النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
کتاب الخنثى
الملتقى. وقيل عشر، وقيل أقصاه اثنتا عشرة سنة، وقيل العبرة بطاقته وهو الأشبه.
وقال أبو حنيفة: لا علم لي بوقته، ولم يرد عنهما فيه شيء فلذا اختلف المشايخ
فيه. وختان المرأة ليس سنة بل مكرمة للرجال، وقيل سنة. وقد جمع السيوطي من
ولد مختوناً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: [الطويل]
وَفِ الرُّسُلِ مختُونٌ لَعَمْرُكَ خَلْقَةً ثَمَانٍ وَتِسْعٌ طَيِّبُونَ أَكَارِمُ
وَهُمْ زَكَرِيًّا شِيتُ إِذْرِيسُ يُوسُفٌ وَحَتْظَلَةٌ عِيسَى وَمُوسَى وَآدَمُ
حتى يكون أبلغ في التنظيف. قاله في الكافي. زاد في خزانة الأكمل: وإن كان أصغر منه
فحسن، وإن كان فوق ذلك قليلاً فلا بأس به. وقيل لا يختن حتى يبلغ، لأنه للطهارة
ولا تجب عليه قبله ط. قوله: (وقيل عشر) لزيادة أمره بالصلاة إذا بلغها. قوله: (وهو
الأشبه) أي بالفقه. زيلعي. وهذه من صيغ التصحيح. قوله: (وقال أبو حنيفة الخ)
الظاهر أنه لا يخالف ما قبله بناء على قاعدة الإمام من عدم التقدير فيما لم يرد به نص من
المقدرات وتفويضها إلى الرأي. تأمل. ونقله عن الإمام تأييداً لما اختاره أولاً فلا تكرار،
فافهم. قوله: (عنهما) أي عن الصاحبين. قوله: (وختان المرأة) الصواب ((خفاض)) لأنه
لا يقال في حق المرأة ختان وإنما يقال خفاض. حموي. قوله: (بل مكرمة للرجال) لأنه
ألذ في الجماع. زيلعي. قوله: (وقيل سنة) جزم به البزازي معللاً بأنه نص على أن الخنثى
تختن، ولو كان ختانها مكرمة لم تختن الخنثى، لاحتمال أن تكون امرأة، ولكن لا كالسنة
في حق الرجال ا هـ.
أقول: ختان الخنثى لاحتمال كونه رجلًا، وختان الرجل لا يترك فلذا كان سنة
احتياطاً، ولا يفيد ذلك سنيته للمرأة. تأمل.
وفي كتاب الطهارة من السراج الوهاج: اعلم أن الختان سنة عندنا للرجال والنساء.
وقال الشافعي: واجب. وقال بعضهم: سنة للرجال مستحب للنساء لقوله عليه الصلاة
والسلام ((ختان الرجال سنة، وختان النساء مكرمة)). ولو كان للصبيّ ذكران: فإن كانا
عاملين ختنا، ولو أحدهما فقط ختن خاصة. ويعرف العامل بالبول والانتشار. والخنثى
المشكل يختن من الفرجين ليقع اليقين. وأجرة ختان الصبي على أبيه إن لم يكن له مال
والعبد علی سیده، ومن بلغ غير مختون أجبره الحاكم عليه، فإن مات فهو هدر لموته من
فعل مأذون فيه شرعاً ا هـ ملخصاً. قوله: (وفي الرسل الخ) صريح في أن ساما وحنظلة
مرسلان ط. قوله: (شیٹ إدريس) بلا تنوين كسام وهود.
تتمة قيل: السبب في الختان أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ابتلي بالترويع بذبح
ولده أحبّ أن يجعل لكل واحد ترويعاً بقطع عضو وإراقة دم، وابتلي بالصبر على إسلام

٤٨٢
كتاب الخنثى
وَنُوحٌ شُعَيْبٌ سَامُ لُوطٍ وَصَالِحٌ سُلَيْمَانُ يُحْيِى هُودُ يَس خَاتَمُ
(ويجوز كتيّ الصغير وبط قرحته وغيره من المداواة للمصلحة و) يجوز (فصد
البهائم وكيها وكل علاج فيه منفعة لها، وجاز قتل ما يضرّ منها ككلب عقور
وهرة) تضر (ويذبحها) أي الهرة (ذبحاً) ولا يضربها لأنه لا يفيد ولا يحرقها. وفي
المبتغى: يكره حراق جراد وقمل وعقرب، ولا بأس بإحراق حطب فيما نمل،
وإلقاء القملة ليس بأدب (وجازت المسابقة بالفرس والإبل والأرجل والرمي)
ليرتاض للجهاد (وحرم شرط الجعل من الجانبين) إلا إذا أدخل محللاً بشروطه كما
الآباء أبناءهم تأسياً به عليه الصلاة والسلام، وقد اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن
ثمانين سنة أو مائة وعشرين، والأول أصح. وجمع بأن الأول من حين النبوة، والثاني من
حين الولادة، واختتن بالقدوم: اسم موضع، وقيل آلة النجار. وقد اختلف الرواة
والحفاظ في ولادة نبينا وَ لّ مختوناً، ولم يصح فيه شيء، وأطال الذهبي في رد قول الحاكم
أنه تواترت به الرواية، وقد ثبت عندهم ضعف الحديث به. وقال بعض المحققين من
الحفاظ: الأشبه بالصواب أنه لم يولد مختوناً. قوله: (وبط قرحته) أي شقها من باب قتل.
قوله: (وغيره) أي غير المذكور من الكي والبط. قوله: (وهرة تضر) كما إذا كانت تأكل
الحمام والدجاج. زيلعي. قوله: (ويذبحها) الظاهر أن الكلب مثلها. تأمل. قوله:
(يكره إحراق جراد) أي تحريماً، ومثل القمل البرغوث، ومثل العقرب الحية ط. قوله:
(وإلقاء القملة ليس بأدب) لأنها تؤذي غيره ويورث النسيان، وفيه تعذيب لها بجوعها
ط. أما البرغوث فيعيش في التراب. قوله: (وجازت المسابقة) أي بشرط أن تكون الغاية
مما يحتملها الفرس، وأن يكون في كل واحد من الفرسين احتمال السبق، أما إذا علم أن
أحدهما يسبق لا محالة فلا يجوز، لأنه إنما جاز للحاجة إلى الرياضة على خلاف القياس،
وليس في هذا إلا إيجاب المال للعير على نفسه بشرط لا منفعة فيه فلا يجوز ا هـ. زيلعي.
قوله: (والرمي) أي بالسهام. قوله: (ليرتاض للجهاد) أفاد أنه مندوب كما صرح به في
الحظر، وأنه للتلهي مكروه، وأما حديث ((لا تحضر الملائكة شيئاً من الملاهي سوى
النضال)) أي الرمي والمسابقة، فالظاهر أن تسميته لهواً للمشابهة الصورية. تأمل. قوله:
(وحرم شرط الجعل من الجانبين) بأن يقول إن سبق فرسك فلك عليّ كذا وإن سبق فرسي
فلي عليك كذا. زيلعي. قوله: (إلا إذا أدخل محللاً) المناسب ((أدخلا)) وصورته أن يقولا
الثالث: إن سبقتنا فالمالان لك، وإن سبقناك فلا شيء لنا عليك، ولكن الشرط الذي
شرطاه بينهما وهو أيهما سبق كان له الجعل على صاحبه باق على حاله، فإن غلبهما أخذ
المالين، وإن غلباه فلا شيء لهما عليه، ويأخذ أيهما غلب المال المشروط له من صاحبه.
زيلعي. قوله: (بشرطه) وهو أن يكون فرس المحلل كفؤاً لفرسيهما يجوز أن يسبق أو

٤٨٣
کتاب اخشى
مر في الحظر (لا) يحرم (من أحد الجانبين) استحساناً، ولا يجوز الاستباق في غير
هذه الأربعة كالبغل بالجعل، وأما بلا جعل فيجوز في كل شيء. وتمامه في الزيلعي
(ولا يصلى على غير الأنبياء ولا غير الملائكة إلا بطريق التبع) وهل يجوز الترحم على
النبي؟
يسبق. قوله: (ولا يجوز الخ) قاله الزيلعي، ومثله في الخانية والذخيرة وغيرهما، لكن
جزم الشارح في كتاب الحظر والإباحة بأن البغل والحمار كالفرس، وعزاه إلى الملتقى
والمجمع. قلت: ومثله في المختار والمواهب وغيرهما وأقره المصنف هناك خلافاً لما ذكره
هنا وتقدم تمام الكلام عليه في كتاب الحظر فراجعه. قوله: (وتمامه في الزيلعي). حيث
ذكر أنه لو قال واحد من الناس لجماعة من الفرسان أو لاثنين من سبق فله كذا من مال
نفسه، أو قال للرماة من أصاب الهدف فله كذا جاز، لأنه من باب التنفيل، فإذا كان
التنفيل من بيت المال كالسلب ونحوه يجوز، فما ظنك بخالص ماله؟ وعلى هذا الفقهاء إذا
تنازعوا في المسائل، وشرط للمصيب منهم جعل جاز إذا لم يكن من الجانبين على ما ذكرنا
في الخيل، إذ التعلم في البابين يرجع إلى تقوية الدين وإعلاء كلمة الله تعالى، والمراد بالجواز
المذكور في باب المسابقة الحل دون الاستحقاق، حتى لو امتنع المغلوب من الدفع لا يجبره
القاضي ولا يقضى عليه به اهـ. قوله: (ولا يصلى على غير الأنبياء الخ) لأن في الصلاة
من التعظيم ما ليس في غيرها من الدعوات، وهي زيادة الرحمة والقرب من الله تعالى، ولا
يليق ذلك بمن يتصوّر منه خطاباً والذنوب إلا تبعاً بأن يقول: اللهم صل على محمد وآله
وصحبه وسلم، لأن فيه تعظيم النبي ◌َّر. زيلعي.
واختلف هل تكره تحريماً أو تنزيهاً أو خلاف الأولى؟ وصحح النووي في الأذكار
الثاني، لكن في خطبة شرح الأشباه للبيري: من صلى على غيرهم أثم وكره، وهو
الصحيح. وفي المستصفى: وحديث ((صَلَّى اللهُ عَلَى آلٍ أَبِي أَوْنَى))(١) الصلاة حقه، فله أن
يصلي على غيره ابتداء، أما الغير فلا اهـ.
وأما السلام فنقل اللقاني في شرح جوهرة التوحيد عن الإمام الجويني أنه في معنى
الصلاة، فلا يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال عليّ عليه السلام،
وسواء في هذا الأحياء والأموات، إلا في الحاضر فيقال السلام أو سلام عليك أو عليكم،
وهذا مجمع عليه ا هٍ.
أقول: ومن الحاضر السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والظاهر أن العلة في
منع السلام ما قاله النووي في علة منع الصلاة أن ذلك شعار أهل البدع، ولأن ذلك
(١) البخاري ٣٦١/٣ (١٤٩٧) ومسلم ٧٥٦/٢ (١٧٦ /١٠٧٨).

٤٨٤
کتاب اخشى
قولان. زيلعي.
قلت: وفي الذخيرة أنه يكره، وجوزّه السيوطي تبعاً لا استقلالاً فليكن
التوفيق، وبالله التوفيق.
مخصوص في لسان السلف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما أن قولنا عز وجل
مخصوص بالله تعالى، فلا يقال محمد عز وجل وإن كان عزيزاً جليلاً. ثم قال اللقاني:
وقال القاضي عياض: الذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان واختاره
غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبي * وسائر الأنبياء بالصلاة
والتسليم، كما يختص الله سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه، ويذكر من سواهم
بالغفران والرضا كما قال الله تعالى ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [المائدة: ٩] ﴿يقولون
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠] وأيضاً فهو أمر لم يكن
معروفاً في الصدر الأول، وإنما أحدثه الرافضة في بعض الأئمة، والتشبه بأهل البدع
منھيّ عنه فتجب مخالفتهم ا هـ.
أقول: وكراهة التشبه بأهل البدع مقرر عندنا أيضاً، لكن لا مطلقاً، بل في المذموم
وفيما قصد به التشبه بهم كما قدمه الشارح في مفسدات الصلاة. قوله: (قولان) قال
بعضهم: لا يجوز لأنه ليس فيه ما يدل على التعظيم مثل الصلاة، ولهذا يجوز أن يدعي به
لغير الأنبياء والملائكة عليهم السلام، وهو مرحوم قطعاً، فيكون تحصيل الحاصل وقد
استغنينا عن هذه بالصلاة فلا حاجة إليها. وقال بعضهم: يجوز لأن النبي وَ ل# كان من
أشوق العباد إلى مزيد رحمة الله تعالى، ومعناها معنى الصلاة فلم يوجد ما يمنع من ذلك.
زيلعي. والصحيح الجواز کما ذكره الزيلعي في کتاب الصلاة. وقال في البحر: وروي عن
بعض المشايخ أنه قال: ولا يقول ارحم محمداً، وأكثر المشايخ على أنه يقوله للتوارث،
وقال السرخسي: لا بأس به لأن الأثر ورد به من طريق أبي هريرة وابن عباس، ولأن
أحداً وإن جل قدره لا يستغني عن رحمة الله تعالى اهـ. قوله: (وجوزه السيوطي تبعاً لا
استقلالاً) أي مضموماً إلى الصلاة والسلام لا وحده، فيجوز اللهم صل على محمد وارحم
محمداً، ولا يجوز ارحم محمداً بدون الصلاة. قوله: (فليكن التوفيق) أي يحمل القول
بالجواز على التبعية والقول بعدمه على الابتداء، ويخالفه ما في البحر حيث قال: ومحل
الخلاف في الجواز وعدمه إنما هو فيما يقال مضموماً إلى الصلاة والسلام، كما أفاده شيخ
الإسلام ابن حجر، فلذا اتفقوا على أنه لا يقال ابتداء رحمه الله اهـ. قل ط: وينبغي أن لا
يجوز غفر الله له وسامحه لما فيه من إيهام نقص اهـ.
أقول: وكذا عفا عنه وإن وقع في القرآن، لأن الله تعالى له أن يخاطب عبده بما
أراد، كما لا يليق أن تخاطب الرعية الأمراء بما تخاطبهم به الملوك، ولم أر من تعرض

٤٨٥
کتاب الخشی
(ويستحب الترضي للصحابة) وكذا من اختلف في نبوته كذي القرنين
ولقمان، وقيل يقال صلى الله على الأنبياء وعليه وسلم كما في شرح المقدمة
للقرماني.
(والترحم للتابعين ومن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار، وكذا يجوز
عكسه) الترحم للصحابة والترضي للتابعين ومن بعدهم (على الراجح) ذكره
القرماني. وقال الزيلعي: الأولى أن يدعو للصحابة بالترضي وللتابعين بالرحمة ولمن
بعدهم بالمغفرة والتجاوز (والإعطاء باسم النيروز والمهرجان لا يجوز) أي الهدايا
باسم هذين اليومين حرام (وإن قصد تعظيمه) كما يعظمه المشركون (يكفر) قال أبو
حفص الكبير: لو أن رجلا عبد الله خمسين سنة ثم أهدى لمشرك يوم النيروز بيضة
للترحم على الملائكة، فليراجع. قوله: (ويستحب الترضي للصحابة) لأنهم كانوا يبالغون
في طلب الرضا من الله تعالى ويجتهدون في فعل ما يرضيه، ويرضون بما يلحقهم من
الابتلاء من جهته أشد الرضا، فهؤلاء أحق بالرضا وغيرهم لا يلحق أدناهم ولو أنفق
ملء الأرض ذهباً. زيلعي. قوله: (وكذا من اختلف في نبوته) قال النووي: والذي أراه
أن هذا: أي الدعاء بالصلاة لا بأس به، وإن الأرجح أن يقال رضي الله عنه لأنه مرتبة
غير الأنبياء، ولم يثبت كونهما نبيين اهـ. وظاهر قول المتن ((ولا يصلى على غير الأنبياء
والملائكة)) وكذا كلام القاضي عياض السابق أنه لا يدعي له بالصلاة، لكن ينبغي عدم
الإثم به لشبهة الاختلاف. قوله: (وقيل يقال الخ) أي لتكون الصلاة عليه تبعاً فيكون مما
لا خلاف فيه، وهو وجيه كما لا يخفى على النبيه. قوله: (والعباد) بالضم جمع عابد.
قوله: (وقال الزيلعي الخ) لا يخالف ما قبله إلا في قوله ((ولمن بعدهم بالمغفرة والتجاوز)).
تتمة: يكره الجدل في أن لقمان وذا القرنين وذا الكفل أنبياء أم لا، وينبغي أن لا
يسأل الإنسان عما لا حاجة إليه كأن يقول: كيف هبط جبريل وعلى أيّ صورة رآه النبي
وَ﴾، وحين رآه على صورة البشر هل بقي ملكاً أم لا؟ وأين الجنة والنار ومتى الساعة
ونزول عيسى؟ وإسماعيل أفضل أم إسحاق وأيهما الذبيح؟ وفاطمة أفضل من عائشة أم
لا؟ وأبوا النبي كانا على أي دين؟ وما دين أبي طالب؟ ومن المهدي؟ إلى غير ذلك مما لا
تجب معرفته، ولم يرد التكليف به، ويجب ذكره وليه بأسماء معظمة، فلا يجوز أن يقال إنه
فقير غريب مسكين فريد طويل، ويجب تعظيم العرب خصوصاً أهل الحرمين خصوصاً
أولاد المهاجرين والأنصار خصوصاً أولاد الخلفاء الأربعة. مقدسي عن خزانة الأكمل.
قوله: (والإعطاء باسم النيروز والمهرجان) بأن يقال هدية هذا اليوم، ومثل القول النية
فيما يظهر ط. والنيروز: أول الربيع، والمهرجان: أول الخريف، وهما يومان يعظمهما
بعض الكفرة ويتهادون فيهما. قوله: (ثم أهدى لمشرك الخ) قال في جامع الفصولين:

٤٨٦
کتاب الخنثى
يريد تعظيم اليوم فقد كفر وحبط عمله اهـ. ولو أهدى لمسلم ولم يرد تعظيم اليوم
بل جرى على عادة الناس لا يكفر، وينبغي أن يفعله قبله أو بعده نفياً للشبهة، ولو
شرى فيه ما لم يشتره قبل إن أراد تعظيمه كفر، وإن أراد الأكل كالشرب والتنعيم
لا يكفر. زيلعي. (ولا بأس بلبس القلانس) غير حرير وكرباس عليه إبريسم فوق
أربع أصابع. سراجية. وصح أنه حرم لبسها (وندب لبس السواد وإرسال ذنب
العمامة بين كتفيه إلى وسط الظهر) وقيل لموضع الجلوس وقيل شبر.
(ويكره) أي للرجال كما مر في باب الكراهية (لبس المعصفر والمزعفر) لقول
ابن عمر رضي الله عنهما ((ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس المعصفر
وقال: إياكم والأحمر فإنه زيّ الشيطان»
وهذا بخلاف ما لو اتخذ مجوسي دعوة لحلق رأس ولده فحضر مسلم دعوته فأهدى إليه
شيئاً لا يكفر. وحكى أن واحداً من مجوسي سربل كان كثير المال حسن التعهد بالمسلمين،
فاتخذ دعوة لحلق رأس ولده، فشهد دعوته كثير من المسلمين، وأهدى بعضهم إليه، فشقّ
ذلك على مفتيهم، فكتب إلى أستاذه عليّ السعدي أن أدرك أهل بلدك فقد ارتدوا
وشهدوا شعار المجوسي، وقص عليه القصة، فكتب إليه: إن إجابة دعوة أهل الذمة
مطلقة في الشرع، ومجازاة الإحسان من المروءة، وحلق الرأس ليس من شعار أهل
الضلالة، والحكم بردة المسلم بهذا القدر لا يمكن، والأولى للمسلمين أن لا يوافقوهم
على مثل هذه الأحوال لإظهار الفرح والسرور اهـ. قوله: (والتنعيم) عبارة الزيلعي
((والتنعم)) بتشديد العين. قوله: (ولا بأس) من البؤس: أي لا شدة عليه من جهة
الشرع، أو من البأس وهو الجراءة: أي لا جراءة في مباشرته لأنه أمر مشروع، وفي هذا
دلالة على أن فاعله لا يؤجر ولا يأثم به. حموي عن المفتاح ا هـ ط.
أقول: والغالب استعماله فيما تركه أولى. قوله: (القلانس) جمع قلنسوة بفتح
القاف: ذات الآذان تحت العمامة. ط. قوله: (غير حرير الخ) رد على مسكين حيث
قال: لفظ الجمع يشمل قلنسوة الحرير والذهب والفضة والكرباس والسوداء والحمراء.
قوله: (وصح أنه عليه الصلاة والسلام لبسها) كذا في بعض النسخ، ومثله في الدر المنتقى:
أي لبس القلانس، وقد عزاه المصنف والزيلعي إلى الذخيرة، وفي بعض النسخ: وصح أنه
حرم لبسها: أي قلانس الحرير والذهب. تأمل. قوله: (وندب لبس السواد) لأن محمداً
ذكر في السير الكبير في باب الغنائم حديثاً يدل على أن لبس السواد مستحب، وأن من
أراد أن يجدد اللفّ لعمامته ينبغي له أن ينقضها كوراً كوراً، فإن ذلك أحسن من رفعها
عن لرأس وإلقائها في الأرض دفعة واحدة، وأن المستحب إرسال ذنب العمامة بين
الكتفين. وتمامه في الزيلعي. قوله: (وقال إياكم والأحمر) الذي في الزيلعي: إياكم

٤٨٧
كتاب الخنثى
ويستحب التجمل، وأباح الله الزينة بقوله تعالى: ﴿قل من حرّم زينة الله التي أخرج
لعباده﴾ الآية، وخرج صلى الله عليه وسلم وعليه رداء قيمته ألف دينار، زيلعي.
(وللشاب العالم أن يتقدم على الشيخ الجاهل) ولو قرشياً، قال تعالى:
﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾ فالرافع هو الله، فمن يضعه يضعه الله في جهنم،
وهم أولوا الأمر على الأصح وورثة الأنبياء بلا خلاف.
(اختضب لأجل التزين للنساء والجواري جاز) في الأصح، ويكره بالسواد،
والحمرة فإنها زيّ الشيطان. قوله: (ويستحب التجمل الخ) قال عليه الصلاة والسلام ((إن
الله تعالى إذا أنعم على عبده أحبّ أن يرى أثر نعمته عليه)) وأبو حنيفة كان يتردى برداء
قيمته أربعمائة دينار، وكان يأمر أصحابه بذلك ويقول: فإن الناس ينظرون إليكم بعين
الرحمة. ومحمد كان يلبس الثياب النفيسة ويقول: إن لي نساء وجواري فأزين نفسي كيلا
ينظرن إلى غيري، قيل للشيخ: أليس عمر رضي الله عنه كان يلبس قميصاً عليه كذا
رقعة؟ فقال: فعل ذلك لحكمة هي أنه كان أمير المؤمنين، وعماله يقتدون، وربما لا
يكون لهم مال فيأخذون من المسلمين: ذخيرة ملخصاً. قوله: (قيمته ألف دينار) تبع
المصنف، والذي في الزيلعي: ألف درهم. قوله: (وللشاب العالم أن يتقدم الخ) لأنه
أفضل منه ولهذا يقدّم في الصلاة، وهي أحد أركان الإسلام، وهي تالية الإيمان.
زيلعي. وصرح الرملي في فتاواه بحرمة تقدم الجاهل على العالم، حيث أشعر بنزول درجته
عند العامة لمخالفته لقوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم
درجات﴾ إلى أن قال: وهذا مجمع عليه، فالمتقدم ارتكب معصية فيعزّر. قوله: (فمن
يضعه) أي يضع العالم. قوله: (وهم أولو الأمر على الأصح) أي من الأقوال في تفسير
قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ كما ذكره الزيلعي.
وفي المنح عن البزازية: وقال الزندويستي: حق العالم على الجاهل وحق الأستاذ على
التلميذ واحد على السواء، وهو أن لا يفتح الكلام قبله، ولا يجلس مكانه وإن غاب، ولا
يرد عليه كلامه، ولا يتقدم عليه في مشيه، وحق الزوج على الزوجة أكثر من هذا، وهو
أن تطيعه في كل مباح. وعن خلف أنه وقعت زلزلة فأمر الطلبة بالدعاء، فقيل له فيه،
فقال: خيرهم خير من خير غيرهم، وشرّهم خير من شر غيرهم. قوله: (جاز في
الأصح) وهو مرويّ عن أبي يوسف، فقد قال: يعجبني أن تتزين لي امرأتي كما يعجبها
أن أتزين لها. والأصح أنه لا بأس به في الحرب وغيره.
واختلفت الرواية في أن النبي ﴿ فعله في عمره، والأصح لا. وفصل في المحيط
بين الخضاب بالسواد، قال عامة المشايخ: إنه مكروه، وبعضهم جوّزه مرويّ عن أبي
يوسف، أما بالحمرة فهو سنة الرجال وسيما المسلمين ا هـ. منح ملخصاً. وفي شرح

٤٨٨
کتاب الخنثى
وقيل لا ومر في الحظر (كما يجوز أن يأكل متكئاً) في الصحيح لما روي ((أنه صلى الله
عليه وسلم أكل متكئاً)) مجمع الفتاوى.
(أخذته الزلزلة في بيته ففرّ إلى الفضاء لا يكره) بل يستحق لفرار النبي صلى
الله عليه وسلم عن الحائط المائل (وإذا خرج من بلدة بها الطاعون: فإن علم أن كل
شي بقدر الله تعالى فلا بأس بأن يخرج ويدخل، وإن كان عنده أنه لو خرج نجا ولو
دخل ابتلي به كره له ذلك) فلا يدخل ولا يخرج صيانة لاعتقاده، وعليه حمل النهي
في الحديث الشريف. مجمع الفتاوى.
المشارق للأكمل: والمختار أنه و ﴿ خضب في وقت، وتركه في معظم الأوقات. ومذهبنا
أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية. قال النووي: ومذهبنا استحباب خضاب
الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، وتحريم خضابه بالسواد على الأصح لقوله عليه
الصلاة والسلام ((غَيروا هَذَا الشَّيْبَ وَأَجْتَنِبُوا السَّوَادَ)) اهـ. قال الحموي: وهذا في حق غير
الغزاة، ولا يحرم في حقهم للإرهاب، ولعله محمل من فعل ذلك من الصحابة ط. قوله:
(كما يجوز أن يأكل متكئاً في الصحيح) قدمنا في الحظر أنه لا بأس به في المختار: أي فتركه
أولى، وهذا إذا لم يكن عن تكبر وإلا فيحرم. قوله: (لما روى الخ) الذي في صحيح
البخاري وغيره أنه عليه الصلاة والسلام قال ((لا كل متكئاً) قال ابن حجر في شرح
الشمائل عن النسائي قال: ما رئي النبي # يأكل متكئاً قط. لكن أخرج ابن أبي شيبة عن
مجاهد أنه أكل متكئاً مرة، فإن صح فهو زيادة مقبولة، ويؤيدها ما أخرجه عن ابن شاهين
عن عشاء بن يسار: أن جبريل رأى النبي # يأكل متكئاً فنهاه. وفسر الأكثرون الاتكاء
بالميل على أحد الجانبين لأنه يضر بالآكل، وورد بسند ضعيف: زجر النبي وير أن يعتمد
الرجل على يده اليسرى عند الأكل. قال مالك رحمه الله: وهو نوع من الاتكاء، وفيه
إشارة إلى أنه لا يختص بصفة بعينها ا هـ ملخصاً. وبه علم أنه ثبت أنه # أكل متكئاً فقد
تركه لما نهى عنه، فليس فيه دليل على الجواز. نعم ذكر بعض الشافعية أنه خاص به عليه
الصلاة والسلام، والأصح عندهم أنه عام. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير: اختلف
في صفة الاتكاء، فقيل أن يتمكن في الجلوس للأكل على أيّ صفة كان، وقيل أن يميل على
أحد شقيه، وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، والأول المعتمد وهو شامل
للقولين. والحكمة في تركه أنه من فعل ملوك العجم والمتعظمين، وأنه ادعى إلى كثرة
الأكل، وأحسن الجلسات للأكل الإقعاء على الوركين ونصب الركبتين، ثم الجثي على
الركبتين وظهور القدمين، ثم نصب الرجل اليمنى والجلوس على اليسرى. وتمامه فيه.
قوله: (وإذا خرج من بلدة بها الطاعون) المناسب زيادة أو دخل ليناسب ما بعده ط. قوله:

٤٨٩
كتاب الفرائض
(ففيه في بلدة ليس فيها غيره أفقه منه يريد أن يغزو ليس له ذلك) بزازية
وغيرها (قضى المديون الدين المؤجل قبل الحلول أو مات) فحل بموته (فأخذ من
تركته لا يأخذ من المرابحة التي جرت بينهما إلا بقدر ما مضى من الأيام، وهو
جواب المتأخرين) قنية. وبه أفتى المرحوم أبو السعود أفندي مفتي الروم، وعلله
بالرفق للجانبين، وقد قدمته قبل فصل القرض. والله أعلم.
فرع: في آخر الكنز: ينبغي لحافظ القرآن في كل أربعين يوماً أن يختم مرة.
والله أعلم.
كِتَابُ الفَرَائِضِ
هي للعلم بأصول من فقه وحساب تعرف حق كل من التركة، والحقوق ها
(ليس له ذلك) هذا في غير الجهاد المتعين، لأن نفعه للمسلمين أكثر ثواباً من الجهاد حيث
كان بهذه الصفة. قوله: (قضى المديون الخ) أفاد أن الدين إذا كان مؤجلاً فقضاه المديون
قبل حلول الأجبل يجبر الدائن على القبول كما في الخانية. قوله: (لا يأخذ من المرابحة الخ)
صورته: اشترى شيئاً بعشرة نقداً وباعه لآخر بعشرين إلى أجل هو عشرة أشهر، فإذا قضاه
بعد تمام خمسة أو مات بعدها يأخذ خمسة، ويترك خمسة ط.
أقول: والظاهر أن مثله ما لو أقرضه وباعه سلعة بثمن معلوم وأجل ذلك،
فيحسب له من ثمن السلعة بقدر ما مضى فقط. تأمل. قوله: (وعلله الخ) علله الحانوتي
بالتباعد عن شبهة الربا، لأنها في باب الربا ملحقة بالحقيقة، ووجه أن الربح في مقابلة
الأجل، لأن الأجل وإن لم يكن مالًا ولا يقابله شيء من الثمن لكن اعتبروه مالًا في
المرابحة إذا ذكر الأجل بمقابلة زيادة الثمن، فلو أخذ كل الثمن قبل الحلول كان أخذه بلا
عوض. والله سبحانه وتعالى أعلم.
كِتَابُ الْفَرَائِضِ(١)
مناسبته للوصية أنها أخت الميراث، ولوقوعها في مرض الموت، وقسمة الميراث بعده
ولذا أخر عنها. ثم الفرائض جمع فريضة، وهي ما يفترض على المكلف، وفرائض الإبل
ما يفرض كبنت مخاض في خمسة وعشرين، وقد سمى بها كل مقدر فقيل الأنصباء المواريث
فرائض، لأنها مقدرة لأصحابها، ثم قيل للعلم بمسائل الميراث علم الفرائض، وللعالم به
فرضي وفارض وفراض. معرب. قوله: (هي علم بأصول الخ) أي قواعد وضوابط
(١) لأهمية الفرائض بينها الله في كتابه العزيز مخصصة بحكمته على حسب ما علمه من المصالح لعباده لا على حسب
رغباتهم السيئة وميولهم الخبيثة بل مما بحكمه ما كانوا عليه من عمى في جاهليتهم، وأدحض ما ساروا عليه
من ضلالاتهم. وذلك أن الناس قبل الإسلام عربهم وعجمهم يرون جميعاً أن أحق الناس بمال الميت =

٤٩٠
كتاب الفرائض
= أقاربه وأرحامه، وكان لهم في ذلك اختلاف كثير. وكان أهل الجاهلية يورثون الرجال دون النساء
والكبار دون الصغار، ويقولون: لا يأخذ أموالنا من لا يركب الفرس ولا يضرب بالسيف، وأما الرجال
فيرون أنهم هم القائمون بالبيضة، وهو الذابون عن الذمام فهم أحق بتركة الميت من بعده، فلو تركهما لله
وشأنهم لمالوا مع من شاؤوا، فاقتضت حكمته أن يمحو تلك الضلالات تدريجياً حتى لا تتعاصى نفوسهم من
الانقياد فإن نزع العادة على النفس دفعة واحدة أشق، فأوجب عليهم أولًا الوصية للأقربین قال تعالى: ﴿کتب
عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ... ) الآية من غير تعيين ولا توقيت
بل فوض الأمر إليهم في التخصيص لتطمئن نفوسهم، وتنكسر سورة غضبهم، فيخصص كل منهم حسبما
يرى من المصلحة ... فمنهم من يخصص أحد أخويه دون الآخر، ومنهم من يخصص والده دون ولده، وعلى
هذا القياس. وكان إذا ظهر من موصٍ جور في التخصيص جاز للقضاة أن يصلحوا وصيته ويغيروا فيها،
واستمر الحكم على ذلك مدة. ولما ظهرت أنوار الإسلام وانبعثت في الآفاق، ورسخ في قلوبهم انتقل سبحانه
وتعالى بهم إلى ما هو أضمن لمصالحهم، وأحفظ لمودتهم، فلم يجعل الخيرة لهم ولا إلى القضاة من بعدهم بل
جعله على المظان الغالبية في علمه من عادات العرب والعجم وغيرهم مما هو كالأمر الجبلي، ومخالفه كالشاذ
النادر فقال تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ... ﴾الآيات. وقال تعالى: ﴿لا تدرون
أيهم أقرب لكم نفعاً﴾. فنبه سبحانه بافتتاح الآيات بلفظ الوصية على وجوب استئصال ما كانوا عليه واجتئات
بدون من أصل، وجعل للصغار مع الكبار نصيباً، وكذا للإناث مع الذكور ولا غرو أن كان هذا الحكم مما
تحار العقول في حسن ما انطوى عليه من الحكم البالغة فسوى بين الصغير والكبير، لأن الصغير إلى المال
والإعانة أحوج، ونظر إلى الإناث لضعفهن وترغيباً في نكاحهن، غير حكمته اقتضت امتياز الذكر على الأنثى
بجعل نصيبه ضعف نصيبها، لأن الذكر ذو حاجتين، حاجة لنفسه وحاجة لعياله والأنثى ذات حاجة واحدة
وأيضاً فإن الرجل أكمل حالًا من المرأة في الخلقة. وفي المناصب الدينية مثل صلاحية القضاء دونها والإمامة،
وشهادتها فيما تقبل فيه على النصف من شهادة الرجل، فلذلك استحق أن يكون نصيبه في الميراث أكثر.
أضف إلى ذلك قلة عقلها وكثرة شهوتها مما إذا انضم إليها المال الكثير عظم الفساد. قال تعالى: ﴿إن الإنسان
ليطغى أن رآه استغنى﴾. وقال الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده
أما الرجل فلكمال عقله يصرف المال فيما يفيده المدح الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، كبناء
الرباطات وإغاثة الملهوفين، والنفقة على الأرامل والأيتام، وذلك لأنه يخالط الناس كثيراً، أما المرأة فلقلة
اختلاطها لا تقدر على ذلك غالباً. وعلى الجملة فالتوارث يدور على معان ثلاثة: ((أولها)): القيام مقام الميت في
شرفه ومنصبه وما هو من هذا الباب. ((ثانيها)»: الرفق والحدب عليه والخدمة والمواساة. ((ثالثها)): القرابة
المتضمنة هذين المعنيين معاً. أما المعنى الأول فمظنة من يدخل في عمود النسب كالأب والجد، والابن، وابن
الابن، والإخوة، ومن في معناهم ممن هم كالعضد، ومن قوم المرء وأهل نسبه وشرفه. وأما المعنى الثاني
فمظنته ذات القرابة القريبة، والأحق به الأم والبنت ومن في معناهما ممن يدخل في عمود النسب، وكذلك
الأخت، ويوجد معنى الرفق والحدب في النساء كاملاً. وأما الثالث فمظنته على وجه الكمال من يدخل في
عمود النسب كالأب والجد والابن وابن الابن، فهؤلاء أحق الورثة بالميراث، فلذلك يفضل هذا النوع على
الأوليين قبله؛ لأن الناس جميعاً عربهم وعجمهم يرون إخراج منصب الرجل وثروته من قوم إلى قوم آخرين
جوراً وظلماً. هذا ولا يضر تحقق معنيين من المعاني الثلاثة السابقة في شخص واحد وتحققها كلها فيه، فإن
ترتيبها على هذا الوجه لبيان من توفر فيه المعنى بوجه الكمال، وكما أن الأب يقوم مقام الابن في الشرف
وغيره كذلك الابن يقوم مقام أبيه إلا أن قيام الابن مقام أبيه هو الوضع الطبيعي الذي عليه بناء العالم من
انقراض قرن وقيام القرن الثاني مقامه. فهو الذي يرجونه ويتوقعونه ولو أن الرجل خير في ماله لكانت مواساة
ولده أملك لقلبه من مواساة والده، فلذلك جاءت الشريعة الغراء بتفضيل الأبناء على الآباء، وأيضاً فإن
الوالدين ما بقي من عمرهما، إلا القليل غالباً فكان احتياجهما إلى المال قليلاً أما الأولاد فهم في زمن =

٤٩١
كتاب الفرائض
هنا خمسة بالاستقراء، لأن الحق إما للميت أو عليه أو لا ولا. الأول التجهيز.
تعرف: أي تلك الأصول حق كل: أي كل واحد من الورثة: أي قدر ما يستحقه من
التركة، ولا يخفى أن من تلك الأصول الموصوفة بما ذكر الأصول المتعلقة بالمنع من
الميراث والحجب، بلى هي العمدة في ذلك، إذ بدونها لا تعرف الحقوق، ولذا قالوا:
من لا مهارة له بها لا يحل له أن يقسم فريضة، ودخل فيها معرفة كون الوارث ذا
فرض أو عصبة أو ذا رحم، ومعرفة أسباب الميراث والضرب والتصحيح والعول والرد
وغير ذلك، فافهم.
والمراد بالفرائض. السهام المقدرة كما مر فيدخل فيه العصبات وذو الرحم لأن
سهامهم مقدرة وإن كانت بتقدير غير صريح، وموضوعه: التركات، وغايته: إيصال
الحقوق لأربابها، وأركانه ثلاثة: وارث، ومورث، وموروث. وشروطه ثلاثة: موت
مورث حقیقة، أو حكماً کمفقود، أو تقديراً کجنین فیه غرة ووجود وارثه عند موته حياً
حقيقة، أو تقديراً كالحمل والعلم بجهة إرثه. وأسبابه وموانعه ستأتي، وأصوله ثلاث:
= الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيراً هذا وليس تفضيل الذكور على الإناث للمعنى السابق مطرداً بل
يستثنى الإخوة لأم، فإن نصيبي الذكر والأنثى منهم متساويان كما أنه لا يزاد نصيبهم وإن كثروا على الثلث
عند التعدد، لأن الرجال منهم قلّ أن يقوموا بحماية البيضة والذب عن الذمار، ولا يتحقق فيهم معنى القيام
مقام أخيهم من أمهم في المنصب والشرف كاملاً، فقد يكون الرجل من عائلة وإخوة لأمه من عائلة أخرى،
وقد تقوم خصومة بين العائلتين فينصر كلا الأخوين عائلته على الأخرى، ولا يرى الناس قيامه مقام أخيه
عدلًا ولائقاً، لأنه من قوم آخرين. وأيضاً فإن قرابتهم متشعبة من الأم فكأنهم جميعاً إناث هذا. وإذا اجتمع
جماعة من الورثة فإما أن يكونوا في مرتبة واحدة، وإما أن يكونوا في منازل شتى، والثاني إما أن يعمهم اسم
واحد وجهة واحدة، أو تكون أسماؤهم وجهاتهم مختلفة. فالقسم الأول أن يوزع عليهم لمساواتهم في المرتبة
والدرجة، فلا سبيل لتمييز واحد عن صاحبه، ولا لاختصاص واحد دون الآخر بل هم في المعنى سواء. وأما
القسم الثاني، وهو ما إذا كانوا في منازل شتى وعمهم اسم واحد وجهة واحدة، فالأقرب منهم يحجب الأبعد
حرماناً. وذلك أن التوارت إنما شرع حثاً على التعاون وشد العرى المناصرة والمؤازرة، ولكل قرابة وتعاون
كالرفق فيمن يعمهم اسم الأم، والقيام مقام الأب فيمن يعمهم اسم الابن، والذب عنه فيمن يعمهم اسم
العصوبة ولا شك أنها في الأقرب أقوى، فلذلك هو الذي يلام على تركه المؤازرة أشد اللوم، ولذا كان هو
بالميراث أحق. وأما القسم الثالث فالأقرب والأنفع فيما علمه الله يحجب الأبعد نقصاناً، وإنما ورث الزوج
زوجته وورثته هي أيضاً مع أنه لا يتحقق فيهما واحد من المعاني السابقة كاملاً كما لم تشملهما آية: ﴿وأولو
الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ بطريق إلحاقهما بذوي الأرحام الذين تحقق فيهم أحد تلك المعاني.
لوجوه: منها(ا)) أن الزوجة ربما تلد من زوجها أولاداً هم من قوم الرجل لا محالة ومحل نسبه ومنصبه،
ومعلوم أن اتصال الولد بأمه لا ينقطع أبداً، فمن هذه الوجهة تصير الزوجة بمنزلة ذوي الأرحام، فتستحق
في الميراث الربع أو الثمن، وأما الزوج فله ضعف نصيبها جرياً على القاعدة المتقدمة. وكما أن الزوج له رابطة
خاصة بالإنفاق عليها واستيداعه ماله عندها، ولأنه يأمنها على ما يملك حتى يخيل من شدة العلاقة أن جميع
ما تركته أو بعضه هو حقه في الواقع فكان إخراج المال من يده شاقاً على نفسه، فعالج الشرع هذا الداء بأن
فرض له الربع أو النصف ليكون جابراً لقلبه كاسراً لسورة غضبه، وأيضاً فإن إلحاقهما بمن تقدم كان رأفة من
الله ورحمة بعباده سبحانه هو الرؤوف الرحيم.

٤٩٢
كتاب الفرائض
والثاني إما أن يتعلق بالذمة وهو الدين المطلق أو لا وهو المتعلق بالعين. والثالث إما
اختياري وهو الوصية أو اضطراري وهو الميراث، وسمي فرائض لأن الله تعالى
قسمه بنفسه وأوضحه وضوح النهار بشمسه ولذا سماه صلى الله عليه وسلم نصف
العلم لثبوته بالنص لا غير. وأما غيره فبالنص تارة وبالقياس أخرى. وقيل لتعلقه
بالموت وغيره بالحياة، أو بالضروري وغيره بالاختياري.
الكتاب، والسنة في إرث(١) أم الأم بشهادة المغيرة وابن سلمة، وإجماع الأمة في إرث أم
الأب باجتهاد عمر رضي الله تعالى عنه الداخل في عموم الإجماع، وعليه الإجماع، ولا
مدخل للقياس هنا خلافاً لمن زعمه في أم الأب، وقد علمت جوابه واستمداده من هذه
الأصول. أفاده في الدر المنتقى. قوله: (لأن الله تعالى قسمه) الأولى قدره كما قال الزيلعي
لأنه معنى الفرض. تأمل. قوله: (بنفسه) أي ولم يفوض تقديره إلى ملك مقرّب ولا نبي
مرسل، بخلاف سائر الأحكام كالصلاة والزكاة والحج وغيرها، فإن النصوص فيها مجملة
كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجَّ البَيْتِ﴾
[العمران: ٩٧] وإنما السنة بينتها. زيلعي. قوله: (لثبوته بالنص لا غير) أراد بالنص ما
يشمل الإجماع، واحترز به عن القياس، فإنه لا يجري في المواريث لأنه لا مال له في
المقدرات لخفاء وجه الحكمة في التخصيص بمقدار دون آخر، ثم إن هذا علة للعلة،
والأولى أن يقول: أو لثبوته فيكون علة ثانية لتسميته نصف العلم، وقيل في وجه التسمية
غير ما ذكره، وقيل إنه مما لا يدرك معناه فتصدق بأنه نصف العلم، ولا نبحث عن وجهه.
ثم اعلم أن ما ذكره من الأوجه مبني على أن النصف يراد به أحد قسمي الشيء،
فإن كل شيء تحته نوعان، أحدهما نصف له وإن لم يتحد عددهما، ومنه حديث أحمد
((الطهور نصف الإيمان)) وقول العرب: نصف السنة حضر ونصفها سفر: أي تنقسم
زمانين وإن تفاوتت عدتهما، وقول شريح وقد قيل له كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت
ونصف الناس عليّ غضبان. يريد أنهم بين محكوم له راض ومحكوم عليه غضبان. وقول
الشاعر : [الطويل]
إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانٍ شَامِتٌ وَآخَرُ رَاضٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
وقول مجاهد: المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء: أي أنه نوعان مطهر لبعض
الباطن، ومطهر لبعض الظاهر. أفاده ابن حجر في شرح الأربعين. قوله: (بالنص) أرد به
ما يعم الإجماع. قوله: (أو بالضروري) أي الإرث، والاختياري كالبيع والشراء وقبول
(١) في ط (قوله في إرث أم الأم بشهادة الخ) أي بشهادتهما لدى عمر على توريث النبي صلى الله عليه وسلم لأم
الأم، ولم يرد توريثها في كتاب الله تعالى.

٤٩٣
كتاب الفرائض
وهل إرث الحيّ من الحيّ أم من الميت؟ المعتمد الثاني. شرح وهبانية (يبدأ من تركة
الميت الخالية عن تعلق الغير بعينها كالرهن والعبد والجاني) والمأذون المديون والمبيع
المحبوس بالثمن
الهبة والوصية. قوله: (وهل إرث الحي من الحي الخ) أي قبيل الموت في آخر جزء من
أجزاء حياته، والأول قول زفر ومشايخ العراق، والثاني قول الصاحبين، وثمرة الخلاف
فيما لو تزوج بأمة مورثه ولا وارث غيره فقال لها إذا مات مولاك فأنت حرة، فعلى
الأول تعتق لأنه أضاف العتق إلى الموت والملك ثابت له قبله، وعلى الثاني لا تعتق لثبوت
الملك بعده أفاده في شرح الوهبانية. وتظهر الثمرة أيضاً فيما لو علق الوارث طلاقها
بموت مولاها كما نص عليه البيري عن السراجية.
أقول: وبه تظهر فائدة تصويرها بالزوج، وإلا فتعليق العتق لا يتوقف على
الزوجية. تأمل. قوله: (المعتمد الثاني) وكذا ذكر الطرابلسي في سكب الأنهر أن عليه
المعول، لكن ذكر في الدر المنتقى عن التاتر خانية أن الاعتماد على الأول. قوله: (الخالية
الخ) صفة كاشفة، لأن التركة في الاصطلاح ما تركه الميت من الأموال صافياً عن تعلق
حق الغير بعين من الأموال كما في شروح السراجية.
واعلم أنه يدخل في التركة الدية الواجبة بالقتل الخطأ أو بالصلح عن العمد أو
بانقلاب القصاص مالاً بعفو بعض الأولياء، فتقضی منه دیون الميت وتنفذ وصاياه كما في
الذخيرة. قوله: (بعينها) متعلق بقوله ((تعلق)). قوله: (كالرهن الخ) مثال للعين التي
تعلق بها حق الغير، فإذا رهن شيئاً وسلمه ولم يترك غيره فدين المرتهن مقدم على التجهيز،
فإن فضل بعده شيء صرف إليه. قوله: (والعبد الجاني) أي في حياة مولاه ولا مال له
سواه فإن المجني عليه أحق به من المولى، إلا أن يفضل بعد أرش الجناية شيء.
تنبيه: لو كان العبد الجاني هو المرهون قد حق المجني عليه، لأنه أقوى لثبوته على
ذمة العبد، وحق المرتهن في ذمة الراهن ومتعلق برقبة العبد لا في ذمته. ذكره يعقوب باشا
في حاشية شرح السراجية للسيد الشريف. قوله: (والمأذون المديون) أي فإذا مات المولى
ولا مال له سواه قدم الغرماء على التجهيز. قوله: (والمبيع المحبوس بالثمن) كما لو
اشترى عبداً ولم يقبضه فمات قبل نقد الثمن، فالبائع أحق بالعبد من تجهيز المشتري.
قال يعقوب باشا: أما إذا كان المبيع في يد المشتري ومات عاجزاً عن أداء الثمن فإنه
يبدأ برجوعه لا مطلقاً، بل إذا لم يتعلق به شيء من الحقوق اللازمة كما إذا كاتبه المشتري
أو رهنه أو استولده أو جنى ذلك المبيع على غيره، فإنه حينئذ لم يثبت له حق الرجوع لمانع
قوي، حتى لو عجز المكاتب وعاد إلى الرق أو فك الرهن أو فدى من الجناية، فله
الرجوع لزوال ذلك المانع اهـ. ونقل مثله ط عن حاشية عجم زاده على شرح السيد. ثم

٤٩٤
كتاب الفرائض
والدار المستأجرة، وإنما قدمت على التكفين لتعلقها بالمال قبل صيرورته تركة
(بتجهيزه) يعم التكفين (من غير تقتير ولا تبذير) ككفن السنة أو قدر ما كان يلبسه
قال: وانظر هذا مع قولهم إن البائع أسوة الغرماء فيه عندنا ا هـ: أي فيما إذا قبض
المشتري المبيع ولم يذكروا فيه إلا خلاف الشافعي كما تقدم قبيل خيار الشرط، والظاهر أن
ما ذكر هنا مأخوذ من كتب الشافعية فليتنبه له. قوله: (والدار المستأجرة) فإنه إذا أعطى
الأجرة أولاً ثم مات الآجر صارت الداررهنا بالأجرة سيد. قال ط: زاد في روح الشروح
على ما ذكر العبد الذي جعل مهراً: يعني إذا مات الزوج وهو في يده ولا مال له سواه
فإن الزوجة تقدم على تجهيز الزوج، والمقبوض بالبيع الفاسد إذا مات البائع قبل الفسخ:
أي فإن المشتري مقدم على تجهيز البائع. قوله: (وإنما قدمت الخ) أي هذه الحقوق المتعلقة
بهذه الأعيان، والأصل أن كل حق يقدم في الحياة يقدم في الوفاة. در منتقى. وتقديمها
على التجهيز هو الذي جزم به في المعراج، وكذا شراح الكنز والسراجية، بل حكى بعض
شراح السراجية الاتفاق عليه، فما ذكره مسكين من أن ذلك رواية وأن الصحيح تقديم
التجهيز قال في الدر المنتقى: منظور فيه، بل تعليلهم يفيد أنه ليس بتركة أصلاً ا هـ: أي
فلا يرد على إطلاق المتون من أنه يبدأ من التركة بالتجهيز. قوله: (بتجهيزه) وكذا تجهيز
من تلزمه نفقته، كولد مات قبله ولو بلحظة وكزوجته ولو غنية على المعتمد. در منتقى.
قوله: (يعم التكفين) كأنه يشير إلى أن قول السراجية: يبدأ بتكفينه وتجهيزه من عطف
العام على الخاص. قوله: (من غير تقتير ولا تبذير) التقتير هو التقصير، والتبذير يستعمل
في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق أن بينهما فرقاً، وهو أن الإسراف صرف الشيء
فيما ينبغي زائداً على ما ينبغي، والتبذير صرفه فيما لا ينبغي. صرح به الكرماني في شرح
البخاري يعقوب. وعليه فالمناسب التعبير بالإسراف بدل التبذير موافقاً لقوله تعالى:
﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ [الفرقان: ٦٧] لكنه راعى المشهور. قوله:
(ککفن السنة) أي من حيث العدد، وقوله «أو قدر ما کان يلبسه في حياته» أي من حیث
القيمة، وأو بمعنى الواو. قال في سكب الأنهر: ثم الإسراف نوعان من حيث العدد بأن
يزاد في الرجل على ثلاثة أثواب، وفي المرأة على خمسة ومن حيث القيمة، بأن يكفن فيما
قيمته تسعون وفيمة ما يلبسه في حياته ستون مثلاً، والتقتير أيضاً نوعان عكس الإسراف
عدداً وقيمة اهـ. وهذا إذا لم يوص بذلك، فلو أوصى تعتبر الزيادة على كفن المثل من
الثلث، وكذا لو تبرع الورثة به أو أجنبي، فلا بأس بالزيادة من حيث القيمة لا العدد،
وهل للغرماء المنع من كفن المثل؟ قولان، والصحيح نعم. در منتقى: أي فيكفن بكفن
الكفاية وهو ثوبان للرجل وثلاثة للمرأة. ابن كمال. قوله: (أو قدر ما كان يلبسه في
حياته) أي من أوسط ثيابه، أو من الذي كان يتزين به في الأعياد والجمع والزيارات على

٤٩٥
كتاب الفرائض
في حياته، ولو هلك كفنه: فلو قبل تفسخه كفن مرة بعد أخرى وكله من كل ماله
(ثم) تقدم (ديونه التي لها مطالب من جهة العباد) ويقدم دين الصحة على دين
المرض إن جهل سببه، وإلا فسيان كما بسطه السيد. وأما دين الله تعالى فإن أوصى
به وجب تنفيذه من ثلث الباقي، وإلا لا (ثم) تقدم (وصيته)
ما اختلفوا فيه. زيلعي. قوله: (ولو هلك كفنه الخ) قال في سكب الأنهر: وإذ نبش قبر
الميت وأخذ كفنه يكفن في ثلاثة أثواب ولو ثالثاً أو رابعاً ما دام طرياً، ولا يعاد غسله ولا
الصلاة عليه، وإن تفسخ يلف في ثوب واحد كل ذلك من أصل ماله عندنا، وإن كان
عليه دين إلا أن يكون الغرماء قد قبضوا التركة، فلا يسترد منهم، وإن كان قد قسم ماله
فعلى كل وارث بقدر نصيبه دون الغرماء، وأصحاب الوصايا لأنهم أجانب، ولا تجبر
الورثة على قبول كفن متبرّع لأن فيه لحوق العار بهم، إلا إذا كان الورثة صغاراً، فحينئذ
لو رأى الإمام مصلحة يقبل إلا أن يختاروا القيام بأنفسهم، فحينئذ هم أولى به ا هـ: أي
إلا أن يختار الكبار منهم. تأمل. قوله: (ويقدم دين الصحة) هو ما كان ثابتاً بالبينة مطلقاً
أو بالإقرار في حال الصحة ط. وقد يرجح بعضه على بعض كدين الأجنبي على مكاتب
مات عن وفاء يقدم على دين المولى، وكالدين الثابت على نصراني بشهادة المسلمين فإنه
مقدم على الثابت بشهادة أهل الذمة عليه، والدين الثابت بدعوى المسلم عليه يقدم على
الدين الثابت عليه بدعوى كافر إذا كان شهودهما كافرين أو شهود الكافر فقط، أما إذا
كان شهودهما مسلمين أو شهود الكافر فقط فهما سواء، كما في حاشية البحر للرملي من
كتاب الشهادات، فافهم. قوله: (على دين المرض) هو ما كان ثابتاً بإقراره في مرضه أو
فيما هو في حكم المرض، كإقرار من خرج للمبارزة أو أخرج للقتل قصاصاً أو ليرجم.
ط عن عجم زاده. قوله: (إن جهل سببه) أما إذا علم بأن أقر في مرضه بدين علم ثبوته
بطريق المعاينة، كما يجب بدلاً عن مال ملكه أو استهلكه كان ذلك بالحقيقة من دين
الصحة إذ قد علم وجوبه بغير إقراره، فلذلك ساواه في الحكم اهـ. سيد. قوله: (وأما
دين الله تعالى الخ) محترز قوله ((من جهة العباد)) وذلك كالزكاة والكفارات ونحوها. قال
الزيلعي: فإنها تسقط بالموت فلا يلزم الورثة أداؤها إلا إذا أوصى بها أو تبرعوا بها هم من
عندهم لأن الركن في العبادات نية المكلف وفعله،، وقد فات بموته فلا يتصور بقاء
الواجب اهـ. وتمامه فيه.
أقول: وظاهر التعليل أن الورثة لو تبرعوا بها لا يسقط الواجب عنه لعدم النية
منه، ولأن فعلهم لا يقوم مقام فعله بدون إذنه. تأمل. قوله: (من ثلث الباقي) أي
الفاضل عن الحقوق المتقدمة، وعن دين العبادة فإنه يقدم لو اجتمع مع دين الله تعالى،
لأنه تعالى هو الغنيّ ونحن الفقراء كما في الدر المنتقى. قوله: (ثم تقدمت وصيته) أي

٤٩٦
كتاب الفرائض
ولو مطلقة على الصحيح خلافاً لما اختاره في الاختيار (من ثلث ما بقي) بعد تجهيزه
على القسمة بين الورثة. قال الزيلعي: ثم هذا ليس بتقديم على الورثة في المعنى بل هو
شريك لهم، حتى إذا سلم له شيء سلم للورثة ضعفه أو أكثر، ولا بد من ذلك، وهذا
ليس بتقديم في الحقيقة، بخلاف التجهيز والدين فإن الورثة والموصى له لا يأخذون إلا ما
فضل عنهما اهـ. قوله: (ولو مطبقة على الصحيح) كذا قاله السيد وغيره. ثم قال: وقال
شيخ الإسلام خواهر زاده: إن كانت معينة كانت مقدمة عليه، وإن كانت مطلقة كأن
يوصي بثلث ماله أو ربعه كانت في معنى الميراث لشيوعها في التركة فيكون الموصى له
شريكاً للورثة لا مقدماً عليهم، ويدل على شيوع حقه فيها كحق الوارث أنه إذا زاد المال
بعد الوصية زاد على الحقين، وإذا نقض نقص عنهما، حتى إذا كان ماله حال الوصية مثلاً
ألفاً ثم صار ألفين فله ثلث الألفين، وإن انعكس فله ثلث الألف ا هـ.
قال الأكمل: ولعل الصواب معه، فإن التقديم إنما يتصور فيه بجعل حق الموصى
له متعلقاً بالصورة والمعنى إذا خرج من الثلث فيمنع تعلق حق الوارث بصورته، فكان
ذلك تقديماً على الورثة، وأما إذا كانت مطلقة فلا يتصور هناك تقديم اهـ. قوله: (خلافاً
لما اختاره في الاختيار) أي من قول شيخ الإسلام المتقدم ونصه: فإن كانت الوصية بعين
تعتبر من الثلث وتنفذ، وإن كانت بجزء شائع كالثلث والربع فالموصى له شريك للورثة
يزداد نصيبه بزيادة التركة وينقص بنقصها بحسب المال، ويخرج نصيب الموصى له كما
يخرج نصيب الوارث ويقدم على قسمة التركة بين الورثة لما تلونا اهـ.
والحاصل: أنه لا خلاف في تقديم الوصي بعين كالدار والثوب مثلاً، بمعنى أنها إذا
خرجت من الثلث فلا حقّ للورثة فيها، فتفرز وحدها ويقسم بين الورثة ما سواها. وأما
الوصية المطلقة: فمن نظر إلى أنها شائعة في التركة تزداد بزيادتها، وبالعكس قال: لا تقديم
فيها بل الموصى له شريك للورثة دائماً، بمعنى أنه لا يمكن أن ينفرد بالأخذ وإن استغرق
التركة، بخلاف الدين ونحوه، ومن نظر إلى أن قسمة الميراث لا تكون إلا بعد إخراج
نصيب الموصى له قال: إنها مقدمة، لأنه لو لم يفرز نصيبه أولًا بل اعتبر شريكاً مع الورثة
لزم أن يقسم له معهم كأنه واحد منهم له ثلث التركة مثلاً ويلزم منه الخلل، مثلاً لو
تركت زوجاً وأختين شقيقتين وأوصت بالثلث لزيد فيخرج الثلث الموصى به أولًا، فيأخذ
زيد واحداً من ثلاثة ثم يقسم الباقي من سبعة: للزوج ثلاثة، وللشقيقتين أربعة، وإلا لزم
أن تقسم التركة من تسعة، فيأخذ الموصى له اثنين، والزوج ثلاثة، والشقيقتان أربعة،
فينقص نصيب الموصى له؛ وأنت إذا حققت النظر يظهر لك أن الخلاف لفظي، لأن كل
واحد من أصحاب القولين يسلم ما قاله الآخر، وإنما النزاع في أن إخراج نصيب الموصى
له أولاً هل يسمى تقديماً أم لا؟ ويدل عليه كلام الزيلعي السابق، وكذا كلام صاحب
٠

٤٩٧
كتاب الفرائض
وديونه. وإنما قدمت في الآية اهتماماً لكونها مظنة التفريط (ثم) رابعاً بل خامساً
(يقسم الباقي) بعد ذلك (بين ورثته) أي الذين ثبت إرثهم بالكتاب أو السنة كقوله
عليه الصلاة والسلام: ((أطعموا الجدات السدس)) أو الإجماع فجعل الجد كالأب
وابن الابن كالابن (ويستحق الإرث) ولو لمصحف، به يفتى. وقيل لا يورث، إنما
هو للقارىء من ولديه. صيرفية. بأحد ثلاثة (برحم ونكاح) صحيح. فلا توارث
الاختيار فإنه تابع شيخ الإسلام في القول بالمشاركة، ثم ذكر أن نصيب الموصى له يقدم
على قسمة التركة، فقد جمع بين المشاركة والتقديم، فاغتنم هذا التحقيق الذي هو بالقبول
حقيق، والله تعالى وليّ التوفيق. قوله: (في الآية) أي قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي
بها أو دين﴾ [النساء: ١١]. قوله: (لكونها مظنة التفريط) لأنها مأخوذة بلا عوض فتشق
على الورثة، ولا تطيب نفوسهم بها، بخلاف الدين أو لكونها برّاً وطاعة، والدين مذموم
غالباً ولذا استعاذ منه عليه الصلاة والسلام، أو لأن حكمها كان مجهولاً عند المخاطبين،
بخلاف الدين. وتمامه في سكب الأنهر عن الزمخشري. قوله: (بل خامساً) باعتبار البداءة
قبل التجهيز بعين تعلق بها حق الغير، لكن تقدم أنها ليست من التركة، والمراد بيان
الحقوق المتعلقة بالتركة فهي حينئذ أربعة. قوله: (يقسم الباقي) لم يقل يقدم كما قال في
سابقه لأنه آخر الحقوق فلم يبق ما يقدم عليه. قوله: (أي الدین ثبت إرثهم بالكتاب) أي
القرآن، وهم الأبوان والزوجان والبنون والبنات والإخوة والأخوات. قوله: (أو السنة)
أو هنا وفيما بعده مانعة الخلو فتصدق باجتماع الثلاثة، والمراد بالسنة ما روي عن النبي
، سواء كان فعلاً كبنت الابن والأخوات لأبوين، أو لأب مع البنت الصلبية والجدة
أم الأم، أو قولًا كما مثل الشارح. أفاده في سكب الأنهر. قوله: (أو الإجماع) أي اتفاق
رأي المجتهدين من أمة محمد عليه في عصر ما على حكم شرعي. وقيل المراد به هنا: قول
مجتهد واحد، من إطلاق اسم الكل على الجزء كإطلاق القرآن على كل آية منه، ليشمل من
اختلف في وراثته كذوي الأرحام، وفيه نظر لأنه يخرج عنه ما اتفق عليه رأي المجتهدين،
ولأن من اختلف في وراثته دليله عند القائل به الكتاب أو السنة فلا حاجة إلى التأويل.
قوله: (فجعل الجد كالأب الخ) وكجعل الجدة كالأم وبنت الابن كالبنت الصلبية والأخ
لأب كالشقيق والأخت لأب كالشقيقة. سكب الأنهر. قوله: (ويستحق) بالبناء
للمجهول أو للمعلوم، وضميره للوارث المفهوم من المقام. قوله: (بأحد ثلاثة) يعني أن
كل واحد منها علة للاستحقاق بمعنى أنه لا يلزم اجتماع الثلاثة أو بعضها فلا ينافي
حصول الاستحقاق باثنين منها كزوجة هي بنت عم أو معتقة فيرث منها الزوج النصف
بالزوجية والباقي بالتعصيب أو الولاء، فافهم. قوله: (ونكاح صحيح) ولو بلا وطء ولا
خلوة إجماعاً. در منتقى. قوله: (فلا توارث بفاسد) هو ما فقد شرطاً من شروط الصحة

٤٩٨
كتاب الفرائض
بفاسد ولا باطل إجماعاً (وولاء) والمستحقون للتركة عشرة أصناف مرتبة كما أفاده
بقوله (فيبدأ بذوي الفروض) أي السهام المقدرة وهم اثنا عشر من النسب: ثلاثة
من الرجال، وسبعة من النساء، واثنان من التسبب وهما الزوجان (ثم بالعصبات)
كشهود، ولا باطل كنكاح المتعة والمؤقت وإن جهلت المدة أو طالت في الأصح كما مر في
محله. قوله: (وولاء) أي بنوعيه: عتاق، وموالاة. قوله: (والمستحقون للتركة عشرة
أصناف) جمعها العلامة محمد بن الشحنة على هذا الترتيب في منظومته الفرضية التي شرحها
شيخ مشايخنا الفقيه إبراهيم السائحاني، فقال: [الرجز]
يُعْطَى ذَوُو الفُرُوضِ ثُمَّ العَصَبَهُ ثُمَّ الَّذِي جَادَ بِعِثْقِ الرَّقَبَةْ
ثُمَّ ذَوُو الأَرْحَامِ بَعْدَ الرَّدِّ
ثُمَّ الَّذِي يَعْصِبُهُ كَالجَدٌ
ثُمَّ مُحَمَّلٌ وَرَامُوَالِ ثُمَّ مُزَادٌ ثُمَّ بَيْتُ المَالِ
وأراد بالمحمل من أقرّ له بنسب محمل على الغير، وبالمزاد الموصى له بما زاد على
الثلث. أقول: وحيث ذكر عصبة المعتق فالمناسب ذكر عصبة الموالي: أي مولى الموالاة
أيضاً، فإنهم يرثون بعده أيضاً كما يأتي، فالأصناف أحد عشر.
تنبيه: قيد بالتركة لأن الإرث يجري في الأعيان المالية، أما الحقوق فمنها ما يورث
كحق حبس المبيع وحبس الرهن. ومنها ما لا يورث كحق الشفعة وخيار الشرط وحد
القذف والنكاح: أي حق التزويج، كما لو مات الشقيق عن ابن وثم أخ لأب فالحق
للأخ لا للابن والولايات والعواري والودائع، كما لو مات المستعير لا يكون وارثه
مستعيراً، وكذا المودع، وكذا الرجوع عن الهبة، وكذا الولاء كأن يكون للمعتق ابنان
فمات أحدهما بعده عن ابن فالولاء للابن الباقي، فلو مات هذا عن ابنين فالولاء بينهما
وبين ابن الابن الأول أثلاثاً كأنهم ورثوا من جدهم لا من آبائهم وأجمعوا على أن خيار
القبول لا يورث، وكذا الإجارة، وكذا الإجازة في بيع الفضولي، وكذا الأجل.
واختلفوا في خيار العيب: فقيل يورث واقتصر عليه في الدرر، وادعى شارح
الطحاوي الإجماع عليه، وقيل يثبت للوارث ابتداء، وكذا الخلاف في القصاص. وأما
خيار الرؤية فالصحيح أنه يورث. وأما خيار التعيين كما لو اشترى عبدين على أنه بالخيار
في أحدهما فاتفقوا على أنه يثبت للوارث ابتداء، وكذا خيار الوصف ينتقل إلى الوارث
إجماعاً كما في الفتح، ويؤخذ منه أن خيار التغرير يورث لأنه يشبه فوات الوصف، وإليه
مال العلامة المقدسي، ومال صاحب التنوير إلى خلافه، لكنه مال في منظومته الفقهية إلى
الأول اهـ ملخصاً من الأشباه وشرحها لشيخنا العلامة البعلي. قوله: (أي السهام المقدرة)
هي النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. سراج. قوله: (ثلاثة من الرجال)
هم الأب والجد والأخ لأم ح. قوله: (وسبعة من النساء) هن البنت وبنت الابن

٤٩٩
كتاب الفرائض
أل للجنس فيستوي فيه الواحد والجمع وجمعه للازدواج (النسبية) لأنها أقوى (ثم
بالمعتق) ولو أنثى وهو العصبة السببية
والأخت الشقيقة والأخت لأب والأخت لأم والأم والجدة ح. قوله: (فيستوي فيه
الواحد والجمع) لما تقرر أن ((ال)) تبطل معنی الجمعية بحیث یتناول كل واحد کالفرد حتى
لو قال والله لا أتزوج النساء يحنث بتزوج واحدة، وإذا قال نساء لا يحنث إلا بثلاث.
يعقوب. قوله: (وجمعه للازدواج) جواب سؤال تقديره: أنه كان الأخصر التعبير بالعصبة
مفرداً كما عبر في قسيمه وهو العصبة السببية والجنسية فيه أظهر.
والجواب: أنه جمعه لفظاً وإن لم یکن معنى الجمع مراد التزاوج بينه وبين قوله بذوي
الفروض حيث ذكره بلفظ الجمع، أو يقال جمعه لتعدد أنواعه من عصبة بنفسه وبغيره
ومع غيره كما يأتي بيانه، وقد يقال: إن الداعي إلى إبطال معنى الجمعية أنه لا يشترط في
تقديمه على المعتق تعدد، بل يقدم ولو واحداً، بخلاف أصحاب الفروض فإنه ليس فيهم
من يتقدم وحده على العصبة، بمعنى أنه لا يرث معه العصبة، إذ ليس في أصحاب
الفروض من يحرز كل المال وحده بالفرضية، وإن كان يتقدم عليه بمعنى آخر وهو أنه لا
يعطي للعصبة إلا ما أبقاه له صاحب الفرض، فتأمل. قوله: (لأنها أقوى) علة للتقديم
المستفاد من ثم ومن متعلق الجار. قال السيد: فإن العصوبة النسبية أقوى من السببية،
يرشدك إلى ذلك أن أصحاب الفروض النسبية يرد عليهم دون أصحاب الفروض السببية:
أعني الزوجين. قوله: (ثم بالمعتق) الأولى قول السراجية: مولى العتاقة ليشمل الاختيارية
بأن عتق عليه بلفظ إعتاق أو فرعه من تدبير أو غيره، أو بشراء ذي رحم محرم منه،
والاضطرارية بأن ورث ذا رحم محرم منه فعتق عليه، والمراد جنس مولى العتاقة، فيشمل
المتعدد والمنفرد كما يشمل الذكر والأنثى المعتق بواسطة كمعتق المعتق على ما يأتي قريباً
وكمعتق الأب، ويشمل أيضاً كما قال ابن كمال: المعروف والمقر له، ويقدم المعروف على
المقر له، ويشترط في صحته أن لا يكون للمقر مولى عتاقة معروفة، وأن لا يكون مكذباً
شرعاً اهـ.
تنبيه: مهم شرط ثبوت الولاء أن لا تكون الأم حرة الأصل بمعنى عدم الرق فيها
ولا في أصلها، فإن كانت فلا ولاء على ولدها وإن كان الأب معتقاً كما في البدائع. فإذا
تزوّج العتيق حرة الأصل فلا ولاء على أولاده تغليباً للحرية كما في سكب الأنهر عن
الدرر وغيرها. وتمامه فيه، وفيما قدمناه في كتاب الولاء فاحفظه فإنه مزلة الإقدام. قوله:
(وهو العصبة السببية) خاص بالمعتق دون عصبته، وليس كذلك بل العصبة السببية
مجموعهما كما في شرح السراجية للعلامة ابن الحنبلي، وعليه كلام الشارح الآتي في فصل
العصبات، وما أوهمه كلام السيد من خلاف ذلك أجاب عنه يعقوب، فكان على الشارح

٥٠٠
-
كتاب الفرائض
(ثم عصبته الذكور) لأنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن (ثم الرد) على ذوي
الفروض النسبية بقدر حقوقهم
أن يقول بعد قوله ((ثم عصبته الذكور)) وهما العصب السببية بضمير التثنية. قوله: (ثم
عصبته الذكور) أي العصبة بنفسه، فيكون من الذكور قطعاً، وكونه عصبة بنفسه لمولى
العتاقة لا ينافي كونه عصبة سببية للميت كما قال ابن الحنبلي، فلو ترك العتيق ابن سيده
وبنته فالإرث للابن فقط، ولو ترك بنت سيده وأخته فلا حق لهما فيه. قوله: (لأنه الخ)
علة للتقييد بالذكور الذي قال السيد أنه لا بد منه، ولكن هذا مبني على أن المراد بالمعتق
ما يشمل القريب والبعيد كالمعتق ومعتق المعتق، وهكذا ذكراً أو أنثى. أما إذا أريد به ما
هو المتبادر منه وهو المعتق القريب فلا حاجة إلى التقييد به، ويكون المراد بعصبته العصبة
السببية من الذكور والإناث كمعتق المعتق ومعتقة المعتق والعصبة النسبية أيضاً. لكن لا بد
في الثاني من كونه عصبة بالنفس، فيكون من الذكور قطعاً كما مر دون العصبة بالغير أو
مع الغير للحديث المذكور.
تنبيه اقتصاره على المعتق وعصبته يفيد أنه لو كان لعصبة المعتق عصبة فلا میراث له،
بيانه: امرأة أعتقت عبداً ثم ماتت عن زوج وابن منه، ثم مات العتيق فالميراث لابنها لأنه
عصبتها، فلو مات الابن قبل العتيق فلا ميراث لزوجها لأنه عصبة عصبتها؛ وأما إذا أعتق
رجل عبداً ثم العبد أعتق آخر ثم الآخر أعتق آخر ومات العتيق الثالث وترك عصبة المعتق
الأول فإنه يرثه وإن كان في صورة عصبة عصبة المعتق، لكن لا لذلك، بل لأن العتيق
الأول جرّ ولاء هذا الميت فيرثه عصبة العتيق الأول لقيامه مقام المعتق الأول للحديث اهـ
ملخصاً من الذخيرة في باب الولاء. وقدمناه هناك، وسيأتي تمام كلام على الحديث. قوله:
(ثم الرد) أي عند عدم من تقدم ذكره من العصبات يرد الباقي من أصحاب الفروض على
ذوي الفروض النسبية، واحترز به عن ذوي الفروض السببية كالزوجين، لأن سبب الرد
هو القرابة الباقية بعد أخذ الفرض، وقرابة الزوجية حكمية لا تبقى بعد أخذ الفرض فلا
رد لانتفاء سببه. أفاده يعقوب. لكن سيأتي عن الأشباه، وتقدم في الولاء أنه يرد عليهما
في زماننا. ويأتي تمامه إن شاء الله تعالى. قوله: (بقدر حقوقهم) أي قدراً نسبياً لا عددياً،
لأن ما يعطى من الرد قد يكون أقل مما يعطى من الفرض، كما في أختين لأبوين وأخت
لأم، ومساوياً كما في أختين لأم وأم وأكثر، كما في أخت لأم وجدة، وطريق النسبة أن
من له النصف فرضاً له بقدر سهام النصف من الرد، ومن له الثلث كذلك، فكذلك مثلاً
إذا ترك أختاً شقيقةٍ، وأما فالمسألة من ستة نصفها وهو ثلاثة للشقيقة، وثلثها وهو اثنان
للأم، وجملة السهام خمسة بقي واحد يرد عليهما بنسب سهامهما، وقد كان للشقيق ثلاثة
أخماس الوحد وللأم اثنان فلها خمسا الواحد، وترجع مسألة الرد إلى خمسة كما يأتي بيانه في