النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
كتاب الهبة
لإمكان التوفيق ببيع وکیله وإبرائه عن العيب، ومنه واقعة سمرقند.
نظر فيه الرملي. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: أي تفسير للتنظير، فإن القضاء بالشراء
قضاء بالبيع، فما معنى قوله لم يقض القاضي بالبيع.
مَطْلَبُ: الجَوَابُ النَّافِعُ عَنْ إِشْكَالِ جَامِعَ الْقُصُولینِ
وأقول: الجواب النافع إن شاء الله تعالى ما يستفاد من كتاب نور العين في غير هذا
المحل وفي غير هذه المسألة، وهو أن الكفيل لما التحق زعمه بالعدم وثبت خلافه وهو
كونه كفيلاً لم يسع في إعادة زعمه ولم يرد نقض البيئة بل رضي بموجبها حتى جعله مبني
لدعواه الرجوع على الأصيل. وأما البائع في مسألتنا فقد سعى في إعادة مآل زعمه وهو
براءة ذمته بعد التحاقه بالعدم بثبوت خلافه وأراد نقض ما أثبتته البينة وهو عدم براءة
ذمته، فهذا فرق واضح حق؛ وكذا يقال في دعوى الإقالة لأنها فسخ العقد الذي أثبته
الخصم بالبيئة، ففيه تقرير لموجبها وهي المتقدمة عن البحر عن العدة فيما إذا ادعى على
آخر أنه اشترى منه هذا الدار فأنكر الشراء فلما أقام المدعي البينة على الشراء ادعى المدعى
عليه أنه ردها عليه: يعني أقالها يسمع هذا الدفع، ولو لم يدع الإقالة ولكن يدعي إيفاء
الثمن أو الإبراء اختلف المتأخرون.
مَطْلَبُ: أَدَّعَى شِرَاءَ عَبْدِهِ فَأَنْكَرَ فَأَثْبَتَهُ فَاذَّعَى الْبَائِعُ
أَنه رَدَّهُ عَلَيَهِ بِالعَيْبِ يُقْبَلُ
ومثله يقال في جواب مسألة: ما إذا ادعى عليه شراء عبده فأنكر فبرهن عليه فادعى
عليه أنه رده عليه بالعيب تسمع، لأنه صار مكذباً في إنكاره البيع فارتفع التناقض بتكذيب
الشرع كما ارتفع بتصديق الخصم اهـ. فاحفظه فإنه ينفعك في كثير من أمثال هذه المسائل.
قوله: (لإمكان التوفيق ببيع وكيله) أي وكيل البائع، فقوله أولاً لم أبعها منك قط: أي
مباشرة، وقوله إنه بريء إليه من كل عيب: أي إلى وكيله وفعل الوكيل كفعل الموكل.
قوله: (وإيرائه عن العيب) من إضافة المصدر إلى مفعوله وهو ضمير الوكيل والفاعل
المشتري الخ، وعلى ما قلنا مضاف إلى فاعله، والضمير لوكيله وهو المفهوم من عبارة
البحر.
مَطْلَبٌ: وَاقِعَة سَمَرْقَنْدَ
قوله: (ومنه واقعة سمرقند) أي من جنس مسألة المصنف، وهو ما وقع فيه
التناقض، ولو صرح به لكان أوضح، لكن لا يظهر أن هذه الواقعة منه، لأن عقد النكاح
الأب فيه سفير لا تلحقه عهدة، بخلاف ببيع الوكيل. وأيضاً الخلع هنا ظاهر في أنه قائم
به، بخلاف المبرأ فإنه غير ظاهر في أنه حاضر وقت البراءة، فافهم أسرار المقال ولا تكن
ممن يعرف الحق بالرجال. نعم التوفيق ظاهر فيما نذكره في القولة الآتية عن البحر، ولو
٤٢
کتاب الهبة
ادعت أنه نكحها بكذا وطالبته بالمهر فأنكر فبرهنت فادعى أنه خلعها على
المهر تقبل لاحتمال أنه زوجه أبوه وهو صغير ولم يعلم. خلاصة.
(يبطل) جميع (صك) أي مكتوب (كتب إن شاء الله في آخره) وقالا: آخره
فقط، وهو استحسان راجح على قوله. فتح.
قال لا نكاح بيني وبينك إلى آخر ما نذكره عن سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله:
(ادعت الخ) بدل من واقعة.
مَطْلَبْ: قَالَ لَا نِكَاحَ بَيْنَا فَبْهَنَتْ فَبْهَنَ عَلَىَ الخُلْعِ بِمَال يُقْبَلُ
قوله: (فأنكر) أي بأن قال لا نكاح بيننا كما في البحر عن جامع الفصولين.
وعبارة الخلاصة: فأنكر الزوج النكاح أصلاً اهـ. قال في البحر: ولو قال لا نكاح بيني
وبينك فلما برهنت على النكاح برهن هو على الخلع تقبل بينته اهـ: أي لأن نفي الحال لا
يلزم منه نفي الماضي فلم يوجد تناقض أصلاً، لكن يعكر عليه قول الشارح ((لاحتمال أنه
زوجه أبوه الخ)) والظاهر أنه تعليل لخلاف ظاهر الرواية.
مَطْلَبُ: لَوْ قَالَ لَمْ أَتَزَّوَّجْهَا قَطُ أَوْ لَا نِكَاحَ قَطُ فَبْهَنَتْ
فَبْهَنَ عَلَى الْخُلْعِ بِعَالٍ لَا يُقْبَلُ
وفي البحر: ولو قال لم يكن بيننا نكاح قط أو قال لم أتزوجها قط والباقي بحاله،
فمقتضى ما مر في مسألة العيب على ظاهر الرواية ينبغي أن يكون هذا وسيلة للعيب فلا
تقبل بينته، وفي ظاهر الرواية لا تقبل بينة البراءة عن العيب لأنها إقرار بالبيع، فكذا الخلع
يقتضي سابقة النكاح فيتحقق التناقض اهـ. سيدي الوالد بزيادة. قوله: (فبرهنت) أي على
النكاح. قوله: (تقبل) أي دعواه: أي ويطالب بالبرهان عليها. قوله: (لاحتمال أنه زوّجه
أبوه وهو صغير) أي فإنكاره النكاح يحمل على نفي مباشرته إياه، وهو لا ينافي وقوعه له
بطريق الإجبار مثلاً، وإذا كان كذلك فلا يناقض دعوى الخلع على المهر بعد. قوله:
(جميع صك) فارسي معرب. والجمع أصك وصكاك وصكوك اهـ. وأشار بقوله ((جميع))
إلى أنه يبطل سواء اشتمل على شيء واحد أو أشياء، والخلاف في الثاني. قوله: (وقالا
آخره) بالرفع: أي يبطل آخر الصك المشتمل على أشياء، إذ الأصل في الجمع الاستقلال
والصك يكتب للاستيثاق، فلو انصرف إلى الكل كان مبطلاً له فيكون ضد ما قصد له
فينصرف إلى ما يليه ضرورة، كذا في التبيين. وله أن الكل يكون كشيء واحد بحكم
العطف فيصرف إلى الكل كما في الكلمات المعطوفة.
قال الإمام: إذا كتب بيع وإقرار وإجارة وغير ذلك ثم كتب في آخره إن شاء الله
تعالى بطل الكل قياساً، لما تقدم من أن الكل لشيء واحد بحكم العطف. وعند أبي
٤٣
كتاب الهبة
واتفقوا أن الفرجة کفاصل السكوت وعلی انصرافه للكل في جمل عطفت بواو
وأعقبت بشرط. وأما الاستثناء بإلا وأخواتها فللأخير
يوسف ومحمد: بطل الأخير فقط استحساناً. قوله: (أن الفرجة) أي على أن الفرجة في
الخط كالسكوت في النطق، فيكون الإنشاء راجعاً إلى ما بعد الفرجة اتفاقاً كما يرجع في
السكوت إلى ما بعده. قوله: (وعلى انصرافه) أي الإنشاء، ولو قال ((وعلى الانصراف
للكل، لكان أوضح.
مَطْلب: فَائِدَةٌ نَحوِيَّةٌ
قوله: (في جمل) أي قولية وإلا نافى ما قبله(١) وهو مسألة كتب الصك كقوله امرأته
طالق وعبده حر، وعليه المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء الله تعالى.
قال في البحر: والحاصل أنهم اتفقوا على أن المشيئة إذا ذكرت بعد جمل متعاطفة
بالواو كقوله عبده حر وامرأته طالق وعليه المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء الله تعالى
ينصرف إلى الكل فبطل الكل، فمشي أبو حنيفة على أصله وهما أخرجا صورة.
مَطْلَبٌ: صَكُّ كُتُبٍ فِهِ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ وَإِقْرَارٌ وَغَيرِ ذَلِكَ
وَكَتَبَ فِي آخِرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
كتب الصك من عمومه بعارض اقتضى تخصيص الصك من عموم حكم الشرط
المتعقب جملاً متعاطفة للعادة، وعليها يحمل الحادث، ولذا كان قولهما استحساناً راجحاً
على قوله، وظاهره أن الشرط ينصرف إلى الجميع وإن لم يكن بالمشيئة اهـ.
وفي وكالة البزازية: وعن الثاني قال امرأة زيد طالق وعبده حرّ وعليه المشي إلى بيت
الله إن دخل هذه الدار فقال زيد نعم كان بكله، لأن الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال
انتهى. وكأن الشارح غفل عن قوله وأخرجا صورة كتب الصك فكان عليه أن يقول
وعلى انصرافه للكل في جمل قولية لم تكتب. قوله: (وأعقبت بشرط) أي سواء كان الشرط
هو المشيئة أو غيرها كما صرح به في البحر، والظاهر أن هذا خاصّ بالإقرار لما سيأتي
بعده من قوله: (وأما الاستثناء الخ) تأمل. قوله: (وأما الاستثناء بإلا الخ) أي الواقع لفظاً
أو الواقع خطأ، وهو بإطلاقه يعم طلاقين وعتاقين وطلاقاً وعتقاً. قوله: (فللأخير) أي
اتفاقاً لقربه واتصاله وانقطاعه عما سواه كما علم في آية ردّ شهادة المحدود في القذف،
فإن قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] راجع إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾
(١) (في ط. قوله: (وإلا نافى ما قبله) أي إن لم تفسره الجمل بالقولية، بل بقيت على ما يراد بها أولاً وهي الجمل
في الصك لوقعت المنافاة بين ذكره الاتفاق على الرجوع للكل وبين ذكره الخلاف فيما تقدم بين الإمام
وصاحبيه، لأنه أولًا حكى الخلاف وثانياً حكى الاتفاق، فلزم أن نفسر الجمل بالقولية لذلك.
٤٤
كتاب الهبة
إلا لقرينة كله مائة درهم وخمسون ديناراً إلا درهماً فللأول استحساناً. وأما الاستثناء
بإن شاء الله بعد جملتين إيقاعيتين فإليهما اتفاقاً. وبعد طلاقين معلقين أو طلاق
معلق وعتق معلق فإليهما عند الثالث، وللأخير عند الثاني، ولو بلا عطف أو به
بعد سكوت فللأخير اتفاقاً، وعطفه بعد سكوته لغو إلا بما فيه تشديد على نفسه،
وتمامه في البحر.
(مات ذمي فقالت عرسه أسلمت بعد موته قالت ورثته قبله صدقوا)
[النور: ٤] لا إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور: ٤] أيضاً، فلو أقرّ بمالين
لشخصين واستثنى شيئاً كان من الآخر. بحر.
وفيه: والحاصل أن الشرط إذا تعقب جملاً متعاطفة متصلًا بها فإنه للكل اهـ. قال في
الحواشي السعدية: لا يقال كيف خالف أبو حنيفة أصله، فإن الاستثناء ينصرف إلى الجملة
الأخيرة على أصله لأن ذلك في الاستثناء بإلا، وقوله إن شاء الله تعالى شرط شاع إطلاق
الاستثناء عليه في عرفهم وليس إياه حقيقة. فتأمل. قوله: (إلا لقرينة) فيعمل بها للأول أو
للثاني. قوله: (فللأول) لو قال إلا ديناراً فللثاني. قوله: (إیقاعیتین) أي منجزتين لیس
فيهما تعليق بقرينة المقابلة نحو أنت طالق وهذا حرّ إن شاء الله تعالى ح. قوله: (وبعد
طلاقين معلقين) نحو إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة إن شاء الله تعالى. قوله: (أو
طلاق معلق أو عتق معلق) نحو إن دخلت الدار فأنت طالق وعبدي حرّ إن شاء الله
تعالى، وأشار به إلى أنه لا فرق بين الشيئين من جنس واحد أو من جنسين والخلاف، هذا
في النطق. وأما في الصك فهي المسألة المتقدمة، وأفاد أن اتفاقهما معه إنما هو في
الإيقاعيتين، وأما في المعلقتين فمحمد معه، وخالف أبو يوسف ط. قوله: (ولو بلا
عطف) مفهوم قوله عطفت: أي إذا وقع الشرط بعد جمل غير متعاطفة أو متعاطفة لكن
حصل سكوت بينها: أي في اللفظ أو فرجة في الخط. قوله: (أو به بعد سكوت) أي إذا
كان السكوت بين الجملة الأخيرة وبين ما قبلها. قوله: (فللأخير اتفاقاً) مراده بالأخير ما
بعد السكوت. قوله: (وعطفه بعد سکوته لغو) إذا کان فيه ما یوسع على نفسه كما إذا
قال إن دخلت الدار فأنت طالق وسكت ثم قال وهذه الدار: أي فقصد أن لا يقع
الطلاق إلا بدخولهما. قوله: (إلا بما فيه تشديد على نفسه) كما إذا قال إن دخلت الدار
فأنت طالق وسكنت ثم قال وهذه الأخرى دخلت الثانية في اليمين، بخلاف وهذه الدار
الأخرى، ولو قال هذه طالقة ثم سكت وقال وهذه طلقت الثانية، وكذا في العتق.
بحر. قوله: (أسلمت بعد موته) أي وقد مات وهي على دينه فلها الميراث. قوله:
(وقالت ورثته قبله) أي أسلمت قبل موته فلا ميراث لها. قوله: (صدقوا) أي بلا يمين
٤٥
كتاب الهبة
تحكيماً للحال (كما) يحكم الحال (في مسألة) جريان (ماء الطاحونة) ثم الحال إنما
تصلح حجة للدفع لا للاستحقاق (كما في مسلم مات فقالت عرسه) الذمية
إلا إذا ادعت عليهم بكفرها بعد موته فيحلفون على عدم العلم. قوله: (تحكيماً للحال)
أي استصحاباً لظاهر الحال، فإن سبب الحرمان ثابت في الحال فيثبت فيما مضى. وفي
التحرير: الاستصحاب: الحكم ببقاء أمر محقق لم يظن عدمه. وحرر ابن نجيم تفاريعه في
الأشباه والنظائر في قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، وفي آخر باب التحالف في بحره.
قوله: (كما يحكم الحال الخ) إن هذه العبارة ليست موجودة في أصل المصنف، وإنما
الذي فيه قوله بعد (كما في مسلم الخ)) وجعل المصنف وجه الشبه فيهما كون القول
للورثة فيهما، وأراد بقوله كما يحكم الحال في مسألة جريان ماء الطاحونة وانقطاعه: أي
إذا اختلف المؤجر والمستأجر في جريان ماء الطاحونة وانقطاعه فإنه يحكم الحال ويستدل
بها على الماضي، فإذا كان الماء جارياً في الحال حكمنا بأنه جار من أول مدة الإجارة إلى
زمان النزاع فيستحق الأجرة، وإن لم يجر حكمنا بالانقطاع كما في الخانية.
فإن قلت: جريان الماء يثبت الاستحقاق وكلامنا في عدمه. قلت: يمكن أن يقال:
إن الإقدام على العقد إقرار بالجريان فكان الأجر ثابتاً ومستحقاً من كل وجه، فإذا ادعى
الجريان يكون مدعياً استحقاقه الأجر عملً بالإقرار السابق لا بتحكيم الحال اللاحق، فإذا
لم يستحق بهذا التحكيم يصير دافعاً به وهو يصلح للدفع.
فإن قلت: إذا كان الاستحقاق ثابتاً بالعقد من كل وجه يكون ادعاء المستأجر عدم
الجريان وتحكيمه له حجة لاستحقاقه ما في ذمته من الأجرة: قلت: يمكن أن يجاب بأن
كون الإقدام على العقد إقراراً إنما هو حجة غير قوية فلا يعمل به إذا خالفه عدم الجريان
المشاهد، فيكون عدم الجريان تحكيماً للدفع عنه لا للاستحقاق. قوله: (جريان الخ) لا
وجه لتخصيص الجريان بل الانقطاع كذلك فكان الأولى حذفه. قوله: (الطاحونة) أي
المستأجرة إذا قال المستأجر لم أتمكن من الانتفاع بها لعدم جريان مائها وقال المالك بل
تمكنت فينظر إلى وصف الماء في الحال ويحكم به فيما مضى. قوله: (للدفع لا
للاستحقاق) أي لدفع دعوى المدعي كما في المسألة السابقة. فإن قيل: هذا منقوض
بالقضاء بالأجر على المستأجر إذا كان ماء الطاحونة جارياً عند الاختلاف لأنه استدلال
بالحال لإثبات الأجر. قلنا: إنه استدلال لدفع ما يدعي المستأجر على الأجر من ثبوت
العيب الموجب لسقوط الأجر، أما ثبوت الأجر فإنه بالعقد السابق الموجب له فيكون دافعاً
لا موجباً. يعقوبية. قوله: کما في مسلم مات الخ) ظاهره أنه مثال للاستحقاق بتحكيم
الحال، وصنيع الشرح هنا ليس على ما ينبغي، فلو أبقى المصنف من غير زيادة مسألة
الطاحونة لكان أولى. قال سيدي الوالد: وهو تمثيل للمنفي وهو الاستحقاق.
٤٦
کتاب الهبة
(أسلمت قبل موته) فإرثه (وقالوا بعده) فالقول لهم، لأن الحادث يضاف لأقرب
أوقاته.
فرع: وقع الاختلاف في كفر الميت وإسلامه فالقول لمدعي الإسلام. بحر
(قول المودع) بالفتح (هذا ابن مودعي) بالكسر (الميت لا وارث له غيره
وحاصله: إنما كان القول لهم هنا أيضاً لما سيأتي، ولا يمكن أن يكون لها بناء على
تحكيم الحال لأنه لا يصلح حجة للاستحقاق وهي محتاجة إليه، أما الورثة فهم الدافعون
ويشهد لهم ظاهر الحدوث أيضاً. قوله: (فإرثه) بصيغة المضارع. قوله: (لأن الحادث
الخ) أي وهو الإسلام، ولو كان القول قولها لكان تحكيم الحال موجباً لاستحقاقها
الإرث، وكان الأولى للشارح التعليل بالعلة السابقة، لأن ما ذكر لا يصلح تعليلاً لما
تقدم. قوله: (الأقرب أوقاته) وأقرّ بها ما بعد موت الزوج. قوله: (وقع الاختلاف الخ)
بأن مات رجل له أبوان ذميان وولد مسلم فقالا مات ابننا كافراً وقال ولده المسلم مات
مسلماً فالميراث للولد دون الأبوين، وكذا لو قالت امرأة مسلمة مات زوجي مسلماً وقال
أولاده الكفار كافراً وصدق المرأة أخو الميت وهو مسلم قضى بالميراث للمرأة والأخ دون
الأولاد. قال صاحب البحر: ولا يحتاج إلى تصديق الأخ، بل تكفي دعوى المرأة أنه مات
مسلماً، وتبعه المقدسي، لكن استظهر فيه سيدي الوالد أن تصديق الأخ شرط لإرثه
مشاركاً للمرأة، لأنه لو أكذبها يكون معترفاً بأن ولده وارثه فيحجب الأخ به فلا يرث،
وكأن صاحب البحر فهم أنه شرط لإرث المرأة أيضاً، وليس كذلك فيما يظهر، فلا
منافاة. تأمل.
مَطْلَبُ: مُكَّةُ التَّلُوُّمِ فِي دَفْعِ الْمَالِ لِلوَارِثِ الَّذِي أَقْرَّ بِ الْمُودِعِ
قوله: (هذا ابن مودعي) مراده بالابن من يرث بكل حال فالبنت والأب والأم
کالابن، وقيد بالابن لأنه لو قال هذا أخوه شقيقه ولا وارث له غيره وهو يدعيه فالقاضي
یتأنى في ذلك. والفرق أن استحقاق الأخ مشروط بعدم الابن، بخلاف الابن لأنه وارث
على كل حال، وكل من يرث في حال دون حال فهو كالأخ. بحر مع زيادة. ثم إذا تأنى
إن حضر وارث آخر دفع المال إليه لأنه خلف عن الميت، وإن لم يحضر أعطى كل مدع ما
أقرّ به لكن بكفيل ثقة، وإن لم يجد كفيلاً أعطاه المال وضمنه إن كان ثقة حتى لا يهلك
أمانة، وإن کان غیر ثقة تلوم القاضي حتی یظھر أن لا وارٹ للمیت أو أُکبر رأيه ذلك ثم
يعطيه المال ويضمنه، ولم يقدر مدة التلوم بشيء بل موكول إلى رأي القاضي، وهذا أشبه
بأبي حنيفة. وعندهما مقدر بحول، هكذا حكي الخلاف في الخلاصة عن الأقضية. قال:
وعن أبي يوسف مقدر بشهر. قوله: (لا وارث له غيره) قيد به، لأنه لو قال له وارث غيره
ولا أدري أمات أم لا لا يدفع إليه شيء، لا قبل التلوم ولا بعده، حتى يقيم المدعي بينة
٤٧
كتاب الهبة
دفعها إليه) وجوباً كقوله هذا ابن دائني، قيد بالوارث لأنه لو أقر أنه وصيه أو
وكيله أو المشترى منه لم يدفعها (فإن أقر) ثانياً (بابن آخر له لم يفد) إقراره (إذا كذبه)
الابن (الأول)
تقول لا نعلم له وارثاً غيره، ومثل إقرار المودع بما ذكر ما لو أقر أن الميت أقر بأن هذا ابنه
أو أبوه أو مولاه أعتقه، بخلاف ما لو أخبر عنه بأنها زوجته أو أنه مولى الموالاة أو الموصى
له بالكل أو بالثلث فإنه لا يدفع إليهم المال، لأن ذا اليد أقر بسبب ينتقض ط.
وفي فتح القدير: ولو ادعى أنه أخو الغائب وأنه مات وهو وارثه لا وارث له
غيره، أو ادعى أنه ابنه أو أبوه أو مولاه أعتقه، أو كانت امرأة وادعت أنها عمة الميت أو
خالته أو بنت أخته وقال لا وارث له غيري وادعى آخر أنه زوج أو زوجة للميت أو أن
الميت أوصى له بجميع ماله أو ثلثه وصدقهما ذو اليد وقال لا أدري للميت وارثاً غيرهما
أو لا لم يكن لمدعي الوصية شيء بهذا الإقرار، ويدفع القاضي إلى الأب والأم والأخ
ومولى العتاقة أو العمة أو الخالة أو بنت الأخت إذا انفرد. أما عند الاجتماع فلا يزاحم
مدعي النبوة مدعي الأخوة، لكن مدعي هذه الأشياء إذا زاحمه مدعي الزوجية أو الوصية
بالكل أو الثلث مستدلاً بإقرار ذي اليد فمدعي الأخوة أو البنوة أولى بعد ما يستحلف
الابن: ما هذه زوجة الميت أو موصى له، هذا إذا لم تكن بينة على الزوجية والوصية، فإن
أقام أخذ بها اهـ. بحر. وفيه: ومن دعوى المجمع وإن كانت في يد زيد فجاء أحد
الزوجين فصدقه زيد يؤمر بإعطاء أقل النصيبين لا أكثرهما اهـ. قید بتصديقه لأنه لو برهن
وقالا لا نعلم له وارثاً آخر فله أكثر النصيبين اتفاقاً، كذا في شرحه لابن ملك. قوله:
(دفعها إليه وجوباً) لإقراره أن ما في يده ملك الوارث خلافة عن الميت والعارية والعين
المغصوبة كالوديعة ط. قوله: (كقوله هذا ابن دائني) والمسألة بحالها بأن قال لا وارث له
سواه. قوله: (قيد بالوارث) أي الذي هو الابن ونحوه. قوله: (لم يدفعها) لأنه أقر بقيام
حق المودع وملكه فيها الآن فيكون إقراراً على ملك الغير، ولا كذلك بعد موته لزوال
ملكه فإنه أقر له بملكه لما في يده من غير ثبوت ملك مالك معين فيه للحال.
وفي فصل الشراء: وإن أقر بزوال ملك المودع لكن لا ينفذ في حقه لا يملك إيطال
ملكه بإقراره فصار كإقراره بالوكالة بقبض الوديعة ط.
وتوضيح الفرق بينهما: أن في المسألة الأولى أقر أن ما في يده ملك الوارث خلافة
عن الميت فصار كما إذا أقر أنه ملك الوارث وهو حيّ أصالة، وفي هذه المسائل فيه إيطال
حق المودع في العين بإزالتها عن يده لأن يد المودع كيد المالك فلا يقبل إقراره. قوله: (فإن
أقر ثانياً) سواء كان متصلاً بالأول بأن قال هذا ابنه وهذا الآخر أيضاً، أو منفصلاً بأن أقر
للثاني في مجلس آخر. حموي. قوله: (إذا كذبه الابن الأول) حكم مفهومه ظاهر، وهو ما
٤٨
کتاب الهبة
لأنه إقرار على الغير، ويضمن للثاني حظه إن دفع للأول بلا قضاء. زيلعي.
(تركة قسمت بين الورثة أو الغرماء بشهود لم يقولوا نعلم)
إذا صدقه فيشتركان قوله (لأنه إقرار على الغير) لصحة الإقرار للأول لعدم من يكذبه
قوله: (إن دفع للأول بلا قضاء) وهو الصواب كما في الفتح خلافاً لما في غاية البيان من
أن المودع لا يغرم للابن الثاني شيئاً بإقراره له لأن استحقاقه لم يثبت فلم يتحقق التلف.
تنبيه: لو أقر بالوديعة لرجل ثم قال لا بل وديعة فلان أو قال غصبت هذا من فلان
لا بل من فلان، وكذا العارية، فإنه يقضى بها للأول ويضمن للثاني قيمته، وكذا في
الإقرار بالدين؛ ولو قال هذا لفلان وهذا لفلان المقر له إلا نصف الأول فإنه لفلان كان
جائزاً، وكذا لو قال هذه الحنطة والشعير لفلان إلا كرّاً من هذه الحنطة فإنه لفلان إذا
كانت الحنطة أكثر من الكر كذا في الأصل لمولانا محمد رحمه الله من الدعوى اهـ. ط عن
البحر. قوله: (تركة قسمت بين الورثة) أي سواء كانوا ممن يحجب أو لا. قال في آخر
الفصل الثاني عشر من جامع الفصولين رامزاً إلى الأصل الوارث لو كان محجوباً بغيره
كجد وجدة وأخ وأخت لا يعطى شيئاً ما لم يبرهن على جميع الورثة: أي إذا ادعى أنه أخو
الميت فلا بد أن يثبت ذلك في وجه جميع الورثة الحاضرين أو يشهد أنهما لا يعلمان وارثاً
غيره، ولو قالا لا وارث له غيره تقبل عندنا لا عند ابن أبي ليلى لأنهما جازفا، ولنا
العرف. فإن مراد الناس به لا نعلم له وارثاً غيره، وهذه شهادة على النفي فقبلت لما مر
من أنها تقبل على الشرط ولو نفيا وهنا كذلك لقيامها على شرط الإرث؛ ولو كان الوارث
ممن لا يحجب بأحد، فلو شهدا أنه وارثه ولم يقولا لا وارث له غيره أو لا نعلمه يتلوّم
القاضي زماناً رجاء أن يحضر وارث آخر، فإن لم يحضر يقض له بجميع الإرث، ولا
يكفل عند أبي حنيفة في المسألتين: يعني فيما إذا قالا لا وارث له غيره أو لا نعلمه،
وعندهما: یکفل فيهما. ومدة التلوم مفوضة إلى رأي القاضي، وقيل حول، وقيل شهر
وهذا عند أبي يوسف. وأما أحد الزوجين لو أثبت الوراثة ببينة ولم يثبت أنه لا وارث له
غيره، فعند أبي حنيفة ومحمد: يحكم لهما بأكثر النصيبين بعد التلوم. وعند أبي يوسف:
بأقلهما وله الربع ولها الثمن اه ملخصاً. وإن تلوم ومضی زمانه فلا فرق بین کونه ممن
يحجب كالأخ أو ممن لا يحجب كالابن، كما في البزازية من العاشر في النسب والإرث.
قال الصدر الشهيد: وحاصله المدعي لو برهن على أنه مات مورّثه ولم يذكروا عدد
الورثة ولا قالوا لا نعلم له وارثاً فإنه لا يقضى له، وإن بينوا عددهم وقالوا لا نعلم له
وارثاً غير ما ذكر، فإن كان ممن لا يحجب فإنه يقضي له القاضي ولا يتأنى ولا يكفل،
وإن كان ممن يحجب بحال تأنى ثم قضى، وإن شهدوا أنه ابنه أو وارثه وأنه مات وتركه
ميراثه له ولم يقولوا لم نعلم له وارثاً غيره تلوم القاضي زماناً ثم قضى، ولا يؤخذ منه
٤٩
كتاب الهبة
كذا نسخ المتن والشرح. وعبارة الدرر وغيرها: لا نعلم (له وارثاً أو غريماً لم
يكفلوا) خلافاً لهما لجهالة المكفول له ويتلوّم القاضي
كفيل عند الإمام خلافاً لهما، ويدفع لأحد الزوجين أوفر النصيبين عند أبي يوسف،
وعند محمد أقلهما اهـ.
1
وروي عن الإمام أنه قال في أخذ الكفيل: هذا شيء احتاط به بعض القضاة وهو
ظلم، وعنى بالبعض ابن أبي ليلى قاضي الكوفة. وأورد أنه مجتهد والمجتهد مأجور، وإن
أخطأ فلا وجه لنسبته إلى الظلم. وقد قال الإمام: كل مجتهد مصيب والحق عند الله
واحد: أي مصيب في اجتهاده بحسب ما عنده، وإن أخطأ الحق في الواقع. والجواب ما
قاله في التلويح: المخطىء في الاجتهاد لا يعاتب ولا ينسب إلى الضلال بل يكون معذوراً
ومأجوراً، إذ ليس عليه إلا بذل الوسع وقد فعل، فلم ينل الخفاء دليله إلا أن يكون
الدليل الموصل إلى الصواب بيناً فأخطأ المجتهد لتقصير منه وتركه المبالغة في الاجتهاد فإنه
يعاتب، وما فعل من طعن السلف بعضهم على بعض في المسائل الاجتهادية كان مبنياً على
أن طريق الصواب بين في زعم الطاعن اهـ: أي ومنه طعن الإمام على ابن أبي ليلى، وانظر
ما سيأتي قبيل باب الشهادة على الشهادة. قوله: (كذا نسخ المتن) أي بإسقاط لا، والحق
ثبوتها كما في سائر الكتب. سيدي. قال ط: ولعله فيما وقع له، والذي بيده فيما ذكر
لا، وكلام المصنف في الشارح مثله.
واعلم أن مفهوم المتن أمران: سكوتهم، وقولهم لا نعلم، ولم يكفلوا فيهما عند
الإمام. وقال الصاحبان: يكفلون في صورة السكوت إلا إذا قالوا لا نعلم، فعدم الكفالة
في الثاني متفق عليه، وهو مراد الشارح في قوله ((ولو قال الشهود ذلك)) ويكون تفريعاً على
غير المتن. قوله: (لم يكفلوا) مبني للمجهول مضعف العين والواو للورثة أو الغرماء: أي
لا يأخذ القاضي منهم كفيلاً ح. قال في الدرر: أي لم يؤخذ منه كفيل بالنفس عند
الإمام، وقالا يؤخذ اهـ. وهذا ظاهر في أنه على قولهما يؤخذ كفيل بالنفس، ثم رأيته
لتاج الشريعة أبو السعود عن شيخه ولم يره في البحر فتوقف في أنها بالمال أو بالنفس اهـ.
سيدي، فافهم. واقتصر على نفي التكفيل لأن القاضي بعد يتلوم كما ذكره الشارح بعد،
ولا يدفع إليه حتى يغلب على ظنه أنه لا وارث له غيره ولا غريم له اتفاقاً، لأنه من باب
الاحتياط لنفسه بزيادة علم بانتفاء الشريك المستحق معه بقدر الإمكان كما في غاية
البيان. قوله: (خلافاً لهما) أي لاحتمال أن يكون له وارث أو غريم آخر. قوله: (لجهالة
المكفول له) علة لقوله ((لم يكفلوا)) ولأن حق الحاضر ثابت قطعاً أو ظاهراً فلا يؤخر لأجل
الموهوم، كذا قالوا. قوله: (ويتلوّم القاضي) أي يتأنى في تأخير القضاء إلى المدة المتقدم
بيانها لا في الدفع بعد القضاء. والمسألة على وجوه ثلاثة تقدم بيانها عن الصدر الشهيد،
٥٠
كتّاب الهبة
مدة ثم يقضي، ولو ثبت بالإقرار كفلوا اتفاقاً، ولو قال الشهود ذلك لا اتفاقاً.
(ادعى) على آخر (داراً لنفسه ولأخيه الغائب) إرثاً (وبرهن عليه) على ما ادعاه
(أخذ) المدعي (نصف المدعى) مشاعاً (وترك باقيه في يد ذي اليد بلا كفيل جحد)
ذو اليد (دعواه أو لم يجحد)
وسيأتي شيء منها قبيل باب الشهادة على الشهادة إن شاء الله تعالى. قوله: (مدة) تقدم أنها
مفوّضة إلى رأي القاضي، وقدرها الطحاوي بحول، وعلى عدم التقدير حتى يغلب على
ظنه أنه لا وارث له غيره أو لا غريم له آخر. قوله: (ولو ثبت) أي ما ذكر من الورثة أو
الغرماء. قوله: (بالإقرار) أي بالإرث أو بالدين وهو محترز قوله ((بشهود)). قوله: (كفلوا
اتفاقاً) يعني والخلاف فيما إذا ثبت الدين والإرث بالشهادة ولم يقل الشهود لا نعلم له
وارثاً غيرهم، أما إذا ثبت بالإقرار يؤخذ كفيل بالاتفاق. قوله: (ولو قال الشهود ذلك)
أي لا نعلم له وارثاً أو غريماً غيره. قوله: (لا) أي لا يؤخذ منهم كفيل سواء كان وارثاً
يحجب بحال أو لا. قوله: (اتفاقاً) تقدم بيان الصور في الحاصل. قوله: (ادعى) قال في
جامع الفصولين من الرابع: ادعى عليهما أن الدار التي بيدكما ملكي فبرهن على أحدهما،
فلو الدار في يد أحدهما بإرث فالحكم عليه حكم على الغائب إذ أحد الورثة ينتصب
خصماً عن البقية، ولو لم يكن كل الدار بيده لا يكون قضاء على الغائب بل يكون قضاء
بما في يد الحاضر على الحاضر، ولو بيد أحدهما بشراء لا يكون الحكم على أحدهما حكماً
على الآخر اهـ. قوله: (إرثاً) قيد به لأنه لو شراء لا يكون الحاضر خصماً عن الغائب كما
تقدم. قوله: (مشاعاً) يعني ينتفع به انتفاع المشاع لا أنه يقسمه ويفرزه لأنه سيأتي في
القسمة، فإن برهن وارث واحد لا يقسم إذ لا بد من حضور اثنين ولو أحدهما صغيراً أو
موصى له. قوله: (جحد ذو اليد دعواه أو لم يجحد) هذا التعميم غير صحيح بعد قوله
((وبرهن عليه)) لأن البرهان يستلزم سبق الجحد، وقد أجمعوا أنه لا يؤخذ الكفيل في
صورة الإقرار. والصواب أن يبدل قوله ((وبرهن عليه)) بقوله ((وثبت ذلك)) فيشمل الثبوت
بالإقرار ولا كفيل فيه اتفاقاً وبالبينة وفيه الخلاف، وحينئذ يسقط قوله ((جحد دعواه أو لم
يجحد)) اهـ ط. وأجاب عنه سيدي الوالد بأن هذا التعميم راجع إلى قوله ((وترك باقيه))
أشار به إلى الخلاف، فافهم.
أقول: عبارة الهداية والمجمع والبحر وغيرها تساوي عبارة المصنف وهي عبارة متن
الدرر، وكأنهم تساهلوا في ذلك لوضوح المراد. ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله ((وترك
باقیه)، مستأنف ليس من تمام حكم البرهان، ويكون المراد بيان مسألة وفاقية وهي أخذ
المدعي النصف إذا برهن، ومسألة خلافية وهي ترك الباقي مع ذي اليد مطلقاً، وأشار إلى
الخلاف بالتعميم بقوله جحد أو لا، هذا ما ظهر لي. نعم الأولى ما في شرح أدب القضاء
٥١
كتاب الهبة
خلافاً لهما وقولهما استحسان نهاية، ولا تعاد البيئة ولا القضاء إذا حضر الغائب في
الأصح لانتصاب أحد الورثة خصماً للميت حتى تقضى منها ديونه، ثم إنما يكون
خصماً بشروط تسعة مبسوطة في البحر.
حيث ذكر أن المدعي يأخذ النصف ويترك الباقي مع ذي اليد عند الإمام، وعندهما: ينزع
منه: أي ويجعل في بد أمين، ثم ذكر أنهم أجمعوا أنه لو مقراً ينزع الباقي منه أيضاً. قوله:
(خلافاً لهما) أي في صورة الجحود حيث قالا: إن جحد ذو اليد يؤخذ منه ويجعل في يد
أمين لخيانته بجحوده وإلا ترك في يده، فلا نظر في تركه في يده، فهو راجع إلى قوله
«وتزك باقيه في يد ذي الید» لا لقوله «بلا کفیل) فإنه لا خلاف فيه، وله أن الحاضر ليس
بخصم عن الغائب في الاستيفاء وليس للقاضي التعرّض بلا خصم، كما إذا رأى شيئاً
في يد إنسان يعلم أنه لغيره لا ينتزعه منه بلا خصم، وقد ارتفع جحوده بقضاء القاضي
بالكل. بحر. قوله: (خصماً للميت) الأوضح ((عن الميت)). قوله: (حتى تقضى منها
ديونه) وتنفذ منها وصاياه. قوله: (ثم إنما يكون خصماً) أي عن بقية الورثة فيما يدعي
على الميت. قوله: (بشروط تسعة) الأولى أن يقول ثلاثة: الأول کون العین کلها في يده،
وأن لا تكون مقسومة، وأن يصدق الغائب أنها إرث عن الميت المعين كما في البحر
والحموي. قوله: (مبسوطة في البحر) ليس جميع المذكور في البحر شروطاً، بل بعضه
شروط وبعضه أحكام، ونصه:
تنبيهات: (الأول): إنما ينتصب الحاضر الذي في يده العين خصماً عن الباقين إذا
كانت العين لم تقسم بين الحاضر والغائب، فإن قسمت وأودع الغائب نصيبه عند الحاضر
کانت کسائر أمواله فلا ينتصب الحاضر خصماً عنه. ذکره العتابي عن مشايخنا.
وفي جامع الفصولين من السابع والعشرين: ولو أودع نصيبه من عين عند وارث
آخر فادعى رجل هذا العين ينتصب هذا الوارث خصماً إذ ينتصب أحد الورثة خصماً عن
الباقين لو كان العین بیده، بخلاف الأجنبي اهـ.
أقول: فقوله بخلاف الأجنبي: أي غير الوارث تکون العين في يده فیدعي علیه فلا
يتعدى القضاء عليه إلى غيره بأن تكون شركة بينه وبين غيره فلا يكون الشريك الغائب
مقضياً عليه. سيدي الوالد.
(الثاني) إنما لا تسمع دعوى الغائب إذا حضر بشرط أن يصدق أن العين ميراث
بينه وبين الحاضر، أما لو أنكر الإرث وادعى أنه اشتراها أو ورث نصيبه من رجل آخر لا
يكون القضاء على الحاضر قضاء عليه فتسمع دعواه وتقبل بينته.
فالحاصل: أنه إنما ينتصب خصماً عن الباقي بثلاثة شروط: كون العين كلها في
٥٢
كتاب الهبة
والحق الفرق بين الدین
يده، وأن لا تكون مقسومة، وأن يصدق الغائب على أنها إرث عن الميت المعين.
(الثالث) إنما يكفي ثبوت بعض الورثة أن لو ادعى الجميع وقضى به، أما لو ادعى
حصته فقط وقضی بها فلا يثبت حق الباقين.
(الرابع) ادعى بيتاً فقال ذو اليد إنه ملكي ورثته من أبي، فلو قضى عليه: أي على
ذي اليد: أي ببرهان المدعي يظهر على جميع الورثة، لأن العين كلها في يده غير مقسومة
فليس لأحد منهم أن يدعيه بجهة الإرث إذ صار مورثهم مقضياً عليه؛ فهو ادعاه أحدهم
ملكاً مطلقاً تقبل إذا لم يقض عليه في الملك المطلق؛ فلو ادعاه ذو اليد ملكاً مطلقاً لا إرثاً
لا تصير الورثة مقضياً عليهم فلهم أخذه بدعوى الإرث، لكن ليس لذي اليد حصة فيه
إذا قضى عليه.
(الخامس) إذا كان الورثة كباراً غيباً وصغاراً نصب القاضي وكيلاً عن الصغير
لسماع دعوى الدين على الميت، والقضاء على هذا الوكيل قضاء على جميع الورثة.
(السادس) إذا أثبت المدعي دينه على بعض الورثة وفي يده حصته فإنه يستوفي جميع
دينه مما في يد الحاضر ثم يرجع الحاضر على الغائب بحصته.
(السابع) يحلف الوارث على الدين إذا أنكر: أي على العلم وإن لم يكن للميت
تركة.
(الثامن) يصح الإثبات على الوارث وإن لم يكن للميت تركة.
مَظْلَبٌ: وَكِيلُ بَيْتِ المَالِ لَيْسَ بِخَصْم إلَّ إِذَا وَكَّلَهُ السُّلْطَانُ في أَنْ يَدِّعِي
وَيُدَّعِى عَلَيْهِ لَ بِالجَمْعِ وَالحَفْظِ
(التاسع) لو لم يكن للميت وارث فجاء مدّع للَّدين على الميت نصب القاضي وكيلاً
للدعوى كما في أدب القاضي للخصاف، وظاهره أن وكيل بيت المال ليس بخصم أهـ
بزيادة.
أقول: قال سيدي في حاشيته عليه: يجب تقييده بما إذا وكله السلطان بجمعه
وحفظه، أما إذا وكله بأن يدعي ويدعى عليه أيضاً تسمع دعواه والدعوى عليه، ويملك
في ذلك ما يملكه السلطان لأنه فوّض إليه ما يملكه، وهذه المسألة كثيرة الوقوع. ويتفرّع
من ذلك أن المزارع لا يصلح خصماً لمن يدعي الملك في الأرض وكذلك المقاطع المسمى
بلغتهم تيمارياً. تأمل هذا.
وسئل شيخنا ابن الحانوتي عن هذه المسألة، فأجاب بما ذكره الشيخ زين هنا اهـ.
قوله: (والحق الخ) لا ارتباط له بما قبله، لأن ما قبله في انتصاب أحد الورثة خصماً
للميت، وهذا الفرق في انتصاب أحدهم خصماً فيما عليه. قال في البحر: وكذا ينتصب
٥٣
كتاب الهبة
والعين (ومثله) أي العقار (المنقول) فيما ذكر (في الأصح) درر لكن اعتمد في
الملتقى أنه يؤخذ منه اتفاقاً، ومثله في البحر. قال: وأجمعوا على أنه لا يؤخذ لو
مقراً (أوصى له بثلث ماله
أحدهم فيما عليه مطلقاً إن كان ديناً، وإن كان في دعوى عين فلا بد من كونها في يده
ليكون قضاء على الكل، وإن كان البعض في يده نفذ بقدره كما صرح به في الجامع
الکبیر وظاهر ما في الهداية والنهاية والعناية أنه لا بد من کونها کلها في يده في دعوى
الدين أيضاً، وصرح في فتح القدير بالفرق بين العين والدين وهو الحق وغيره سهو اهـ.
وفي حاشية أبي السعود عن شيخه: ووجه الفرق بينهما أن حق الدائن شائع في جميع
التركة، بخلاف مدعي العين اهـ قوله (والعين) حيث لا ينتصب أحد الورثة خصماً عن
الباقي في دعوى العین إلا إذا كانت في يده. وأما في دعوی الدین علیه فإنه ينتصب
خصماً عنهم وإن لم يكن في يده غير تركة، لأن حق الدائن شائع في جميع التركة؛
بخلاف العین المدعی بها کما تقدم آنفاً، وقد علمت أن ذلك فیما إذا كان الوارث مدعى
عليه. وأما إذا كان هو المدعي إرث العين على ذي اليد فإن أثبت كان القضاء بالإرث له
ولبقية الورثة إذا ادعاه إرثاً له ولهم، وإن لم يثبت ودفع المدعى عليه دعوى المدعي بأن
مورثك باعها مني مثلاً وأثبت الشراء تندفع دعوى الإرث في حق الحاضر والغائب، كما
أفاده الطحاوي عن أبي السعود. قوله: (فيما ذكر) من أخذ الحاضر حصته وترك باقيه في
ید ذي الید، وقیل یوضع عند عدل إلى حضور صاحبه.
مَطْلَبٌ: هَلْ يُتْزَعُ الْمَنْقُولُ مِنْ بَدِ ذِي أَلَيَدِ؟
وفي الحموي: ولو كانت الدعوى في منقول: قيل يؤخذ منه اتفاقاً لاحتياج المنقول
إلى الحفظ والنزع من يده أبلغ في الحفظ كي لا يتلفه، أما العقار فمحفوظ بنفسه؛ وقيل
المنقول على الخلاف، وقول الإمام في المنقول أظهر لحاجته إلى الحفظ، والترك في يده أبلغ
فيه؛ لأن المال بيد الضمين أشد حفظاً وبالإنكار صار ضامناً، ولو وضع عند عدل كان
أميناً. كذا في الكافي والفتح وغيرهما. وبحث العلامة المقدسي بأن النزع من يد الخائن
أبلغ في الحفظ باحتمال هروبه أو تحيله بوجه ما، فليتأمل اهـ. قوله: (ومثله في البحر) فإنه
حكي مقابل الاتفاق بقيل ط. قوله: (أنه لا يؤخذ) أي المنقول لو مقراً: أي كالعقار،
وهذه العبارة توهم أن العقار لم يجمعوا على عدم أخذه لو مقراً وليس كذلك، فإن الحكم
فيهما واحد كما علم بما سبق.
مَطْلَبُ: أَوْصَى بِثُلُكِ مَالِهِ جَازَ
قوله: (أوصى له بثلث ماله) وكذا لو قال ثلثي لفلان أو سدسي فهو وصية جائزة،
وقيد بالوصية لأنه لو قال ثلث مالي وقف ولم يزد قال في البزازية من الوصايا: إن كان
٥٤
۔
كتاب الهبة
یقع) ذلك (على كل شيء) لأنها أخت الميراث
ماله دراهم أو دنانير فقوله باطل، وإن ضياعاً صار وقفاً على الفقراء؛ ولو قال ثلث مالي
لله تعالى الوصية باطلة عندهما، وعند محمد یصرف إلی وجوه البر، ولو صرح به إلى سراج
المسجد يجوز؛ ولو قال ثلث مالي في سبيل الله فهو للغزو، فإن أعطوه حاجاً منقطعاً
جاز. بحر. قوله: (يقع ذلك على كل شيء) وهل تدخل الديون في الوصية؟ في الخانية
لا، وكلام الشارح في الوصايا يفيد دخوله في الوصية بالمال لأنه يصير مالاً بالاستيفاء
فتناولته الوصية خصوصاً. قالوا: إنها أخت الميراث وهو يجري فيهما، وكذا كلام
الوهبانية يشير إلى الخلاف. ورجح الدخول حيث قال : * وفي ثلث مالي يدخل الدین
أجدر *.
قال ابن الشحنة في شرحه المسألة في القنية رامزاً للبرهان صاحب المحيط وقال: لو
أوصى بثلث ماله لا يدخل الدين ثم رمز للأصل وقال يدخل. قال المصنف: وفي حفظي
من فتاوى قاضيخان رواية دخول الدين في الوصية بثلث المال، والمراد بدخولها أن يدخل
ثلثها في الوصية ولا يسقط فيجعل كأنها لم تكن اهـ.
مَطْلَبُ: هَلْ يَدْخُلُ تحتَ الوصَّيِةِ بِالمالِ مَاَ على النَّاسِ
مِنَ الدُّيونِ؟ قَوْلَانِ:
وفي وصايا الكنز: أوصى له بألف وله عين ودين: فإن خرج لألف من ثلث العين
دفع إليه، وإلا فثلث العين، وكلما خرج شيء من الدين له ثلثه حتى يستوفي الألف،
وهذه غير مسألتنا. وما نقله عن حفظ ابن وهبان يخالفه ما ذكره في البحر عن الخانية من
عدم دخول الدين. ورأيت في وصايا الظهيرية: إذا كان مائة درهم عين ومائة درهم على
أجنبي دين فأوصى لرجل بثلث ماله فإنه يأخذ ثلث العين دون الدين، ألا ترى إن حلف
أن لا مال له وله ديون على الناس لم يحنث، ثم ما خرج من الدين أخذ منه ثلثه حتى يخرج
الدين كله لأنها لما تعين الخارج مالً التحق بما كان عيناً في الابتداء. ولا يقال: لما لم يثبت
حقه في الدين قبل أن يتعين كيف يثبت حقه فيه إذا تعين؟ لأنا نقول: مثل هذا غير ممتنع،
ألا ترى أن الموصى له بثلث المال لا يثبت حقه في القصاص، ومتى انقلب مالاً يثبت حقه
فیه ا هـ.
مَطْلَبٌ: في التَّوْفِيقِ بَيْنُ اٌلْقَوْلَيْنْ في دُخُولِ الدَّيْنِ في الوَّصِيَّةِ وَعَلِمٍ دُخُولِهِ
قال سيدي الوالد: ويمكن أن يوفق بين القولين بهذا فتدبر، والله تعالى أعلم اهـ.
وينبغي التأمل عند الفتوى، لأن كلام كل متكلم يبنى على عرفه، فإذا كان العرف أن المال
يقع على ما سوى العقار أو الدين أو يعم الكل فيفتى به. قوله: (لأنها أخت الميراث) أي
والميراث يجري في كل شيء: أي في الدين والعين.
كتاب الهبة
(ولو قال مالي أو ما أملكه شيئاً صدقة فهو على) جنس (مال الزكاة) استحساناً (وإن
مَطْلَبْ: مَنْ قَالَ جَميعُ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ
قوله: (مالي أو ما أملكه صدقة الخ) أما لو قال الله عليّ أن أهدي جميع مالي أو
ملكي فإنه يدخل فيه جميع ما يملكه وقت الحلف بالإجماع فيجب أن يهدي ذلك كله إلا
قدر قوته، فإذا استفاد شيئاً تصدق بمثله، وفي مسألة المصنف يدخل الموجود وقت القول
في المنجز. أما لو كان معلقاً بالشرط نحو قوله مالي صدقة للمساكين إن فعل كذا دخل
المال القائم عند اليمين والحادث بعده. قال سيدي الوالد: ظاهره أنه بدون التنجيز لا
يشمل الحادث بعد اليمين، وهذا بخلاف الوصية.
مَطْلَبْ: أَوْصَى بِقُلْثِ لِقُلاَنٍ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ ثُمَّ اسْتَفَادَ تَصِحُ الوَصِيَّةُ
لما في الخانية: ولو قال أوصيت بثلث مالي لفلان وليس له مال ثم استفاد مالاً
ومات كان للموصى له ثلث ما ترك؛ ثم قال بعده ولو قال عبيدي لفلان أو براذيني
لفلان ولم يضف إلى شيء ولم ينسبهم يدخل فيه ما كان له في الحال وما يستفيد قبل الموت
اهـ. لكن قد يقال: الوصية في معنى المعلق. وفي حاشية أبي السعود: وقوله والحادث
بعده ظاهره ولو بعد وجود الشرط، لكن ذكر الابياري ما نصه: لو علقه بشرط دخل
المال الموجود عند اليمين والحادث بعده إلى وجود الشرط اهـ. فظاهر قول المصنف مالي أو
ما أملكه الخ دخول الدين أيضاً، وفيه ما قدمناه آنفاً من الخلاف والتوفيق. قوله: (فهو
على جنس مال الزكاة) أيّ أي جنس کانت بلغت نصاباً أو لا عليه دين مستغرق أو لا،
ولا يتصدق بغير ذلك من الأموال لأنها ليست بأموال الزكاة. وقال زفر: يلزمه التصدق
بالكل لأن اسم المال يتناول الكل.
ولنا أنه يعتبر بإيجاب الله تعالى. قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:
١٠٣] وهو خاص بالنقدين وعروض التجارة والسوائم والغلة والثمرة العشرية والأرض
العشرية، لأن المعتبر جنس ما يجب فيه الزكاة مع قطع النظر عن قدرها وشرطها، فإن
قضى دينه لزمه أن يتصدق بعده بقدره. عيني وغيره. قال ط: ولا تدخل الأرض
العشرية عند الطرفين ولا الخراجية اتفاقاً اهـ. وخرج رقيق الخدمة ودور السكنى وأثاث
المنازل وما كان من الحوائج الأصلية.
مَطْلَبُ: مَالِيٍ أَوْ مَا أَمْلِكُ سَوَاءٌ في الصَّحِيحِ
قال في البحر: وتسوية المصنف بين قوله مالي وبين قوله ما أملك هو الصحيح
لأنهما يستعملان استعمالاً واحداً فكان فيهما القياس والاستحسان خلافاً للبعض،
واختاره في المجمع والهداية. وذكر القاضي الاسبيجابي أن الفرق بين المال والملك إنما هو
٥٦
كتاب الهبة
لم يجد غيره أمسك منه) قدر (قوته فإذا ملك) غيره (تصدق بقدره).
في البحر: قال إن فعلت كذا فما أملکه صدقة فحیلته أن يبيع ملكه من رجل
بثوب في منديل ويقبضه ولم يره ثم يفعل ذلك ثم يرده بخيار الرؤية فلا يلزمه
شيء. ولو قال ألف درهم من مالي صدقة إن فعلت كذا ففعله وهو يملك أقل
لزمه بقدر ما يملك، ولو لم يكن له شيء لا يجب شيءٍ.
قول أبي يوسف، وأبو حنيفة لم يفرق بينهما، واختاره الطحاوي في مختصره اهـ. قوله:
(أمسك منه قدر قوته) لم يبين في المبسوط قدر ما يمسك، لأن ذلك يختلف باختلاف
العيال وباعتبار ما يتجدد له من التحصيل، فيمسك أهل كل صنعة قدر ما يكفيه إلى أن
يتجدد له شيء. قال ط: المتأخرون قدروا هذا القدر، فقالوا في المحترف يمسك لنفسه
وعياله قوت يومه، وصاحب الغلة وهو آجر الدار ونحوها یمسك قوت شهر، وصاحب
الضيعة يمسك قوت سنة، وصاحب التجارة يمسك قدر ما يكفيه إلى أن يتجدد له شيء
اهـ. قوله: (تصدق بقدره) أي بقدر ما أمسك.
مَطْلَبُ: لَوْ قَالَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَمَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ فَالحِيلَةُ فِي الْفِعْلِ
وَعَدَمِ الحِثْثِ الخ
قوله: (فحيلته) أي إن أراد أن يفعل ولا يحنث. قوله: (أن يبيع ملكه) أي مما تجب
فيه الزكاة. قوله: (ثم يفعل ذلك) أي المحلوف عليه. قوله: (فلا يلزمه شيء) يعلم منه
كما قال المقدسي أن المعتبر الملك حين الحنث لا حين الحلف اهـ. ووجه المسألة أنه حين
الحنث لا مال له.
أقول: ويعلم منه أن المشتري باسم المفعول بخيار الرؤية لا يدخل في ملكه حتى
یراه ویرضى به. قاله الشيخ أبو الطيب مدني.
أقول: الذي يظهر لي أنه يدخل في ملكه لكنه غير لازم وإلا لزم أن يخرج البدلان
من ملكه، ولا قائل به، والمسألة تحتاج إلى المراجعة، وما نقله عن البحر عزاه في البحر إلى
الولواجية في الحیل آخر الکتاب، وتمامہ فیھا حیث قال: وإن کان له دیون على الناس
يتصالح على تلك الديون مع رجل بثوب في منديل ثم يفعل ذلك ويردّ الثوب بخيار
الرؤية فيعود الدين ولا يحنث اهـ. قوله: (لزمه بقدر ما يملك) ولا يلزمه شيء بعد لأنه
بمنزلة النذر بما لا يملك، وكذا يقال فيما بعد. قوله: (ولو لم يكن له شيء لا يجب
شيء) الظاهر أن التعليق ليس بشرط، حتى لو نجز النذر فقال عليّ أن أتصدق بألف
درهم کان الحکم کذلك، فإن كان يملك دونها يلزمه التصدق، وإن لم يكن عنده شيء لا
يلزمه فراجع. رحمتي.
٥٧
كتاب الهبة
(وصح الإيصاء بلا علم الوصي) فصح تصرفه (لا) يصح (التوكيل بلا علم
وكيل) والفرق أن تصرف الوصي
قال في الهداية: ومن نذر نذراً مطلقاً فعليه الوفاء به لقوله {﴿ ((مَنْ نَذَرَ وَسَمَّى
فَعَلَيْهِ الوَفَاءُ بِمَا يُسَمِّي))(١) وإن علق النذر بشرط فوجد الشرط فعليه الوفاء بنفس النذر
لإطلاق الحديث، ولأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده. وعن أبي حنيفة أنه رجع عنه وقال:
إذا قال إن فعلت كذا فعليّ حجة أو صوم سنة أو صدقة ما أملكه أجزأه عن ذلك كفارة
يمين، وهو قول محمد؛ ويخرج عن العهدة بالوفاء بما سمى أيضاً، وهذا إذا كان شرطاً لا
يريد كونه لأن فيه معنى اليمين وهو المنع، وهو بظاهره نذر فيتخير ويميل إلى أيّ الجهتين
شاء، بخلاف ما إذا كان شرطاً يريد كونه كقوله إن شفى الله مريضي لانعدام معنى اليمين
فيه، وهذا التفصيل هو الصحيح اهـ. وعليه مشى في متن مجمع البحرين والدرر والغرر،
وأفتى به إسماعيل الزاهد ومشايخ بلغ وبعض مشايخ بخارى، واختاره شمس الأئمة
والقاضي المروزي. وقال في البزازية: وعليه الفتوى. وقال في الفيض: والمفتى به ما
رويناه عن أبي حنيفة من رجوعه، وقد أوضح المسألة العلامة الشرنبلالي في رسالة سماها
(تحفة النحرير وإسعاف الناذر الغنيّ والفقير بالتخيير على الصحيح والتحرير) فليراجعها
من رام ذلك. قوله: (وصح الإيصاء) أي من شخص لشخص على صغيره أو وصيته.
مَطْلَبُ: لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الوَصِيِّ بِالإِبِصَاءِ بِخِلَافِ أَلْوَكِيلِ
قوله: (فصح تصرفه) أي من غير علم بالإيصاء، وإذا تصرف يعدّ قابلاً له فلا
يتمكن من إخراج نفسه منه، وإلا فله إخراج نفسه إذا علم لعدم القبول، لأنه لا يخفى أن
من حكم الوصي أنه لا يملك عزل نفسه بعد القبول حقيقة أو حكماً، وظاهر ما هنا تبعاً
للکنز، أنه یصیر وصیاً قبل التصرف وليس كذلك، بل إنما يصير بعده كما نبه عليه في
البحر، ولذا قال في نور العين من ٢٣: غازياً مات وباع وصيه قبل علمه بوصايته وموته
جاز استحساناً ويصير ذلك قبولً منه للوصاية ولا يملك عزل نفسه اهـ. فكان على
الشارح أن يقول ((إن تصرف قبله)) بدل قوله ((فصح تصرفه)) فتنبه. قوله: (لا يصح
التوكيل بلا علم وكيل) فلو باع الوكيل قبل العلم لم يجز. بحر: أي لم يلزم فيكون بيع
الفضولي فيتوقف على إجازته بعد العلم أو على إجازة الموكل كما في منحة الخالق لسيدي
الوالد. وفي البزازية عن الثاني خلافه.
مَطْلَبٌ: عَلِمَ الْمُشْتِي بِالوكَالَةِ دُونَ الْوَکِیلِ بَصِحُ
وفي البحر: أما إذا علم المشتري بالوكالة واشترى منه ولم يعلم البائع الوكيل كونه
(١) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٣/ ٣٠٠.
٥٨
كتاب الهبة
خلافة والوكيل نيابة.
وكيلاً بالبيع، بأن كان المالك قال للمشتري اذهب بعبدي إلى زيد فقل له حتى يبيعه
بوكالته عني منك فذهب به إليه ولم يخبره بالتوكيل فباعه هو منه يجوز، ومثله الإذن للعبد
والصبيّ بالتجارة فلا يثبت إلا بعد العلم والأمر باليد حتى لو جعل أمرها بيدها لا يصير
الأمر بيدها ما لم تعلم، فلو طلقت نفسها قبل العلم لم يقع. خانية.
وفي شرَح المجمع لابن ملك: إذا قال المولى لأهل السوق بايعوا عبدي فلاناً يصير
مأذوناً قبل العلم، بخلاف ما لو قال أذنت لعبدي فلان ولم يشهد بين الناس فعلم العبد
به شرط كما في البحر. قوله: (خلافة) فلا تتوقف على العلم كتصرف الوارث ملكاً
وولاية، حتى لو باع الجد مال ابن ابنه بعد موت الابن من غير علم بموته جاز.
لكن قال في البحر: ثم اعلم أنه وقع في الهداية هنا أن الوصية خلافة كالوراثة وهو
مشكل، فإن المصرح به إن ملك الموصى له ليس بطريق الخلافة كملك الوارث.
قال الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء: إن الموصى له ليس بخليفة عن الميت،
ولهذا لا يصح إثبات دين الميت عليه، وإنما يصح على وارث أو وصي، ولو أوصى له
بعبد اشتراه فوجد به الموصى له عيباً فإنه لا يرده، بخلاف الوارث، ويصير الوارث
مغروراً لو استحقت الجارية بعد الولادة كالمورث، بخلاف الموصى له اهـ. ولم أر أحداً من
الشارحين بينه، وقد ظهر لي أن صاحب الهداية أراد بالخلافة أن ملك كل منهما يكون
بعد الموت لا بمعنى أنه قائم مقامه. ومما يدل على عدم الخلافة ما في التلخيص بعد بيان
أن ملكه ليس خلافة أنه يصح شراء ما باع الميت بأقل مما باع قبل نقد الثمن، بخلاف
الوارث، وقدمنا تعریف المال أول كتاب البيوع اهـ.
أقول: وقد سبق صاحب البحر إلى ذلك صاحب الكفاية حيث قال: قوله لأنها
خلافة كهي: أي كالوراثة من حيث إنهما يثبتان الملك بعد الموت اهـ.
وفي البحر أيضاً: ثم اعلم أن صاحب الهداية ذكر هنا أن الوصاية خلافة لا نيابة
كالوراثة، وقال قبله: إن الوصية خلافة كهي، وقدمنا ما في الثاني. وأما الأول فالمراد به
أنه خليفة الميت في التصرف كالوارث لا في الملك، بخلاف الخلافة في الوصية فإنها في
الملك لا في التصرف. ومما يدل على أن الوصي خليفة الميت ما في خزانة المفتين: لو مات
عن وصي وابن صغير ودين فقبضه الوصي بعد بلوغ الصغير جاز إلا إذا نهاه.
ثم اعلم أنهم فرقوا بين الوارث والوصي في مسألة: لو أوصى بعتق عبد ملك
الوارث إعتاقه تنجيزاً وتعليقاً وتدبيراً وكتابة، ولا يملك الوصي إلا التنجيز وهي في
التلخيص اهـ. قوله: (والوكيل نيابة) أي عن الموكل، فالموكل أثبت له ولاية التصرف في
٥٩
كتاب الهبة
ملكه، لا بطريق الخلافة لبقاء ولاية الموكل فلا بد من العلم، فلو أودع ألفاً عند رجل ثم
قال المالك أمرت فلاناً بقبضها منه ولم يعلم فلان بكونه مأموراً بالقبض فقبضه وتلف عنده
فالمالك بالخيار في تضمين أيهما شاء، ولو علم المودع فقط فدفع للمأمور المذكور فتلف
عنده لا ضمان على أحد، لأن المستودع دفع بالإذن، ولو لم يعلم أحدهما فقال المأمور
ادفع لي وديعة فلان لأدفعها إلى صاحبها أو ادفعها إليّ تكون عندي لصاحبها فدفع
فضاعت فللمالك تضمين أيهما شاء عندهما. بحر عن الخانية.
مَطْلَبْ: أَلَوِصَابَةُ وأَلَوِ كَالَةُ بِتَمِعَانِ وَيَفْتِقَانِ
ثم اعلم أن الوصية والوكالة يجتمعان ويفترقان، فيفترقان في مسألة الكتاب وفي أن
الوصاية من الميت لا تقبل التخصيص، بخلاف وصي القاضي فإنه يتخصص، والوكالة
تقبل التخصيص، وفي أنه يشترط في الوصي أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً، بخلاف
الوكيل إلا العقل، وفي أن الوصي إذا مات قبل تمام المصلحة نصب القاضي غيره، ولو
مات وكيل الغائب لا ينصب غيره إلا عن المفقود للحفظ، وفي أن القاضي يعزل الوصي
بخيانة أو تهمة بخلاف الوكيل عن الحي، وفي أن الوارث يملك إعتاق الموصى بعتقه
تنجيزاً وتعليقاً وتدبيراً وكتابة، ولا يملك الوصي إلا الأول.
قال في الحواشي الحموية على الأشباه من بحث ما افترق فيه الوكيل والوصي: إن
الوكيل يملك عزل نفسه لا الوصي بعد القبول، ولا يشترط القبول في الوكالة ويشترط في
الوصاية، ويتقيد الوكيل بما قيده الموكل ولا يتقيد الوصي، ولا يستحق الوكيل أجرة
عمله بخلاف الوصي، ولا تصح الوكالة بعد الموت والوصاية تصح، وتصح الوصاية وإن
لم يعلم بها الوصي، بخلاف الوكالة، ويشترط في الوصي: الإسلام والحرية والبلوغ
والعقل، ولا يشترط في الوكيل إلا العقل. وإذا مات الوصي قبل تمام المقصود نصب
القاضي غيره، بخلاف موت الوكيل لا ينصب غيره إلا عن مفقود للحفظ، وفي أن
القاضي يعزل وصي الميت بخيانة أو تهمة بخلاف الوكيل، وفي أن الوصي إذا باع شيئاً من
التركة فادعى المشتري أنه معيب ولا بينة فإنه يحلف على الثبات، بخلاف الوكيل فإنه
يحلف على نفي العلم.
وهي في القنية: ولو أوصى لفقراء أهل بلخ فالأفضل للوصي أن لا يجاوز أهل
بلخ، فإن أعطى لأهل كورة أخرى جاز على الأصح. ولو أوصى بالتصدق على فقراء
الحاج يجوز أن يتصدق على غيرهم من الفقراء، ولو خص فقال فقراء هذه السكة لم يجز،
كذا في وصايا خزانة الأكمل.
٦٠
كتاب الهبة
مَطْلَبُ: أَلَوَصِيُّ يُخَالِفُ الْوَكِيلَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ
وفي الخانية: ولو قال لله عليّ أن أتصدق على جنس فتصدق على غيره لو فعل
ذلك بنفسه جاز.
ولو أمر غيره بالتصدق ففعل المأمور ذلك ضمن اهـ. فهذا مما خالف فيه الوصي
الوكيل. ولو استأجر الموصي الوصي لتنفيذ الوصية كانت وصية له بشرط العمل؛ وهي
في الخانية: ولو استأجر الموكل الوكيل فإن كان على عمل معلوم صحت، وإلا لا اهـ.
فهي خمس عشرة مسألة، فلتحفظ.
مَطْلَبُ: وَصِيُّ الْقَاضِي نَائِبُ عَنِ الْمَيِّتِ لَا عَنِ القَاضِي
ثم اعلم أن وصي القاضي نائب عن الميت لا عن القاضي. قال في البحر: ولم أرَ
نقلاً في حكم وصايته قبل العلم.
مَظْلَبٌ: النَّاظِرُ وَكِيلٌ لَا وَصِيٌّ
وكذا في حكم تولية الناظر من الواقف، وينبغي أن یکون على الخلاف، فمن جعل
الناظر وصیاً قال تثبت قبل العلم، ومن جعله وکیلاً قال لا، وصححوا أنه و کیل حتی
ملك الواقف عزله بلا شرط اهـ.
مَطْلَبُ: تَقْرِيرٌ في النَّظَرِ بِلاَ عِلْمِهِ
قال سيدي الوالد معزياً لأبي السعود: ومقتضاه أن تقريره في النظر بلا علمه لا
يصح.
مَطْلَبٌ: النَّاظِرُ لَهُ شَبَّهُ بِالوَصِيٌّ وَشَبَّةٌ بِأَلوَكيلِ
ثم رأيت بخط الشيخ شرف الدين الغزي محشي الأشباه أنهم لا يجعلونه وصياً من
کل وجه ولا وكيلاً كذلك، بل له شبه بالوصي حتى صح تفويضه في مرض موته، وشبه
بالوكيل حتى ملك الواقف عزله من غير شرط على قول أبي يوسف. وأما على قول محمد
فهو وكيل عن الموقوف عليهم كما ذكره في الأشباه.
قلت: وقول محمد مشكل، إذ مقتضى كونه وكيلاً عنهم أن لهم عزله، مع أن
الظاهر من كلامهم أنه لا يصح، بل لو عزله القاضي لم يصح إذا كان منصوب الواقف إلا
بخيانة اهـ.
مَطْلَبٌ: النَّاظِرُ وَكِيلٌ فِي حَيَاةِ أَلَوَاقِفِ وَصِيٍّ في مَوْتِهِ
قلت: إنه وكيل ما دام الواقف حياً وصي بعد وفاته، والظاهر أن مراد محمد أنه
نظير الوكيل في سعيه لهم، لا وكيل حقيقة، إذ ليست ولايته منهم. تأمل.