياط والمكيدة والاحتراس والتعبية والنجدة والقوة والجلد
والشجاعة والبأس، فمن عدم شيئاً من ذلك علم موضع تقصيره ومن أين أتى بسوء
تدبيره، لأن خطأها لا يستقال، والعجز فيها متلف المهج والأموال.
واعلم أن ترك الحزم ذهاب الملك، وضعف الرأي جالب للعطب والهلك،
والتقصير سبب الهزيمة والتلاف وعدم المعرفة بالتعبية داع إلى الانكشاف وتمامه ثمة.
قوله: (فلشبهة الاختلاف) علة مقدمة على معلولها: أي اختلاف مالك والشافعي في
(١) في ط. قوله: (في تهذيب نفسه الخ)، ولعل أحدهما تأديب.

٢١٢
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
شرط واحد من ست، فلذا قال (أو يقامر بشطرنج أو يترك به الصلاة)
قولهما بإباحته، وهو رواية عن أبي يوسف، واختاره ابن الشحنة إذا كان لإحضار
الذهن، واختار أبو زيد الحكيم حله كما في البحر معزياً للمحيط البرهاني عن شمس
الأئمة السرخسي، وأقره ط وغيره، فكان مقدماً على رد السائحاني له بقوله: هذه الرواية
ذكرها في المجتبى ولم تشتهر في الكتب المشهورة، بل المشهور الرد على الإباحة، وابن
الشحنة لم يكن من أهل الاختيار اهـ.
أقول: یکفینا نقل صاحب البحر لها وإقراره لها وكذلك غيره كما علمت وكفى
بهم قدوة، فإن ابن الشحنة أدرى وأعلم من السائحاني رحمهم الله تعالى، لا سيما وقد
صححها أيضاً المصنف في شرحه على الجامع الصغير، ونقل اختيار ابن الشحنة في منحه
وأقره. قال في شرح الكنز: يجوز اللعب به لإحضار الذهن إذا لم يخل بالواجب.
قال ابن الشحنة: قلت: ولا يخفى أن ما ذكر من المعاني أولًا من الإخلال بالواجب
ثانياً يخل بكل ما اقترن به لأنها أمور منهية، فتنبه لذلك وقال بعد نقله الرواية عن وسيط
المحيط: وهذا مما ابتلى به جمع من الحنفية، ففي هذا الفرع رخصة عظيمة لهم، فألحقته
يقولي ولا بأس بالشطرنج، وهو رواية عن الحبر قاضي الشرق والغرب تؤثر، وهو الإمام
أبو يوسف لأن ولايته شملت المشارق والمغارب، لأنه كان قاضي الخليفة الرشيد اهـ.
قال القهستاني معزياً للجواهر: إن مجرد اللعب بالشطرنج قادح، وقيل هذا إذا اتخذه
صنعة، فقد ورد ((رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً فَسَاعَةً))(١) اهـ. وللعلامة السخاوي تلميذ العلامة
ابن حجر كتاب ألفه في الشطرنج وسماه (عمدة المحتج في حكم الشطرنج) وذكر فيه
الأحاديث في المنع عنه وطعن فيها، ثم ذكر قسمين: قسماً فيمن كرهه وذمه من الصحابة
والأئمة، وسرد روايتهم في ذلك وضعف بعضها، وقسماً في الصحابة المنسوب إليهم أنهم
لعبوه أو أقروا عليه، وأورد ما قيل في ذلك وطعن فيه، ثم عقد باباً ذكر فيه ما جاء عن
المجتهدين وعن التابعين وتابعي التابعين في ذلك من التحريم والإباحة واللعب به والنهي
عنه، ثم جعل خاتمة ذكر فيها اختلاف العلماء فيه على مذاهب إلى آخر ما قال فيه،
فراجعه.
قال بعض المحققين: إنما حرم النرد ولم يحرم الشطرنج لأن المخطىء في الشطرنج
إنما يجعل خطأه على فكره والمخطىء في النرد يحيله على القدر وهذا كفر، وما يفضي إلى
الكفر حرام كما في ينابيع المصابيح في باب التصوير. قوله: (شرط) أي لسقوط العدالة
به. قوله: (أو يقامر) القمار الميسر. وفي القاموس: قامره مقامرة وقماراً فقمره كنصره
(١) أخرجه الفتني في التذكرة (١٨٩) وذكره المتقي الهندي في الكنز (٥٣٥٤).
.++

٢١٣
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
حتى يفوت وقتها (أو يحلف عليه) كثيراً (أو يلعب به على الطريق، أو يذكر عليه
فسقاً) أشباه. أو يداوم عليه. ذكره سعدي أفندي معزياً للكافي والمعراج (أو يأكل
الربا) قيدوه بالشهرة،
راهنه فغلبه وهو التقامر اه. وذکر النووي أنه مأخوذ من القمر، لأن ما له نارة يزداد إذا
غلب وينتقص إذا غلب كالقمر يزيد وينقص اهـ. قوله: (حتى يفوت وقتها) أي فليس
المراد بالترك عدم الفعل أصلاً. دوله: (أو يحلف عليه كثيراً) قيده الزيلعي كالإتقاني
بالكذب، وهو يفيد أن كثرة الحلف بدون الكذب أو الكذب فيه بدون كثرة لا تردّ به
شهادته، لأنه إنما يشتهر به إذا کثر منه. أبو السعود بتصرف ط. قوله: (أو يلعب به على
الطريق) المراد به أن يكون بمرأى من الناس إذ هو لازمه. قال في الفتح: وأما ما ذكر
من أن من يلعبه على الطريق ترد شهادته فلإتيانه الأمور المحقرة. قوله: (أو يذكر عليه
فسقاً) أي ما يكون به فاسقاً كالشم والقذف والغناء ط. قوله: (أو يداوم عليه) لأن
المداومة عليه دليل التلهي به، ويلزمه غالباً الإخلال ببعض المطلوب، وهذا هو سادس
الشروط الستة الذي شرط وجود واحد منها لحرمته ولسقوط العدالة.
قال في البحر: والحاصل أن العدالة إنما تسقط بالشطرنج إذا وجد واحد من خمس
القمار وفوت الصلاة بسببه وإكثار الحلف عليه واللعب به على الطريق كما في فتح القدير،
أو يذكر عليه فسقاً كما في السراج اهـ. أو يداوم عليه كما ذكره الشارح. قوله: (أو يأكل
الربا) أي يأخذ القدر الزائد على ما يستحق لأنه من الكبائر، فالمراد بالأكل الأخذ، وإنما
ذكره تبعاً للآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وإنما ذكر في الآية لأنه
أعظم منافع المال ولأن الربا شائع في المطعومات، والمراد بالربا القدر الزائد لا الزيادة،
وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ١٧٥] كما بيناه في بابه بحر. قوله:
(قيدوه بالشهرة) لأن الإنسان قلما ينجو من العقود الفاسدة وكل ذلك كالربا، فلو أطلق
عدم القبول عن قيد الشهرة للزم الحرج. قال في البحر: وهو أولى مما قيل لأن الربا ليس
بحرام محض لأنه يفيد الملك بالقبض كسائر البياعات الفاسدة وإن كان غاصباً مع ذلك
فكان ناقصاً في كونه كبيرة، بخلاف أكل مال اليتيم ترد شهادته بمرة.
والأوجه ما قيل لأنه إن لم يشتهر به كان الواقع ليس إلا تهمة أكل الربا ولا تسقط
العدالة به، ولا يصح قوله إنه ليس بحرام محض بعد الاتفاق على أنه كبيرة، والملك
بالقبض شيء آخر وهذا أقرب ومرجعه إلى ما ذكر في وجه تقييد شرب الخمر بالإدمان.
وأما أكل مال اليتيم فلم يقيده أحد، وأنت تعلم أنه لا بد من الظهور للقاضي فلا فرق
بین الربا ومال اليتيم.
والحاصل: أن الفسق في نفس الأمر مانع شرعاً، غير أن القاضي لا يرتب ذلك إلا

٢١٤
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
ولا يخفى أن الفسق يمنعها شرعاً، إلا أن القاضي لا يثبت ذلك إلا بعد ظهوره له،
فالكل سواء. بحر فليحفظ (أو يبول أو يأكل على الطريق) وكذا كل ما يخلّ
بالمروءة،
بعد ظهوره له فالكل سواء في ذلك. وأما أكل مال اليتيم فلم يقيده أحد، ونصوا أنه
بمرة، وأنت تعلم أنه لا بد من الظهور للقاضي لأن الكلام فيما يرد به القاضي الشهادة
فكان بمرة يظهر لأنه يحاسب فيعلم أنه انتقص من المال. فتح مع زيادة. قوله: (ولا يخفى
أن الفسق) أي ولو بأكل مال اليتيم. قوله: (يمنعها) أي الشهادة. قوله: (لا يثبت ذلك)
أي الفسق المانع. قوله: (إلا بعد ظهوره له) انظر هل يكفي في الظهور له إخبار الشاهدين
له؟ والمراد بالشهرة حينئذ أن يشتهر عندهما حاله. قوله: (فالكل) أي كل المفسقات لا
خصوص الربا. سائحاني. قوله: (سواء) خلافاً لمن فرق فقال: يأكل مال اليتيم مرة تردّ،
ويشترط الشهرة في الربا وقد علمت ما عليه المعوّل فلا تغفل. قوله: (بحر) وأصل العبارة
للكمال في الفتح كما قدمناها مع زيادة. قوله: (فليحفظ) أي هذا التوفيق.
أقول: لكن نظر فيه السائحاني بقوله: والصواب ما قالوه من أن الربا يفيد الملك
بالقبض والملك مبيح للأكل فكان ناقصاً في كونه كبيرة اهـ. والأولى أن يقولوا: فكان
ناقصاً في إسقاط العدالة، وإلا هو كبيرة كما لا يخفى كما قدمناه قريباً، وأما أكل مال
اليتيم فبمرة تسقط عدالته: يعني لعدم الشبهة. قوله: (أو يبول أو يأكل على الطريق) أي
في الطريق على حد: ﴿وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] ولا بد أن يكون
بمرأى من الناس، وإنما منعاً لدلالتهما على ترك المروءة، وإذا كان الشاهد لا يستحي من
مثل ذلك لا يمتنع من الكذب فيتهم، وانظر حكم ما لا يعد أكلاً عرفاً كتعاطي شرب
ومص قصب ونحوه ط.
أقول: الذي يظهر أن هذا مسقط لعدالة أهل الوجاهة من أشراف الناس
وعلمائهم، ويدل عليه ما قاله في الأشباه في وصية الإمام لأبي يوسف رحمه الله تعالى: ولا
تشرب من السقاء والسقائين، ومن جملة ما علله الحموي بسقوط المروءة. تأمل. قوله:
(وكذا كل ما يخلّ بالمروءة) عبارة الهداية: ولا من يفعل الأشياء المستحقرة، وفي بعض
النسخ المستقبحة، وفي بعضها المستخفة: أي التي يستخف الناس فاعلها، أو الخصلة التي
يستخفها الفاعل فيبدو منه ما لا يليق. وعلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ
الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] ومن يفعل فعلاً يعدّ منه خفة وسوء أدب وقلة مروءة
وحياء، لأن من يكون كذلك لا يبعد عنه أن يشهد بالزور، وفي الحديث عنه عليه الصلاة
والسلام: ((إِنَّ مِمَّا أَذْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَأَفْعَلْ مَا شِئْتَ))(١)
(١) أخرجه البخاري ٥٢٣/١٠ (٦١٢٠).

٢١٥
کتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
ومنه کشف عورته ليستنجي من جانب البركة والناس حضور، وقد كثر في زماننا.
فتح (أو يظهر ستّ السلف) لظهور فسقه، بخلاف من يخفيه لأنه فاسق مستور.
عيني. قال المصنف: وإنما قيدنا بالسلف تبعاً لكلامهم، وإلا فالأولى أن يقال:
كما في الفتح، ومنه إدمان حلق اللحية سواء كان عادة لأهل بلد الشاهد أم لا كما حرره
سيدي الوالد رحمه الله تعالى في تنقيحه. قال في البحر: كل ما يخلّ بالمروءة بمنع قبولها
وإن لم يكن محرماً. والمروءة أن لا يأتي الإنسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند
أهل الفضل. وقيل السمت الحسن، وحفظ اللسان، وتجنب السخف والمجون، والارتفاع
عن كل خلق دنيء. والسخف: رقة العقل، من قولهم: ثوب سخيف إذا كان قليل
الغزل. وفي الغاية: قال محمد: وعندي المروءة الدين والصلاح اهـ. وقد ذكروا منها
المشي بسراويل فقط والبخل، وقيده مالك بالمفرط لأنه يؤديه إلى منع الحقوق، ومن يعتاد
الصياح في الأسواق، ومدّ الرجل عند الناس، وكشف رأسه في موضع يعدّ فعله خفة
وسوء أدب، وسرقة لقمة، والإفراط في المزح المفضي إلا الاستخفاف، وصحبة الأراذل،
والاستخفاف بالناس، ولبس الفقهاء قباء، ولعل هذا الأخير كان من محلات المروءة في
الزمن السابق: وأما الآن فلا.
ثم اعلم أنهم اشترطوا في الصغيرة الإدمان، وما شرطوه في فعل ما يخل بالمروءة
فيما رأيت، وينبغي اشتراطه بالأولى، وإذا فعل ما يخل بها سقطت عدالته، وإن لم يكن
فاسقاً حيث كان مباحاً ففاعل المخلّ بها ليس بفاسق ولا عدل، فالعدل من اجتنب
الثلاثة، والفاسق من فعل كبيرة أو أصرّ على صغيرة، ولم أر من نبه عليه. بحر. قال في
النهاية: وأما إذا شرب الماء أو أكل الفواكه على الطريق لا يقدح في عدالته، لأن الناس لا
تستقبح ذلك. منح.
أقول: لكن في زماننا يعدونه قادحاً من البعض كما قدمناه آنفاً. قوله: (ليستنجي
من جانب البركة) بخلاف كشفها للبول والغائط إذا لم يجد ما يستتر به فإنه لا يفسق به
اهـ. ط عن أبي السعود. قوله: (أو يظهر سب السلف) السبّ: هو التكلم في عرض
الإنسان بما يعيبه. قال القهستاني: ونعم ما قيل: من طعن في علماء الأمة لا يلومن إلا
أمه كما في الكرماني، ولذا قال أبو يوسف: لا أقبل شهادة من يشتم أصحابه عليه
الصلاة والسلام، لأنه لو شتم واحداً من الناس لم تقبل شهادته، فهاهنا أولى كما في
المحيط، فعلى هذا لا يبعد أن يكون السلف شاملاً للمجتهدين كلهم كما ذكره المصنف
وغيره. على أن السلف في الشرع كل من يقلد مذهبه في الدين كأبي حنيفة وأصحابه
فإنهم سلفنا، والصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم فإنهم سلفهم كما في الكفاية، ولم
يوجد أصل، لما في المستصفى أنه جمع سالف، والمشهور أنه في الأصل مصدر سلف: أي

٢١٦
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
سبّ المسلم لسقوط العدالة بسبب المسلم وإن لم يكن من السلف كما في السراج
والنهاية.
وفيها: الفرق بين السلف والخلف أن السلف الصالح الصدر الأول من
التابعين، منهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه. والخلف بالفتح: من بعدهم في
الخير، وبالسكون في الشر مجرد فيه عن العناية. عن أبي يوسف: لا أقبل شهادة
مضى. وسلف الرجل: آباؤه والجمع أسلاف. قوله: (لسقوط العدالة بسب المسلم) في
الحديث: ((سُبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) قال ابن الأثير في النهاية: السبّ: الشتم،
يقال سب يسبه سباً وسباباً، قيل هذا محمول على من سبه أو قاتله من غير تأويل، وقيل
إنما قال ذلك على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الكفر والفسق.
أقول: هذا خلاف الظاهر اهـ ط.
قال في شرح المجمع للعيني: لا تقبل شهادة من يظهر سبّ السلف بالإجماع، لأنه
إذا أظهر ذلك فقد أظهر فسقه، بخلاف من يكتمه لأنه فاسق مستور. ومثله في الجوهرة.
وفي شرح الكنز للزيلعي: أو يظهر سب السلف: يعني الصالحين منهم وهم الصحابة
والتابعون، لأن هذه الأشياء تدل على قصور عقله وقلة مروءته: ومن لم يمتنع عن مثلها
لا يمتنع عن الكذب عادة، بخلاف ما لو كان يخفي السب اهـ. قوله: (منهم أبو حنيفة)
كذا ذكره الكردري في مناقبه، وتبعه صاحب العناية والحافظ الذهبي والحافظ العسقلاني
وغيرهم.
وفي اصطلاح الفقهاء كما قال الشيخ عبد العال في فتاويه: السلف: الصدر الأول
إلى محمد بن الحسن، والخلف: من محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني،
والمتأخرون منه إلى الإمام حافظ الدين البخاري. قوله: (عن أبي يوسف) الظاهر أن حكم
هذا الفرع متفق عليه، لما سبق من قبول شهادة أهل الأهواء، إلا هوى يكفر به صاحبه
لكفره إذا لم يكن فيه شبهة اجتهاد كهوى المجسمة والاتحادية والحلولية ونحوهم من غلاة
الروافض ومن ضاهاهم، فإن أمثالهم لم يحصل منهم بذل وسع في الاجتهاد. فإن من
يقول عليّ هو الإله أو بأن جبريل غلط ونحو ذلك من السخف إنما هو متبع مجرد
الهوى، وهو أسوأ حالاً ممن قال ﴿ما نعبدهم لا ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ فإنه بلا شبهة
كفر ومن أشد الكفر. أما من له شبهة فيما ذهب إليه وإن كان ما ذهب إليه عند التحقيق
في حد ذاته كفراً كمنكر الرؤية وعذاب القبر ونحو ذلك، فإن فيه إنكار حكم النصوص
المشهورة والإجماع، إلا أن لهم شبهة قياس الغائب على الشاهد ونحو ذلك مما علم في
الكلام، وكمنكر خلافة الشيخين والساب لهما فإن فيه إنكار حكم الإجماع القطعي، إلا
أنهم ينكرون حجية الإجماع باتهامهم الصحابة، فكان لهم شبهة في الجملة وإن كانت

٢١٧
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
من سبّ الصحابة وأقبلها
ظاهرة البطلان بالنظر إلى الدليل، فبسبب تلك الشبهة التي أدى إليها اجتهادهم لم يحكم
بكفرهم مع أن معتقدهم كفر احتياطاً، بخلاف مثل من ذكرنا من الغلاة.
· وحاصله: أن المحكوم بكفره من أداه هواه وبدعته إلى مخالفة دليل قطعي لا يسوغ
فيه تأويل أصلاً، كرد آية قرآنية أو تكذيب نبيّ، أو إنكار أحد أركان الإسلام ونحو
ذلك، بخلاف غيرهم كمن اعتقد أن علياً هو الأحق بالخلافة وصاروا يسبون الصحابة،
لأنهم منعوه حقه ونحوه فلا يحكم بكفرهم احتياطاً وإن كان معتقدهم في نفسه كفراً: أي
يكفر به من اعتقده بلا شبهة تأويل، وإنما نسب لأبي يوسف لأنه مخرجه. قوله: (من
سب الصحابة) لأنه لو سب واحداً من الناس لا تقبل شهادته، فهذا أولى. قهستاني.
والحاصل: أن الحكم بالكفر على سابّ الشيخين أو غيرهما من الصحابة مطلقاً قول
ضعيف لا ينبغي الإفتاء به ولا التعويل عليه كما حققه سيدي الوالد رحمه الله تعالى في
كتابه (تنبيه الولاة والحكام) فراجعه.
وقال فيه أيضاً: اعلم أن من القواعد القطعية في العقائد الشرعية أن قتل الأنبياء أو
طعنهم في الأشياء كفر بإجماع العلماء، فمن قتل نبياً أو قتله نبيّ فهو أشقى الأشقياء.
وأما قتل العلماء والأولياء وسبهم فليس بكفر، إلا إذا كان على وجه الاستحلال أو
الاستخفاف، فقاتل عثمان وعليّ رضي الله تعالى عنهما لم يقل بكفره أحد من العلماء،
إلا الخوارج في الأول والروافض في الثاني. وأما قذف عائشة فكفر بالإجماع، وهكذا إنكار
صحبة الصديق لمخالفة نص الكتاب، بخلاف من أنكر صحبة عمر أو عليّ وإن كانت
صحبتهما بطريق التواتر إذ ليس إنكار كل متواتر كفراً؛ ألا ترى أن من أنكر جود حاتم
بل وجوده أو عدالة أنو شروان وشهوده لا يصير كافراً، إذ ليس مثل هذا مما علم من
الدين بالضرورة.
وأما من سبّ أحداً من الصحابة فهو فاسق ومبتدع بالإجماع(١)، إلا إذا اعتقد أنه
مباح أو يترتب عليه ثواب كما عليه بعض الشيعة، أو اعتقد كفر الصحابة فإنه كافر
(١) قال السبكي في فتاويه ٥٦٩/٢ احتج المكفرون الشيعة والخوارج بتكفيرهم لأعلام الصحابة رضي الله عنهم
وتكذيب النبي # في قطعه لهم بالجنة. وهذا عندي احتجاج صحيح فيمن ثبت عليه تكفير أولئك. وأجاب
الآمدي بأنه إنما يلزم أن لو كان المكفر يعلم بتزكية من كفره قطعاً على الإطلاق إلى مماته بقوله {8# («أبو بكر في
الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة)) إلى آخرهم وإن كان هذا الخبر ليس متواتراً لكنه مشهور
مستفيض وعضده إجماع الأمة على إمامتهم وعلو قدرهم وتواتر مناقبهم أعظم التواتر الذي يفيد تزكيتهم فبذلك
نقطع بتزكيتهم على الإطلاق إلى مماتهم لا يختلجنا شك في ذلك. وأما اشتراط علم المكفر نفسه بذلك فهو محل
النظر الذي أشرنا إليه يحتمل أن يقال إنه لا بد منه تكذيبه الأخبار بأنهم في الجنة وهذا هو الذي بنى عليه
الأصوليون، وهو عمدة القول في التكفير، لكن عندي في هذه المسألة الخاصة شيء آخر وهو قوله ﴿ الثابت
عنه في صحيح مسلم (من قال لأخيه المسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما ومن رمى رجلًا بالكفر أو قال =

٢١٨
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
= عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه، فهؤلاء الذين نتحقق منهم أنهم يرمون أبا بكر في الكفر أو أنه عدو
الله كفار بمقتضى هذا الحديث، وإن كان تكفيرهم أبا بكر وحده لم يلزم منه تكذيبهم في أنفسهم للشارع
ولكن نحن نحكم عليهم بالكفر بمقتضى إخبار الشارع، وهذه تشبه ما قاله الأصحاب من المتكلمين لما فسروا
أالكفر بأنه الجحود، وكفروا بأشياء ليس فيها جحود کالسجود للصنم ونحوه، وأجابوا بقيام الإجماع على
الحكم على فاعل ذلك بالكفر فكذلك أقول هنا هذا الحديث الصحيح الذي ذكرته قائم على الحكم على مكفر
هؤلاء المؤمنين بالكفر وإن كان المكفر معتقداً كاعتقاد الساجد للصنم أو ملقي المصحف في القاذورات ونحوه
لا ينجيه اعتقاده للإسلام من الحكم بكفره. فالجواب الذي ذكره الآمدي وغيره هم معذورون فيه لأنهم نظروا
إلى حقيقة الكفر والتكذيب وأنه لم يوجد في المكفر. وفاتهم هذا الحديث الذي استدللت أنا به والمأخذ الذي
أبديته والعلم عند الله سبحانه وتعالى. واعلم أن سبب كتابتي لهذا أنني كنت بالجامع الأموي ظهر يوم الاثنين
سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وسبعمائة فأحضر إلى شخص شق صفوف المسلمين في الجامع
وهم يصلون الظهر ولم يصل وهو يقول لعن الله من ظلم آل محمد ويكرر ذلك فسألته من هو فقال أبو بكر
قلت أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال أبو بكر وعمر وعثمان ويزيد ومعاوية فأمرت بسجنه وجعل غل في
عنقه، ثم أخذه القاضي المالكي فضربه وهو مصر على ذلك، وزاد فقال إن فلاناً عدو الله، وشهد عندي عليه
بذلك شاهدان وقال إنه مات على غير الحق وإنه ظلم فاطمة ميراثها وإنه يعني أبا بكر كذب النبي إلا في منعه
ميراثها، وكرر عليه المالكي الضرب يوم الاثنين المذكور ويوم الأربعاء ثامن عشر الشهر المذكور وهو مصر على
ذلك، ثم أحضروه يوم الخميس تاسع عشر الشهر بدار العدل وشهد عليه في وجهه فلم ينكر ولم يقل ولكن
صار كلما سئل يقول إن كنت قلت فقد علم الله تعالى وكرر السؤال عليه مرات وهو يقول هذا الجواب ثم
أعذر إليه فلم بيد دافعاً ثم قيل له: تب فقال تبت عن ذنوبي وكرر عليه الاستتابة وهو لا يزيد في الجواب على
ذلك البحث في المجلس في كفره وفي قبول توبته ببعض ما تضمنته هذه الكراسة فحكم القاضي المالكي بقتله
.فقتل، وسهل عندي قتله ما ذكرته من هذا الاستدلال فهو الذي انشرح صدري لكفيره بسبه ولقتله بعدم
توبته، وهو منزع لم أجد غيري سبقني إليه إلا ما وجدت في كلام الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله في الوجه
الثالث من الكلام على هذا الحديث ونقله عن مالك أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وإن كان
النووي قال إنه ضعيف وإن الصحيح أن الخوارج لا يكفرون لكني أنا لا أوافق النووي على ذلك بل من ثبت
عليه منهم أنه يكفر من شهد له النبي # بالجنة من العشرة وغيرهم فهو كافر، ولا يلزمني طرد ذلك فيمن لم
يشهد له النبي 18 من أعلام الأمة الذين قام الاجماع على إمامتهم كعمر بن عبد العزيز والشافعي ومالك
وأضرابهم وإن كان القلب يميل إلى إلحاقهم بهم لا شك عندنا في إيمانهم فمن كفرهم رجع عليه بكفره لكن
نحمد الله لم نعلم أحداً كفرهم وإنما ذكرناهم على سبيل المثال للحاجة إلى بيان الحكم وهو أجل في أعيننا
وأوقر عندنا من كفرهم إلا على سبيل التعظيم، والصحابة أعظم منهم والمشهود لهم بالجنة منهم أعظم وأعظم
وأعظم، ولا أستبعد أن أقول الطعن في هؤلاء طعن في الدين أعني الشافعي ومالكاً وأضرابهما فضلاً عن
الصحابة رضي الله عنهم فهؤلاء إجماع الناس عليهم يلحقهم بمن ورد الحديث فيهم وأما سائر المؤمنين ممن
حكم له بالإيمان فلا يلزمني تكفير من يرمي واحداً منهم بالكفر لعدم القطع بإيمانه الباطن الذي أشير إليه
بالحديث بقوله «إن کان کما قال وإلا رجعت علیه)) وإنما نقطع بکونه ليس كما قال فيمن شهد له النبي أ#
ومن أجمع عليه المسلمون فهذا هو المأخذ الذي ظهر في قتل هذا الرافضي وإن كنت لم أتقلده لا فتوى ولا
حكماً وضممت إليه قوله #: ((ولعن المؤمن كقتله) مع تحققنا إيمان أبي بكر رضي الله عنه، وإن كان اللعن
لا يوجب قصاصاً لكن القتل أعم من القصاص، لكن هذا لا ينهض في الحجة كالحديث الأول وسنتكلم على
معنى التشبيه فيه، وانضم إلى احتجاجي بالحديث المتقدم مجموع الصورة الحاصلة من هذا الرافضي من إظهاره
ذلك في ملأ من الناس ومجاهرته وإصراره عليه، ونعلم أن النبي # لو كان حياً لآذاه ذلك وما فيه من إعلاء
البدعة وأهلها وغمص السنة وأهلها، وهذا المجموع في غاية البشاعة وقد يحصل بمجموع أمور حكم لا
يحصل لكل واحد منهما وهذا معنى قول مالك يحدث للناس أحكام بقدر ما يحدث لهم من الفجور فلا=

٢١٩
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
ممن تبرأ منهم لأنه يعتقد ديناً وإن كان على باطل فلم يظهر فسقه بخلاف الساب.
بالإجماع، فإذا سبّ أحداً منهم فينظر، فإن كان معه قرائن حالية على ما تقدم من
الكفريات فكافر وإلا ففاسق، وإنما يقتل عند علمائنا سياسة لدفع فسادهم وشرهم،
وهذا في غير الغلاة من الروافض، وإلا فالغلاة منهم كفار قطعاً فيجب التفحص، فحيث
ثبت أنه منهم قتل لأنهم زنادقة ملحدون، وعلى هؤلاء الفرقة الضالة بحمل كلام العلماء
الذين أفتوا بكفرهم وسبي ذراريهم، لأنهم لا ينفكون عن اعتقادهم الباطل في حال
إتيانهم بالشهادتين وغيرهما من أحكام الشرع كالصوم والصلاة فهم كفار لا مرتدون ولا
أهل كتاب إهـ. وإن أردت توضيح المقام فعليك به فإن فيه تمام المرام. وقد ذكر سيدي
الوالد رحمه الله تعالى أيضاً نبذة من ذلك في باب المرتد فراجعها والسلام. قوله: (ممن تبرأ
منهم) كالخوارج فإنهم من أهل الأهواء غير المكفرة. قوله: (لأنه يعتقد ديناً) قال في
المنح: وفرقوا بأن إظهاره سفه لا يأتي به إلا الأسقاط المستخفة وشهادة السخيف لا
تقبل، ولا كذلك المتبرىء لأنه يعتقد ديناً وإن كان على باطل فلم يظهر فسقه. قوله:
= نقول إن الأحكام تتغير بتغير الزمان بل باختلاف الصورة الحادثة فإذا حدثت صورة على صفة خاصة علينا
أن ننظر فيها فقد يكون مجموعها يقتضي الشرع له حكماً ومجموع هذه الصورة يشهد له قوله تعالى ﴿وطعنوا في
دينكم) فهذا ما انشرح صدري له بقتل هذا الرجل. وأما السب وحده ففيه ما قدمته وما سأذكره، وإيذاء
النبي # أمر عظيم إلا أنه ينبغي ضابط فيه فإنه قد يقال: إن فعل المعاصي كلها يؤذي النبي وَّر وقد قال رَّ
((إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها)) وأيضاً فلو سب واحد من الأعراب الصحابة الذين
أسلموا بعد الفتح لأمر خاص دنيوي بينه وبينه يبعد دخوله في ذلك فليس كل من سب لأي صحابي كأن آذى
النبي #، ولم أجد في كلام أحد من العلماء أن سب الصحابي يوجب القتل إلا ما حكيناه من إطلاق الكفر
من بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة ولم يصرحوا بالقتل، ومما حكي عن بعض الكوفيين وغيرهم في القتل
على خلاف ما قاله ابن المنذر وإلا ما يقوله بعض الحنابلة رواية عن أحمد، وعندي أنهم غلطوا عليه فيها لأنهم
أخذوها من قوله شتم عثمان زندقة، وعندي أنه لم يرد بذلك كفر الشاتم بشتمه لعثمان ولو كان كذلك لم يقل
زندقة لأنه أظهره ولم يبطنه وإنما أراد أحمد ما روي عنه في موضع آخر أنه قال من طعن في خلافة عثمان فقد
طعن في المهاجرين والأنصار يعني أن عبد الرحمن بن عوف أقام ثلاثة أيام يطوف على المهاجرين والأنصار
ويخلو بكل واحد منهم رجالهم ونساءهم ويستشيره فيمن يكون خليفة حتى أجمعوا على عثمان فحينئذ تابعه
فمعنى قول أحمد إنه من شتم فظاهر قوله شتم لعثمان وباطنه تخطئة لجميع المهاجرين والأنصار، وتخطئتهم
جميعهم كفر فيكون زندقة بهذا الاعتبار فلا يؤخذ منه أن شتم أبي بكر وعمر كفر، هذا لم ينقل عن أحمد أصلاً
ولا نقل، وأيضاً نقول إن أحمد بهذا يقدم على قتل ساب عثمان فالذي خرج عن أحمد من أصحابه رواية في
ساب أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة لم يصنع شيئاً وقد قال تعالى ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبيَّ﴾ وقد
ذكرت في كتابي المسمى بالسيف المسلول أن الضابط أن ما قصد به أذى النبي # فهو موجب للقتل كعبد الله
ابن أبي وما لم يقصد به أذى النبي # لا يوجب القتل كمسطح وحمنة. أما سب النبي وص هر فالإجماع منعقد على
أنه كفر، والاستهزاء به كفر قال الله تعالى: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد
إيمانكم﴾ بل لو لم تستهزئوا قال أبو عبيد القاسم بن سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي ومار فهو
كفر، وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم ما هجي به # وكتابته وقراءته وتركه
مثى وجد دون محوه.

٢٢٠
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(شهدا أن أباهما أوصى إليه، فإن ادعاه صحت) شهادتهما استحساناً كشهادة
دائني الميت ومديونيه والموصى لهما ووصيه لثالث على الإيصاء (وإن أنكر لا) لأن
(شهد أن أباهما) مثل الابنين كل من لا تقبل شهادته للموكل. وأما حكم الأجنبيين إذا
شهدا بذلك بعد الدعوى فإنها تقبل قياساً واستحساناً. والقياس فيما ذكره أن لا تقبل
للتهمة ولكونها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه. قوله: (أوصى إليه) هذا إضمار قبل
الذكر، والأولى إظهاره بأن يقول أوصى إلى زيد، والمراد هنا جعله وصياً؛ يقال أوصى
إليه: إذا جعله وصياً، أوصى له بكذا: أي جعله موصى له. قوله: (فإن ادعاء) أي
الإيصاء المفهوم من أوصى، والمراد من قوله ادعاء: أي رضي به.
قال في الحواشي السعدية: أي والوصي يرضى هكذا سنح للبال. ثم رأيت في
شرح الجامع الصغير لمولانا علاء الدين الأسود ما نصه: والمراد من الدعوى في قوله
والوصي يدعي هو الرضا، إذ الجواز لا يتوقف على الدعوى بل للقاضي أن يغصب وصياً
إذا رضي هو به اهـ.
أقول: لكن الدعوى تستلزم الرضا بطريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم. قاله الداماد.
قوله: (استحساناً) لأنه لم يثبت بهذه الشهادة شيء لم يكن للقاضي فعله، وإنما كان له
نصب الوصي فاكتفى بهذه الشهادة مؤنة التعيين، إذ لولا شهادتهما لكان القاضي يتأمل
فيمن يتعين فيعين من ثبت صلاحيته نظراً للميت وإن لم يوص لأنه نصب ناظراً لمصالح
المسلمين، وحينئذ فإنه يكون وصي القاضي لا وصي الميت كما حرره المقدسي.
قال في البحر: ولا بد من كون الموت معروفاً في هذه المسائل: أي ظاهراً إلا في
مسألة غريمي الميت فإنها تقبل وإن لم يكن الموت معروفاً، لأنهما يقران على أنفسهما
بثبوت ولاية القبض للمشهود له، فانتفت التهمة وثبت موت ربّ الدین بإقرارهما في
حقهما. وقيل معنى الثبوت أمر القاضي إياهما بالأداء إليه لا براءتهما عن الدين بهذا
الأداء، لأن استيفاءه منهما حق عليهما والبراءة حق لهما فلا تقبل. كذا في الكافي اهـ
ملخصاً. قوله: (كشهادة دائني الميت) أي لرجل بأنه وصيّ وكذا فيما بعد. قوله:
(والموصى لهما) بذلك بأن أباهما أوصى إلى فلان: أي أن الموصى لهما بشيء من المال
شهدا أن الميت أوصى إلى زيد يكون وصياً على أولاده. عيني. قوله: (ووصيه) أورد على
هذه أن الميت إذا كان له وصيان فالقاضي لا يحتاج إلى نصب آخر. وأجيب بأنه يملكه
لإقرارهما بالعجز عن القيام بأمور الميت. كذا في البحر. قال ط: وفيه تأمل. قوله:
(الثالث) أي لرجل ثالث متعلق بشهادة كقوله على الإيصاء: أي على أن الميت جعله
وصياً، وهذا مرتبط بالمسائل الأربع لا بالأخيرة كما لا يخفى، فافهم. ولا تنس ما قدمناه
قريباً عن البحر من أنه لا بد من كون الموت معروفاً في الكل: أي ظاهراً إلا في الخ.
1