النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب الفرائض
(ثم ذوي الأرحام ثم بعدهم مولى الموالاة) كما مر في كتاب الولاء، وله الباقي بعد
فرض أحد الزوجين. ذكره السيد (ثم المقر له بنسب) على غيره (لم يثبت) فلو ثبت
بأن صدقه المقر عليه
محله. قوله: (ثم ذوي الأرحام) أي يبدأ بهم عند عدم ذوي الفروض النسبية والعصبات
فيأخذون كل المال، وما بقي عن أحد الزوجين لعدم الرد عليهما. قوله: (ثم بعدهم) أي
إذا فقد ذوو الأرحام يقدم مولى الموالاة: أي القابل موالاة الميت حين قال له أنت مولاي
ترثني إذا متّ وتعقل عني إذا جنيت ولم يكن من العرب ولا من معاتيقهم ولا له وارث
نسبي ولا عقل عنه بيت المال أو مولى موالاة آخر فيرثه القابل، بل عكس إلا أن شرط
ذلك من الجانبين وتحققت الشرائط فيهما، وله أن يرجع ما لم يعقل عنه مولاه، وذا مذهب
عمر وعليّ وكثيرين، ثم عصبته ترث أيضاً على ترتيب عصبة مولى العتاقة، وإن لم يذكره
المصنف. سائحاني في شرح المنظومة. وقدمناه مع استيفاء الشروط وبيانها في الولاء. قوله:
(وله الباقي الخ) أي إن لم يوجد أحد ممن تقدم فله كل المال، إلا إن وجد أحد الزوجين
فله الباقي عن فرضه. قوله: (ثم المقر له بنسب الخ) أي ثم بعد مولى الموالاة بأن لم يكن
يقدم المقر له بنسب الخ فيعطى كل المال، إلا إذا كان أحد الزوجين فيعطى ما فضل بعد
فرضه. قوله: (على غيره) ضمنه معنى التحميل فعداه بعلى: أي المحمول نسبه على غيره
في ضمن الإقرار بالنسب من نفسه، كما لو أقر له بأنه أخوه أو ابن ابنه، فإن إقراره هذا
تضمن حمل النسب على الأب أو الابن، واحترز به عما إذا لم يتضمن تحميل النسب على
غيره، كما إذا أقر لمجهول النسب بأنه ابنه فإنه يوجب ثبوت النسب منه، ويندرج في
الورثة النسبية إذا اشتمل الإقرار على شرائط صحته كالحرية والبلوغ والعقل في المقر،
وتصديق المقر له بالنسب، وكونه بحيث يولد مثله لمثله، وتقدم في باب إقرار المريض تمام
الكلام على ما يصح من ذلك وما لا يصح مع بيان الشروط، وحررناه أيضاً في شرحنا على
نظم فرائض الملتقى المسمى بـ ((الرحيق المختوم شرح قلائد الدر المنظوم)) وفي آخر التاسع
والعشرين من جامع الفصولين فروع مهمة يلزم مراجعتها. قوله: (لم يثبت) قید ثان،
وبين الشارح محترزه، وزاد في السراجية ثالثاً، وهو موت المقرّ على إقراره، لأنه إذا رجع لم
يعتد به فلا يرث، وإذا اجتمعت هذه الصفات في المقر له صار عندنا وارثاً في المرتبة
المذكورة، لأن المقر كان مقراً بشيئين: النسب، واستحقاق المال بالإرث، لكن إقراره
بالنسب باطل لأنه يحمل نسبه على غيره، والإقرار على الغير دعوى فلا تسمع، ويبقى
إقراره بالمال صحيحاً لأنه لا يعدوه إلى غيره إذا لم يكن له وارث معروف. سيد: أي
ويكون هذا الإقرار وصية معنى، ولذا صح رجوعه عنه ولا ينتقل إلى فرع المقر له ولا
أصله. قوله: (بأن صدقه المقر عليه) بأن قال الأب نعم هو ابني وهو أخوك، وكذا لو

٥٠٢
كتاب الفرائض
أو أقر بمثل إقراره أو شهد رجل آخر ثبت نسبه حقيقة وزاحم الورثة وإن رجع
المقر، وكذا لو صدقه المقر له قبل رجوعه. وتمامه في شروح السراجية سيما روح
الشروح وقد لخصته فيما علقته عليها (ثم) بعدهم (الموصى له بما زاد على الثلث)
ولو بالكل، وإنما قدم عليه المقر له لأنه نوع قرابة، بخلاف الموصى له (ثم) يوضع
صدقه الورثة وهم من أهل الإقرار ا هـ من روح الشروح. والمراد ورثة المقر بأن قال أولاد
المقر هو عمنا ط. قوله: (أو أقر بمثل إقراره) أي بأن قال من غير علم بإقرار المقر هو
ابني، إذ لو علم به كان تصديقاً. تأمل.
والظاهر أنه إذا حمل نسبه على نفسه ورث منه قصداً ومن غيره وإن لم يقر ذلك
الغير. أفاده ط. قوله: (أو شهد رجل) أي مع المقر. قال الشارح في باب إقرار المريض:
لا يصح في حق غيره إلا ببرهان ومنه إقرار اثنين اهـ. وظاهره أنه لا يلزم في هذا الإقرار
لفظ الشهادة، وأفاد أنه يصح بإقرار الوارث وإن لم يقرّ به الموروث، وهو ظاهر. قوله:
(وإن رجع المقر) قال في روح الشروح: واعلم أنه إن شهد مع المقر رجل آخر أو صدقه
المقر عليه أو الورثة وهم من أهل الإقرار، فلا يشترط الإصرار على الإقرار إلى الموت ولا
ينفع الرجوع لثبوت النسب حينئذا هـ. وفي سكب الأنهر: وصح رجوعه لأنه وصية
معنى، ولا شيء للمقر له من تركته.
قال في شرح السراجية المسمى بـ (المنهاج)): وهذا إذا لم يصدق المقر عليه إقراره قبل
رجوعه، أو لم يقر بمثل إقراره الخ، فقول المنح عن بعض شروح السراجية، وهذا إذا لم
يصدق المقر له صوابه المقر عليه كما رأيته في نسختي مصلحاً بخط بعض الفضلاء. قوله:
(وكذا لو صدقه المقر له الخ) الصواب إسقاطه بالكلية والذي أوقعه فيه عبارة المنح
السابقة. وقد علمت ما هو الصواب فيها لأن تصديق المقر له لا يثبت النسب قطعاً، لأنه
المنتفع بذلك فهو متهم، إذا لم يثبت بإقرار المقر، فكيف يثبت بتصديق المقر له المتهم؟ على
أنك قد علمت أن الذي في روح الشروح وغيره هو ثبوته بتصديق المقر عليه لا المقر له،
فتنبه. وتمام الكلام على ذلك يعلم من باب إقرار المريض فارجع إليه. قوله: (ثم بعدهم
الخ) أي إذا عدم من تقدم ذكره يبدأ بمن أوصى له بجميع المال فيكمل له وصيته، لأن
منعه عما زاد على الثلث كان لأجل الورثة، فإن لم يوجد أحد منهم فله عندنا ما عين له
كملاً. سيد. ولا يخفى أن المراد أنه يأخذ الزائد بطريق الاستحقاق بلا توقف على إجارة،
فلا يرد أن أخذ الزائد لا يشترط فيه عدم الورثة، إذ لو أجازوا جاز. قوله: (لأنه نوع
قرابة) الأولى قول السيد: أن له نوع قرابة. قوله: (ثم يوضع) أي إن لم يوجد موصى له
بالزائد یوضع کل الترکة في بیت المال أو الباقي عن الزائد إن وجد موصی له بما دون

٥٠٣
كتاب الفرائض
(في بيت المال) لا إرثاً بل فيئاً للمسلمين.
(وموانعه) على ما هنا أربعة: (الرق) ولو ناقصاً كمكاتب، وكذا مبعض عند
أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى، وقالا: حرّ فيرث ويحجب. وقال الشافعي: لا
يرث بل يورث. وقال أحمد: يرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية.
قلت: وقد ذکر الشافعية مسألة یورث فيها الرقيق مع رق کله.
صورتها: مستأمن جنى عليه فلحق بدار الحرب فاسترق ومات رقيقاً بسراية
تلك الجناية فديته لورثته، ولم أره لأئمتنا فيحرر (والقتل)
الكل ولم يقل ثم يقدم إذ لا شيء بعده، وأشار إلى أن كلام المصنف من قبيل قوله:
[الرجز]
عَلَقْتُهَا تَبْناً وَمَاءٌ بَارِداً
قوله: (لا إرثاً) نفي لما يقوله الشافعية، لما يرد عليه من أنه لو كان إرثاً لم تصح
وصيته بالثلث للفقراء إذا لم يكن له وارث خاص لأنها وصية لوارث، فتتوقف على إجازة
بقية الورثة، ومن أنه يعطي من ذلك المال من ولد بعد موت صاحبه وللولد مع والده،
ولو كان إرثاً لما صح ذلك، لكن أفتى متأخروا الشافعية بالرد إن لم ينتظم بيت المال.
قوله: (وموانعه) المانع لغة: الحائل، واصطلاحاً: ما ينتفي لأجله الحكم عن شخص
لمعنى فيه بعد قيام سببه، ويسمى محروماً، فخرج ما انتفى لمعنى في غيره فإنه محجوب، أو
لعدم قيام السبب كالأجنبي، والمراد بالمانع هاهنا المانع عن الوراثية لا المورثية، وإن كان
بعضها كاختلاف الدين مانعاً عنهما كما حررته في الرحيق المختوم. قوله: (على ما هنا)
لأن بعضهم زاد على هذه الأربعة غيرها كما سيذكره الشارح. قوله: (كمكاتب) المصرح
به أن رقه كامل وملكه ناقص، فالصواب أن يقول: کمدبر وأم ولد ا هـ ح. وقد يقال:
كمال رقه إنما هو بالنسبة إلى المدبر وأم الولد، ولذا أجاز عتقه عن الكفارة وملك أكسابه
دونهما أما بالنسبة إلى القنّ فهو ناقص من حيث انعقاد سبب الحرية فيه مثل المدبر وأم
الولد. قوله: (وكذا مبعض الخ) هو من أعتق بعضه فيسعى في فكاك باقيه، وهو عند
الإمام بمنزلة المملوك ما بقي عليهم درهم، وقالا: هو حرّ مديون فيرث ويحجب بناء على
تجزي الإعتاق عنده لا عندهما. قوله: (وقال الشافعي لا يرث بل يورث) قيل المنقول عنه
أنه لا يرث ولا يورث، فليراجع. قوله: (يورث فيها الرقيق) أي بطريق الاستناد إلى أول
الإصابة ط. قوله: (جنى عليه) أي بجراحة مثلاً .. قوله: (بسراية تلك الجناية) أي التي
أصابته قبل الرق ط. قوله: (فديته لورثته الخ) أي نظراً إلى وقت الإصابة، فإنه لو مات
بها قبل الاسترقاق كان إرثه لهم، فكذا بعده لانعقاد السبب قبله ط. قوله: (ولم أره
لأئمتنا) هم قد اعتبروا وقت الإصابة في مسائل، فيمكن أن يكون هذا منها، ويمكن أن
يقال إن موته صدر وهو في ملك السيد فالدية له ط.

٥٠٤
كتاب الفرائض
الموجب للقود أو الكفارة وإن سقطا بحرمة الأبوة على ما مر، وعند الشافعي: لا
يرث القاتل مطلقاً (١)،
أقول: ويظهر لي أنه لا يجب على الجاني شيء عندنا، لما تقدم في فصل المستأمن أنه
إذا رجع إلى دار الحرب وقد ترك وديعة أو ديناً فأسر أو ظهر عليهم فأخذ أو قتل سقط
دينه وما غصب منه، وصار ماله كوديعته، وما عند شريكه أو في بيته في دارنا فيئاً، وإن
قتل أو مات بلا غلبة عليهم فدينه وقرضه ووديعته لورثته لأن نفسه لم تصر مغنومة اهـ.
ومعلوم أن الديّة دين على الجاني فتسقط برجوعه إلى دار الحرب واسترقاقه، فلا تكون
لورثته ولا لسيده أيضاً، لأن الجناية حدثت على ملك المجني عليه لا على ملك السيد،
لأنه إنما استرقه مجنياً عليه، فليس له مطالبة الجاني بشيء، فتدبره. قوله: (الموجب للقود
أو الكفارة) الأول هو العمد، وهو أن يقصد ضربه بمحدد أو ما يجري مجراه في تفريق
الأجزاء، والثاني ثلاثة أقسام: شبه عمد، وهو أن يعتمد قتله بما لا يقتل غالباً كالسوط،
وخطأ كأن رمى صيداً فأصاب إنساناً وما جرى مجراه كانقلاب نائم على شخص أو
سقوطه عليه من سطح فخرج القتل بسبب فإنه لا يوجبهما، كما لو أخرج روشناً أو حفر
بئراً أو وضع حجراً في الطريق فقتل مورثه، أو أقاد دابة أو ساقها فوطئته، أو قتله
قصاصاً أو رجماً أو دفعاً عن نفسه، أو وجد مورثه قتيلاً في داره، أو قتل العادل الباغي،
وكذا عكسه إن قال قتلته وأنا على حق، وأنا الآن على الحق، وخرج القتل مباشرة من
الصبي والمجنون لعدم وجوب القصاص والكفارة. وتمامه في سكب الأنهر وغيره. وفي
الحاوي الزاهدي رمزاً: إذا قتل الزوج امرأته أو ذات رحم من محارمه المؤنث لأجل الزنا
يرث منها عندنا، خلافاً للشافعي ا هـ: يعني مع تحقق الزنا، أما بمجرد التهمة فلا، كما
يقع من فلاحي القرى ببلادنا فادر ذلك. رملي. والتقييد بالموجب جرى على الغالب، إذ
الحكم فيما استحب فيه الكفارة كذلك، كمن ضرب امرأة فألقت جنيناً ميتاً ففيه الغرة
وتستحب الكفارة مع أنه يحرم الإرث منه. قوله: (على ما مر) أي في كتاب الجنايات.
قوله: (مطلقاً) أي بحق أو لا مباشرة أو لا، ولو بشهادة أو تزكية لشاهد بقتل. قوله:
(١) واختلف في القتل المانع من الإرث فعندنا معاشر الشافعية لا يرث من له مدخل في القتل، ولو كان بحق
كمقتص، وإمام، وقاض، وجلاد بأمرهما أو أحدهما سواء أكان مباشراً أم متسبباً، بالاختيار أم بالإكراه،
لكنهم رجحوا في صورة من حفر بئراً في ملكه فقتل فيه مورثه، وكذا من وضع حجراً أو نصب ميزاباً في
ملكه أو بنى حائطاً في ملكه فمات المورث بسببها رجحوا في هذه الصور الإرث لأنه لم يكن فيها. أما إذا
تعدى بأن حفر بثراً في الطريق، فإنه لا يرث إذا مات بها مورثه هذا إذا كان التسبب قريباً. بخلاف ما إذا كان
بعيداً كأن أحبل الزوج زوجته فماتت بالولادة، فإنه يرث، وإن كان له تسبب في موتها بالإحبال لكنه بعيد؛
ولأن الوطء من باب الاستمتاع، ومن شأنه ألا ينسب إليه قتل. هذا والقتل يشمل المقصود كما تقدم وغير
المقصود كقتل النائم والمجنون والصبي وغيرهم. فلا يرث واحد منهم من قتله. وأما حديث: ((رفع القلم =

۔۔
٥٠٥
كتاب الفرائض
ولو مات القاتل قبل المقتول ورثه المقتول إجماعاً (واختلاف الدين) وإسلاماً وكفراً.
وقال أحمد: إذا أسلم الكافر قبل قسمة الترکة ورث، وأما المرتد فیورث عندنا
(ولو مات القاتل قبل المقتول) بأن جرحه جرحاً صار به ذا فراش فمات الجارح قبله.
قوله: (إسلاماً وكفراً) قيد به لأن الكفار يتوارثون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم
عندنا(١)، لأن الكفر كله ملة واحدة. قوله: (وأما المرتد فيورث عندنا) أي من كسب
= عن ثلاث، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)، فلا يرد علينا،
لأن المرفوع هنا إنما هو قلم التكليف، ولا تعلق له بالإرث. وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال بإرث القاتل إذا
كان صبياً أو مجنوناً لارتفاع القلم عنهما. وعندنا لا إرث لمن له دخل في القتل سواء أقصد به مصلحة كضرب
الأب ابنه للتأديب فيموت بسببه. وربطه الجرح للمعالجة أم لا. قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس للقاتل من
الميراث شيء، أي ليس لمن له مدخل في القتل شيء من الإرث. وأما السادة الحنفية. فيقولون: إن القتل المانع
من الإرث هو ما يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة، فالذي يوجب القصاص هو العمد. وما يوجب
الكفارة إما شبه العمد وإما الخطأ، وموجبهما الكفارة والدية على العاقلة، ولا إثم فيه، ويحرم القاتل الميراث
في هذه الصور كلها. هذا إذا كان القتل بغير حق. أما لو قتل مورثه قصاصاً أو حداً أو دفعاً عن نفسه، فلا
يحرم الميراث، وكذا إذا تسبب في القتل ولم يباشره مطلقاً سواء أكان في تسببه متعدياً أم لا. واعترض الحنفية في
قصر المانع على القتل الموجب للقصاص أو الكفارة، بما إذا قتل الأب ابنه عمداً فإنه لم يثبت به قصاص ولا
كفارة مع أنه محروم اتفاقاً. وأجيب: بأنه موجب للقصاص بحسب أصله إلا أنه سقط بقوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا يقتل الوالد بولده، ولا السيد بعبده)). وعند السادة الحنابلة: كل قتل مضمون بدية أو قصاص
أو كفارة مانع، وما لا فلا أما القتل بحق فلا يمنع الميراث)). وعند السادة المالكية: يرث القاتل خطأ من المال
دون الدية، ولا يرث القاتل عمداً وعدواناً.
(١) لا نعلم خلافاً بين الفقهاء في أن المسلم يرث من مورثه المسلم ما لم يكن ثم مانع من قتل أو رق أو نحوهما
كما أن الكافر يرث من الكافر على خلاف في أن الكفر كله ملة واحدة أو ملل مختلفة وأيضاً اتفقوا على أن
الكافر لا يرث من المسلم. وذلك الميراث يعتمد الولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر أما ميراث المسلم من
الكافر فجمهور الصحابة والتابعين والفقهاء على نفيه أيضاً في الجملة. وقال معاذ ومعاوية والإمامية وحكي
ذلك عن محمد بن الحنفية وابن المسيب ومسروق وإسحاق أنه يرث المسلم من الكافر الكتابي. استدل معاذ
ومن معه أولاً: بما روى يحيى بن يعمر قال: حدثني أبو الأسود أن معاذاً حدثه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)). وروي عن يحيى عن الأسود الدؤلي قال كان معاذ بن جبل باليمن
فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخاه مسلماً فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الإسلام
يزيد ولا ينقص)) رواه البيهقي في السنن عن معاذ وهو حديث حسن. ورواه أحمد في مسنده وأبو داود ورواه
الحاكم. وبما رواه أبو داود وأخرجه الحاكم وصححه عن رسول الله صلير: ((الإسلام يعلو ولا يعلى)) ((ج)) وما
روي عنه ﴿ أنه قال: ((نرئهم ولا يرثون)) دلت هذه الروايات الثلاثة على أن المسلم لعلو شأنه يستحق أن
يكون زائداً عن الكافر. وذلك يقتضي أن يرث المسلم ممن خالفه في الملة دون أن يرثه أهل الملل الأخرى.
لأنه إذا لم يرث. وكان قبل أن يسلم مستحقاً للإرث من قريبه الكافر. كان إسلامه سبباً في انتقاص حقه
وحرمانه من الميراث، ولخالف مضمون حديث: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) ونوقش: بأن قوله صلى الله عليه
وسلم: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) يحتمل أن يكون معناه الإسلام يزيد بمن أسلم من المشركين، ولا ينقص
بالمرتدين، لأنهم قليلون، أو يحتمل أن ملكهم يزيد بما يفتح من البلاد، وهذا التأويل الذي سلكه المستدلون
لا يقضى به على النص والتوقيف، إذ القاعدة المعروفة أن يروا التأويل إلى المنصوص ويحمل على موافقته دون
مخالفته، وهناك احتمال ثالث في الحديث هو أن الرسول يريد أن من أسلم ترك على إسلامه. ومن خرج =

٥٠٦
كتاب الفرائض
= عن الإسلام رد إليه، وإذا احتمل الحديث كل هذه الاحتمالات لا يثبت حجة لكونه حينئذ مشكوكاً فيه،
ويكون محتاجاً في دلالته إلى غيره فيسقط الاحتجاج به. ومما يرد الحديث أيضاً حديث مسروق، وهو ما رواه
ابن شهاب عن داود عن ابن هند قال: قال مسروق: ما أحدث في الإسلام قضية أعجب من قضية قضاها
معاوية قال: ((كان يورث المسلم من اليهودي والنصراني، ولا يورث اليهودي والنصراني من المسلم)) قال:
فقضى بها أهل الشام. قال داود: فلما قدم عمر بن عبد العزيز ردهم إلى الأمر الأول، فهذا صريح في أن
الأمر الأول كان على عكس ما عليه معاوية، وهذا هو الموافق لمذهب الجمهور. أما رواية ((الإسلام يعلو)).
فنقول بموجبها لكن الإرث خارج عن عموم الحديث بما روي من النصوص، ويكون المراد أن الإسلام يعلو
من حیث الحجة أو من حيث القهر والغلبة، فیکون النصرة في العاقبة للمؤمنين. وحديث: (نرٹھم ولا يرثونا»
محتمل لكونه أريد به المرتدين بمعنى أننا نرث المرتدين، ولا يرثونا جمعاً بين الأخبار، قال الشوكاني ٦٣/٦ في
هذه الرواية، إنها ليست من الرسول كما زعم في البحر بل هي من قول معاوية كما روى ذلك ابن أبي شيبة.
واستدلوا ثانياً: بالمعقول من وجهين: الوجه الأول: أن أموال المشركين يجوز أن تصير إلى المسلمين قهراً فأولى
أن تصير إليهم إرثاً، ولا يجوز أن تصير أموال المسلمين إلى المشركين قهراً فلم يجز أن تصير إليهم إرثاً، وأيضاً
كما يجوز للمسلم أن ينكح الذمية، ولا يجوز للذمي أن ينكح المسلمة جاز مثل ذلك في الميراث. ونوقش: بأن
أخذ أموالهم قهراً لا يوجب الإرث منهم؛ لأن المسلم لا يرث الحربي وإن كان له أن يغنم ماله كما أن المسلم
يرث الذمي على قولهم، ولا يحل له غنيمة ماله، فلذا لم يجز أن يعتبر أحدهما بالآخر والنكاح غير معتبر
بالميراث ألا ترى أن المسلم ينكح الحربية ولا يرثها؟ وقد ينكح العبد المرأة الحرة ولكنه لا يرثها، فهو غير
مطرد، ولو كان كذلك لكان الكافر يرث من المسلم؛ لأن المسلم يجوز له نكاح الكافرة، وليس ذلك
صحيحاً. قال في المطلب لابن الرفعة جـ ٧: والفرق بين الإرث والنكاح أن التوارث مبني على الموالاة
والنصرة، ولا موالاة بين المسلم والكافر بمال، والنكاح شرعاً سبب للتوالد والتناسل مع أن فيه ضرباً من
الإبعاد؛ لأنه يجعل الزوجة بعضاً لفضلاته وکالمملوكة لحبسها علیه، وذلك لا ینافیه الکفر بل یلیق به، ولو
كان الإرث مستحقاً بالنكاج لورث الذمي من الحربي كما يجوز أن يتزوج المسلم بالحربية، فحيث لم يجز دل
على افتراقهما. أما الوجه الثاني من المعقول: أن الإرث يستحق بالسبب العام تارة، وبالسبب الخاص أخرى
ثم بالسبب العام يرث المسلم من الكافر، فإن الذمي لا وارث له في دار الإسلام يرثه المسلمون، ولا يرث
المسلم الكافر بالسبب العام بحال، فكذلك بالسبب الخاص، والدليل عليه أن المرتد يرثه المسلم، ولا يرث
المرتد من المسلم بحال، والمرتد كافر فيعتبر به غيره من الكفار. ونوقش: بأن الإرث نوع ولاية: ((إذ الوارث
يخلف المورث في ماله ملكاً ويداً وتصرفاً)، ومع اختلاف الدين لا تثبت الولاية لأحدهما على الآخر، ألا ترى
أنه لا تبقى الولاية بين من هاجر وبين من لم يهاجر حتى كانت الهجرة فريضة؟ والسبب الخاص كما لا يوجب
الولاية للكافر على المسلم لا تثبت للمسلم على الكافر ولاية التزويج بسبب القرابة، وولاية التصرف في المال،
وبه فارق التوريث بالسبب العام، فإن الولاية بالسبب العام يثبت للمسلم على الكافر كولاية الشهادة
والسلطنة، ولا تثبت للكافر على المسلم بحال، فكذلك التوريث. ثم هذا خلاف المرتد لأن الإرث للمسلم
من الكافر يستند إلى حال إسلامه، ولهذا يورث منه كسب إسلامه فقط ولا يورث كسب ردته ومن هنا لا
يرث المرتد مسلماً؛ لأنه لا يتحقق معنى الاستناد في جانبه، وقيل: إنه لا يرث عقوبة له على ردته كالقاتل.
واستدل الجمهور لمذهبهم: أولاً: قوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ دلت الآية على أن
الولاية منتفية بين الكفار والمسلمين فإن كان المراد بتلك الولاية الإرث كان ذلك إشارة إلى منع التوارث
بينهما، فلا يرث المسلم من الكافر، وإن كان المراد مطلق الولاية، فقد عرف أن في الإرث معنى الولاية، لأن
الوارث يخلف المورث في ماله كما سبق، ومع اختلاف الدين لا تثبت هذه الولاية لأحدهما على الآخر.
واستدلوا ثانياً: بها رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي، عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((لا يرث الكافر من المسلم ولا المسلم من الكافر)) متفق عليه، وفي رواية قال: يا رسول الله أننزل غداً في دارك
بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرث =

٥٠٧
كتاب الفرائض
خلافاً للشافعي. قلت: ذكر الشافعية مسألة يورث فيها الكافر.
صورتها: كافر مات عن زوجته حاملاً ووقفنا ميراث الحمل فأسلمت ثم
إسلامه وكسب ردته فيء للمسلمين، وقالا: للوارث المسلم ككسب المرتدة. قوله: (خلافاً
للشافعي) (١) فقال: كسباه لبيت المال. قوله: (فأسلمت) أي بعد موته، فلو قبله فالظاهر
= جعفر ولا علي شيئاً؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين أخرجاه وجه الدلالة من الرواية
الأولى ظاهر ومن الثانية أن الأمر كان في صدر الإسلام على عدم توريث المسلم من الكافر، وإلا لورث جعفر
وعلي. لكنهما حرما من الميراث الإسلامهما، وبقي ذلك من غير تغییر. بما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه،
وللترمذي مثله من حديث جابر عن ابن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((ولا يتوارث أهل ملتين شيء)) وروي هذا الحديث عن علي بن الحسين عن عمرو بن
عثمان عن أسامة بن زيد بهذا اللفظ أيضاً. وجه الدلالة: أن الحديث يقرر أن الإرث منقطع بين أهل الملل
المختلفة، ولا شك أن ملة الإسلام تخالف ملة الكفر، فكان الميرث منقطعاً بينهما. ونوقش الأول: بأنه خبر
واحد لا يحتج به. وأجيب. بأنه وإن كان خبر آحاد إلا أن الأمة تلقته بالقبول، واستعملوه في منع توريث
المسلم من الكافر والكافر من المسلم، فكان في حيز المتواتر، والمتواتر حجة بالاتفاق. ثالثاً. من الآثار. ما
روى الزهري أنه كان لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد
أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فلما ولي معاوية رحمه الله ورث المسلم من الكافر، وأخد بذلك
الخلفاء حتى قام عمر بن عبد العزيز فراجع السنة الأولى، ثم أخذ بذلك يزيد بن عبد الملك، فلما قام هشام
ابن عبد الملك أخذ بسنة الخلفاء بين هذا الأثر مقدار شبه الإجماع الأول على عدم توريث المسلم من الكافر،
ثم بين ما حدث بعد ذلك مما يدل على أن ما حدث كان مخالفاً لما كان عليه الأمر أولاً، ولا يعتمد عليه. ما
روى مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن علي بن أبي طالب أنه أخبره إنما ورث أبا طالب عقيل
وطالب ولم يرثه علي، فلذلك تركنا نصيبنا من الشعب. وجه الدلالة أنه لما كان علياً وجعفراً مسلمين قبل
موت أبي طالب، وكان طالب وعقيل على ملة أبي طالب انفرد الأخيران بميراثه، فكان هذا أوضح دليل على
عدم إرث المسلم من الكافر. ما روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن محمد بن الأشعث
أخبره أن عمة له يهودية أو نصرانية توفيت وأن محمد بن الأشعث ذكر ذلك لعمر بن الخطاب وقال له: من
يرثها؟ قال له عمر: يرثها أهل دينها. دل الأثر على أن التوارث إنما يكون بين أهل الدين المتحد لا
المختلف، وذلك يقتضي عدم توريث المسلم من الكافر. واستدلوا رابعاً بالمعقول: وهو أن الولاية لما كانت
منقطعة بين المسلم والكافر، وكذا انعدم العقل بينهما في الجنايات كانت النصرة منعدمة بينهما، وإذا كان
الميراث يبتني على ما سبق انتفى فيما بينهما. وكذلك لما كان البعد بين المسلم والذمي أعظم مما بين الذمي
والحربي والأخيران لا يتوارثان لبعد ما بينهما فأولى ألَّ يتوارث الأولون انظر المغني لابن قدامة ١٦٥/٧ نيل
الأوطار ٦٣/٦.
(١) إذا قتل المرتد أو مات على ردته فقد اختلف الفقهاء في إرث ورثته المسلمين لماله على الوجه الآتي: ذهب
الشافعي وابن أبي ليلى وأبو ثور وأحمد بن حنبل ومالك وداود بن علي، وعلقمة، وقتادة إلى عدم إرث ورثته
المسلمين من تركته، واختلف هؤلاء فيما بينهم فذهب الشافعي وابن أبي ليلى وأبو ثور وابن حنبل إلى أن جميع
ماله يكون فيئاً لبيت مال المسلمين، ووافقهم مالك على ذلك، إلا في حالة واحدة هي ما إذا قصد المورّث
المرتد حرمان ورثته من ماله فيرثوه في تلك الحالة عنده، وذهب داود بن علي إلى أن ماله يكون لورثته الذين
ارتد إليهم، وذهب علقمة وقتادة إلى أن ماله ينتقل إلى أهل الدين الذين ارتد إليهم. وذهب الحنفية وعلي بن
أبي طالب وعبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وسفيان الثوري وزفر
إلى إرث ورثة المسلمين من تركته. وهؤلاء فريقان أيضاً ذهب علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن المسيب
وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء والصاحبان من الحنفية إلى أن جميع ماله الذي كسبه في الإسلام وبعد =

٥٠٨
كتاب الفرائض
ولدت ورث الولد، ولم أره لأئمتنا صريحاً
أن الحمل لا يرث قولاً واحداً لأنه جزء منها، فهو مسلم عند موت المورث وعند الولادة
تبعاً لها، وهي واقعة الفتوى. قوله: (ولم أره لأئمتنا صريحاً) أقول: قيد بقوله صريحاً لأن
كلامهم يدل عليه دلالة ظاهرة، فمنه قولهم إرث الحمل فأضافوا الإرث إليه وهو حمل،
وأما اشتراطهم خروجه حياً فلتحقق وجوده عند موت مورثه، ومن ثم قيل لنا: جماد
يملك وهو النطفة.
وفي حاشية الحموي عن الظهيرية: متى انفصل الحمل ميتاً إنما لا يرث إذا انفصل
= ردته یکون موروثاً لورثته المسلمین، وذهب الإمام أبو حنيفة وسفيان الثوري وزفر إلى أن الذي يورث هو
كسب إسلامه دون كسب ردته فإنه يكون فيئاً. استدل القائلون بعدم إرث الورثة المسلمين. أولاً: ما رواه
البراء بن عازب قال: مر بي خالي أبو بردة ومعه الراية، فقلت: إلى أين تذهب؟ فقال: أرسلني رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله، دلت الرواية على أن مال المرتد فيء وليس
لورثته، فإن إرسال الرسول الرجل لمن فعل فعلًا يخرجه عن الإسلام وأمره بقتله دليل على أنه ارتد بفعله. ما
روى معاوية بن مرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن
يضرب عنقه، ويخمس ماله، وهذا يدل على أن مال ذلك الرجل كان مغنوماً بالمحاربة، ولذلك أخذ منه
الخمس. ونوقش الحديثان: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك لأن كلّ من الرجلين كان محارباً
بسبب استحلاله لأمر محظور شرعاً، فكان ماله مغنوماً، ودليل ذلك أن الراية إنما تعقد للمحاربة لا لغيرها،
وإذا كان مغنوماً فلا حق لورثته والحالة هذه لكونه فيئاً. واستدلوا ثانياً: بأن المرتد كافر بردته، والمسلم لا
يرث الكافر، ونوقش بالفرق بين المرتد والكافر، فإن ملك المرتد فيما كسبه قبل الردة كان صحيحاً، فلم تجز
غنيمته إذ لا تغنم أموال المسلمين لصحة ملكهم له، وإن جاز غنيمة ما كسبه بعد الردة لمحاربته الله والرسول
فكان کالحربي، وبهذا يتبين أن مال المرتد غير مال الكافر، وكيف يكون مثله والمرتد غير مقر على ما انتقل إليه؟
ولا يحل التزوج بالمرتدة، ولا أكل ذبيحتها، ولا كذلك الكافر. واستدل القائلون بالإرث وهم الحنفية: أولاً:
قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ وجه الدلالة أن صلة الرحم باقية بين المرتد
وورثته، فتكون سبباً في بقاء الميراث بينهما. ثانيا: الآثار. فقد ورد عن كثير من الصحابة توريثهم الورثة
المسلمين من المرتد روى زيد بن ثابت قال: بعثني أبو بكر عند رجوعه إلى أهل الردة أن أقسم أموالهم بين
ورثتهم المسلمين، وروي مثله عن ابن مسعود، وإليه ذهب أكثر التابعين كسعيد بن المسيب والحسن، وروي
عن علي بن أبي طالب أنه أتي بالمستورد العجلي وقد ارتد فعرض عليه الإسلام، فأبى أن يسلم، فضرب عنقه،
وجعل ميراثه لورثتة المسلمين، وروى ابن حزم من طريق المنهال عن معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي
عمرو الشيباني عن علي بن أبي طالب اجعلوا ميراث المرتد لورثته من المسلمين فدلت هذه الآثار على أن ورثة
المرتد المسلمين أحق بتركته دون غيرهم إذ كانوا يرثونه في الصدر الأول. واستدلوا ثالثاً: بأن المرتد بردته تنتقل
أمواله عنه، فلا بد أن تنتقل إلى ورثة المسلمين كما لو انتقلت بالموت، خصوصاً وقد جاء نص المواريث عاماً،
لأن ظاهر قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ من المرتد إذ لم يفرق بين الميت المسلم وبين المرتد. ونوقش: بأن
العموم في آية المواريث قد خص بحديث أسامة بن زيد السابق: ((لا يرث المسلم من الكافر)) كما خص توريث
الكافر من المسلم، وهو إن كان من أخبار الآحاد إلا أن الأمة تلقته بالقبول، واستعملته في منع توريث الكافر
من المسلم. فصار في حيز المتواتر؛ لأن آية المواريث خاصة بالاتفاق، وأخبار الآحاد مقبولة في تخصيص
مثلها. وأجيب: بأن حديث أسامة المراد به إسقاط التوارث بين أهل الملتين، وليست الردة بملة قائمة؛ لأنه
غير مقر عليها، وليس محكوماً عليه بحكم الملة التي انتقل إليها، فلم يتناول الحديث محل النزاع. انظر مغني
ابن قدامة ٧/ ١٧٤، المنتقى على الموطأ ٦/ ٢٥٠ الأم للشافعي ٤/ ٢.

٥٠٩
كتاب الفرائض
(و) الرابع (اختلاف الدارين) فيما بين الكفار عندنا خلافاً للشافعي (حقيقة) کحربي
وذمي
بنفسه، وأما إذا فصل فهو من جملة الورثة، بيانه: إذا ضرب إنسان بطنها فألقت جنيناً ميتاً
ورث، لأن الشارع أوجب على الضارب الغرة وجوب الضمان بالجناية على الحي دون
الميت، فإذا حكمنا بالجنایة کان له الميراث ویورث عنه نصيبه، کما یورث عنه بدل نفسه
وهو الغرة اهـ.
أقول: فقد جعلوه وارثاً وموروثاً، وهو جنين قبل انفصاله، ومعلوم أنه حين موت
مورثه لم يكن مسلماً فلم يوجد المانع حين استحقاقه الإرث وإنما وجد بعده، فكان كمن
أسلم بعد موت مورثه الكافر، فلم یکن في الحقيقة إرث مسلم من کافر بل هو إرث كافر
من كافر، نعم يتصور عندنا إرث المسلم من الكافر في مسألة المرتد. قوله: (والرابع
اختلاف الدارين) اختلافهما باختلاف المنعة: أي العسكري، واختلاف الملك كأن يكون
أحد الملكين في الهند وله دار ومنعة، والآخر في الترك وله دار ومنعة أخرى، وانقطعت
للعصمة فيما بينهم، حتى يستحل كل منهم قتال الآخر، فهاتان لداران مختلفتان فتنقطع
باختلافهما الوراثة لأنها تبتنى على العصمة والولاية، وأما إذا كان بينهما تناصر وتعاون
على أعدائهما كانت الدار واحدة والوراثة ثابتة.
ثم اعلم أن الاختلاف إما حقيقة أو حكماً، کالحربي والذمي وکالحربيين في دارين
مختلفتين(١) بالمعنى السابق، وإما حكماً فقط كالمستأمن والذمي في دارنا، فإنها وإن كانت
واحدة حقيقة إلا أنها مختلفة حكماً، لأن المستأمن من أهل دار الحرب حكماً لتمكنه من
الرجوع إليها، وأما حقيقة فقط كمستأمن في دارنا وحربي في دارهم، فإن الدار وإن
اختلفت حقيقة لكن المستأمن من أهل الحرب حكما كما علمت، فهما متحدان حكماً،
وفي هذا الأخير يدفع مال المستأمن لوارثه الحربي لبقاء حكم الأمان في ماله لحقه، وإيصال
ماله لورثته من حقه كما في عامة الكتب فيمنع ذلك صرفه لبيت المال، خلافاً لما في شرح
السراجية لمصنفها كما نبه عليه في الدر المنتقى وسكب الأنهر.
أقول: وبه علم أن المانع هو الاختلاف حكماً، سواء كان حقيقة أيضاً أو لا، دون
الاختلاف حقيقة فقط، وهذا ما قال الزيلعي: المؤثر هو الاختلاف حكماً حتى لا تعتبر
الحقيقة بدونه اهـ. قوله: (حقيقة) يعني وحكماً لما علمت. قوله: (كحربي وذمي) أي إذا
مات الحربي في دار الحرب وله وارث ذمي في دارنا، أو مات الذمي في دارنا وله وارث في
(١) في ط (قوله مختلفين) لاحظ أولاً أن الدار مؤنث فأنث نعتها في قوله دارين مختلفين، وأما تذكير النعت في
العبارة الآتية فهو من كلام السيد، ومثله عبارة الشارح، لكن ليس نظراً لمجازية التأنيث، بل نظراً للمراد، أو
هو المنزل كما نبه على مثله في خاتمة المصباح، فليفهم بالدقة. قاله نصر الهوريني.

٥١٠
كتاب الفرائض
(أو حكماً) كمستأمن وذمي وكحربيين من دارين مختلفين كتركي وهندي لانقطاع
العصمة فيما بينهم بخلاف المسلمين. قلت: وبقي من الموانع جهالة تاريخ الموتى
کالغرقی والحرقی والهدمی والقتلى كما سيجيء.
ومنها: جهالة الوارث، وذلك في خمس مسائل أو أكثر في المجتبى. منها:
أرضعت صبياً مع ولدها وماتت وجهل ولدها فلا توارث، وكذا لو اشتبه ولد
دارهم لم يرث أحدهما من الآخر لتباين الدارين حقيقة وحكماً وإن اتحدا ملة. قوله: (أو
حكماً) أي فقط. قوله: (وكحربيين الخ) كذا في السراجية، وفيه أته من اختلاف الدار
حقيقة وحكماً كما قدمناه، إلا أن يحمل على أنهما من دارين مختلفين حقيقة، لكنهما
مستأمنان في دارنا فهما في دار واحدة حقيقة وفي دارين مختلفتين حكماً، ويؤيده أنه قال
من دارين لا في دارين، وإن كان الأولى أن يقول المستأمنين بدل الحربيين، وكأنه ترك هذا
الأولى إشارة إلى أنه يمكن جعله مثالاً للاختلافين. أفاده السید وتمامه فيه. قوله: (يخلاف
المسلمين) محترز قوله فيما بين الكفار: أي اختلاف الدار لا يؤثر في حق المسلمين كما في
عامة الشروح، حتى أن المسلم التاجر أو الأسير لو مات في دار الحرب ورث منه ورثته
الذين في دار الإسلام، كما في سكب الأنهر.
قال في شرح السراجية لابن الحنبلي: وأما قول العتابي أن من أسلم ولم يهاجر إلينا
لا يرث من المسلم الأصلي في دارتنا ولا المسلم الأصلي ممن أسلم ولم يهاجر إلينا، سواء
كان في دار الحرب مستأمناً أو لم يكن، فمدفوع بقول بعض علمائنا: يخايل لي أن هذا كان
في ابتداء الإسلام حين كانت الهجرة فريضة؛ ألا ترى أن الله تعالى نفى الولاية بين من
هاجر ومن لم يهاجر فقال: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى
يهاجروا﴾ فلما كانت الولاية بينهما منتنمية كان الميراث منتفياً، لأن الميراث على الولاية،
فأما اليوم فينبغي أن يرث أحدهما من الآخر لأن حكم الهجرة قد نسخ بقوله والقر ((لا
هجرة بعد الفتح)) اهـ. قوله: (كما سيجيء) أي في فصل الحرقى والغرقى. قوله: (في
خمس مسائل أو أكثر) زاد قوله ((أو أكثر)) تبعاً للمجتبى إشارة إلى أن عدها خمسا لم يرد به
الحصر لإمكان زيادة غيرها تأمل. وقد ذكر الشارح منها ثنتين. والثالثة: رجل وضع
ولده في فناء المسجد ليلاً ثم ندم صباحاً فرجع لرفعه فإذا فيه ولدان ولا يعرف ولده من
غيره، ومات قبل الظهور لا يرث واحد منهما، ويوضع ماله في بيت المال ونفقتهما على
بيت المال، ولا يرث أحدهما من صاحبه. والرابعة: حرة وأمة ولدت كل واحدة ولداً في
بيت مظلم ولا يعلم ولد الحرة من غيره لا يرث واحد منهما، ويسعى كل واحد منهما
المولى الأمة. والخامسة: رجل له ابن من حرة وابن من أمة لإنسان أرضعتهما ظئر واحدة
حتى كبرا ولا يعرف ولد الحرة من غيره فهما حران، ويسعى كل واحد منهما في نصف
قيمته لمولى الأمة ولا يرثان منه. قوله: (فلا توارث) أي لا يرثها واحد منهما. قوله: (من

٥١١
كتاب الفرائض
مسلم من ولد نصراني عند الظئر وكبرا فهما مسلمان ولا يرثان من أبويهما. زاد في
المنية: إلا أن يصطلحا فلهما أن يأخذا الميراث بينهما ثم بين ذوي الفرض مقدماً
للزوجة لأنها أصل الولاد إذ منها تتولد الأولاد، فقال (فيفرض للزوجة فصاعداً
ولد) الأولى (بولد)). قوله: (إلا أن يصطلحا) أي الولدان فإن الميراث لا يعدوهما، فمن
أخذ حصة وهو الوارث حقيقة فذلك من حظه، ويعد ما أخذه الآخر هبة من المستحق،
والظاهر أنه راجع إلى المسألة السابقة أيضاً ا هـ ط.
أقول: بل إلى كل المسائل المارة وإن ما مر من وضعه في بيت المال محمول على ما إذا
لم يصطلحا. تأمل.
تتمة جملة الموانع حينئذ ستة، وقد زاد بعضهم من الموانع النبوة لحديث الصحيحين
(نَحْنُ مُعَاشِر الأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرِثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) وفي الأشباه عن التتمة: كل إنسان يرث
ويورث إلا الأنبياء لا يرثون ولا يورثون: وما قيل من أنه عليه الصلاة والسلام ورث
خديجة لم يصح، وإنما وهبت مالها له في صحتها ا هـ.
قلت: لكن كلام ابن الكمال وسكب الأنهر يشعر بأنهم يرثون. وتمامه في الرحيق
المختوم. وزاد بعضهم الردة، فالمرتد لا يرث أحداً إجماعاً، وليس ذلك لاختلاف الدين
لأنه لا ملة له على ما عرف في محله، فالموانع حينئذ ثمانية. وزاد بعضهم تاسعاً وهو
اللعان. قال في الدر المنتقى. وفي الحقيقة الموانع خمسة: أربعة المتن، والردة كما علم ذلك
بالاستقراء الشرعي، وما زاد عليها فتسميته مانعاً مجاز، لأن انتفاء الإرث معه ليس بوجود
مانع بل لانتفاء الشرط أو السبب اهـ.
بيانه: إن شرط الإرث وجود الوارث حياً عند موت المورث، وذلك منتف في
جهالة تاريخ الموتى لعدم العلم بوجود الشرط ولا توارث مع الشك، وكذا في جهالة
الوارث فإنها کموته حكماً کما في المفقود، وأما ولد اللعان فإنه لا یرٹ من أبيه وبالعكس
لقطع نسبه، فعدم الإرث في الحقيقة لعدم السبب، وهو نسبته إلى أبيه، وأما النبوة ففي
كونها من انتفاء الشرط أو السبب كلام يعلم من شرحنا الرحيق المختوم، والذي يظهر أن
العلة في عدم كونها من الموانع هي كون النبوة معنى قائماً في المورث، والمانع هو ما يمنع
الإرث لمعنى قائم في الوارث على ما قدمناه في تعريفه.
تكميل عدّ الشافعية من الموانع الدور الحكمي، وهو أن يلزم من التوريث عدمه،
كما لو مات عن أخ فأقر الأخ بابن للميت فيثبت نسبه ولا يرث عندهم، لأنه لو ورث
لحجب الأخ فلا يقبل إقراره، فلا يثبت نسب الابن فلا يرث، لأن إثبات إرثه يؤدي إلى
نفيه فينتفي من أصله، وهذا لم يذكره علمائنا لصحة إقرار المقر في حق نفسه فقط فيرث
الابن دونه كما حققته في الرحيق المختوم مؤيداً بالنقل، ومر تمامه في باب إقرار المريض.
قوله: (لأنها أصل الولاد) بكسر الواو مصدر ولد: أي أصل ولادة الأصل والفروع،

٥١٢
كتاب الفرائض
الثمن مع ولد أو ولد ابن) وأما مع ولد البنت فيفرض لها الربع (وإن سفل، والربع
لها عند عدمهما) فللزوجات حالتان الربع بلا ولد والثمن مع الولد (والربع للزوج)
فأكثر، كما لو ادعى رجلان فأكثر نكاح ميتة وبرهنا ولم تكن في بيت واحد منهما ولا
دخل بها فإنهم يقسمون ميراث زوج واحد لعدم الأولوية (مع أحدهما) أي الولد أو
ولد الابن (والنصف له عند عدمهما) فللزوج حالتان: النصف، والربع (وللأب
والجد) ثلاث أحوال: الفرض المطلق وهو (السدس) وذلك (مع ولد أو ولد ابن)
والتعصيب المطلق عند عدمهما، والفرض، والتعصيب مع البنت أو بنت الابن.
قلت: وفي الأشباه: الجد كالأب، إلا في ثلاثة عشر مسألة:
فالكل أولادها غالباً لأنه قد تكون الولادة بالتسري ثم هي بهذا الاعتبار، وإن كانت أماً
لكن صفة الزوجية سابقة على صفة الأمومة فلذا لم تقدم الأم. تأمل. قوله: (مع ولد) أي
للزوج الميت ذكراً أو أنثى ولو من غيرها. قوله: (وإن سفل) بفتح الفاء من السفول ضد
العلو من باب نصر، وبضمها من السفال بمعنى الدناءة من باب شرف. ابن كمال.
والمراد الأول. قوله: (نكاح ميتة) أما لو كانت حية تهاتر البرهان: وهي لمن صدقته إذا لم
تكن في يد من كذبته ولم يكن دخل المكذب بها وإن أرخا فالسابق أحق ط. قوله:
(وبرهنا) قال في البحر في باب دعوى الرجلين: لو برهنا على النكاح بعد موتها، ولم
يؤرخا أو أرخا واستوى تاريخهما يقضى به بينهما، وعلى كل منهما نصف المهر ويرثان
ميراث زوج واحد، فإن جاءت بولد يثبت النسب منهما، ويرث من كل منهما ميراث ابن
كامل، وهما يرثان من الابن ميراث أب واحد. كذا في الخلاصة وفي منية المفتي، ولا يعتبر
فيه الإقرار واليدا هـ. ومثله في جامع الفصولين. قوله: (ولم تكن في بيت واحد منهما)
هو معنى ما في روح الشروح: ولم تكن في يد واحد منهما، ومفهومه اعتبار اليد، وهو
خلاف ما قدمناه آنفاً، فتدبر. قوله: (والنصف له) أي للزوج، وبقي ممن يستحق النصف
أربعة كان ينبغي ذكرهم هنا كما فعل في بقية الفروض، وهم البنت وبنت الابن عند
عدمها والأخت لأبوين والأخت لأب عند عدمها إذا انفردن عمن يعصبهن. قوله:
(والجد) أي فهو كالأب عند عدمه إن لم يدخل في نسبته إلى الميت أنثى وهو الجد
الصحيح، فإن تخلل في نسبته إلى الميت أم كان فاسداً فلا يرث إلا على أنه من ذوي
الأرحام، لأن تخلل الأم في النسبة يقطع النسب إذ النسب إلى الآباء. زيلعي. قوله:
(الفرض المطلق) أي عن ضميمة التعصيب إليه. قوله: (مع ولد أو ولد ابن) حيث قيد
الفرض بالمطلق فكان ينبغي أن يقيد الولد بالذكر لأن الولد يشمل الأنثى، لكن تركه
لانفهامه مما بعده. قوله: (مع البنت أو بنت الابن) فإن له السدس فرضاً وللبنت أو بنت
الابن النصف والباقي له تعصيباً. قوله: (إلا في ثلاثة عشر مسألة) الأصوب ما في بعض

٥١٣
كتاب الفرائض
خمس في الفرائض، وباقيها في غيرها.
النسخ ((ثلاث عشرة)) بتذكير الثلاث وتأنيث العشرة لتأنيث مسألة وإن كان لفظياً. قوله:
(وله خمس في الفرائض) الأولى أن أمه لا ترث معه، وترث مع الجد.
الثانية أن الميت إذا ترك الأبوين وأحد الزوجين فلأمه ثلث ما يبقى بعد نصيب أحد
الزوجين، ولو كان مكان الأب جد فللأم ثلث جميع المال، إلا عند أبي يوسف فإن لها
ثلث الباقي أيضاً.
الثالثة: أن بني الأعيان والعلات كلهم يسقطون مع الأب إجماعاً، ويسقطون مع
الجد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا عندهما.
الرابعة: أن أبا المعتق مع ابنه يأخذ سدس الولاء عند أبي يوسف، وليس للجد
ذلك، بل الولاء كله للابن، ولا يأخذ الجد شيئاً من الولاء عند سائر الأئمة.
الخامسة: لو ترك جد معتقه وأخاه، قال أبو حنيفة: يختص الجد بالولاء، وقالا:
الولاء بينهما، ولو كان مكان الجد أب فالميراث كله له اتفاقاً. قال في المنح: وهذه مستفاد
حكمها من حكم المسألة الثالثة ا هـ ح.
قوله: (وباقيها في غيرها). الأولى: لو أوصى لأقرباء فلان لا يدخل الأب ويدخل
الجد في ظاهر الرواية.
الثانية: تجب صدقة فطر الولد على أبيه الغنيّ دون جده.
الثالثة: لو أعتق الأب جرّ ولاء ولده إلى موالیه دون الجد.
الرابعة: يصير الصغير مسلماً بإسلام أبيه دون جده.
الخامسة: لو ترك أولاداً صغاراً ومالاً فالولاية للأب فهو كوصي الميت، بخلاف
الجد.
السادسة: في ولاية النكاح: لو كان للصغير أخ وجد فعلى قول أبي يوسف
يشتركان، وعلى قول الإمام يختص الجد، ولو كان مكانه أب اختص اتفاقاً.
السابعة: إذا مات أبوه صار يتيماً، ولا يقوم الجد مقام الأب لإزالة اليتيم عنه.
الثامنة: لو مات وترك أولاداً صغار ولا مال له وله أم وجد أبو الأب فالنفقة عليهما
أثلاثاً، الثلث على الأم، والثلثان على الجد، ولو کان کالأب کان کلها عليه ا هـ ح.
أقول: وفي الخامسة نظر لما تقدم قبيل شهادة الأوصياء أن الولاية في مال الصغير
لأبيه، ثم لوصي الأب، ثم للجد، ثم لوصيه، ثم للقاضي، فالجد يقوم مقام الأب عند
عدم الأب ووصيه فلم يخالف الجد فيها الأب. تأمل. والسادس: يجري فيها ما تقدم عن
المنح. وقوله في الثامنة: وله أم وجد موافق لما في بعض نسخ الأشباه، وفي بعضها ولهم
بضمير الجمع العائد إلى الصغار، وهو الصواب لأن نفقة الصغير تجب على قريبه المحرم
٠٫

٥١٤
كتاب الفرائض
زاد ابن المصنف في زواهره أخرى من الفصولين: ضمن الأب مهر صبیه فأدی
رجع لو شرط. وإلا لا، ولو ولياً غيره أو وصياً رجع مطلقاً انتهى. فقوله لو ولياً
غيره يعم الجد فيرجع كالوصي بخلاف الأب (وللأم) ثلاثة أحوال (السدس مع
أحدهما أو مع اثنين من الإخوة أو) من (الأخوات) فصاعداً من أي جهة كانا ولو
مختلطين والثلث عند عدمهم
بقدر الإرث كما في المتون: أي بقدر إرث المحرم من الصغير لو مات، فإذا كانت الأم
هنا أم الصغار صح كون الثلث عليها والباقي على الجد، لأنه قدر إرثها منهم، أما الو
كانت أم أبيهم الميت يكون عليها السدس، لأنها جدة لهم وفرض الجدة السدس لا
الثلث، فلا يصح إرجاع الضمير إلى الميت بل يتعين إرجاعه إلى الصغار، هذا ما ظهر لي
من فيض الفتاح العليم. قوله: (وزاد ابن المصنف الخ) أقول: يزاد أيضاً أنه لا تجب نفقته
على الجد المعسر، وأنه لا يصير مسلماً بإسلام جده، وإن الجد إذا أقر بنافلة وابنه حيّ لا
يثبت النسب بمجرد إقراره، ذكر ذلك السيد في شرح السراجية، وزدت أخرى أيضاً
تقدمت قبيل فصل شهادة الأوصياء وهى ما في الخانية حيث قال: فرق أبو حنيفة بين
الوصي وأبي الميت، فللوصي بيع التركة لقضاء الدين، وأبو الميت له بيعها لقضاء الدين
على الأولاد لا لقضاء الدين على الميت، وهذه فائدة تحفظ من الخصاف. وأما محمد فأقام
الجد مقام الأب، وبقول الخصاف یفتی اهـ.
وحاصله: أن جد الصغير خالف الأب ووصي الأب في هذه، ثم رأيت صاحب
الوهبانية ذكرها هنا ولله الحمد. قوله: (ضمن الأب مهر صبيه) على تقدير مضاف: أي
مهر زوجة صبيه: أي ابنه الصغير، وما في عامة النسخ من التعبير بصبيته بالتاء فتحريف.
قوله: (رجع لو شرط) أي يرجع عليه في ماله، ولو لم يكن له مال حين العقد لو شرط
الرجوع وأشهد أخذاً مما في جامع الفصولين أيضاً نقد من ماله ثمن شيء شراه لولده
ونوى الرجوع يرجع ديانة لا قضاء ما لم يشهد، ولو ثوباً أو طعاماً وأشهد أنه يرجع فله
أن يرجع لو له مال، وإلا فلا لوجوبها عليه، ولو قنا أو شيئاً لا يلزمه رجع، وإن لم يكن
له مال لو أشهد، وإلا لا اهـ.
قلت: والتزويج مما لا يلزم الأب فيرجع إن أشهد وإن لم يكن للصغير مال. قوله:
(وإلا لا) أي استحساناً للعرف. جامع الفصولين. قوله: (رجع مطلقاً) أي وإن لم
يشرط، لأن العادة لم تجر بتحمله المهر عن الصغير. قوله: (مع أحدهما) أي الولد وولد
الابن ذكراً أو أنثى. قوله: (من أي جهة كانا) أي سواء كان الاثنان فأكثر لأبوين أو
لأب أو لأم. قوله: (ولو مختلطين) أي ذكوراً وإناثاً من جهة واحدة أو أكثر. قوله:
(والثلث عند عدمهم) أي عدم الولد وولد الابن والعدد من الإخوة والأخوات، وعند

٥١٥
كتاب الفرائض
وثلث الباقي مع الأب وأحد الزوجين (و) السدس (للجدة مطلقاً) كأم أم وأم أب
(فصاعداً) يشتركن فيه (إذكن ثابتات) أي صحيحات كالمذكورتين، فإن الفاسدة من
ذوي الأرحام كما سيجيء (متحاذيات في الدرجة، لأن القربى تحجب البعدي)
مطلقاً كما سيجيء (و) السدس (لبنت الابن) فأكثر (مع البنت) الواحدة تكملة
للثلثين (و) السدس (للأخت) لأب فأكثر (مع الأخت) الواحدة (لأبوين) تكلمة
للثلثين (و) السدس (للواحد من ولد الأم والثلث لاثنين فصاعداً من ولد الأم)
عدم الأب مع أحد الزوجين، فافهم. قوله: (وثلث الباقي الخ) تحته صورتان كما
سيأتي. قال ط: وإنما ذكر الشارح هاتين الحالتين: يعني الثلث وثلث الباقي مع ذكر
المصنف لهما فيما سيأتي للإشارة إلى أن الأولى جمع حالات الأم متوالية. قوله: (مطلقاً:
أي لأم) أو لأب كما مثل. قوله: (أي صحيحات) الجدة الصحيحة من ليس في نسبتها
إلى الميت جد فاسد، وهي ثلاثة أقسام: المدلية بمحض الإناث كأم أم الأم، أو بمحض
الذكور كأم أبي الأب، أو بمحض الإناث إلى محض الذكور كأم أم الأب، بخلاف
العكس كأم أبي الأم فإنها فاسدة. قوله: (مطلقاً) أي سواء كانت القربى أو البعدي من
جهة الأم أو الأب، وسواء كانت القربى وارثة كأم الأب عند عدمه مع أم أم الأم، أو
محجوبة بالأب عند وجوده. قوله: (كما سيجيء) أي عند ذكر الحجب. قوله:
(والسدس لبنت الابن الخ) للبنات ستة أحوال: ثلاثة تتحقق في بنات الصلب وبنات
الابن، وهي النصف للواحدة والثلثان للأكثر، وإذا كان معهن ذكر عصبهن، وثلاثة تنفرد
بها بنات الابن.
الأولى: ما ذكره المصنف.
الثانية: يسقطن بالصلبيتين فأكثر، إلا أن يكون معهن غلام ليس أعلى منهن
فیعصبهن.
الثالثة: يسقطن بالابن الصلبي، وسيأتي بيانها. قوله: (والسدس للأخت لأب الخ)
اعلم أن للأخوات لغير أم سبعة أحوال: خمسة تتحقق في الأخوات لأبوين، والأخوات
لأب، وهي الثلاثة المارة في بنات الصلب.
والرابعة: أنهن يصرن عصبات مع البنات أو بنات الابن.
والخامسة: أنهن يسقطن بابن وابنه، وبالأب اتفاقاً، وبالجد عند الإمام.
وثنتان تنفرد بهما الأخوات لأب: الأولى ما ذكره المصنف. الثانية أنهن يسقطن مع
الشقيقتين فأكثر، إلا أن يكون معهن من يعصبهن. وفي بعض نسخ السراجية: ويسقطن
بالأخت لأب وأم إذا صارت عصبة: أي إذا كانت مع البنات أو بنات الابن. قال السيد:
لأنها حينئذ كالأخ في كونها عصبة أقرب إلى الميت كما سيأتي. قوله: (والسدس للواحد من

٥١٦
كتاب الفرائض
ذكورهم كإناثهم (و) الثلث (للأم عند عدم من لها معه السدس) كما مر (ولها ثلث
الباقي بعد فرض أحد الزوجين) كما قدمنا وذلك (في زوجة وأبوين) وأم فلها حينئذ
الربع (أو زوج وأبوين) وأم فلها حينئذ السدس ويسمى ثلثاً تأدباً مع قوله تعالى:
﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ (والثلثان لكل اثنين فصاعداً ممن فرضه النصف) وهو
خمسة البنت بنت الابن والأخت لأبوين والأخت لأب والزوج (إلا لزوج) لأنه لا
يتعدد. والله تعالى أعلم.
فَصْلٌ فِي الْعَصَبَاتِ
العصبات النسبية ثلاثة: عصبة بنفسه، وعصبة بغيره، وعصبة مع غيره (يجوز
العصبة بنفسه وهو كل ذكر) فالأنثى لا تكن عصبة بنفسها بل بغيرها أو مع غيرها
ولد الأم) أي للأخ أو الأخت لأم، ولهم ثلاثة أحوال ذكر منها اثنتين، والثالث أنهم
يسقطون بالفرع الوارث وبالأب والجد كما سيأتي. قوله: (عند عدم من لها معه السدس)
أي أو ثلث الباقي. قوله: (بعد فرض أحد الزوجين) متعلق بالباقي: أي ثلث ما يبقى
بعض فرض الزوجة أو الزوج. قوله: (وأم) لفظ أم في الموضعين زائد. أفاده ح: أي لأنها
أحد الأبوين. قوله: (فلها حينئذ الربع) لأن للزوجة الربع ومخرجه من أربعة يبقى ثلاثة
للأم ثلثها واحد وهو ربع الأربعة وللأب الباقي. قوله: (فلها حينئذ السدس) لأنها تصح
من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم ثلث ما يبقى، وهو واحد وللأب الباقي. قوله:
(تأدباً الخ) لأن المراد من قوله تعالى: ﴿فَلْأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] ثلث ما ورثه الأبوان
سواء كان جميع المال أو بعضه للأدلة المذكورة في المطولات، فالثلث هنا وإن صار في الحقيقة
ربع جميع المال أو سدسه إلا أن الأدب التعبير به تبركاً بلفظ القرآن وتباعداً عن إيهام
المخالفة. قوله: (لأنه لا يتعدد) الأولى إسقاطه لما قدمه من إمكان تعدده، وقد يقال: ليس
ذاك تعدداً لا حقيقة ولا صورة، وإنما شرك بينهما دفعاً للترجيح بلا مرجح، ولذا لم يعطيا
إلا نصيب زوج واحد، وعليه فقول المصنف ((إلا الزوج)) تبعاً للمجمع مستدرك. تأمل.
والله تعالى أعلم.
فَضْلٌ فِي الْعَصَبَاتِ
قال في المغرب: العصبة قرابة الرجل لأبيه، وكأنها جمع عاصب وإن لم يسمع به،
من عصبوا به: إذا أحاطوا حوله، ثم سمي بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث للغلبة.
وقالوا في مصدرها: العصوبة. والذكر يعصب المرأة: أي يجعلها عصبة اهـ. فالعصبات
جمع الجمع كالجمالات، أو جمع المفرد على جعل العصبة اسماً: تأمل. قوله: (وعصبة
بغيره وعصبة مع غيره) سيأتي بيان الفرق بينهما. قوله: (فالأنثى لا تكون عصبة بنفسها

٥١٧
كتاب الفرائض
(لم يدخل في نسبته إلى الميت أنثى) فإن دخلت لم يكن عصبة كولد الأم فإنه ذو
فرض، وكأبي الأم وابن البنت فإنهما من ذوي الأرحام (ما أبقت الفرائض) أي
جنسها (وعند الانفراد يجوز جميع المال) بجهة واحدة.
الخ) أشار إلى أنه خرج بقوله ((وهو كل ذكر)) العصبة بالغير والعصبة مع الغير فإنهما إناث
فقط، وأما المعتقة فهي وإن كانت عصبة بنفسها فهي ليست نسبية، والمقصود العصبات
النسبية كما أشار إليه أولاً، ولذلك خرج المعتق أيضاً. قوله: (لم يدخل الخ) المراد عدم
توسط الأنثى، سواء توسط بينه وبين الميت ذکر کالجد وابن الابن أو لا کالأب والابن
الصلبي. قوله: (كولد الأم) أي الأخ لأم، وأما الأخ لأب وأم فإنه عصبة بنفسه، مع
أن الأم داخلة في نسبته. وأجيب بأن المراد من لا ينتسب بالأنثى فقط، وأجاب السيد بأن
قرابة الأب أصل في استحقاق العصوبة، فإنها إذا انفردت كفت في إثبات العصوبة،
بخلاف قرابة الأم فإنها لا تصلح بانفرادها علة لإثباتها، فهي ملغات في استحقاق العصوبة
سكناً، جعلناها بمنزلة وصف زائد فرجحنا بها الأخ لأب وأم على الأخ لأب اهـ.
أقول: وهذا أولى من قول بعضهم أنه خرج بقوله في نسبته حيث لم يقل في قرابته،
فإن الأنثى داخلة في قرابته لأخيه لا في نسبته إليه، لأن النسب للأب فلا يثبت بواسطة
غيره ا هـ.
فإنه يرد عليه أن المعتبر هنا النسبة إلى الميت لا إلى الأب، فالمراد بها القرابة لا
النسب الشرعي، وإلا لزم أن لا تكون العصبة إلا إذا كان الميت أباً أو جداً فيخرج الأخ
والعم ونحوهما فافهم. ثم رأيت العلامة يعقوب قد زيف هذا الجواب وأخرجه عن دائرة
الصواب بنحو ما قلناه والحمد لله.
وبالجملة فتعريف العصبة لا يخلو عن كلام ولو بعد تحرير المراد فإنه لا يدفع
الإيراد، ولذا قال ابن الهائم في منظومته: [الرجز]
وَلَيْسَ يخلُو حَدُّهُ عَنْ نَقْدِ فَينْبَغِي تَعْرِيفُهُ بِالعَدُ
وأيضاً فتخصيصه بالعصبة النسبية لا داعي له، وقد عرفه العلامة قاسم في شرح
فرائض المجمع بقوله هو ذكر نسيب أدلى إلى الميت بنفسه أو بمحض الذكورة أو معتق
فقوله أو معتق بالرفع عطفاً على ذكر، ولو حذف محض لكان أولى ليدخل الأخ الشقيق
وبعد هذا ففيه نظر فتدبر. قوله: (فإنه ذو فرض) أي فقط وإلا فلا يلزم من كون وارث
ذا فرض أن لا يكون عصبة فإن كلّ من الأب والجد ذو فرض ويصير عصبة. قوله: (أي
جنسها) أي قال للجنس فتبطل معنى الجمعية، فيشمل ما إذا كان هناك فرض واحد وحاز
الباقي بعد إعطائه لمستحقه ط. قوله: (بجهة واحدة) قال في المنح: قیدنا به حتى لا يرد
أن صاحب الفرض إذا خلا عن العصوبة قد يحرز جميع المال لأن استحقاقه لبعضه

٥١٨
كتاب الفرائض
ثم العصبات بأنفسهم أربعة أصناف: جزء الميت، ثم أصله، ثم جزء أبيه،
ثم جزء جده (ويقدم الأقرب فالأقرب منهم) بهذا الترتيب فيقدم جزء الميت (كالابن
ثم ابنه وإن سفل، ثم أصله الأب ويكون مع البنت) بأكثر (عصبة وذا سهم ) كما
مر (ثم الجد الصحيح)
بالفرضية والباقي بالرد. قوله: (جزء الميت الخ) المراد في الجميع الذكور كما هو
الموضوع. قوله: (ثم جزء جده) أراد بالجد ما يشمل أبا الأب، ومن فوقه بدليل قوله
الآتي، وإن علا فلا يرد أن عم الأب وعم الجد في كلامه الآتي خارجان عن الأصناف
الأربعة. قوله: (ويقدم الأقرب فالأقرب الخ) أي الأقرب جهة ثم الأقرب درجة ثم
الأقوى كقرابة فاعتبار الترجيح أولاً بالجهة عند الاجتماع، فیقدم جزؤه کالابن وابنه على
أصله كالأب وأبيه ويقدم أصله على جزء أبيه كالإخوة لغير أم وأبنائهم، ويقدم جزء أبيه
على جزء جده كالأعمام لغير أم وأبنائهم وبعد الترجيح بالجهة إذا تعدد أهل تلك الجهة
اعتبر الترجيح بالقرابة، فيقدم الابن على ابنه والأب على أبيه والأخ على ابنه لقرب
الدرجة، وبعد اتحاد الجهة والقرابة يعتبر الترجيح بالقوة، فيقدم الأخ الشقيق على الأخ
لأب وكذا أبناؤهم، وكل ذلك مستفاد من كلام المصنف، وصرح به العلامة الجعبري
حيث قال: [الطويل]
فَبِالْجِهَةِ الثَّقْدِيمُ ثُمَّ بِقُرْبِهِ وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيمُ بِالقُوَّةِ أَجْعَلَا
قوله: (ويكون الخ) الأولى ذكر هذا عند ذكر الأب فيما تقدم كما فعله الشارح
ط.قوله: (ثم الجد الصحيح) (١) هو من لم يدخل في نسبته إلى الميت أنثى. قوله:
(١) الجد الصحيح هو الذي لم يدخل في نسبته إلى الميت أنثى وهو أب الأب وإن علا وهو حقيقة في الجد الأدنى
مجاز في غيره. وهذا المبحث خطير جداً، ومن ثم كان الصحابة يتحاشون الكلام فيه، فقد روي عن علي كرم
الله وجهه: ((من سرّه أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة)). وعن سعيد بن المسيب أن عمر
رضي الله عنهما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن نصيب الجد فقال صلى الله عليه وسلم: ((أن لأظنك
تموت قبل أن تعلمه)). قال سعيد: فمات عمر ولم يعلمه، وروي عن ابن مسعود قال: ((سلونا عن عضلكم
واتركونا من الجد لا حياه الله ولا بياه)) وقال عمر بن الخطاب: ((أجرؤكم على قسم الجد أجرؤكم على النار)).
وروي أنه لما طعنه أبو لؤلؤة، وأشرف على الموت قال للناس: احفظوا عني ثلاثاً: لا أقول في الكلالة شيئاً،
ولا أقول في الجد شيئاً، ولا استخلف عليكم أحداً. وهذا التحذير والوعيد وما قيل في شأنه في ذلك الوقت
إنما هو قبل تدوين المذاهب الأربعة واستقرار الأمر عليها، وإلا فحكم الجد مع الإخوة والأخوات صار جلياً
واضحاً بعد تدوينها واستقرار الأمر عليها عند كل مجتهد من الأئمة الأربعة ومقلديهم، ولا صعوبة حينئذ في
الإفتاء. وأما ما صدر عن الصحابة فكان لاشتباه الأمر في الجد لعدم ورود نص صريح فيه. ولذلك اختلفوا
هم ومن بعدهم في سقوط الإخوة والأخوات بالجد، فروي عن أبي بكر الصديق وابن عباس وعائشة وأبي بن
كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء رضي الله عن الجميع. أن الجد يسقط الإخوة والأخوات كالأب. وقال من
التابعين عطاء وطاوس والحسن، ومن الفقهاء أبو حنيفة والمزني وأبو ثور وإسحاق وابن شريح وداود رضي الله
عنهم، وخالفهم في ذلك الجمهور، ومنهم الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وابن =

٥١٩
كتاب الفرائض
= مسعود وزيد بن ثابت وعمران بن الحصين رضي الله عنهم. فقالوا: إن الجد يقاسم الإخوة والأخوات،
ولا يسقطهم وقال به من التابعين شريح والشعبي ومسروق وعبادة السلماني، ومن الفقهاء الشافعي ومالك
والأوزاعي والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل. استدل الجمهور على مذهبهم بوجوه. أولاً: قوله
تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ وقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في
كتاب الله﴾ والجد والإخوة يدخلون في عموم الآيتين. فلم يجز أن يخص الجد بالميراث دون الإخوة
والأخوات. ثانياً: أن الأخ عصبة يقاسم أخته، فلا يسقط بالجد قياساً على الابن؛ فإنه يعصب أخته، ولا
يسقط بالجد أما من عدمت فيه العلة فيسقط بالجد كبني الإخوة فإنهم لا يعصبون أختهم، ولذلك يسقطون
بالجد. فإن قيل: هذا التعليل فاسد؛ لأن الأخ وإن عصب أخته يسقط بالأب مع أن الأب لا يعصب أخته،
فكذلك لا يمتنع أن يسقط بالجد الذي لا يعصب أخته. أجيب بأنهم إنما سقطوا بالأب لإدلائهم به، والجد
عدم فيه هذا المعنى. ثالثاً: أن قوة الأبناء مكتسبة من قوة الآباء، فلما كان بنو الإخوة لا يسقطون مع بني
الجد، فكذلك الإخوة لا يسقطون مع الجد: فإن قيل: هذا الدليل يقتضي أن تكون الإخوة مسقطين للجد
كما أن بني الإخوة يسقطون بني الجد وهم الأعمام. أجيب: بأنا أقمنا الدليل على ميراث الإخوة لا على من
سقط بالإخوة وقد دل الدليل المقام على ميراثهم فصح. رابعاً: أن كل من لا يحجب الأم إلى ثلث الباقي لا
يحجب الإخوة كالعم، وكل من يحجب الأم إلى ثلث الباقي يحجب الإخوة حرماناً كالأب والجد من النوع
الأول فلا يحجب الإخوة. خامساً: أن كل شخصين يدليان إلى الميت بشخص واحد لم يسقط أحدهما بالآخر
كالأخوين وكابني الابن، ولا شك أن الأخ والجد كلاهما يدلي بالأب. سادساً: أن تعصيب الإخوة كتعصيب
الأولاد، لأنهم يعصبون أخواتهم، وأيضاً يحجبون الأم عن أعلى الواجبين مثل الأولاد، ويفرض النصف
للأنثى منهم كالبنت، والجد في هذه الأحكام كل بخلافهم، فلذلك كانوا بمقاسمة الجد أولى من سقوطهم.
سابعاً: أن كل شخصين اجتمعا في درجة واحدة، وكان أحدهما يجمع بين التعصيب والرحم والآخر ينفرد
بالتعصيب دون الرحم كان المنفرد بالتعصيب وحده أقوى كالابن، إذا اجتمع مع الأب، ولا شك أن الجد
جامع الأمرين، والأخ مختص بأحدهما، فوجب أن يكون الأخ أقوى، ومعلوم أنهما في درجة واحدة؛ لأنهما
يدليان جميعاً بالأب، فصار الأخ أقوى من الجد بما ذكره وأيضاً فإن الأخ يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة،
فكان الأخ أقوى وكان مقتضى ما ذكر سقوط الجد بالاخوة ولكن صدنا عن ذلك الإجماع. ووجه آخر وهو
أن من يدليان به وهو الأب لو كان هو الميت لخصَّ الجد من تركته السدس وخمسة أسداسها للابن. وإذا كان
الأخ أقوى من الجد بهذه المعاني كان أقل أحواله أن يشاركه في ميراثه. ثامناً: ما روي أن عمر بن الخطاب
مات ابنه عاصم وترك أولاداً ثم مات أحد أولاده فترك جده عمر وأخواته، فعلم عمر أنه أمر لا بد من النظر
فيه بعد أن كان يكره أن يذكر فريضة في الجد، فقام في الناس وقال: هل فيكم من أحد سمع رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: في الجد شيئاً؟ فقام رجل، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن
فريضة الجد، فأعطاه السدس، فقال عمر: مع من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، فقال: لا وريث، ثم
قام آخر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن فريضة الجد فأعطاه الثلث فقال عمر: مع
من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، قال: لا وريث ثم دعا زيد بن ثابت فقال له: إنه كان من رأيي ورأي
أبي بكر قبلي أن أجعل الجد أولى من الأخ، فماذا ترى؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا تعجل شجرة أخرج منها
الغصن ثم خرج من الغصن غصنان فبم تجعل الجد أولى من الأخ، وهما خرجا من غصن الذي خرج من
الجد؟ أي لا شك أن أحداً الغصنين أقرب إلى الآخر منه إلى أصل الشجرة ألا ترى أنه إذا قطع أحدهما امتص
الآخر مما كان يمتصه المقطوع؟ ثم دعا عمر علي بن أبي طالب، وقال له: مثل مقالته لزيد فقال علي: يا أمير
المؤمنين لا تعجل، وار سال ماءً تشعبت منه شعبة ثم تشعبت من الشعبة شعبتان فلو رجع ماء إحدى الشعبتين
دخل من الشعبتين جميعاً فبم متجعل الجد أولى من الأخ: فقال عمر: لولا رأيكما أجمع ما رأيت أن يكون ابني،
ولا أن أكون أباه، قال الشعبي: فجعل الجد أخاً مع الأخوين، ومع الأخ والأخت، فإذا كثروا ترك
مقاسمتهم، وأخذ الثلث، وكان عمر رضي الله عنه أول جد ورث في الإسلام مع الإخوة. واستدل =

٥٢٠
كتاب الفرائض
= المخالفون على مذهبهم بوجوه: الأول: قال الله تعالى: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق﴾ وقال
أيضاً: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ وقال تعالى: ﴿أنتم وآباؤكم الأقدمون﴾ وقال أيضاً: ﴿وكان أبوهما صالحاً﴾.
ويقال إنه كان سابع جدِّ فسماه الله أباً في هذه المواضع، وإذا كان اسم الأب يطلق على الجد وجب أن يكون
في الحكم كالأب. وقد سمى الله ابن الابن. ابناً. كما في قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل﴾ وقول النبي صلى الله
عليه وسلم: ((ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً). والأبوة والبنوة من الأمور المتضايفة يمتنع ثبوت
أحدهما بدون الآخر فيمتنع ثبوت البنوة لابن الابن إلا مع ثبوت الأبوة لأب الأب وأجيب عن هذا بأن الله
تعالى أطلق اسم الأب على الجد توسعاً من باب المجاز دون الحقيقة ألا ترى أن تسميته بالجد أظهر من تسميته
بالأب، ولو قال قائل: هذا جد وليس بأب لم يكن مخطئاً. ومعلوم أن الأحكام إنما تتعلق بالحقائق دون
المجازات كما تسمى الجدة أمّا، ولا تجري عليها أحكام الأم. الثاني: قالوا: إن للميت طرفين أعلى وأدنى،
فالأعلى الأب ومن علا، والأدنى الابن ومن سفل، فلما كان ابن الابن كالابن في حجب الإخوة، وجب أن
یکون الأب کالأب في حجب الإخوة بطريق القیاس. والجواب عنه أن ابن الابن لما کان کالابن في حجب
الأم كان كالابن في حجب الإخوة، ولما كان الجد مخالفاً للأب في حجب الأم، إلى ثلث الباقي كان مخالفاً
للأب في حجب الأخوة. الثالث: أن الجد عصبة لا يعقل فوجب أن يسقط العصبة التي تعقل كالابن.
ويجاب عن هذا بأن استحقاق العقل دل على قوة التعصيب فلم يجز أن يجعل دليلاً على ضعفه ألا ترى أن
أقرب العصبات أتم بتحمل العقل من الأباعد لقوة تعصيبهم وضعف الأباعد، وليس خروج الآباء والأبناء
عن العقل عنه لمعنى يعود إلى التعصيب حتى يجعل دليلاً على القوة كما لا يجوز أن يجعل دليلاً على الضعف
وإنما أسقط الابن الإخوة المدلين بالأب لما له من القوة. الرابع: أن الجد یدلي بالابن، والأخ يدلي بالأب،
والابن أقوى من الأب، فكان الإدلاء، بالابن أقوى من الإدلاء بالأب. والجواب عنه أن إدلاء الأخ بالبنوة
للميت وإدلاء الجد بالأبوة، فكان إدلاء الأخ أقوى. الخامس: قالوا: إن للجد ولاية يستحقها لقوته في نكاح
الصغيرة وعلى مالها. ومضيف الأخ عن ذلك. ويجاب عن هذا أن ذلك ليس من دلائل القوة في الميراث ألا
ترى أن الابن لا يلي ولا يزوج، وهو أقوى من الأب، وإن ولي وزوج؟! والسادس: أن الأخ لو قاسم الجد
لوجب أن يقتسما في كل فريضة ورث فيها جد كما يقاسم الأخ أخاه في كل فريضة ورث فيها أخ، فلما لم
يقاسم الجدَّ في كل المواضع لا يقاسمه في بعضها. وأجيب عنه: بأن كل موضع ورث الجد فيه بالتعصيب
الذي شاركه الأخ فيه، فإنه يشاركه في ميراثه لاستوائهما فيه (سببه) وإنما لا يشاركه في الموضع الذي يرث الجد
فيه بالرحم لأنه ليس للأخ رحم يساويه فيها. السابع: قالوا: إن الجد في مقاسمة الإخوة لا يخلو من ثلاثة
، أحوال: إما إن يكون كالأخ الشقيق أو كالأخ لأب أو أقوى منهما ولا يجوز أن يكون أضعف منهما؛ لأنه لا
يسقط بهم، فلو كان كالأخ للأب والأم لم يرث معه الأخ للأب، ولو كان كالأخ للأب لما ورث مع الشقيق،
وإذا امتنع بما ذكر أن يكون كأحدهما تعين أنه أقوى منهما. والجواب عنه أن الجد والإخوة يشتركان في
الإدلاء بالأب فلم يضعف عنه الأخ للأب بعدم الأم لمساواته فيما أولى به، كما لم يقو عليه الأخ الشقيق بأمه
لعدم اعتبار الأم في الإدلاء وليس كذلك حال الإخوة بعضهم مع بعض؛ لأنهم يدلون بكل واحد من
الأبوين، فكان من جمعهما أقوى ممن انفرد بأحدهما. إذا علمت ما تقدم فمذهب المخالفين ظاهر. وأما مذهب
الجمهور فحاصله: أن للجد مع الإخوة والأخوات حالتين. الأولى: إذا لم يكن معهم صاحب فرض فللجد
خير الأمرين من مقاسمة الإخوة ذكوراً أو إناثاً أو مختلطين، فيكون معهم كواحد منهم، حتى أنه يعصب
إناثهم الخلص، فيأخذ مثلي الأنثى أو يكون له ثلث التركة والباقي لهم. أما وجه المقاسمة؛ فلأنها الأصل في
جعلهم في درجة واحدة، وأما وجه إعطائه الثلث إذا كان خيراً له فلأن الأم والجد إذا اجتمعا وليس منهما
أحد فللجد ضعف مالها. ولا ينقص الإخوة الأم عن السدس، فلا ينقصون الجد عن ضعفه وأيضاً فلأن
الإخوة لغير أم لا ينقصون الإخوة للأم عن الثلث، فبالأولى الجد؛ لأنه يحجبهم. وضابط معرفة الأحظ له أنه
متى كان الإخوة والأخوات أقل من مثليه باعتبار الأنثيين واحداً فالمقاسمة خير له. وأما إذا كان الإخوة
والأخوات أكثر من مثليه فالثلث أحظ له. وتستوي للجد المقاسمة وثلث جميع المال فيما إذا كان=