النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
کتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
لو عدلاً في دينهم. جوهرة (على مثله)
مَطْلَبٌ: الدُّرُوِزُ والَيَّامِنَةُ وَالنَّصِيَةُ وَالْبَاطِنِيَةُ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ
على أن المولى عبد الرحمن أفندي العمادي نص في فتاويه في كتاب السير على أن
الدروز والتيامنة والنصيرية والباطنية كلهم كفار ملاحدة زنادقة في حكم المرتدين. وعلى
تقدير قبول توبتهم يعرض عليهم الإسلام وإن يسلموا أو يقتلوا، ولا يجوز لولاة الأمور
تركهم على ما هم عليه أبداً اهـ بتصرف اهـ ملخصاً.
قال سيدي الوالد: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة إذا كانوا عدولًا في
دينهم، اتفقت مللهم أو اختلفت.
أقول: والظاهر أن عداوتهم دينية وإلا لم تقبل. فتأمل.
مِطْلَبُ: إِذَا سَكِرِ الذِّمِيُّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتهُ(١)
قوله: (لو عدلاً في دينهم) قدمنا في البحر أن تزكية الذمي أن يزكي بالأمانة في
دينه ولسانه ويده، وأنه صاحب يقظة ویزکیه المسلمون إن وجدوا، وإلا فیسأل من عدول
الكفار، وأنه إذا سكر الذمي لا تقبل شهادته. قوله: (على مثله) فلا تقبل على مسلم لقوله
تعالى: ﴿وَلَنْ يجِعَلَ اللّهَ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ولأنه لا ولاية له
على المسلم، ولأنه يتقول عليه لأنه يغيظه قهره إياه(٢).
(١) اختلفت كلمة الفقهاء في حكم هذه المسألة فذهب الشافعي إلى القول بعدم قبولها مطلقاً سواء أكانت له أم
عليه في وصية أو في غيرها. في سفر أو حضر. وذهب الحنفية في مشهور المذهب إلى أنها لا تقبل أيضاً
كالشافعي، ونقل هذا عن الأشباه أنه قد تقبل شهادة غير المسلم على المسلم تبعاً أو ضرورة. كما لو شهد
ذميان على ذمي موكله مسلم، فإن الشهادة تقبل على الوكيل قصداً وعلى الموكل ضمناً وتبعاً، وكشهادة ذميين
على ذمي أنه أوصى إلى ذمي مثله وأحضر مسلماً عليه حق للميت، فإن الشهادة تقبل على الإيصاء، فيلزم
المدعى عليه المسلم بأداء الحق الذي عليه للميت الموصي. ذهب المالكية إلى أن شهادة الكافر على المسلم لا
تقبل إلا شهادة الطبيب الكافر في بعض العيوب، وفي مقادير الجراح فقد قالوا بقبولها للحاجة. وذهب الحنابلة
إلى أنه تجوز شهادة الكافر على المسلم في الوصية في السفر إذا لم یکن غيره، ولا تجوز شهادته في غير ذلك، وفي
رواية عندهم تجوز عند كل ضرورة شهادة الكافر على المسلم، وبالتأمل في الأقوال السابقة نستخلص أن في
المسألة قولين . أحدهما . عدم قبول شهادة الكافر على المسلم . . والثاني. قبولها في بعض المواضع كالوصية إذا
كانت في السفر، ولم يجد الموصي المسلم من يشهده من المسلمين. استدل القائلون بعدم قبول الشهادة:
أولًا: بقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾. دلت الآيتان على اشتراط عدالة الشاهد، وكونه من
الرجال المسلمين المرضية شهادتهم، لأن من هذا شأنه في الغالب يتحرى الصدق المثبت للحق، وإذا كان
الكافر غير متوفرة فيه هذه الشروط لم يكن أهلاً للشهادة على المسلم. ونوقش هذا الدليل: بأن قوله:
﴿واستشهدوا﴾ الآية واردة في الإشهاد الاختياري، وهو غير أداء الشهادة؛ فإن الأمر باختيار أفضل الناس
إيماناً وعدالة للإشهاد غير مستلزم عدم الاعتداد بشهادة من هو دونه في الفضل. وبأن قوله: ﴿ممن ترضون
من الشهداء﴾ قصد بها الشارع التوسعة على عباده في الإشهاد، والمسلمون أحوج ما يكون إليها، وهي في هذا
الباب تتحقق بقبول شهادة الكفار على المسلمين؛ لأن كثيراً من العقود والجنايات والإقرارات قد تقع من =

١٤٢
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
= بعض المسلمين على مرأى ومسمع من الكفار، فلو أهدرنا شهادتهم لضاعت تلك الحقوق على أربابها.
ولعل قائلاً يقول: إنَّ المسلمين إذا فقدوا عدالتهم أوجب ذلك رد شهادتهم حتى على المسلمين، فيكون فقد
الإيمان منهم وهو أشد موجباً لرد شهادتهم على المسلمين من باب أولى لعدم تحرزهم عن الكذب؛ وعدم
تحريهم الصدق وفقدانهم العدالة. والجواب عنه: أن الإيمان بالله وبشريعة منزلة من عنده كفيلان بتحريم
الكذب على المتصف بهما، وهذا محقق للمقصود الأصلي من الشهادة، ومما لا شك فيه أن ذلك موجود في غير
الإسلام من الملل. ودعوى أن غير المسلم لا يكون صادقاً ولا عدلًا يعوزها الدليل بل النقل وارد على
خلافها، وكذا العقل وسیر السلف .. قال تعالى: ﴿ومن قوم موسی أمة بهدون بالحق وبه يعدلون﴾ فإن حمل
على ما قبل بعثة نبينا أو على من آمن به بعد فلا يمكن أن يحمل قوله: ﴿من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار
يؤدة اليك﴾؛ لأن الأخيرة دالة على مبلغ أمانتهم، والشهادة عمادها الأمانة، وكذلك قبل الرسول عليه
السلام شهادتهم في آية الرجم في التوراة، فلو لم يكونوا صادقين لردها، وأما دليل العقل فهو أن الأصل في
خير الإنسان الصدق وإن كان كافراً، فلا يعدل عنه إلا عند وجود التهمة، وهذا مستلزم لإثبات عدالة
الكفار. واستدلوا ثانياً: بأن الله تعالى حكم على الكفار بالفسق وأثبت عليهم الظلم والكذب لإنكارهم آياته
عناداً مع علمهم بحقيتها قال تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾، وقال: ﴿والكافرون
هم الظالمون﴾، وقال: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾. وإن كان المسلم الفاسق الظالم ترد
شهادته بسبب ظلمه وفسقه فأولى بالكافر أن ترد شهادته؛ لأن الكاذب على الناس أدنى حالاً من الكاذب على
الله)) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه)). ونوقش هذا الدليل: بأن إخبار الله بفسفهم
وكذبهم مرجعه إلى العقيدة، وهذا غير مانع من عدالتهم وأمانتهم وتصديقهم في المعاملات؛ لأن فسق العقيدة
غير ممكن لتهمة الكذب الذي هو المانع من قبول الشهادة، ودليل ذلك. وصف الله لهم في كتابه بالأمانة على
القنطار والمشاهدة الكثيرة المؤدية لصدقهم وأمانتهم في معاملتهم حتى لقد يشتهر البعض منهم بذلك، ويطمئن
القلب إلى صدقه، وتسكن النفس لقوله. وإنما ردت شهادة الفاسق لأجل كذبه واتهامه بتعاطي المنكرات، أما
الكافر فليس كذلك إذ إن منهم من يكون عدلاً في دينه صادق اللهجة بين قومه، فلم يكن ثم مانع من قبول
شهادته على المسلم، وإذا كان سبحانه قد أباح معاملتهم، وأحل نساءهم وطعامهم، وكان هذا مستلزماً
الرجوع إلى أخبارهم وقبولها في ذلك، وجاز الاعتماد على تلك الأخبار فيما هو متعلق بالأعيان التي تحرم
وتحل، فأولى أن نعتمد على خبرهم في غيرها. فإن كانت الحجة في ذلك هي الحاجة الماسة، فباب الشهادة أشد
حاجة وأقوى كما بينا. واستدلوا ثالثاً: بأن نقص الكفر أغلظ من نقص الرق، ونقص الرق مانع من قبول
الشهادة على المسلم، فيكون نقص الكفر أولى بالمنع، أما دليل كون الكفر أغلظ فهو أن نقص الكفر مانع من
قبول الخبر عن الرسول وصحة العبارات؛ ونقص الرق ليس بمانع منهما. ونوقش هذا الدليل: بأن العبد لما
لم تكن له ولاية على أحد، وكان متولى عليه كالصبي منعت عنه أهلية الشهادة أصلاً، بخلاف الكافر فإنه أهل
للولاية في الجملة فهو أهل لأن يلي مثله، فتثبت له أهلية الشهادة، ولهذا كان أثر الرق في باب الشهادة أقوى
من الكفر لاعتمادها على الولاية. واستدلوا رابعاً: بأن في قبول شهادة الكفار على المسلمين تكريماً لهم ورفعاً
لقدرهم وشأنهم، ورذيلة الكفر معصية لا يناسبها ذلك. ونوقش هذا الدليل: بأنا نسلم أن في القبول تكريماً
لهم، ولكن الكفر غير مانع من التكريم عند الضرورة. والاحتيال على إيصال الحقوق لأهلها، والممنوع هو
أن يكرم الكافر لكفره أي من حيث كونه كافراً لا من حيث كونه شاهداً. واستدلوا خامساً: بأن في قبول
شهادتهم إلزاماً لقاضي المسلمين بالقضاء عند شهادتهم، والمسلم لا يلزم بقول كافر؛ لأنه لا ولاية لكافر على
مسلم، فلا يكون الكافر أهلًا للشهادة على المسلم. وتوقش هذا الدليل: بأن القاضي لما كان ملزماً باتباع
الحق حيثما كان، وبالقضاء عند ظهور الحجة الصادقة له أينما وجدت لم يكن هناك مانع من قبوله شهادة
الكافر على المسلم احتيالاً لإثبات الحقوق ومحافظة عليها من الضياع. واستدل المجيزون لها في وصية السفر : .
أولاً: بقوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم
أو آخران من غيركم إن أنتم ضريتم في الأرض الآية»
=

١٤٣
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
= وجه الدلالة أن الضمير في قوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾ راجع للمؤمنين؛ لأن الخطاب في صدر الآية لهم،
فكان الضمير وتقييد الآية بالضرب في الأرض الذي هو السفر مُفْهِمٌ أن هذا الحكم حيث لم يكن هناك مسلم؛
لأنه لا موجب لهذا الشرط إلا الضروة الحاصلة عند السفر، وحينئذ يكون معنى الآية أنه سبحانه يخبرنا أن
الشهادة على الموصى إذا حضر الموصي الموت في الحضر تكون على يد عدلين من المسلمين، وإن كان في السفر
ووجد من يُشهده من المسلمين فكذلك، فإن كانت الوصية في السفر ولم يجد من يُشهده من المؤمنين جاز له أن
يُشهد على وصيته من حضر ولو كان من أهل الكفر، وفي ذلك دلالة ظاهرة. على صحة إشهاد الكافر على
المسلم، وبالتالي قبول شهادته عليه؛ لأنه لا معنى للإشهاد إلا صحة الأداء، ثم لا يتم الاستدلال إلا بتفسير
قوله: ﴿من غيركم﴾ في الآية بالكفار، والدليل على هذا التفسير، أولًا: أن قوله: أو آخران من غيركم إن
أنتم ضربتم في الأرض، دليل)) على أن جواز الاستشهاد بالآخرين شرطه أن يكون المستشهد في سفر، فلو كان
الشاهدان مسلمين لماكان الاستشهاد بهما مشروطاً بذلك؛ لأن الاستشهاد بالمسلم جائز سفراً وحضراً.
ثانياً: أن سياق الآية دال على وجوب تحليف هذين الشاهدين بعد الصلاة، وإجماع المسلمين على عدم وجوب
تحليف الشاهدين مضاد لذلك، فخروجاً من هذا يحمل الشاهدان على غير المسلمين. ثالثاً: ما جاء في سبب
نزول الآية فقد روى عبد الملك عن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم
قیل: إن سارية مولی العاص بن وائل السهمي مع تميم الداري وعدي، فمات السھمي بأرض ليس بها مسلم،
فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوص بذهب، فأحلفهما رسول الله (98)، ثم وجدوا الجام بمكة،
فقالوا: اشتريناه من تميم الداري وعديّ، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله إن هذا لجام السهمي
ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذن لمن الظالمين، فأخذا الجام)) قال ابن عباس: وفيهم نزلت
الآية. ووجه الدلالة في سبب النزول في قوله: فقام رجلان من أولياء السهمي وأولياؤه كانوا كفاراً، وقبل
الرسول شهادتهما على المسلم. رابعاً: قراءة ابن عباس رضي الله عنهما: أو آخران من غيركم من أهل
الكتاب، ولا يقرؤها كذلك إلا سماعاً من الرسول. ونوقش هذا الدليل: بأن الآية منسوخة بقوله تعالى:
﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ والكافر غير مرضيّ الشهادة على المسلم، وآية الدين التي ورد فيها الناسخ من
آخر القرآن نزولاً كما رئي ذلك عن زيد بن أسلم وغيره. وأجيب بأن دعوى النسخ لا تصح ولا تثبت
بالاحتمال، بل لا بد من ثبوت كون الناسخ متراخياً عن المنسوخ على وجه يتعذر معه الجمع، فإنه أولى من
إلغاء الدليلين، ويؤيد عدم النسخ ما صح عن عائشة وابن عباس وجمع من السلف أن سورة المائدة محكمة .
ونوقش بأنه على تسليم عدم النسخ نمنع أن يكون المراد من قوله ﴿ذوا عدل منكم﴾ من المؤمنين، بل المراد
من عشيرتكم وقرابتكم لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان، كما نمنع أن يكون المراد بقوله: ﴿من غيركم
هم الكفار بل المراد بهم من غير عشيرتكم وقرابتكم وقبيلتكم﴾ روي هذا عن الزهري، واستدل النحاس على
ذلك بأن لفظ ((آخراً لا بد أن يشارك الذي قبله في الصفة حتى لا يسوغ أن يقول مررت برجل كريم ولئيم
آخر، فعلى وصف الاثنين بالعدالة بتعين أن يكون الآخران كذلك. وأجيب: بأن دعوى أن يكون المراد بمن
غيركم في الآية العشيرة والقبيلة مردودة بكون الخطاب في أول الآية عام لجميع المؤمنين، فغيرهم لا يكون إلا
من الكفار، ثم إن ساغ هذا التفسير في الآية فما ورد في سبب النزول يدل على خلافه؛ لأن الصحابي إذا
حكى سبب النزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع اتفاقاً، وليس يخاف أن لا اتفاق بين هذا التفسير وما
ورد في سبب النزول. ونوقش الدليل أيضاً: بأن الآية لا دلالة فيها على المطلوب؛ لأن المراد بالشهادة المذكورة
ليست هي الشهادة المتنازع فيها، وإنما هي إيمان الموصي بالله تعالى للورثة، وبأن الآية على مقتضى الاستدلال
تخالف القياس والأصول من جهة أنها تضمنت شهادة الكافر وهو لا شهادة له لكونه غير مرضي الشهادة،
وتضمنت حبس الشاهد وهو لا يحبس، وتضمنت تحليف إحدى البينتين أن شهادتهما أحق من شهادة
الأخرى، وتضمنت شهادة المدعيين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد دعواهم وأيمانهم.
وأجيب: بأنه لو كان المراد بذلك أيمان الأوصياء للورثة لما قيدت بالنص، ولما طلب من الشاهد أن يتلفظ
بقول: لا نكتم شهادة الله، ولَمَا ذُكِرَتْ الأيمان قسيمة لها في آخر الآية. في قوله: ﴿أو ترد أيمان=

١٤٤
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
= بعد أيمانهم﴾ فإن قسيم الشيء مغاير له. ولو كان المراد من الشهادة اليمين لكان المعنى في قوله: ﴿لا نكتم
شهادة اله﴾ في الآية. يحلفان بالله ما نكتم اليمين، وهذا لا معنى له ألبتة، فإن اليمين لا تكتم، ولا يقال
للشخص: احلف إنك لا تكتم حلفك، وأيضاً: حمل الشهادة في الآية على اليمين مخالفة لما هو متعارف من
لفظ الشهادة في أسلوب القرآن والسنة، وإلا لكانت الشهادة في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ وقوله:
﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، وقوله: ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم﴾ معناها اليمين، ولم يقل به أحد.
وكيف يكون المراد بالشهادة اليمين مع أن الشهادة عطفت على ذوي العدل من المؤمنين، وهما شاهدان،
والموصي إنما يحتاج للشهادة لا للأيمان، فلا بد من حمل الآية عليها. فإن قيل: لا عذابة في هذا الحمل فقد
سمى الله أيمان اللّعان شهادة كما في قوله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾، وقوله: ﴿ويدرأ
عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله﴾. أجيب: بأنه إنما سمى أيمان الزوج شهادة في اللعان لأنها قائمة
مقام البيئة، ولذلك ترجم المرأة حين نكولها عن اليمين، وسميت أيمان اللعان شهادة لمقابلتها شهادة الزوج.
أما جواب كون الآية مخالفة للأصول ومتضمنة شهادة الكافر، وهو لا شهادة له، فهو أن الخصم لا ينفي
شهادة الكافر فقد قال بشهادته على مثله الحنفية، وجوز المالكية شهادة الطبيب الكافر على المسلم حيث لا
طبيب مسلم. وأما حبس الشاهد، وهي المخالفة الثانية، فليس المراد به وضعه في السجن كما ظن المعترض
بل إمساكه لليمين بعد العصر. وأما تحليف الشاهدين فإنما يكون ممنوعاً في الشهادة إذا كانت أصلية، أما في
مثل مسألتنا فالشهادة ضرورية لكونها شهادة من كافر على مسلم بدلًا من شهادة مسلم قبلت للضرورة، ولم
يرد نص من كتاب أو سنة بمنعها، فلم يكن ثمّ مانع من تحليف الشاهد، وقد حلّف ابن عباس امرأة شهدت
برضاع عنده، وذهب إلى القول بتحليف الشاهد الإمام أحمد في أحد قوليه. وقال بعض السلف بجواز تحليف
الشاهد المسلم عندما يرتاب الحاكم في شهادته. وأما أنها تتضمن شهادة المدعيين لأنفسهم والحكم لهم بمجرد
دعواهم، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه سبحانه جعل الأيمان لهم عند ظهور اللوث بخيانة الوصيين، ومن هنا
شرع لهما الحلف ثم الاستحقاق، وليس ذلك من باب الشهادة من المدعي لنفسه بل من باب الحكم له بيمينه
القائم مقام الشهادة لقوة جانبه. واستدل المجوزون ثانياً بأن الصحابة رضوان الله عليهم قبلوا شهادة الكافر
على المسلم في الوصية في السفر، فقد روى أبو عبيد في كتابه الناسخ والمنسوخ أن ابن مسعود رضي الله عنه
قضى بذلك زمن عثمان. وروى غيلان بن جامع عن عامر قال: شهد رجلان من أهل دقوقا على وصية
مسلم عندهم. وإن أهل الوصية أتوا بها أبا موسى الأشعري فأحلفهما بالله بعد العصر ما اشترينا به ثمناً
قليلاً، ولا كتمنا شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين. ثم قال أبو موسى هذه القضية ما قضي بها منذ مات رسول الله
، إلى اليوم، ورواه أبو داود والدارقطني عن الشعبي بوجه آخر، وفيه: قال الأشعري: هذا أمر لم يكن
بعد الذي كان في عهد رسول الله، فدل الذي تقدم من عمل الصحابة على قبول شهادة الكفار في وصية السفر
على المسلمين. ونوقش: يكون المسألة خلافية بين الصحابة لم تتفق كلمتهم فيها، ثم لا يبعد أن تكون قضية
عين محتملة للتأويل، ومع الاحتمال لا حجة فيها. وأجيب: بأن قول الأشعري وعمل الصحابة بها من غير
تكسير يدل على أنها ليست قضية عين، وكيف تكون كذلك مع قول ابن مسعود بها. واستدلوا ثالثاً: بأن في
قبول شهادتهم رفقاً بهم ورفعاً لضرورة وقعت بالمسلمين، فما مثل قبول شهادة الكفار في وصية السفر عند
تعذر المسلمين إلا كالتميم عند فقدان الماء والإفطار في رمضان للعاجز. وحيث كان الإنسان عند قرب أجله
وهو غريب عن أهله ووطنه غير واجد لمسلم يشهده على ما أراد. في حاجة ملحة للإيصاء. أباح الشارع له
إشهاد الكافر على وصيته في مثل هذه الحالة تخليصاً لذمته وإرضاء لنفسه، فقد تكون عليه زكوات لم يؤدها أو
كفارات يريد إخراجها. أو ديون وودائع يبغي وفاءها. تضيع إذا لم يوص بها، ويشهد عليها من حوله ولو
كانوا كفاراً، ومثل هذا شهادة النساء عند الولادة أو الاستهلال. قبلت وحدهن للضرورة، وللخروج من
الضيق والشدة، فحيث اكتفى بشهادة النساء في الضرورة كذلك يكتفى بشهادة الكفار عندها، وعند فقدان
المسلم الذي يشهد في السفر. ونوقش: بأن الرفق بالعبيد المسلمين العدول أولى من الرفق بالكفار. وحيث لم
يُرفق الإسلام بالأولين فلا نرفق بالآخرين؛ لأن شرط الله في الشهود الإسلام والحرية، فلا وجه =

١٤٥
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
قال في الهندية: مات وعليه دين المسلم بشهادة نصراني ودين لنصراني بشهادة
نصراني. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومحمد وزفر: بدىء بدين المسلم، هكذا في محيط
السرخسي، فإن فضل شيء كان ذلك للنصراني، هكذا في المحيط.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن التركة تقسم بينهما على مقدار دينهما،
فتاوى الأنقروي عن التاترخانية والمحيط اهـ. وتمام المسألة فيها وفي حاشية الخير الرملي
على البحر.
أقول: في الذخيرة نصراني مات وترك ألف درهم وأقام مسلم شهوداً من النصارى
على ألف على الميت وأقام نصراني آخرين كذلك تدفع الألف المتروكة للمسلم ولا
يتحاصان عنده. وعند أبي يوسف: يتحاصان. والخلاف راجع إلى أن بينة النصراني مقبولة
عنده في حق إثبات الدين على الميت لا في حق إثبات الشركة بينه وبين المسلم. وعلى قول
أبي يوسف مقبولة فيهما اهـ.
والحاصل: أنه على قول الإمام يلزم من إثبات الشركة والمحاصة الحكم بشهادة
= لتخصيص الكفار بالقبول في بعض الأحوال دون العبيد مع صدق رد الشهادة عليهما وأجيب: بالفرق
بين الكفار والرقيق، فإن الكفار لهم ولاية في الجملة حتى على أنفسهم. بخلاف العبيد، فإن ولايتهم مسلوبة
أصلاً فلا يتساويان في الشهادة، ثم ورود سبب النزول مخصصاً للكفار ينفي أن يلحق العبيد بهم. هذا. وقد
نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية ما نصه ((وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع هو ضرورة
يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة سواء كانت حضراً أو سفراً). ومنه يفهم أن ابن تيمية يرى أن قبول
شهادتهم على المسلم عند الضرورة غير مختص بوصية أو غيرها بحضر أو بسفر. وفي موضع آخر قال نقلاً
أيضاً عن شيخه: ((إن كل موضع ضرورة غير المنصوص عليه في الآية فيه روايتان عن أحمد رواية بالجواز
وأخرى بالمنع)). إذن مذهب أحمد في شهادة الكفار على المسلمين عند الضرورة روايتان. جرى على أحدهما ابن
تيمية وهي قبول شهادتهم في كل موضع ضرورة، والأخرى تخصيص القبول بما ورد في آية الوصية. لكنا إذا
نظرنا إلى العلة التي عللوا بها قبول شهادتهم على المسلمين في وصية السفر وهي عدم وجود مسلم يشهد،
ومعناها الضرورة وجدنا أن العلة وصف ظاهر منضبط لا مانع من تعدية الحكم فيه إلى كل ضرورة تقوى على
ضرورة عدم وجود مسلم في السفر، وبذلك تكون شهادة الكافر مقبولة عند كل ضرورة، وقد ورد القرآن
بنوع منها. ولعل هذا ما دعا الحنفية والمالكية إلى قبولها تبعاً أو ضرورة، وقد وجهوا قبول شهادة الطبيب
الكافر على المسلم في بعض العيوب بالضرورة، وكذا قال الحنفية بقبولها ضرورة، لأن المسلمين لا يحضرون
موت اليهود والنصارى عادة، والوصية تكون عند موتهم غالباً، فلو لم تقبل شهادتهم على المسلم في إثبات
الإيصاء لأدى هذا إلى ضياع الحقوق المتعلقة بالإيصاء، فكان القبول لدفع الحرج واحتيالً لإثبات الحقوق.
والواقع أن قبولها عند الضرورة هو الذي يلائم روح الشريعة ولا يقف حجر عثرة في قضاء المصالح المشتركة
التي كثرت في عصر كعصرنا. انظر خرش ص ٧ ص ١٧٦ الشرح الكبير السرخسي ص ٤ ص ١٦٥. كشاف
النعناع ص ٤ ص ١٥٢. المغنى لابن قدامة ١٢/ ٥١.
(٢) في ط. قوله: (لأنه يغيظه قهره إياه) قال الرملي: الضمير في أنه ويغيظه راجع للذمي، وفي قهره راجع
للمسلم: أي لأنه بسبب قهر المسلم إياه وإذلاله له يتقول عليه بخلاف ملل الكفر، لأن ملة الإسلام قاهرة
للکل، فلم يبق له غيره یستظهرون بها انتهى.

١٤٦
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
إلا في خمس مسائل على ما في الأشباه. وتبطل بإسلامه قبل القضاء، وكذا بعده لو
بعقوبة كقود. بحر (وإن اختلفا ملة) كاليهود والنصارى (و) الذمي (على المستأمن لا
عكسه) ولا مرتد على مثله في الأصح، (وتقبل منه على) مستأمن (مثله مع اتحاد
الكافر على المسلم. قوله: (إلا في خمس مسائل) الأولى فيما إذا شهد نصرانيان على نصراني
أنه قد أسلم وهو يجحد لم تجز شهادتها، وكذا لو شهد عليه رجل وامرأتان من المسلمين
وترك على دينه، ولو شهد نصرانيان على نصرانية أنها أسلمت جاز وأجبرت على الإسلام
ولا تقتل، وهذا قول الإمام اهـ.
قال العلامة المقدسي: ينبغي أن يكون الكافر الذكر كذلك يجير ولا يقتل، كما لو
أسلم مكرهاً أو سكران، وهو كذلك في الولوالجية والمحيط. ونصه: لو شهد على إسلام
النصراني رجل وامرأتان من المسلمين وهو يجحد أجبر على الإسلام ولا يقتل، ولو شهد
رجلان من أهل دينه وهو يجحد فشهادتهما باطلة، لأن في زعمهما أنه مرتد ولا شهادة
لأهل الذمة على المرتد اهـ. الثانية: فيما إذا شهدا على نصراني ميت وهو مديون مسلم:
أي والتركة لا تفي. الثالثة: فيما إذا شهدا عليه بعين اشتراها من مسلم والمسلم ينكر
البيع. الرابعة: فيما إذا شهد أربعة على نصراني أنه زنى بمسلمة إلا إذا قال استكرهها
فإنه يجد الرجل وحده. الخامسة :. فيما إذا ادعى مسلم عبداً في يد كافر فشهد كافران أنه
عبده وقضى به فلان القاضي المسلم اهـ. قوله: (وتبطل بإسلامه) أي شهادة الذمي على
مثله بإسلامه: أي المشهود عليه قبل القضاء، لأنه لو قضى عليه لقضى على مسلم
بشهادة الكافر. قوله: (وكذا بعده لو بعقوبة) كقود. بحر. لأن المعتبر إسلامه حال
القضاء لا حال أداء الشهادة ولا حال الشهادة، لما في البحر عن الولوالجية: نصرانيان
شهدا على نصراني بقطع يد أو قصاص ثم أسلم المشهود عليه بعد القضاء بطلت الشهادة
لأن الإمضاء من القضاء في العقوبات اهـ. وهل تجب الدية؟ ذكر الخصاف أنها تجب
الدية، فقيل إنه قول الكل، وقيل عنده ينفذ القضاء فيما دون النفس ويقضي بالدية في
النفس. وعندهما: يقضي بالدية فيهما اهـ. شرنبلالية. قوله: (وإن اختلفا ملة) لأن
الكفر كله ملة واحدة. قوله: (والذمي على المستأمن) لأن الذمي أعلى حالاً منه لكونه
من أهل دارنا ولذا يقتل المسلم بالذمي ولا يقتل بالمستأمن. منح. قوله: (لا عكسه)
لقصور ولايته عليه لكونه أدنى حالاً منه. منح. قوله: (ولا مرتد على مثله) والوجه فيه
أنه لا ولاية له على أحد كما قدمناه. قوله: (في الأصح) أي أنها لا تقبل بحال غيره كما
قدمناه عن المحيط: قوله: (وتقبل منه) أي من المستأمن قيد به لأنه لا يتصور غيره، فإن
الحربي لو دخل بلا أمان قهراً استرق ولا شهادة للعبد على أحد. فتح. قوله: (مع اتحاد
الدار) أي بأن يكونا من أهل دار واحدة، فإن كانوا من دارين كالروم والترك لم تقبل.

١٤٧
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
الدار) لأن اختلاف داريهما يقطع الولاية كما يمنع التوارث.
(و) تقبل (من عدوّ بسبب الدين)
هداية. لا يخفى أن الضمير في كانوا للمستأمنين في دارنا، وبه ظهر عدم صحة ما نقل
عن الحموي من تمثيله لاتحاد الدار بكونهما في دار الإسلام وإلا لزم توارثهما حينئذ وإن
کانا من دارین مختلفین.
وفي الفتح: وإنما تقبل شهادة الذمي على المستأمن وإن كانا من أهل دارين مختلفين،
لأن الذمي بعقد الذمة صار كالمسلم وشهادة المسلم تقبل على المستأمن فكذا الذمي. قاله
سيدي الوالد رحمه الله تعالى. ويأتي تأييده في المقولة الآتية إن شاء الله تعالى. قوله: (لأن
اختلاف داريهما) قال في البحر: ويستثنى من الحربي على مثله ما إذا كانا في دارين مختلفين
كالإفرنج والحبش لانقطاع الولاية بينهما، ولهذا لا يتوارثان، والدار تختلف باختلاف
المنعة والملك اهـ. والذي في المنح ونحوه في الفهستاني التعبير بما إذا كانا من دارين،
فيفيد أنهما لو كانا في دارنا وهما من دارين لا تقبل شهادتهما على الآخر، لأن الإرث
بمتنع في هذه الصورة لوجود، الاختلاف الحكمي، وهذا هو الظاهر: خلافاً لما أفاده
الحموي كما تقدم في المقولة السابقة، فإنهما إذا كانا في داريهما لا وجه للقضاء بشهادته
لأن دار الحرب ليست دار أحكام. فليتأمل ط. قوله: (عدوّ) العدوّ: من يفرح لحزنك
ويحزن لفرحك، وقيل يعرف بالعرف. بحر. ومثله في فتاوى على أفندي عن خزانة
المفتين.
قال العلامة النحرير السيد الشريف محمود أفندي حمزة مفتي دمشق الشام في فتاواه
بعد كلام: فتحصل من هذا أن من يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه فهو عدوّه، وكل
عدوّ ترد شهادته إذا كانت دنيوية، فمن يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه ترد شهادته،
فالصغرى مسلمة لما في البحر وعلي أفندي من تعريف العدوّ والكبرى مسلمة للحديث
الشريف(١) الذي هو دليل المجتهد، فأنتج لذاته أن من يفرح لحزن الآخر ويحزن لفرحه
تردّ شهادته، ثم إذا حكم بها حاكم لا ينفذ حكمه لما في البحر أيضاً: وكيف لا ترد شهادة
من اتصف بهذه الصفة وهي مما تتناهى به العداوة، وقد وصف الله تعالى بها المنافقين في
كتابه العزيز: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسَؤُهِمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهِا﴾ [آل
عمران: ١٢٠]. قال القاضي: بيان تناهي عداوتهم إلى حدّ حسد وأماناً لهم من خير
ومنفعة وتمنوا ما أصابهم من ضرر وشدة، فخذ الجواب مع الدليل والبرهان والله تعالى
أعلم اهـ. قوله: (لأنها من التدين) فيدل على كمال دينه وعدالته، وهذا لأن المعاداة قد
(١) في ط وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تجوز شهادة ذي الظنة ولا ذي الحنة)) رواه الحاكم والبيهقي، وهو
حديث صحيح. وذو الحنة: العدو. قال في النهاية الحنة: العداوة ..

١٤٨
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
لأنها من التدين، بخلاف الدنيوية فإنه لا يؤمن من التقوّل عليه كما سيجيء. وأما
تكون واجبة، بأن رأى فيه منكراً شرعاً ولم ينته بنهيه وقد قبلوا شهادة المسلم على الكافر
مع ما بينهما من العداوة الدينية. حموي. قوله: (بخلاف الدنيوية) كشهادة المقذوف على
القاذف، والمقطوع عليه الطريق على القاطع، والمقتول وليه على القاتل، والمجروح على
الجارح، والزوج على امرأته بالزنا إذا كان قذفها أو لا، فالعداوة ليس كما يتوهمه بعض
المتفقهة، أو الشهود أن كل من خاصم شخصاً في حق وادعى عليه أن يصير عدوه فيشهد
بينهما بالعداوة، بل العداوة إنما تثبت بنحو ما ذكرنا.
وفي القنية أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع به ما لم يفسق بسببها أو يجلب منفعة أو
يدفع بها عن نفسه مضرّة، وهو الصحيح وعليه الاعتماد اهـ.
وفي فتاوى المصنف: سئل عن رجل شتم آخر وقذفه فهل تثبت العداوة الدنيوية
بينهما بهذا القدر، حتى لو شهد لا تقبل؟ أجاب: ظاهر كلامهم أن العداوة الدنيوية تثبت
بهذا القدر، فقد صرح في شرح الوهبانية أنها: أي العداوة تثبت بنحو القذف وقتل الولي
اهـ.
مَطْلَبٌ: الفِسْقُ لَا يَتَجَزَّأَ
ولا تقبل شهادة من فيه عداوة دنيوية على عدوه، ولا على غيره بل تكون قادحة في
حق جميع الناس، فإن الفسق لا يتجزأ حتى يكون فاسقاً في حق شخص لا في حق غيره،
ويقاس على عدم تجزيء الفسق ما لو كان ناظراً على أوقاف عديدة وثبت فسقه بسبب
خيانة في واحد منها، فإن يسرى في كلها فيعزل منها جميعاً كما أفتى به المفتي أبو السعود
العمادي المفسر في فتاويه، ولو ادعى شخص عداوة آخر يكون اعترافاً منه بفسق نفسه؛
ولو شهد الشاهد على آخر فخاصم المشهود عليه الشاهد قبل القضاء لا يمتنع القضاء
بشهادته إلا إذا ادعى أنه دفع إليه كذا لئلا يشهد عليه وطلب الرد وأثبت دعواه ببينة أو
إقرار أو نكول فتبطل شهادته، وهو جرح مقبول كما صرحوا به، لكن قال سيدي الوالد
في جواب سؤال عمن شهد علیه شهود بحق وزکوا فتعلل المدعی علیه أن الشهود من
زكاهم أعداء له بسبب تشاجر معهم على قمار ولعب. فأجاب بعد كلام حاصله: ففي
الحادثة المسؤول عنها ربما أنه فسق بها، إذ العداوة جرت بينهما على ما قاله المدعى عليه
بسبب قمار ولعب محرّمين شرعاً، ولكن المتأخرون على الأول من الإطلاق سواء فسق بها
أو لا، والحديث الشريف شاهد لما عليه المتأخرون كما رواه أبو داود مرفوعاً ((لا تجوز
شهادة خائن ولا ذي غمر على أخيه)) والغمر: الحقد. ويمكن حمله على ما إذا كان غير
عدل بدليل أن الحقد فسق للنهي عنه كما أفاده في البحر.

١٤٩
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
مَطْلَبٌ: العَدَاوَةُ إِذَا فُسِّقَ بِهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتَهُ عَلَى أَحَدٍ
وَإِنْ لَمْ يُفْسَّقْ بِا تُقْبَلْ عَلَى غَيْ عَدُوِّهِ
وقال العلامة الخير الرملي في فتواه: فتحصل من ذلك أن شهادة العدوّ على عدوّه لا
تقبل وإن كان عدلاً، وصرح يعقوب باشا في حاشيته بعدم نفاذ قضاء القاضي بشهادة
العدوّ على عدوّه، والمسألة دوارة في الكتب فإذا أثبت المدعى عليه العداوة ثبوتاً شرعياً
فتجري الأحكام المذكورة من عدم صحة أداء الشهادة والتزكية المذكورة لثبوت عداوتهم
بالسببين المرقومين المحرمين شرعاً، وسبب الحقد وأنهم ممن يفرحون لحزنه ويحزنون لفرحه
اهـ. وتمامه فيه.
فإن قلت: العدالة الدنيوية فسق لأنه لا يحل معاداة المسلم لأجل الدنيا، فهلا
استغنى عنه بقوله لا تقبل شهادة الفاسق.
قلت: للفرق بينهما، فإنه لو قضى بشهادة الفاسق صح وأثم كما مر، ولو قضى
بشهادة العدوّ بسبب الدنيا لا ينفذ، لأنه ليس بمجتهد فيه كما نقله المصنف عن يعقوب
باشا، لكن قال المنلا عبد الحليم في حاشيته على الدرر: وقد جاءت الرواية بعدم قبول
شهادة عدوّ بسبب الدنيا مطلقاً. والتحقيق فيه أن من العداوة المؤثرة في العدالة كعداوة
المجروح على الجارح وعداوة ولي المقتول على القاتل. ومنها غير مؤثرة كعداوة شخصين
بينهما وقعت مضاربة أو مشاتمة أو دعوى مال أو حق في الجملة، فشهادة صاحب النوع
الأول لا تقبل كما هو المصرح في غالب كتب أصحابنا والمشهور على ألسنة فقهائنا،
وشهادة صاحب النوع الثاني تقبل لأنه عدل، وبهذا التحقيق يحصل التوافق بين الروايتين
وبين المتن والشرح وإن لم يهتد المصنف إليه، الحمد لله الذي هدانا لهذا اهـ.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى بعد كلام: والحاصل أن في المسألة قولين
معتمدین .
أحدهما: عدم قبولها على العدوّ، وهذا اختيار المتأخرين وعليه صاحب الكنز
والملتقى، ومقتضاه أن العلة العداوة لا لفسق وإلا لم تقبل على غير العدوّ أيضاً.
ثانيهما: أنها تقبل إلا إذا فسق بها، واختاره ابن وهبان وابن الشحنة اهـ. وهل
حكم القاضي في العداوة حكم الشاهد؟ قال شارح الوهبانية: لم أقف عليه في كتب
أصحابنا. وينبغي أن يكون الجواب فيه على التفصيل إن كان قضاؤه عليه بعلمه لا ينفذ،
وإن كان بشهادة من العدول وبمحضر من الناس في مجلس الحكم بطلب خصم شرعي
ينفذ. ذكره الحموي. وسياق كلام البرجندي يفيد أن شهادة العدو لعدّوه مقبولة لعدم
التهمة، وهذا بناء على أن العلة التهمة، أما إذا كانت العلة الفسق فلا فرق. وقد اختلف

١٥٠
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
الصديق لصديقه فتقبل إلا إذا كانت الصداقة متناهية بحيث يتصرف كل في مال
الآخر. فتاوى المصنف معزياً لمعين الحكام (و) من (مرتكب صغيرة) بلا إصرار (إن
اجتنب الكبائر) كلها وغلب صوابه على صغائره. درر وغيرها. قال: وهو معنى
العدالة.
وفي الخلاصة: كل فعل يرفض المروءة والكرم قهو كبيرة، وأقره ابن الكمال،
تعليل المشايخ في ذلك. قال أبو السعود: ولعل في المسألة قولين: منهم من علل بالأول،
ومنهم من علل بالثاني اهـ.
أقول: قد علمت ما قدمناه عن سيدي الوالد أنهما قولان معتمدان، وأن المتون على
عدم قبولها وإن لم يفسق بها للتهمة. قوله: (إلا إذا كانت الصداقة متناهية) أي فإنها لا
تقبل للتهمة. قوله: (بلا إصرار) أي تقبل من مرتكب صغيرة بلا إصرار، لأن الإلمام من
غير إصرار لا يقدح في العدالة، إذ لا يوجد من البشر من هو معصوم سوى الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام، فيؤدي اشتراط العصمة إلى سد باب الشهادة وهو مفتوح. أما إذا
أصرّ عليها وفرح بها أو استخفّ، إن كان عالماً يقتدى به فهي كبيرة كما ذكره بعضهم.
قوله: (إن اجتنب الكبائر كلها وغلب صوابه على صغائره) الأولى أن يقول على خطئه،
وأشار إلى أنه كان ينبغي أن يزيد وبلا غلبة. قال ابن الكمال: لأن الصغيرة تأخذ حكم
الكبيرة بالإصرار؛ وكذا بالغلبة على ما أفصح عنه في الفتاوى الصغرى حيث قال: العدل
من يجتنب الكبائر كلها، حتى لو ارتكب كبيرة تسقط عدالته، وفي الصغائر العبرة للغلبة
والدوام على الصغيرة لتصير كبيرة ولذا قال: ((وغلب صوابه)). قوله: (وهو معنى العدالة)
قال الكمال: أحسن ما نقل فيها عن أبي يوسف أن لا يأتي بكبيرة ولا يصرّ على صغيرة
ويكون ستره أكثر من هتكه، وصوابه أكثر من خطئه، ومروءته ظاهرة، ويستعمل الصدق
ويجتنب الكذب ديانة ومروءة اهـ.
قال القهستاني: من اجتنب الكبائر وفعل مائة حسنة وتسعاً وتسعين صغيرة فهو
عدل، وإن فعل حسنة وصغيرتين ليس بعدل اهـ. قال في البحر: هي الاستقامة، وهي
بالإسلام واعتدال العقل، ويعارضه(١) هوى يضله ويصده، وليس لكمالها حدّ يدرك
مداه، ويكتفى لقبولها بأدناه كي لا تضيع الحقوق، وهو رجحان جهة الدين والعقل على
الهوى والشهوة اهـ. وتمامه فيه. قوله: (كل فعل يرفض المروءة والكرم فهو كبيرة) أي
كل فعل من الذنوب والمعاصي فهو كبيرة، إذ يبعد أن يقال: إن الأكل في السوق مثلاً
لغير السوقي كبيرة، بل قالوا: إنما يحرم عليه ذلك إذا كان متحملاً شهادة لئلا يضيع حق
(١) في ظ. قوله: (ويعارضه الخ) لعله ((ومعارضة)).

١٥١
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
قال: ومتى ارتكب كبيرة سقطت عدالته
المشهود له. وعبارة الخلاصة بعد أن نقل القول بأن الكبيرة ما فيه حدّ بنص الكتاب.
قال: وأصحابنا لم يأخذوا بذلك وإنما بنوا على ثلاثة معان: أحدها ما كان شنيعاً بين
المسلمين وفيه هتك حرمة. والثاني أن يكون فيه منابذة المروءة والكرم، فكل فعل يرفض
المروءة والكرم فهو كبيرة. والثالث أن يكون مصرّاً على المعاصي أو الفجور اهـ وتعقبه في
فتح القدير بأنه غير منضبط وغير صحيح اهـ. ولذا قال المحشي فيما ذكره الشارح عنها،
قال: إلا أن يراد الكبيرة من حيث منع الشهادة. قال القهستاني: هذا التعريف غير
الأصح.
قال في الذخيرة: الأصح أن ما كان شنيعاً بين المسلمين وفيه هتك حرمة الدين فهو
من الكبائر، وكذا ما فيه نبذ المروءة والكرم، وكذا الإعانة على المعاصي والحثّ عليها.
وفي معين المفتي: رفض المروءة ارتكاب ما يعتذر منه ويضعه على رتبته عند أهل الفضل.
قال العيني: اختلفوا في الكبيرة، فقال أهل الحجاز وأهل الحديث: هي السبع
المذكورة في الحديث المشهور، وهي: الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وعقوق
الوالدين، وقتل النفس، وبهت المؤمن، والزنا، وشرب الخمر. وزاد بعضهم عليها: أكل
الربا، وأكل أموال اليتامى بغير حق. وقيل ما ثبت حرمته بدليل مقطوع به فهو كبيرة،
وقيل ما فيه حدٍّ أو قتل فهو كبيرة، وقيل كل ما أصرّ عليه المرء فهو كبيرة .. وما استغفر
عنه فهو صغيرة.
والأوجه ما ذكره المتكلمون أن كل ذنب فوقه ذنب وتحته ذنب، فبالنسبة إلى ما فوقه
فهو صغيرة، وإلى ما تحته فهو كبيرة. والأصح ما نقل عن شمس الأئمة الحلواني أنه قال:
كل ما كان شنيعاً بين المسلمين وفيه هتك حرمة الله تعالى والدين فهو من جملة الكبائر اهـ.
قوله: (ومتى ارتكب كبيرة سقطت عدالته) غير أن الحكم بزوال العدالة بارتكاب الكبيرة
يحتاج إلى الظهور، فلذا شرط في شرب المحرم الإدمان اهـ. حموي.
وفي القهستاني عن قضاء الخلاصة: المختار اجتناب الإصرار على الكبائر، فلو
ارتكب كبيرة مرة قبلت شهادته. قال في الفتح: وما في الفتاوى الصغرى: العدل من
يجتنب الكبائر كلها، حتى لو ارتكب كبيرة تسقط عدالته. وفي الصغائر العبرة للغلبة
لتصير كبيرة حسن. ونقله عن أدب القضاء لعصام وعليه المعوّل، غير أن الحكم بزوال
العدالة بارتكاب الكبيرة يحتاج إلى الظهور، فلذا شرط في شرب المحرم والسكر الإدمان،
والله سبحانه أعلم اهـ. وإذا سقطت عدالته تعود إذا تاب، لما صرحوا بأن المحدود في
القذف إذا تاب فهو عدل: أي وإن لم تقبل شهادته، لكن قال في البحر: وفي الخانية:
الفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته ما لم يمض عليه زمان يظهر التوبة، ثم بعضهم قدره بستة

١٥٢
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(و) من (أقلف) لو لعذر، وإلا لا، وبه نأخذ.
أشهر، وبعضهم قدره بسنة. والصحيح أن ذلك مفوّض إلى رأي القاضي والمعدل.
وفي الخلاصة: ولو کان عدلًا فشهد بزور ثم تاب فشهد تقبل من غير مدة اهـ.
وسيأتي الكلام عليه في هذا الباب وقبل باب الرجوع عن الشهادة في كلام الشارح، وقدمنا
أن الشاهد إذا كان فاسقاً سرّاً لا ينبغي أن يخبر بفسقه كي لا يبطل حق المدعي، وصرح به في
العمدة أيضاً والخانية، والظاهر أنه لا يحل له ذلك كما استظهر سيدي الوالد رحمه الله تعالى.
قال في الخانية قبل التزكية: والتعديل المعروف بالعدالة إذا شهد بزور عن أبي
يوسف أنه لا تقبل شهادته أصلاً أبداً لأنه لا تعرف توبته. وروى الفقيه أبو جعفر أنه
تقبل شهادته وعليه الاعتماد اهـ. وفيها: من اتهم بالفسق لا تبطل عدالته، والمعدل إذا قال
الشاهد هو متهم بالفسق لا تبطل عدالته اهـ.
ولا بأس بذكر أفراد سقطت عدالتهم نص عليها: منها إذا ترك الصلاة بجماعة بعد
كون الإمام لا طعن فيه في دين ولا حال، وإن كان متأولاً في تركها بأن يكون معتقداً
فضيلة أول الوقت والإمام يؤخر الصلاة أو غير ذلك لا تسقط عدالته بالترك، وكذا من
ترك الجمعة من غير عذر، فمنهم من أسقطها بمرة واحدة كالحلواني، ومنهم من شرط
ثلاث مرات، والأول أوجه. وذكر الإسبيجابي أن من أكل فوق الشبع سقطت عدالته
عند الأكثر، ولا بد من كونه في غير إرادة التقوى على صوم الغد أو مؤانسة الضيف اهـ.
والإعانة على المعاصي والحثّ عليها كبيرة، ولا تقبل شهادة الطفيلي والرقاص والمجازف في
كلامه والمسخرة بلا خلاف، ولا من يحلف في كلامه كثيراً. ولا تقبل شهادة البخيل
والذي آخر الفرض بعد وجوبه لغير عذر، إن كان له وقت معين كالصلاة بطلت عدالته،
وإن لم يكن له وقت معين كالزكاة والحج اختلفت فيه الرواية والمشايخ. وذكر الخاصي عن
قاضيخان أن الفتوى على سقوطها بتأخير الزكاة من غير عذر. بخلاف تأخير الحج،
وبرکوب بحر الهند لأنه مخاطر بنفسه ودينه من سكنى دار الحرب وتكثير سوادهم
وعددهم لأجل المال ومثله لا يبالي بشهادة الزور. ولا تقبل شهادة من يجلس مجلس
الفجور والمجانة والشرب وإن لم يشرب كما في الهندية، وتمام ذلك في المطولات. وفي
البحر عن العتابية: من آجر بيته لمن يبيع الخمر لم تسقط عدالته اهـ. قوله: (ومن أقلف)
إذا تقبل شهادة الكبير الذي لم يختتن، لأن العدالة لا تخل بترك الختان لكونه سنة عندنا.
كذا أطلقه في الكنز وغيره وتبعهم المصنف. قوله: (لو لعذر) بأن يتركه خوفاً على نفسه،
أما إذا تركه بغير عذر لم تقبل كما قيده قاضيخان، وقيده في الهداية بأن لا يتركه
استخفافاً بالدين، أما إذا تركه استخفافاً لم تقبل لأنه لم يبق عدلاً؛ وكما تقبل شهادته
تصح إمامته كما في فتح القدير.

١٥٣
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
بحر. والاستهزاء بشيء من الشرائع كفر. ابن كمال
مَطْلَبُ: فيٍ وَقْتِ الخِتَانِ
واختلفوا في وقته، فالإمام لم يقدر له وقتاً معلوماً لعدم ورود النص به، وهذه
إحدى المسائل التي توقف الإمام في الجواب عنها، وقدره المتأخرون واختلفوا. والمختار
أن أول وقته سبع وآخره اثنتا عشرة. كذا في الخلاصة من باب اليمين في الطلاق والعتاق.
ولعل أن سبع سنين أول وقت استغناء الصبيّ عن الغير في الأكل والشرب واللبس
والاستنجاء حيث يتحمل بمثله ووقت الاحتياج إلى التأديب وتهذيب الأخلاق، ولذلك
كان ذلك نهاية مدة الحضانة بل وقت كونه مأموراً بالصلاة ولو ندباً، ومن جملته الختان
أيضاً، وكونه ابن اثنتي عشرة سنة وقت المراهقة البتة واحتمال البلوغ فيه، فحينئذ يجري
عليه قلم التكليف فرضاً ووجوباً وسنة وندباً، ومن جملته كشف العورة وهو حرام على
البالغين من غير محرم، فظهر أن وقت الختان على الوجه المسنون يتم عنده، فلو قال رجل
إن بلغ ولدي الختان فلم أختنه فامرأتي طالق: فإن نوى أول الوقت لا يحنث ما لم يبلغ
سبع سنين. وإن نوى آخره قال الصدر الشهيد: المختار أنه اثنتا عشرة سنة، وهو سنة
للرجال مكرمة للنساء، إذ جماع المختونة ألذ. وكان ابن عباس لا يجيز ذبيحة الأقلف ولا
شهادته اهـ. بحر ملخصاً. وفيه فائدة من كراهية فتاوي العتابي. وقيل في ختان الكبير:
إذا أمكن أن يختن نفسه فعل، وإلا لم يفعل إلا أن يمكنه أن يتزوج أو يشتري ختانة تختنه.
وذكر الكرخي في الكبير: يختنه الحمامي، وكذا عن ابن مقاتل.
مَطْلَبُ: لَابَأْسَ لِلْحَمَّامِيِّ أَنْ يَطْلِيَ عَوْرَةَ غَيرِهِ بِالنُّورَةِ
إِذَا غَضَّ بَصَرَهُ حَالَةَ الضَّرُورَةِ
لابأس للحمامي أن يطلي عورة غيره بالنورة انتهى. لكن قال في الهندية بعد أن نقل
عن التاترخانية أن أبا حنيفة كان لا يرى بأساً بنظر الحمامي إلى عورة الرجل، ونقل أنه ما
يباح من النظر للرجل من الرجل يباح المس، ونقله عن الهداية ونقل ما نقلناه، لكن قيده
بما إذا كان يغض بصره. ونقل عن الفقيه أبي الليث أن هذا في حالة الضرورة لا في غيرها،
وقال: وينبغي لكل واحد أن يتولى عانته بيده إذا تنّور كما في المحيط، فليحفظ.
أقول: ومعنى ينبغي هنا الوجوب كما يظهر، فتأمل. قوله: (بحر) ومثله في
التاتر خانية. قوله: (والاستهزاء بشيء من الشرائع كفر) أشار إلى فائدة تقييده في الهداية
بأن لا يترك الختان استخفافاً بالدين. قوله: (ابن كمال) عبارته: والأقلف لأنه لا يخل
بالعدالة إذا تركه استخفافاً بالدين. قال الرازي: لم يرد بالاستخفاف الاستهزاء، لأن
الاستهزاء بشيء من الشرائع كفر، وإنما أراد به التواني والتكاسل اهـ ح. وكذا ذكر مثله
عزمي زاده مؤولاً عبارة الدرر.

١٥٤
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(وخصيّ) وأقطع (وولد الزنا) ولو بالزنا خلافاً لمالك (وخنثى) كأنثى لو مشكلًاً،
وإلا فلا إشكال (وعتيق لمعتقه وعكسه) إلا لتهمة، لما في الخلاصة: شهدا بعد
عتقهما أن الثمن كذا عند اختلاف بائع ومشتر لم تقبل لجرّ النفع بإثبات العتق
(ولأخيه وعمه ومن محرم رضاعاً
مَطْلَبٌ فِي شَهَادَةِ الْخَصِيِّ
قوله: (وخصي) بفتح الخاء: منزوع الخصا، لأن عمر رضي الله تعالى عنه قبل
شهادة علقمة الخصي على قدامة بن مظعون، رواه ابن شيبة (١) ولأنه قطع منه عضو ظلماً
فصار كمن قطعت يده ظلماً فهو مظلوم. نعم لو كان ارتضاه لنفسه وفعله مختاراً منع.
فتح. قوله: (وأقطع) إذا كان عدلاً، لما روي (أَنَّ النَّبِيَّ صلَّ الله عَليهِ وَسَّلَمَ قَطَعَ يَدَ
رَجُلٍ فِي السَرْقَةِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَشْهَدُ فَيَقْبَلُ شَهَادَتَهُ)). منح. قوله: (وولد الزنا) لأن
فسق الوالدين لا يوجب فسق الولد ككفرهما. منح. قوله: (ولو بالزنا) أي ولو شهد
بالزنا على غيره تقبل، أطلقه فشمل ما إذا شهد بالزنا أو بغيره، خلافاً لمالك في الأول
كما في المنح. قوله: (كأنثى) فيقبل مع رجل وامرأة في غير حد وقود. قوله: (لو
مشكلًا) في كل الأحكام. شرنبلالية، والأولى أن يقول ((وهو كأنثى)). قوله: (وعتيق
لمعتقه) أي تقبل شهادته، لأن شريحاً قبل شهادة قنبر لعلي وهو عتيقه. وأشار باللام إلى أن
شهادته على المعتق تقبل بالأولى كما صرح به متناً بقوله. (وعكسه) وقنبر بفتح القاف،
وأما بضم القاف فجد سيبويه. ذكره الذهبي في مشتبه الأنساب والأسماء.
مَطْلَبٌ فِي تَرْجَةِ شُرَيحِ الْقَاضِي
وشريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي القاضي أبو أمية، تابعي ثقة. وقيل له
صحبة، مات قبل الثمانين أو بعدها وله مائة وثمان سنين أو أكثر، واستقضاه عمر رضي
الله تعالى عنه على الكوفة، ولم يزل بعد ذلك قاضياً خمساً وسبعين سنة، إلا ثلاث سنين
امتنع فيها من القضاء في فتنة الحجاج في حق ابن الزبير حيث استعفى الحجاج من القضاء
فأعفاه، ولم يقض إلى أن مات الحجاج كما في البحر وشرح جلال الدين التباني على المنار.
قوله: (أن الثمن كذا) ولو شهدا بإيفائه وإبرائه تقبل. مقدسي. قوله: (لجر النفع بإثبات
العتق) لأنه لولا شهادتهما لتحالفا وفسخ البيع المقتضي لإبطال العتق. منح. لكن تقدم
في آخر باب الإقالة أنه لا يخالف بعد خروج المبيع عن ملكه، لأنه يشترط قيام المبيع عند
الاختلاف في التحالف إلا إذا استهلكه في يد البائع غير المشتري، فراجعه وتأمل. قوله:
(ومن محرم رضاعاً) كابنه منه.
(١) في ط. قوله: (ابن شيبة) هكذا بأصله، ولعل الصواب ((ابن أبي شيبة)).

١٥٥
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أو مصاهرة) إلا إذا امتدت الخصومة وخاصم معه على ما في القنية. وفي الخزانة:
تخاصم الشهود والمدعى عليه تقبل لو عدولاً (ومن كافر على عبد كافر مولاه مسلم
أو) على وكيل (حر كافر موكله مسلم لا) يجوز (عكسه) لقيامها على مسلم قصداً
وفي الأقضية: تقبل لأبويه من الرضاع، ولمن أرضعته امرأته، ولأم وامرأته وابنها.
بزازية من الشهادة. قوله: (أو مصاهرة) كأم امرأته وبنتها وزوج بنته وامرأة أبيه وابنه،
لأن الأملاك بينهم متميزة والأيدي متحيزة، ولا بسطوة لبعضهم في مال بعض فلا
تتحقق التهمة، بخلاف شهادته لقرابته ولاداً. درر. ومثله في البحر. قوله: (إلا إذا
امتدت الخصومة)، أي سنين كما في المنح عن القنية، والظاهر أنه اتفاقي. قال ابن وهبان:
وقياس ذلك أن يطرد في كل قرابة، والفقه فيه أنه لما كثر منه التردد مع المخاصم صار
بمنزلة الخصم للمدعى عليه. قال أبو السعود: والتقييد بعدم الخصام على القول به لا
يخص الشهادة للأخ ونحوه اهـ.
قال المنلا عبد الحليم: ولا يذهب عليك أن المعتمد عليه قبول شهادة عدو بسبب
الدنيا لو عدلًا: أي بمجرد الخصومة على ما تقدم، وذا لا ينافي ذلك لأن المتردد المذكور
بمنزلة المدعي لا بمنزلة العدو. تدبر. قوله: (على ما في القنية) يعني إذا كان مع المدعي
أخ أو ابن عم يخاصمان له مع المدعى عليه ثم شهدا لا تقبل شهادتهما في هذه الحادثة بعد
هذه الخصومة، وكذا كل قرابة وصاحب تردد في المخاصمة سنين، لأنه بطول التردد صار
بمنزلة الخصم للمدعى عليه كما في الوهبانية. قوله: (وفي الخزانة الخ) أي خاصماه عند
أداء الشهادة عليه بأنه نسبهما إلى الكذب فدفعا عن أنفسهما، ومسألة القنية فيما إذا
خاصماه مع قريبه على الحق الذي يدعيه. قوله: (تقبل لو عدولاً) قال في المنح عن
البحر: وينبغي حمله على ما إذا لم يساعد المدعي في الخصومة أو لم يكثر ذلك توفيقاً اهـ.
وفق الرملي بغيره حيث قال: مفهوم قوله ((لو عدولاً)) أنهم إذا كانوا مستورين لا تقبل وإن
لم تمتد الخصومة للتهمة بالمخاصمة، وإذا كانوا عدولاً تقبل لارتفاع التهمة مع العدالة.
فحمل ما في القنية على ما إذا لم يكونوا عدولاً توفيقاً، وما قلناه أشبه لأن المعتمد في باب
الشهادة العدالة. قوله: (على عبد كافر مولاه مسلم) لأن هذه شهادة قامت على إثبات أمر
على الكافر قصداً ولزم منه الحكم على المولى المسلم ضمناً، على أن استحقاق مالية المولى
غير مضاف إلى الشهادة، لأنه ليس من ضرورة وجوب الدين عليه استحقاق مالية المولى لا
محالة بل ينفك عنه في الجملة. قوله: (لا يجوز عكسه) وهو ما إذا كان العبد مسلماً مولاه
كافر: يعني لا تجوز شهادة الكافر على عبد مسلم مولاه كافر، وعلى وكيل مسلم موكله
كافر: فإن كان مسلماً له عبد کافر أذن له بالبيع والشراء فشهد عليه شاهدان کافران بشراء
وبيع جازت شهادتهما عليه، لأن هذه شهادة قامت على إثبات أمر على الكافر قصداً وعلى

١٥٦
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وفي الأول ضمناً.
(و) تقبل (على ذمي ميت وصيه مسلم إن لم يكن عليه دين لمسلم) بحر.
المسلم ضمناً كما تقدم؛ ولو أن مسلماً وكل كافراً بشراء أو بيع فشهد على الوكيل شاهدان
كافران بشراء أو بيع لا تقبل شهادتهما عليه لأنها شهادة كافر قامت لإثبات حق على مسلم
قصداً كما في الدرر والغرر. قوله: (إن لم يكن عليه دين لمسلم) هذا ظاهر إن كانت
التركة لا يخرج منها الدينان، وأما إذا كانت متسعة لم يكن فيها شبهة أنه تنقيص شهادة
على حق مسلم.
وفي المنح: نصراني مات عن مائة فأقام مسلم شاهدين نصرانيين عليه بمائة ومسلم
ونصراني بمثله فالثلثان له والباقي بينهما اهـ: أي لأن شهادة أهل الذمة على المسلم لا تقبل
وهنا لا تقبل في مشاركة الذمي للمسلم في المائة.
والحاصل: أنها أثبتت الدين على الميت دون المشاركة مع الغريم المسلم، وأن المسلم
لما ادعى المائة مع النصراني صار طالباً نصفها والمنفرد بطلب كلها فتقسم عولاً عند الإمام،
فلمدعي الكل الثلثان لأن له نصفين وللمسلم الثلث لأن له نصفاً فقط، ولكن لما ادعاه
مع النصراني قسم بينهما.
قال سيدي الوالد: نصرانيّ مات وترك ألف درهم وأقام مسلم شهوداً من النصارى
على ألف على الميت وأقام نصراني آخرين كذلك، فالألف المتروكة للمسلم عنده. وعند
أبي يوسف: يتحاصان، والأصل أن القبول عنده في حق إثبات الدين على الميت فقط دون
إثبات الشركة بينه وبين المسلم. وعلى قول الثاني في حقهما. ذخيرة ملخصاً. وبه ظهر أن
قبولها على الميت غير مقيد بما إذا لم يكن عليه دين لمسلم. نعم هو قيد لإثباتها الشركة بينه
وبين المدعي الآخر، فإذا كان الآخر نصرانياً أيضاً يشاركه، وإلا فالمال للمسلم، إذ لو
شاركه لزم قيامها على المسلم، وظهر أيضاً أن المصنف ترك قيداً لابد منه وهو ضيق التركة
عن الدينين، وإلا لا يلزم قيامها على المسلم كما لا يخفى، هذا ما ظهر لي بعد التنقير
التام. قوله: (بحر) نص عبارته: وتقبل شهادة الذمي بدين على ذمي ميت وإن كان وصيه
مسلماً بشرط أن لا يكون عليه دين لمسلم، فإن كان فقد كتبناه عن الجامع اهـ. والذي
كتبه هو قوله نصراني مات عن مائة فأقام مسلم شاهدين عليه بمائة ومسلم ونصراني بمثله
فالثلثان له والباقي بينهما، والشركة لا تمنع لأنها بإقراره اهـ.
ونوجهه أن الشهادة الثانية لا تثبت للذمي مشاركته مع المسلم كما قدمناه، ولكن
المسلم لما ادعى بطلب كلها فتقسم عولًا فلمدعي الكل الثلثان لأن له نصفين وللمسلم
الآخر الثلث لأن له نصفاً فقط، لكن لما ادعاه مع النصراني قسم الثلث بينهما، وهذا
معنى قوله والشركة لا تمنع لأنها بإقراره.

١٥٧
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وفي الأشباه: لا تقبل شهادة كافر على مسلم إلا تبعاً كما مر، أو ضرورة في
مسألتين.
في الإيصاء: شهد كافران على كافر أنه أوصى إلى كافر وأحضر مسلماً عليه
حق للميت.
وفي النسب: شهدا أن النصراني ابن الميت فادعى على مسلم بحق، وهذا
استحسان ووجهه في الدرر.
قال سيدي الوالد: ويقدم دين الصحة وهو ما كان ثابتاً بالبينة أو الإقرار في حال
الصحة، وقد يرجح بعضهم على بعض كالدين الثابت على نصراني بشهادة المسلمين فإنه
مقدم على الثابت بشهادة أهل الذمة عليه، والدين الثابت بدعوى المسلم عليه يقدم على
الذين الثابت عليه بدعوى كافر إذا كان شهودهما كافرين أو شهود الكافر فقط، أما إذا
كان شهودهما مسلمين أو شهود الكافر فقط فهما سواء اهـ. فافهم. وتمام الكلام على
هذه المسألة وفروعها يطلب من البحر وحاشيته لسيدي الوالد.
قال الرملي في حاشيته على البحر: فتحصل أن الوصي يخالف الوكيل في البيع
والشراء، وقد تقرر أن الوكيل في الحقوق المتعلقة بهما: أي البيع والشراء أصيل والوصي
قائم مقام الوصي، وقول صاحب الظهيرية استحساناً صريح في أن العمل به، وقد صرح
صاحب المحيط بما في الظهيرية اهـ. قوله: (كما مر) أي في العبد الكافر وسيده مسلم
والوكيل الكافر وموكله مسلم. وزاد في الأشباه: عليهما إثبات توکیل کافر كافراً بكافرين
بکل حق له بالكوفة على خصم کافر فیتعدی إلى خصم مسلم اهـ. قوله: (أو ضرورة في
مسألتين) حمل القبول فيهما في الشرنبلالية بحثاً على ما إذا كان الخصم المسلم مقراً بالدين
منكراً للوصاية والنسب، فتقبل شهادة الذميين لأنها شهادة على النصراني الميت، أما لو
كان منكراً للدين كيف تقبل شهادة الذميين عليه. قوله: (وأحضر) أي الوصي. قوله:
(ابن الميت) أي النصراني. قوله: (فادعى على مسلم بحق) أي ثابت: أي وأقام شاهدين
نصرانيين نسبه تقبل استحساناً.
مَطْلَبُ: حَادِثَةُ الْفَتْوَى
قوله: (ووجهه في الدرر) حيث قال فيها: وجه الاستحسان أن المسلمين لا
يحضرون موت النصارى، والوصايا تكون عند الموت غالباً وسبب ثبوت النسب النكاح
وهم لا يحضرون نكاحهم، فلو لم تقبل شهادة النصارى على المسلم في إثبات الإيصاء
الذي بناؤه على الموت والنسب الذي بناءه على النكاح أدى إلى ضياع الحقوق المتعلقة
بالإيصاء فقبلت ضرورة كما قبلت شهادة القابلة اهـ.
-

١٥٨
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
(والعمال) للسلطان (إلا إذا كانوا أعواناً على الظلم) فلا تقبل شهادتهم لغلبة ظلمهم
كرئيس القرية والجابي والصراف والمعرّفون في المراكب والعرفاء في جميع الأصناف
مَطْلَبُ: أَسْلَمَ زَوْجُهَا وَمَاتَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ اللَّمَّةِ عَلَى مَهْرِهَا
قال عبد الحليم في حاشيته: وفيه إشارة إلى حادثة الفتوى، وهي: ذمية أسلم
زوجها ثم مات فادعت مهرها عليه بوجه خصم شرعي قبلت شهادة أهل الذمة لثبوت
مهرها عليه لضرورة عدم حضور المسلمين نكاحهم. قوله: (والعمال) بضم العين وتشديد
الميم جمع عامل، وهم الذين يأخذون الحقوق الواجبة كالخراج ونحوه عند الجمهور، لأن
نفس العمل ليس بفسق، فبعض الصحابة رضي الله عنهم عمال. قوله: (للسلطان) هذا
هو المراد بهم عند عامة المشايخ كما في البحر.
وفيه عن السراجية معزياً إلى الفقيه أبي الليث: إن كان العامل مثل عمر بن عبد
العزيز فشهادته جائزة، وإن كان مثل يزيد بن معاوية فلا اهـ. وفي إطلاق العامل على
الخليفة نظر، والظاهر منه أنه من قبل عملاً من الخليفة اهـ. قوله: (إلا إذا كانوا أعواناً
على الظلم الخ) أي كعمال زماننا. قال فخر الإسلام. لكن نقل في البحر عن الهداية أن
العامل إذا كان وجيهاً في الناس ذا مروءة لا يجازف في كلامه تقبل شهادته، کما مر عن
أبي يوسف في الفاسق لأنه لوجاهته لا يقدم على الكذب: يعني ولو كان عوناً على الظلم
كما في العناية اهـ.
مَطْلَبٌ فِي شَهَادَةٍ خْتَارِ الْقَرْبَةِ ومُوَزّعِ النَّوائِبِ
قوله: (كرئيس القرية) هو المسمى شيخ البلد، وهم من أعون الناس على الظلم
لغيرهم غير ظلم الناس لأنفسهم خاصة، ويسمى في بلادنا شيخ الضيعة ومختار القرية.
قال في الفتح: وقدمنا عن البزدوي أن القائم بتوزيع هذه النوائب السلطانية والجبايات
بالعدل بين المسلمين مأجور وإن كان أصله ظلماً فعلى هذا تقبل شهادته اهـ. قوله:
(والجابي) أي جابي الظلم. قوله: (والصراف) الذي يجمع عنده المال ويأخذه طوعاً.
قوله: (والمعرفون) بالواو، وفي بعض النسخ ((المعرفين)) بالياء عطف على المجرور وهو
الصواب، وهم الذين يعرفون عن قدر الأشخاص الذين في المركب ليأخذ الحاكم منهم
شيئاً معلوماً مصادرة. قوله: (والعرفاء في جميع الأصناف) هم مشايخ الحرف.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى بعد كلام: وبه يعلم أن شهادة الفلاحين لشيخ
قريتهم وشهادتهم للقسام الذي يقسم عليهم وشهادة الرعية لحاكمهم وعاملهم ومن له نوع
ولاية عليهم لا تجوز اهـ.
أقول: لكنه مقيد بما سيأتي قريباً عن الهندية من أنهم إذا كانوا يحصون وهم ما إذا

١٥٩
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
ومحضر قضاة العهد والوكلاء المفتعلة والصكاك وضمان الجهات كمقاطعة سوق
النخاسين حتى حلّ لعن الشاهد لشهادته على باطل. فتح وبحر.
كانوا مائة فأقل. تأمل. قوله: (ومحضر قضاة العهد) أي الذي يحضر الأخصام للقاضي
لقبولهم الرشا ولعدم المروءة فيهم، والمراد بالعهد الزمن أي قضاة زمنهم فكيف الحال في
زماننا ط. قوله: (والوكلاء المفتعلة) لعل المراد بهم من يتوكل في الدعاوى والخصومات،
وذلك لأنه قد شوهد منهم قلة المبالاة في الأحكام وأخذ الرشا وغير ذلك، وإنما جعلوا
مفتعلة لأن الناس لا يقصدون منهم إلا الإعانة على أغراضهم بحيلهم ولم يقصدوا التوكيل
حقيقة فقط. قوله: (والصكاك) بضم الصاد المهملة جمع صكاك بفتحها. قال في البزازية:
من الشهادات والصكاك تقبل في الصحيح. وقيل لا لأنهم يكتبون اشترى وباع وضمن
الدرك وإن لم يقع فيكون كذباً ولا فرق بين الكذب بالكتابة أو التكلم. قلنا: الكلام في
كاتب غلب عليه الصلاح ومثله يحقق ثم يكتب. ط عن الحموي: أي وما ذكر من
الكذب عفو لأنهم يحققون ما كتبوا.
قال الرملي في حاشية المنح: وفي إجارات البزازية لا تقبل شهادة الدلال ومحضر
قضاة العهد والوكلاء المفتعلة والصكاك اهـ.
أقول: وسيأتي في شرح قوله ((أو يبول أو يأكل على الطريق)) أنها لا تقبل شهادة
النحاس وهو الدلال إلا إذا كان عدلاً لا يحلف ولا يكذب، ونقله عن السراج هنا، وقد
رأيناه في كلامهم كثير.
وأقول: قد ظهر من هذا أن شهادة الدلال والصكاك ونحوهما لا تردّ لمجرد
الصناعة بل لمباشرة ما لا يحل شرعاً، وإنما تنصيص العلماء على من ذكر لاشتهار ذلك
منه. تأمل. قوله: (وضمان الجهات) بضم الضاد المعجمة وتشديد الميم. قال الكمال
عاطفاً على من لا تقبل شهادته ما نصه: وكذا كل من شهد على إقرار باطل، وكذا على
فعل باطل مثل من يأخذ سوق النخاسين مقاطعة أو شهد على وثيقتها اهـ. وقال المشايخ:
إن شهدوا حل عليهم اللعن لأنه شهادة على باطل، فكيف هؤلاء الذين يشهدون من
مباشري السلطان على ضمان الجهات وعلى المحبوسين عندهم والذين في ترسيمهم اهـ.
قوله: (كمقاطعة سوق النخاسين) كمن يأخذها بقطعة من المال يجعلها عليه مكساً.
ويوجد في بعض الكتب بالخاء المعجمة جمع نخاس، وهو بائع الدواب والرقيق، والاسم
النخاسة بالکسر والفتح، من نخس من باب نصر: إذا غرز مؤخر الدابة بعود ونحوه كما
في القاموس، وقد جعل في الأسواق التي تباع فيها الحمير مكاسون فلا تقبل شهادتهم.
قوله: (حتى حل لعن الشاهد) أي الذي شهد على صك مقاطعة النخاسين كما في المنح،
وليس المراد لعن المعين لعدم جوازه، بل المراد بأن يقال: لعن الله شاهد ذلك.

١٦٠
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وفي الوهبانية: أمير كبير ادعى فشهد له عماله ونوابه ورعاياهم لا تقبل
كشهادة المزارع لربّ الأرض.
مَطْلَبٌ: لَا تَصِحُّ الْمُقَاطَمَةُ بِمَالٍ لِإِحْتِسَابٍ قَرْيَةِ
قال الخير الرملي في فتواه في رجل قاطع على مال معلوم احتساب قرية هل يصح
ذلك أم لا؟ أجاب: لا يصح ذلك بإجماع المسلمين، فلا يطالب المحتسب بما التزمه من
المال ولا يصح الدعوى في ذلك، ولا تقام البينة عليه، ولا يحل للقاضي سماع مثل هذه
الدعوى سواء وقعت بلفظ المقاطعة أو الالتزام كما رأيناه بخط الثقات اهـ. ووجهه أن
المقاطعة لا يتصور أن تكون بيعاً لعدم وجود المبيع ولزومه شرعاً ولا إجارة لأنها بيع
المنافع، وإذا وقعت باطلة كانت كالعدم، ولا فرق بين مقاطعة الاحتساب ومقاطعة
القضاء، فعلى المقاطع على القضاء ما على المقاطع على الاحتساب، ولا يسأل عن جوازه
بل يسأل عن كفره مستحله ومتعاطيه كما في البزازية.
قال مؤيد زاده: سئل الصفار عن رجل أخذ سوق النخاسين مقاطعة من الديوان
وأشهد على كتاب المقاطعة إنساناً هل له أن يشهد؟ قال: إذا شهد حل عليه اللعن، ولو
شهد على مجرد الإقرار وقد علم السبب فهو أيضاً ملعون، ويجب التحرز عن تحمل مثل
هذه الشهادة، وكذا كل إقرار بناءه على حرام. قوله: (ورعاياهم) أي رعايا العمال
والنواب. قوله: (لا تقبل) لجهلهم وميلهم خوفاً منه. قال في البحر: وفي شرح
المنظومة: أمير كبير ادعى فشهد له عماله ودواوينه ونوابه ورعاياهم لا تقبل اهـ. قال
الرملي: يؤخذ منه أن شهادة خدامه الملازمين له كملازمة العبد لمولاه كذلك لا تقبل،
وهو ظاهر ولا سيما في زماننا هذا. تأمل. وقد أفتيت به مراراً، والله الموفق
للصواب، ومثله في شهادات جامع الفتاوى بصيغة أعوان الحكام والوكلاء على باب
القضاة لا تسمع شهادتهم، لأنهم ساعون في إبطال حق المستحق وهم فساق. والله
تعالى أعلم.
مَطْلَبُ: الجُنْدُ إِذَا كَانُوا بحصَونَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِلأَمِيِ وَإِلَّ تُقْبَلُ
وَحَدُّ الإِحْصَاءِ مائَةٌ
قال في الهندية: شهادة الجند للأمير لا تقبل إن كانوا يحصون، وإن كانوا لا يحصون
تقبل، نص في الصيرفية في حد الإحصاء مائة وما دونه وما زاد عليه فهؤلاء لا يحصون.
كذا في جواهر الأخلاطي اهـ ناقلاً عن الخلاصة. قوله: (كشهادة المزارع لرب الأرض)
فإنها لا تقبل لفساد الزمان اهـ. ذكره عبد البر، وظاهره: وإن كانت الشهادة لا تتعلق
بالمزارعة ط.